الأحد، 30 أغسطس 2020

..

أنا الليلة أقرأ بقلبٍ مكلوم، و لذا فإني أصدف عن المعنى و أتوه. إن العين التي تعشيها الدموع لا ترى الصور كما هي على طبيعتها، إنها ترى نصف حزنها فيما ترى! موجوعٌ أنا حد الضياع، حد اليأس الذي أيقن به شمشون نهايته، حد تساوي الأضداد و استواء صفوف الخيبات؛ ركعت تصلي صلاتها الأخيرة! موجوع و أقسى مافي وجعي أنّي لا أعرف له علةً مؤكّدة، و لا أميّز له وجه سبب. أقرأ فلا أعي، و أكتب فلا أحسِن، و أسمع و لا أفقه! ازدرد الثواني ويطول اغترابي، وكأن جوفي بئر غربان عميقة، بعمق بحثي عن الإجابة! عبثًا أمد يديّ وإذ كل مافوقي ظلمات يعلوها فراغ... فظلمات... ففراغ. مدىً متسع فاقدٌ للذاكرة، التهم حدوده و نسي لعق أصابعه، حتى إذا ماانبعثت الرائحة القديمة تحرّكت أشجانه و أصغى؛ تأوّه و حنّ، ثم همس يسأل: إلى ماذا أحِن؟ إلى أيّ شئ أحن؟ وحين تزوّد بكسرة أمل، توهّم القوة ومضى، لكنه كالعادة كان يصل متأخرًا. متأخرًا بخطوة، بجرأة، بهمستين، بألف فرحةٍ وجناحين! في كل مرة كان لا يلمس من الدفء إلا الرماد، و لا يصله من الصوت إلا تعاريج الصدى، و لا يجد من الماء إلا رائحة الطين المبتلّة؛ تتخلل مساماته و تثير حنينه القديم، ليعاود السؤال من جديد: إلى ماذا أحن ؟  إلى أيّ شئٍ أحن ؟! آآه.. يالهذا الغموض القاتم، لو أنّه ينجلي برهةً من زمنٍ مسروق لأدرك سر الحنين، لأهتدي لمصدره، لم يعد يعنيني الحصول على ما أحِن إليه قدر أن أعرفه، أن أستبين ملامحه، أن أوقن بحقيقة وجوده، أن أومئ لأطياف الزوايا أنّي لست واهما! أيها الحنين المسافر في دمي، يا رفيقي قبل ميلاد الرغبة واستواء الحاجة، يا ظمأي الأبديّ قبل لثغة الحروف و تمرّد القلم، يا هاجسي الذي لم يتمثّل لي كائنًا سويّا، يا حلمًا لم يضمّه مدى، و سرابًا لم تمسكه يدا، و غايةً لم تبلغ خط النهاية. قد طالت الرحلة و أنهكني الظما، و غدا قلبي هشيمًا يبسا.

الخميس، 13 أغسطس 2020

أي خطاب أو فكرة لاتنسجم مع الواقع لايمكن أن تصمد طويلاً. مايطرحه المتحدث أدناه على أنها مسلّمة لا شية فيها، وحقيقة لا مجال لدحضها، هي في أصلها تزييفٌ للواقع، وتخديرٌ للعقول، واستدراجٌ للناس نحو مأزقٍ وجودي، لن يعود على أرواحهم إلا بالتعاسة. السعادة لم تكن يومًا منجزًا فرديا، على العكس السعادة فعل تشاركيّ تكتمل دورته مع العطاء والتفاعل. نحن نغتبط بمشاركة الطعام مع الأهل والأحبة، لا حين نتناوله وحيدون مهما بلغ ذلك الطعام من اللذة والروعة، نحن نحتفل بالأعياد استئناسًا بأهلها وصخبهم، ولمعة الفرح في أعينهم، لا لذات العيد، ولا بكوننا قادرين في عزلتنا على جعله عيدًا. بل حتى وجبات البهجة التي نتناولها في وحدتنا، كاستماعٍ لمعزوفةٍ، أو قراءة رواية، أو مشاهدة عملٍ فني، نتوق لاحقًا لمشاركتها مع رفيقٍ نأنس إليه؛ وكأن اكتمال لذتنا لن يتحقق إلا بتلك المشاركة. نعم، الإنسان قادر بقوة الإيمان على زرع الرضا والقناعة في ذاته، قادر بعون الله، ثم بالعزيمة الصلبة على التفوق والإنجاز وتخطي الصعاب؛ المرأة و الرجل سواءً بسواء. قادر إلى حدٍ كبير على منح نفسه الثقة اللازمة لإبقائه واقفًا على قدميه، وأقول إلى حدٍ كبير، لأنه حتى الثقة جزء منها يستمده المرء من أعينِ مَنْ حوله، مهما كابر وادعى خلاف ذلك. ولو كانت السعادة منجزًا فرديًا بحتًا لما وعِد الإنسان في الجنة -التي بها من النعيم ما لاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر- بالأزواج والأهل والذريات، بل إن إحدى العقوبات الموحِشة التي توعد الله بها العصاة، هي تبدّل قلوب أحبتهم وندمائهم ( الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). فكون العداوة باتت نوعًا من العقاب، دليلٌ على أن التصافي والاستئناس نعمةٌ واستحقاق ثواب. ثم تأمل الإعجاز في اختيار لفظ "متقابلين" في وصفه تعالى لأهل الجنة( على سررٍ متقابلين)؛ لاينظر بعضهم إلى قفا بعض. فأنّى لوحيدٍ في دار الفناء إيجاد السعادة!! مهما حصد الإنسان من المنجزات العلمية والمادية، ومهما تحلّق حوله من أصدقاء ومعارف وأحبة، فإن روحه لن تجد السعادة الحقيقية- بعد لذة الطاعة- إلا مع توأمٍ لروحه يأنس بوجوده وتكوينه، حد أنه يجد في صمته مايغنيه عن أحاديث البشر جميعا. توقفوا عن خداع النساء. نعم، تستطيع المرأة أن تحقق النجاح، تستطيع إن امتلكت العلم والمال أن تستغني بالله ثم بهذين السلاحين، وتتخطى بهما الصعاب. لكن أن تبلغ ثمرة السعادة وحدها، دون رفيقٍ يشاركها لذة هذي الثمرة، فهذا دجلٌ ومحض أوهام.

الأحد، 9 أغسطس 2020

لقد حافظنا على صمتٍ أقرب ما يكون إلى الغباء! كان هذا إعلان العصيان الذي أصدرته مجموعة الدفاع عن مدينة لاباث عام١٨٠٩م ! هو خيطٌ رفيع ونقطةٌ فاصلة. شعرٌة وضع بها معاوية حجر أساس الدبلوماسية، فيما صاغ ابن المقفع من خلالها حكمته: إنك إن خلطت بالجد هزلاً هجنته، وإن خلطت بالهزل جداً كدرته! هي شعرة التردد التي راودت ابن رواحة عن نفسه، فقطعها بسيفه ومقاله: أقسمت يانفس لتنزلنه... مالي أراك تكرهين الجنة! منطقة الفراغ بين اللاء والنعم. التعثر بين الإقدام والإحجام. البقعة الحائرة بين الضباب والصحو. ؛ المثقلة بألف ظنٍ وخيال، تتنازعها أكف الخوف والرجاء! وأنت الواقف مابين البين، تنظر للمصائد ولاتجزم بوجودها. تموت في حنجرتك كل يومٍ ألوف الكلمات. تزدرد الغصص، وترسل تحت لحاف الليل الصرخات. أنت القابع في مدينة الثلج، تتأمل الشوارع واللافتات؛ كل عنوان.. شتيمةٌ واتهام، وفي كل زقاق عينٌ تغمزك، ولسانٌ ممدودٌ يسخر منك. تتابع أخبار الذين غادروا مناطق الصمت ثم تقضم مؤخرة الوقت، يحاصرك استنزال ابن رواحة: أقسمت لتنزلنه... لتنزلنه... لتنزلنه...، يزلزلك صهيل الخيول وقرع الطبول ونشنشة الدروع، تمزقك الأوصال المقطعة، وتخنق صوتك رائحة الدماء، فينعقد اللسان على آآهٍ حائرة! أنت الهارب إلى أطراف المنافي، لن تتذكرك إلا شمس القطب. تلعنك الحدود والمواقف الفصل، يمقتك البياض والسواد. لايؤنس ضياعك إلا دفء الرماد ويقين الأشباح! . .

السبت، 1 أغسطس 2020

أغدًا ألقاك!

وصلتني رسالة من أخٍ سوداني يشكرني فيها على قبول طلب الصداقة، مع ثناءٍ لما راقه واستحسنه، خاتمًا رسالته بالقول: شكرًا لأجل ماتكتبين من درر، وأعجب للكيبورد ألاّ يرقص طرباً لجميل العبارات! "أعجب للكيبورد ألاّ يرقص طرباً لجميل العبارات"!! لماذا يصبح مذاق بعض الكلمات لذيذًا حين يجمعها رباط سطرٍ واحد، ولماذا السودانيون كثيرًا ماامتلكوا هذا الطوق الآسر؛ الذي يهب أبسط الكلمات رنينًا سحريًا لا يـُماثَـل! مرّ هذا التساؤل ببالي وأنا أتذكر تغاريد روضة الحاج، ثم قصيدة ذاك العاشق الذي أهدى الكون أروع اللوحات"أغداً ألقاك"! ذاك الذي أرّقه الغدُ الموعود المرتقب، الغد المتراقص على حائط الأمنيات؛ صورًا تومض دهشًة بالجمال المتخيل، ثم خوفًا من خيبٍة صادمة. الغد الهائم دون ختمِ مرورٍ أو تأكيد لقاء؛ المتأرجح بين حيرة الزمان وحرج المكان؛ ذاك المتوجّد.. لايمكن أن يكون عاشقًا عادياً! تخيلته على سطح منزله في تلك الليلة الموعودة، يُلقي في فم الكون سؤاله الـ أضناه: أغداً ألقاك؟ .. ياخوف فؤادي من غدي.. يالشوقي واحتراقي في انتظار الموعد. انتظارٌ وتشوّف، يضيق بالمجرةِ لتستحيل نونًا في عين محبوبته... آآه، كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا.. كنت أستدنيه.. لكن.. هبته لما أهابا! أيّ اضطرابٍ وأيّ حيرة.. حين تغدو كالكرة؛ تقذفها اليد إلى اليد، بين رجاءٍ وإشفاق، بين إقدامٍ وإحجام، بين رغبةٍ ورهبة! واقفًا إلى نافذته مرسلاً عبر ممر الحنين عيونه، حيث أطياف الغد تتماوج دون ثبات، حيث خفقات القلب تراهن بعضها أيهن أعجل بصاحبها! هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا ؛ مهجًة حرّة وقلباً.. مسّه الشوق فذابا.. فذابا.... فذابا... إي والله ياابن آدم! ثم كيف استدل اللحن على الشعور حين عزف الـ آآه: آآه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني؛ كم أناديك وفي لحني حنينٌ ودعااااء! هل سمعتم رجاءًا مثيراً للوعةِ كهذا الرجاء! سؤالاً تائهاً في المدارات الفسيحة، يتلوّى صدى حيرته فتنثني الكواكب عليه عطفا، حتى إذا ماأعياها حمله أعادته إلى صدر صاحبه، ليعلن في استسلام: يارجائي أنا.. كم عذبني طول الرجاااء ! لواعج محرِقة، لقلبٍ اغترف الحب من معينه البكر ، فاستحالت جوارحه أغصان عشقٍ لاتكف عن التمدد، ثم إذا ما حالت دونه ودون أنفاسه، وأدرك أنه لا محالةَ هالك، أقرّ بما ليس عنه مفر: أنا لولا أنت.. أنت لم أحفل بمن راح وجاء.. أنا أحيا في غدي الآن بأحلام اللقاء؛ فأت... أو لا تأت... أو فافعل بقلبي ماتشاء. 2-11-2014