الخميس، 24 سبتمبر 2020

قال رجلٌ للأعمش: !أراك تُكثر الشك فقال: تلك محاماة عن اليقين
استيقظت ذات يوم لتجد أن الرجل الذي اشتكت حتى لحجارة الحي منه ، كان هو الرجل المناسب لها ! في يومٍ غريب ، لايشبه سابقيه ، سنستيقظ جميعنا على حقيقة أن الأحلام ربما كانت أطيافاً بثيابٍ فضفاضة ، قياسها أوسع من جسد الواقع ، وأن ألوان احتياجاتنا لا تتناسب ووجه الحلم الوردي ، وأن الجهد المبذول في تفاصيل يومنا أقوى من استيعاب حلمنا ، وأن اللغة التي نهمس بها في أذن الحلم كل خلوة ، لغة لايعترف بها قدرنا !
في إحدى قنوات معلمي الرياضيات التيليقرامية، بعث أحد مشرفي القناة تسجيلاً مصوّرًا يذكر فيه أنه وجد حلاً للمشاكل التي تعترض مستخدمي الآي باد، من إنهاءٍ للاجتماع، وتنزيلٍ لجداول Excel للحضور والغياب. فعلّقت: ممتاز، تبقت أهم مشكلة، وهي تضمين الصوت للفيديو المُشارك عبر الشاشة. - من إعدادات الجهاز، اتبعي نفس خطوات الفيديو. مباشرةً اشتغلت على إعدادات الجهاز، ثم نظّمت اجتماعًا على Teams عبر بوابة المنصة، ودخلت.... و هشششششش.... هراء في هراء... لم يتغير شيء. عدت للقناة بعد أن التقطت صورةً للشاشة، أرسلتها معلّقة: للأسف ياأستاذ لم تنجح الطريقة. - ادخلي عبر المتصفح وليس التطبيق. - اي، هذا اللي سويته. - بعد الضغط على أيقونة الدرس الافتراضي، تأكدي من اختيار الدخول عبر المتصفح وليس التطبيق. - أستاذ، هذي الخيارات الثلاث تظهر فقط على اللاب توب وليس الآي باد... - طيب خلاص!!! ماأن أرسل عبارته الأخيرة، حتى استشعرتُ أذنيّ حمار تهتزان فوق رأسي، فبعثتُ باضطراب: حِلمك أستاذ.. ليش الزعل! ورأساً أمسكت بالجهاز أراجع خطواتي، باحثة عن الخطأ الذي اقترفت. لكن... مامن خطأ. لقد اتبعت طريقته بدقة، تمامًا كما ذكر. عدت للقناة، فوجدته قد أرسل: مافي زعل، أنا طلبت خطوات محددة حتى نوصل لحل"لو كنت أستخدم آيباد كنت طلّعت حلها" !!!!!!! في تلك اللحظة، دخل مشرفٌ آخر عليّ الخاص قائلاً: - رح أدلك على الخطوات، بس إنت" اهدأي"!!! ومع أني كنت هادئة جدًا وأرد بتهذيب، لكن سايرته فقلت: شكرًا لحضرتك، تفضل. - خليكي معي خطوة بخطوة... وخطوة بخطوة كنت معه، وأصوّر وأسجّل فيديو وأرسِل. فلما رأى بأم عينه أنه لم يحدث تغيير، كتب : - ايش رايك تحذفي Teams وتعيدي تنصيبه. ممكن؟ - ايه عادي... ليش لأ. وبالفعل حذفت البرنامج، وأعدت التنصيب، ثم وضعت الإيميل الوزاري وسجلت مجددًا، وأعدت طريقة الفيديو المُرسل حذو القذة بالقذة..و.. ما.. من.. تغـ... يـ.. يـ.. يـ.. يـ.. يـ.. رر. وكـلّه بالصور!! - طب اسمعي، أنا الآن ححذف Teams من عندي، وأوريك وين الخلل!!!! وفيما الثواني تمر، اختفت أذنيّ الحمار من فوق رأسي، وحلّ بدلاً عنها أنياب النمر ومخالب النسر... وفجأة، قفزت الفريسة أمام عينيّ: - أعتذر... معك حق، مانفعت الطريقة"أنا ماأستخدم الآي باد في الشرح، عشان كذا ما أعرف له زين"!!!!! الآن، أين المشكلة؟! المشكلة في كون الأول أرسل لاحقًا يؤكد تغيّر شريط الأدوات في Teams" الآي فون" وهو الذي سجّل الفيديو على الآي باد. فيما الثاني بعث بعد ست ساعات تسجيلاً لعرضه درس التبرير الاستنتاجي وهو يشرح على آي باد!!!! وإذن... تظهر هنا وبكل جلاء عقلية الرجل السعودي، الذي لايرى المرأة إلا من خلال كونها فِراش لاغير. يستوي في ذلك من بلغ أرقى درجات العلم وحاز أرفع برستيج، بمحدود العلم متواضع القدرات والعقل... من سافر وارتحل واطلّع على صنوف الحضارات وألوان الثقافات، بالمنغلق المحصور بين عمله ورِفقة الاستراحات... جميعهم لم يغادروا ذلك الكهف الذي لايستشعرون فيه رجولتهم إلا من خلال تقزيم عقلية المرأة وتحطيم قدراتها؛ أرواحهم تنذرهم بخطرٍ عظيم يهدد وجودهم إن لم يفعلوا. لايمكن لامرأة أن تخطّئهم وهم الذين لم ولن يلحقوا بغبار الفاروق العظيم! هذه العقليات لايمكن لامرأة حرة، واعية لأبعاد وجودها، مقدّرة لذاتها وقدراتها؛ أن تقبل الاقتران بها أو مرافقتها، بل وحتى التواصل معها عبر أبسط أرضيات التعايش. قولبة المرأة في خانة"الجسد المُشتهى" لاغير، أمر مهين لم يحدث في العصور المتأخرة، التي خاضت فيها المرأة المعارك، وطبّـبت وعلّمت وأفتت، واستشيرت وأشارت. إنها انتكاسة حقيقية ورجعية حديثة ترفضها النفس الأبيّة التي تحترم وجودها وإنسانيتها، بل وحتى دينها.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2020

وإنما العمر سلّم أمانٍ ممدودٌ إلى سقف السماء أو قيعان الأرض! هكذا تمضي أيامه؛ نحو مايصبو ولا يدرك. وسط ضبابٍ غاصـت في أعماقه منحنيات الحياة. يطول طريقه ونُـصب عينيه أمانٍ قديمة حاديها لحنٌ غويّ. حتى إذا ما انقشع الضباب كانت مفارقة النهاية؛ بين معراجٍ ممتدٍ نحو الفضاء، أو هاويةٍ لم يُحسب لها حسبان! هكذا وجدتني؛ بإحساسٍ ضاربٍ في القدم. كأنما كان منذ البدء؛ عاش بعمر الأرض، ومرّت عليه كل أساطير الإنس وخرافات الجن! بقلبٍ موصولٍ بحبلٍ أزليّ، اتسع ليحوي كل شيء عداي! وكأنما استنفد طاقته في تجميع الصور التي تلاحقت عليه، حتى إذا ما بحثتُ عني فيه، وجدتني معنىً تقاذفته الأرواح وأكـف الطريق! وجدتني في خيط النداء الذي لا يتعب، في آهة المشتاق الكافر بالمحال.. في ثنايا النور الهارب نحو زنزانة معتَقَل، في نحيب الانتظار ومشيب الرجاء، في همس الليل.. يُكذّب ثرثرة الشمس. في تعثّر الوعـود وسراب اللقاء. في طرف إيماءة وتغضّن جبين! في صوت الحنين الذي لا يهرم... في قبضة الظل النهِم. هكذا كنت معي يا قلبي... في داخلي بعيدًا عنيّ؛ أسمى من رغائبي حين تدنو، وأدنى من طموحي حين يعلو! عالقًا بين شهقتين... بين نظرتين... بين نبضتين، بين جذور أسلافك وإغواء حاضرك! محجوزًا في صدى صوتٍ لم ينبعث، متكئًا على كتف نهاية. مستظلاً بوهم! قابعًا في حيّز فراغ، راكضًا في وقتٍ ضائع. ممسكًا بأهداب فوت، هائمًا في قفار أسئلة! تلتهب حد التسامي، وتستكين حد التجمّد. حدّ أنّي أتحسسك لأتأكد من وجودك، وإذ بك تثور وتضطرب! مسافرًا على غيمةٍ غريبة ستظل يا قلبي؛ تهبط بك لتركل جمود الصخر، برود النهر، وتعنّت البشر. وتعلو بك، فتنكر نبضك، ثم تستفهم ذاكرتك: من أنا ومتى كنـت؟! حتى إذا ما راودك الحب عن نفسك فررتَ كالممسوس نحو سفوح الجبال، وسقف الفضاء، وفوق نداء الحياة!

الأحد، 20 سبتمبر 2020

..

في انتظار الأشياء التي لم تُقال في انتظار الوعود التي لم تتم... في انتظار الدفء الذي لم يُوهَب... التحايا التي لم تُرسل... الهمهمات التي لم تُفصح... البوح الذي اغتِيل ذات توثّب... مازلت أنتظر . على وعدٍ بتحريك ماسكنَ في حنجرتي من كلام. ماغاص عميقًا في كهوف الروح وأزقة القلب، ماانعقد بين لساني وعيون الآخرين. على وجع انتظار، في غرفٍة باردة، سأجمع كل الكلام الذي ألقيتُه على قارعة الطريق ذات تيه. أنظم في الخيط اليتيم آخر الدهشات. أزين الطاولة والمقعد الثاني لأول مرة. امنحوني رئةً يتيمةً، شرفةً تعيدني للوراء... لموعدٍ أخلفتُه دون تأنيب ضمير، لحضنٍ زهدتُ فيه ذات جهالة، لقبلةٍ أجلّتها حتى بردت أوصالها، لليلةٍ مقمرةٍ لم أتقاسم حلاوتها مع نديم، لحبٍ عجزت عن فك رموزه وآثرت الرحيل! كيف فاتني أن أملأ ثقوب أيامي بالأزاهير الخالدة! كيف فاتني أن أنصب في باحتي خيامًا لاتقتلعها الرياح الباردة! كيف فاتني زرع بعضي في ثنايا الذاكرة! لماذا لم أعضّ قلبي الجبان، وألوّح به للذئاب العاوية... لماذا لم أسرق جفون يقظتها قبل أن تسرقني السنون القاسية؟! أدرتُ وجهي نحو الأفق فيما عبر ورائي طيفك المخاتل كما العادة. مجددًا تخدعني الأقدار ، وتدس في كفي القطني الندم للمرة المائة.

السبت، 12 سبتمبر 2020

قبل أسبوع وقعت عيناي على منشور لإحدى صديقات الصفحة تذكر فيه خبر خطوبتها إلى أحد الشباب. وحيث الفضول قادني كنت في صفحته، وإذ بها تعج بروابط الألعاب والأغاني الأجنبية، وصور اللاعبين والأندية، والنكات السامجة وما إلى ذلك من التفاهات والسخافات الدالة على ضحالة فكر صاحب الصفحة وتدنيّ همته. بحيث أنك لا تحتاج عظيم استبصار كي تخمّن أنه بعد سنة أو بضع سنوات ستملأ هذه الفتاة صفحات الأثير شتمًا في الرجال، ومدى تسلطهم، وانعدام مروءتهم ووفائهم، وعدم تحملهم للمسئولية، ثم تلتحق بتجمعات المعتوهات( النسويات) لتليّك وتشيّر وتؤيد، وتنتقد القوامة والدين والولاية، وتشارك في لطميات ظلم المرأة، وغمط حقوق المرأة، والديانات التي أساءت للمرأة... وليلة غبرة ليس لها من نهاية، متناسية أن ذات الدين الذي أقر الولاية والقوامة، منحها ابتداءً حرية الاختيار، بعد أن وهبها صاحب الدين عقلاً تميّز به وتستشير! وإن قلتم: الخيارات محدودة، والسنوات عدو المرأة، والعفاف مطلبٌ مهم. قلنا: ولا أحلى من هذا الكلام، وكل كلام واقعي على العين والرأس. وإذن أين الخلل؟! الخلل في التوقعات التي لا تطابق البضاعة المعروضة. الخلل في عدم مواجهتكِ لذاتك بحقيقة وضعكِ،وبالتالي البناء حسب مقتضاه و إمكانيات الخيار المتاح. وهنا تحضرني قصة قريبة لي، بلغت الرابعة والثلاثين من العمر ولمّا تتزوج. وحين تقدم لخطبتها رجلٌ متزوج بامرأتين، يكبرها بأعوام، متواضع الهيئة، قبلت الزواج به معللّة بأنها تريد الحصول على طفل قبل فوات الأوان. وبالفعل أنجبت طفلين، ثم سمعنا بانفصالها عن الرجل. وأقسم بالله، رغم لقاءاتي العديدة بها، لم أسمع منها أو عنها ذِكراً لذلك الرجل لا بِـشر ولا بخير. لقد وضعت نصب عينيها غاية محددة؛ الإنجاب. فلما لم تحصل معها على العشرة الطيبة قنعت ورضت. ذلك أنها من البداية كانت تدرك ضعف مؤهلاتها، ومدى إمكانيات الرجل الذي ارتبطت به، فلم تبن قصورًا من رمال، ولم تحلم بفارس على حمار. في حين عبقريات هاليومين، من الاسترونج اندبندنت وومان، تقبل بحيّ الله طارق مرّ بها، ضعيف عقل، فقير طموح، متواضع العلم والدين، لربما اتصل ليله بنهاره وهو يقابل "ألعابه" ومباريات فريقه، ثم تريد منه أن يكون رفيق البراء بن مالك وهو يُلقى إلى حديقة الموت، أو شبيه أبي عبيد قاتل الفيل!!! لأ ياماما... ركزي. خفة العقل والعجلة لا تكون في أمور مصيرية مثل الزواج وتكوين الأسرة. فكري جيدًا. وازني بين مؤهلاتك وخياراتك. إن ألجأتك ظروفك للتنازل عن بعض الشروط، فكوني واقعية، وامح معها الخيالات التي لا تلائمها. احنا مو ناقصينك أنت وأشباهك، الدنيا حروب ومجاعات، وعالم تغيّب في المعتقلات، وتطبيع وخيانات... مو بعد ماتروح السكرة تخرجين علينا لتملأي سماءنا عويلاً ولطما. يخرب بيت أم كذا تفكير.

الجمعة، 11 سبتمبر 2020

تضج صفحات اليمنيين منذ الأمس بجريمة مروّعة راح ضحيتها فتىً في التاسعة عشر من عمره. كان قد أنكر على العصابة التي يعمل لديهم في محل بيع وإصلاح الجوالات، مايفعلونه بهواتف النساء من حوادث ابتزاز واغتصاب وغيره، ويبدو أن القضية متشعبة وذات أبعاد واسعة وجرائم مختلفة. لاأنصح أحد بمشاهدة الفيديو الذي تورطت بمشاهدته لأنه سيقتل في داخلك شيئًا إن لم تكن أشياء. صورهم وهم متحلقون حوله، ينهالون عليه ضربًا وركلاً وصفعًا، محشورًا في زاوية غرفة ضيقة بشعة، يبدو أنهم مارسوا فيها من قبل صنوف الفسق وألوان الشنائع، ثم سحبهم له بعد أن قطعوا شرايينه ليبدو موته وكأنه عملية انتحار. ومن قبل صورته وهو يحتضن وسادًة يشدها إلى صدره، وكأني به يهمس باكيًا: أريد أمي... أريد العودة لبيتنا... كيف علقت هنا؟! صورهم الخمسة وهم يتناولون الطعام لاستعادة نشاطهم و إكمال تعذيبه، فيما هو متكوّرٌ على نفسه في ركنه الضعيف. صورة له وهو مجرٌد من بنطاله فاقد لوعيه، وأثرُ الكدمات والدماء بادية على جسمه، بينما جلس أحدهم قبالته يعبث في جواله، وربما كان حينها يكتب منشورًا ضاحكًا أو دعاءً. من المتوقع أن هذه الجريمة الصادمة ستحدِث هزة عنيفة في النفوس، تقودها إلى الكفر بكل شيء. ولقد علّقت لحظة ألم في صفحة أحد الأصدقاء، بأنني كفرت بالعروبة التي دافعتُ عنها ذات اعتزاز! عمومًا، الخطاب المتوقع بعد هذه الجريمة وأشباهها، أن العلة هي في ابتعاد الناس عن دينهم، متناسين أن كفار قريش الذين هدد الإسلام وجودهم لم يبلغوا هذا القاع من الدناءة والوحشية في التعامل مع أتباعهم الذين تمردوا عليهم، والأمر ليس متعلّقًا بحضور القيم الأخلاقية كمكوّن رئيس في المجتمع، بل بما حافظ على هذا المكوّن قوياً حيّا؛ ألا وهو الاستقرار السياسي، وما اقترن به من ازدهارٍ اقتصادي. نعم، الحضارة الغربية الآن تغرق في وحل السقوط الأخلاقي، وجرائم الشذو. ذ واغتصاب الأطفال والمتاجرة بالبشر، لأنها انفلتت من عصمة الدين الذي يحفظ على المرء اتزانه الروحي، والأهم؛ من الصلة بالخالق المدبر الأعلم بما يَصلح لهم ويُصلح حالهم. لكن نحن مازلنا مسلمين، نحن أصحاب دين وهويّة ومشروع، في أقل تقدير ١٠٪ مِـنّـا هم كذلك. وتاريخ الأمم والحضارات يؤكد أن ازدهارها كان بفعل نسبة أقل من هذه. وإذن لابد من التوقف عن القفز فوق المربعات، لابد من التوقف عن بعثرة المراحل ولخبطتها. القصة ليست قصة بُـعد عن دين، وملحدين، ونسويات، وشاذ..ين وشاذ.ات. مبتدأ القصة القمع السياسي والقهر السياسي الذي يضع نصب عينيه الوصول لهذه الفوضى، وإفراغ الناس من كل القيم والمباديء لإحكام قبضته. الملحدين والزنادقة والفساق تواجدوا في العصور الإسلامية المتقدمة ولم يضرّوها شيئا، لأن اليد العليا كانت للسلطة السياسية المتبنية للإسلام في صورته النقية. حين كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها لم يتهيب ابن عباس ومعاوية من استفتاء كعب الأحبار عن القراءة الصحيحة لـ(حمئة)، لم تخش الطبقات المتقدمة من اعتماد الإسرائيليات كمصدرٍ للتفسير كما يفعل المعاصرون، ولا لوم عليهم؛ ذلك أن الضعيف المهزوم يحسب كل صيحةٍ عليه، وكل صرير باب غاصبٌ ينشده. المربع الأول الواجب البدء به هو امتلاك القرار السياسي، هذا الامتلاك هو نفخ الروح لنكون. ومتى ما كُنـّا انطلقنا. وأيّ تهميش لهذا المربع، هو حكم بالمتاهة الأبدية.
احشميني يا مقابيل الايام... عن علومٍ ما تعزّ ولا تشرّف. حين يتساقط حول خصرها الرِمم والزناة، ارفعنا ياالله عن معترك أقدامهم. هبنا صمودًا يقيم صلب أرواحنا؛ نكسر به أقلامنا إن راودتنا عن ذواتنا، نحرق به مراكب عودتنا إن لم يكن ثمّ خلاصٌ إلا جناتهم. حين تحيط بنا أمواج البحر اللجيّ، ارزقنا الطمأنينة لاختيار قيعانه عوض أيديهم الملطخة بدماء إخوتنا. ثبّت أفئدتنا بسكينة التخليّ؛ عن الترف، والخبز، والمقعد الوثير، وأُنْس الواهنين المتهاونين. حين تحاصرنا جيوشهم وخناجر مرتزقتهم، افتح لنا في الجدار كوّةً نقتفي عبرها خطى جدنا الغفاري؛ شعثًا منتصبي القامة، غُبرًا متخففين، حفاةً مستغنين. صدى أصواتهم خلفنا يستعطف الشرائد الناهبة، فيما ألسنتنا تلهج قانعة: خلي يديّ فلستُ من أسراكِ... أنا ياحياة علوت فوق علاكِ.
ياتعويذة المقاتلين في الليالي الصعاب؛ مرّي بحقولنا ذات يومٍ ثقيل... نحن الجبناء، المعقودة أرواحنا بنواصي الرغبات... نموت هلعًا من وقع الخطى البعيدة! نحن الهزيلون المتخمون بالشهوات؛ نحتاج ثقبًا تندلق منه أحشاؤنا الواهنة.. ثقبًا ترتفع عبره أبصارنا نحو السماوات. نبتت على ظهورنا أشجار الخزي حين طال انكفاؤنا... وعبست في وجوهنا الأرض تلعن إطراقنا. ياأسلافنا ..هلاّ بعثتم رياح العزة تطرق أبوابنا، توقظ منامنا! يارياح الإباء، يوم كان صهيل الخيل نذير الثورات... اقتلعي من قبور الأشاوس قلبًا، وزعي فتاته على هذي الخيالات... لربما بث الأموات في أشباه الرجال الحياة.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

كان لإحدى بنات عمي زوجٌ ضعيف العقل محدود التفكير؛ كلما أصابت الحمى أحد أبنائه طالبها بغسل أجسادهم بالماء البارد، فإن استعصت الحرارة على الهبوط، أوصى بالتحاميل! عبثًا حاولت إفهامه أن الحمى إنما تنجم عن التهابٍ ما، وأن الماء والتحاميل يخففان أثرها لكنهما لا يُـنهيانها، كونهما لا يقضيان على مسببها. بيد أنه لم يستوعب! استعدتُ قصتهما حين مررت توًا بصفحٍة كانت مخصصة لمحاربة النسوية، وقضايا الحجاب والحياء، وحقوق الزوجية والمهلبية، وسائر الخطب والمواعظ الدرويشية إياها، ثم تحولت بقدرة قادر لمحاربة الإلحاد والتصدي له، تمامًا كما يخصص أصحاب بعض الحسابات صفحاتهم لمثل هذي المعارك الاستنزافية، متناسين-إن أحسنا الظن- جهلاً وحمقا، أن الناس ألحدت بسبب القهر السياسي، فسدت أخلاقها بسبب القهر السياسي، نست دينها وربها بسبب الجوع الذي خلّفه القهر السياسي؛ عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لايخرج على الناس شاهرًا سيفه! تحت سطوة القمع السياسي، اغتصِبت حقوق الناس، وعقولهم، وأرواحهم، حتى في بيوت الله التي يلجأون إليها للأنس بالله، والتخفف من ضغوط الحياة. وكل من يرشد الناس للاغتسال بالماء البارد لتخفيف نار الحمى التي أذهلتهم عن دينهم وأخلاقهم ومبادئهم، هو مبعوث المغتصبين شريكٌ لهم، مهما تزيّا بلبوس القديسين المصلحين. لاينبغي لذي لبٍ الانخداع بمعسول كلامهم وفصاحة بيانهم. سلطة الاستبداد لايمكن أن تغض الطرف عن مصلٍح حقيقي. هؤلاء ليسوا إلا باعة مخدرات ومذِرّي رمادٍ في الأعين؛ صرفًا للأذهان عن سبب الخراب الحقيقي! نعم، الوضع اليوم بلغ من السوء منتهاه بالنسبة للدعاة والمصلحين، حدّ أن أحدهم لو نبس ببنت شفة لـغُيّـب من حينه في ظلمات السجون أو تدلت عنقه على حبل المشانق. هذا معلومٌ ومُقدّر ومُستوعب. بيد أنه لايقتضي تزييف الحقائق، وصرف الأذهان عن علة الذل والبؤس الذي نكابده في هذي الخرائب. والكمادات الباردة التي يمكننا القبول بها حتى حين، هي علمٌ نافع نُـدل عليه، نهجٌ أكاديمي يغوص بنا في التاريخ الوضّاء؛ تصبّـرًا وتمثّلاً واسترشادًا، جمعيات أهلية خيرية نساهم فيها أو ننتفع منها ولو بعلبة لبن زبادي. نعم... لبن زبادي يُلقِـمه جائعٌ جوفه، أنفع ألف مرة من هذي الحروب الاستنزافية التي تقودونا إليها بإرشادات أسيادكم لتفريغ شحنات غضبنا. كلا... نزدرد اللبن على جوفٍ ملتهبٍ بشحنات الغضب، خيرٌ من متابعة إلهاءاتكم المدوزنة على نغمة" بص العصفورة". لقد كان ماجن الخمرة أجرأ منكم حين صدح مطالِبًا: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر! دافع عن عقيدة السكر التي اعتنقها، واضعًا نهجًا لايقبل المداهنة ولا المواربة ولا الإلهاء: اشرب فُديت علانيه... أُمّ التستـّر زانية! ليت شعري، كيف قضيتم ليلتكم في أسرّة الطغاة، ثم خرجتم علينا بزينة التستر والإلهاء!! . . آه...كدت أنسى. بالنسبة لابنة العم، فقد انفصلت عن زوجها بعد عشرين سنة حافلة بالآفات، حيث فقدت إحدى البنات حاسة السمع جراء التهاب أذنٍ لم يُعالج في حينه. بينما أصيب الابن الأصغر بالحول نتيجة حمى شديدة أصر الأحمق على مداواتها بالكمادات والتحاميل! وعوافي.