الأحد، 26 يوليو 2020


يقول ابن سينا في كتابه" السياسة": وإذا لم تُوهب الهيبة الزوج، فقد هان عليها، وإذا هان عليها لم تسمع لإمرته، ولم تصغ لنهيه، ثم لم تقنع بذلك حتى تقهره على طاعتها، فتعود آمِرة ويعود مأمورًا، وتصير ناهية ويصير منهيًا؛ وذلك الانتكاس والانقلاب! والويل حينئذٍ للرجل؛ فماذا سيجلب عليه تمردها وطغيانها، ويجني عليه قصور رأيها. المرأة كلما كانت أعظم شأنًا وأفخم أمرًا كان ذلك أدلّ على نبل زوجها وشرفه، وعلى جلالته وعظم خطره. انتهى.
وأتصور لو أن ابن سينا بيننا اليوم، لأدرك آسِفًا أن هيبة الرجل انتزِعت عبر خطةٍ مدروسةٍ ممنهجة تكاد لا تجد للمرأة دورًا فيها. المرأة غالبًا اقتصر دورها على الإفادة اللاحقة من الهيبة المنتزَعة. وهي في ذلك على حالين؛ امرأة متضررة فِعلًا وواقعًا من ظُلمِ ذَكرٍ مارس تسلطًا مشوّهًا لم يراعَىَ فيه لا دينًا ولا إنسانيةً ولا حتى مروءة، وامرأة تافهة العقل، سطحية الثقافة، ضيقة الطموح، صفّقـت لانتزاع الهيبة رغبةً في تفلّتٍ ممجوج، وحريةٍ سائبةٍ بهيمية.
أما انتزاع هيبة الرجل، فقد تكفلت به السلطة الحاكمة- تحديدًا في الوطن العربي-على أكمل وجه،مدعومًة بإيقاع الحياة الحالية ونمطها المادي. الرجل العربي اليوم يتعرض لشتى أنواع الامتهان والإذلال، بدءًا من سحقه تحت عجلة البطالة والعوز، مرورًا برحلة إذهاله عن كل شيء عدا السعي وراء اللقمة، ثم إجهاده بالكدح المضني الشاق مقابل مايسكِت صوت بطنه وجوع عياله، يفعل ذلك وهو يتعرض لـ تعنيف رجل الأمن، وملاحقة شرطي المرور، وتأنيب المدير المسؤول، وتهديدات قوانين الحكومة التي تُـضَخ ليلاً ونهارًا عبر شاشة التلفاز، ورسائل الجوال، وإشعارات الأثير: إياك وإياك... ثم إياك. ترهيبٌ ممنهج يحيل الرجل يوما إثر يوم إلى مجرد أرنب،فإن لم يتأرنب كان السجن عرين هلاكه. لاحقًا، إن طلب هذا البائس فسحًة من ترويحٍ وتنفيس، فمحالٌ أن تمنحه الدولة مايستعيد به الرجولة المهدرة، من رمايةٍ و فروسيةٍ وسباحة... لا يا نن عين الحكومة، أنت ستلعب. نعم، ستلعب ال فورت نايت وببجي، و ون بييس، و ستظل مُسمّرًا أمام شاشتك، قابعًا على أريكتك، حتى يتدلى لحمك المُنعّم حول خاصرتك. عمومًا أنت لست حديث عهدٍ باللعب، لقد كنت تلاحق الكرة في المدرسة، من خلال مادة التربية البدنية التي اقتصر منهجها على هذه الرياضة وحدها دون سواها. منهٌج دراسي مختارٌ بعناية؛ لن تحصل من خلاله على أي قدواتٍ أو رموز؛ لن يربطك بتاريخك، ولن يعمّق هويتك، ولن يعرّفك بدينك. ستحرص وزارة تعليمك أن يظل أبطالك رسوم الإنمي وشواذ هوليوود.
أنت الآن جاهز؛ ذكرٌ مخصيّ الرجولة، منزوع الهيبة، يتأهب لدخول(قفص) الزوجية!
السيناريوهات الآن متعددة؛ فإما زوجٌة صفيقٌة سليطة، دنيئة الرغبات، فقيرة الوعي، وهذه ستجيّر المهابة المنزوعة لصالحها منذ أولى لحظات حفل الزفاف، حين تراقص العريس الأراجوز يدًا بيد مع (رقاصة) شبه عارية، لسان حالها: في ليلة الدخلة ادبحيله القطة. طبيعة الاختلال الحاصل، المستند إلى قاعدة" إذا جرّدت المرأة زوجها من هيبته، لن يجدها في أعين أبنائه"* سيُنـتج أطفالاً ممسوخين ذكورًا وإناثا، لن يأخذوا في يد الحكومة(غلوة).
السيناريو الثاني، لامرأة تامة الحياء محدودة الذكاء، فهي وزوجها نموذجان جيدان ل(المواطن) الصالح. لكن، قد يحدث ويسلك الذكر المطحون، مسارًا عدوانيًا ضد زوجته البسيطة الوادعة في لحظات يأسه التي ينشد فيها رجولته المُستلبة، وربما لجأ إلى حيل عدوانية عنيفة أخرى للتعويض وتفريغ الكبت.
نموذجٌ أخير متبقي ذاك المحاكي لحال ابن تيمية: مايفعل بي أعدائي، جنتي في صدري وبستاني! في عزمٍ يرددون: مايفعل بي أعدائي، دولتي في صدري وقراري. هؤلاء الواعون مبكرًا لما يراد بهم، سيكون لهم منهجهم الخاص الموازي والمخالف لمنهج الدولة؛ تعليمًا وترفيهًا وترهيبا، ليس استنادًا بالضرورة إلى"لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد في الاتجاه"، قد يفعل ذلك فيما يخص التعليم والترفيه، بينما يلجأ لحيلة القوة الناعمة في مواجهة الترهيب الممنهج، فهو في نهاية المطاف لايريد أن يتأرنب. هذا النموذج هو من عناه ابن سينا في سطره الأخير. وقليلٌ ماهم.... وقليلٌ ماهم.


*القاعدة من كيسي، وكيسي برأس ألف حكومةٍ مما يعدون.

الاثنين، 20 يوليو 2020


من المرويّ عن خلعاء بغداد، قول أحدهم:
عجبتُ من إبليس في كِبره... وقُبحِ ماأظهرَ من نيّـته
تاه على آدم في سجدةٍ... وصار قوّادًا لذريته.
وفي ذات المعنى يقول خليعٌ آخر:
يأبى السجود له من فرط نخوته... وقد تحوّل في مِسلاخ قوّادٍ !
وإن من المفارقات الساخرة تحسس الدور الحيّوي والهام لمثل هذه الخلاعة الطريفة، والتي تأتي موافِقة للحكمة العتيقة: ذلّ من لا سفيه له. ومع الأسف-أو دونه لافرق- فقد أكدت الأحداث والأيام الضرورة الملِحّة، بل والدور الإيجابي للسفهاء، حد اعتبارهم من العدة اللازم توفيرها واعتمادها ضمن الحرب النفسية المؤثرة في هزيمة العدو، وتثبيط عزائمه، وإنهاك قِواه.
وقد ابتلِي قريبٌ لنا بابنٍ بذيء اللسان، ضيّق الجنان، فاحش القول سريع البطش. فسألته ذات يوم: ماأثقلَ حِملك! أيّ ذنبٍ أذنبتْ حتى يكون لك مثل هذا الوبش. فأجاب: اسمعي ياهند. قد صبّرتُ نفسي بما تأملتْ؛ أوَ ليسَ لكل دار بيتُ خلاء،تُصرف عبرها فضلات أهله؟! وإذن، فإن ابني هذا هو.... بيت الخلاء؟ (سألتُـه مقاطِعة)... فأكملَ مغمض العينين: إنه ابني ومِني، أدعو عليه ولا أريد من السامعين تأمينا،لكن.. لنعتبره شفّاط بيت الخلاء (:

الأحد، 19 يوليو 2020


كان حكيم بني فزارة قد قال يومًا: " إذا أردت أن تبقى شيخاً للقبيلة للأبد، فعليك أن تفسِد فتيان ونساء القبيلة "!
إنه مبدأ السياسة القذر؛ الإزاحة.
الساسة لايعرفون تصالح وتسامح، واستيعاب... لا، نهجهم الدائم الإقصاء مهما تظاهروا بحيل الاستيعاب والديمقراطية الزائفة! وأنعم طرق الإقصاء؛ إفساد الأخلاق.

سبحان الله! العرب لم يتركوا شأنًا من شؤون الحياة إلا وردوه وتكلموا فيه. وإذا استثنينا التطور الطبيعي للعلوم الطبيعية والتطبيقية، فكل مايتشدق به الغرب ويمطّونه تشعيبًا وتفلسفًا، ويبهرجونه بالمصطلحات والتركيبات، إنما سبقهم العرب إليه ولو بإيراده في شطر بيت.

السبت، 18 يوليو 2020


في تلك الفترة التي تداول فيها الكثير تجربة الضفدع الذي وضِع في إناء ماءٍ يغلي على النار، ثم لم يقفز حين اشتدت الحرارة، بل عمد إلى موازنة درجة حرارة جسمه مع حرارة الوسط المحيط به، حتى استنزِفت طاقته ولم يقو على القفز في الوقت المناسب فمات؛ أرسلت لي صديقتي ذات الرسالة مُذيّلة بـ: أنا أيضًا لم أقفز في الوقت المناسب!
فكتبت أجيبها:
ماالمُرسَل إليه بأفضل حالٍ من المرسِل.
كذلك أنا؛ لم أقفز في الوقت المناسب. وحين أبحث عن الأسباب، يلوح أمام ناظري العديد منها، لكني أميل إلى الاعتقاد أن الغرور أهمها! هذا صحيح..لطالما وثقت في قدراتي، وحسن تدبيري، وذكائي. لطالما تصورت أنني سأصل إلى ماأخطط له، وأن الحظ العاثر الذي تلقّـف غيري لن يستطيع الإمساك بي. كنت أسير باطمئنان إلى أن أشواك الطريق وعثراته؛ ستـتـنـحـى جانباً إيماناً بي، وتقديراً لمصيري الذي كان يشع أمامي بتوهجٍ أخّاذ. توهجٍ أغواني، فأعماني عن تلك المصيدة التي لم أحسب لها حساب!
نعم، لم أقفز في الوقت المناسب. لم أكن أرى أبعد من أرنبة أنفي، ذاك الذي كنت مزهوةً به. كان يروقني شموخه، وكنت أظن أن الشموخ وحده كافٍ لعبور بوابات هذا العالم. كنت مأخوذةً بقصص السندريلات وأساطير النبلاء الذين يأتون في الوقت المناسب، وفاتني أن الفوت ثعلبٌ مخادع، وجبته المفضلة: الوقت المناسب!
نعم، لم أقفز في الوقت المناسب. وهاأنذا أتعلق بأهداب الغيم الهارب، بهراء الوعود الجائعة، بهمزة الرجاء وأطراف ثياب الأمس؛ أتوسل ظلالاً هزيلة اتكأت تستمطر عبرات القناديل، وخبزاً مبللاً بنداء. أمضي  وأركل خيبتي، فيرتد صدى الرصيف: ماذنبي أنا؟   أيها البلداء الخائبون تعلموا الحساب جيدًا!!
تسقط نجمة.. فأشم رائحة قلبي المحترق !

الجمعة، 17 يوليو 2020


عليكم بصحبتي وجِـواري، عضوا عليها بالنواجذ.
تشبثوا بها، ليس لأجل درهمٍ أو دينار، ولا لمعسول كلامٍ ودَلال، ولا كون صحبتي تورّث ملكاً أو كيلو فدان، ولا أقول لكم عندي خزائن من ياقوتٍ ومرجان، أو سبائك ذهبٍ وألماسٍ أطنان، ولا أعدكم بحسن معشرٍ وحلو ابتسام. أبداً... ليس شيئاً مما سبق وكان، كل مافي جعبتي، وباعتزازٍ أملكه؛ وفاء أبي محسدٍ حين قال:
خلِقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا.. لفارقت شيبي موجع القلب باكيا !
فـوالله لو رأيتم مايحمله قلبي من عظيم وفاء، وعلمتم ماتكابده روحي من لواعج الحنين، مابارحتْ مطاياكم أعتابي أبدا، ولبذلتم في سبيل مودتي الثمين والأنفسا، ولضربتم أكباد الإبل في طلبي ضرباً مبرحا، ولأتيـتموني عن اليمين والشمال، ثم قعدتم لي في كل دربٍ ومشوار ، ثم تمسحتم بأطراف ثيابي، وتشوّفتم لرؤيتي وملاقاتي. وطلبتم رائحتي في الهواء والشطآن، وسححتم على ذكراي الأدمع والماء، ثم لطمتم على فراقي لطما، وشققتم ثيابكم شقاً، وحثثتم في وجهي..أعني على رؤوسكم التراب حثا، ثم ندمتم ولات حين مناص؛ أن لم تلازموني منكبًا منكبا، وتلاصقوني كما لصقة جونسون لصقا مُـغِثّـا!

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من نرجسية المتنرجسين وغطرسة المتفيهقين واغترار الحمقى المُـنفسنين. إنما هي عظة لمل متعظ، وذكرى لمن يرجو العبر وتنبيه لمن أراد ألا يعضّ أيادي الندم .

#باب_ماجاء_في_تقديس_الذات_الهنداوية

الأربعاء، 15 يوليو 2020


من وحي قصص التحرش والاغتصاب.

أثناء كارثة سيول جدة التي حدثت قبل عشرة أعوام تقريبًا، جرت قصة عجيبة روتها السيدة"نورة" قريبة زوج خالي. والأحداث حصلت في بيتها صبيحة الكارثة الموافق للسابع من شهر الحج، حين قدمت لزيارتها جارتها مع ابنتيها الصغيرتين لتلعبا مع بنات نورة الثلاث. لا أحد يعلم على وجه الدقة كم من الوقت مر قبل أن يجتاح السيل الحي، ويجرف السيارات بمن فيها ويُغرق البيوت بساكنيها، لكن ماتذكره السيدة نورة أنه حين داهم السيل بيتها أخذت هي وجارتها تضعان قِطع الكنب قطعة فوق الأخرى لترتقي عليها الفتيات الخمس، حتى إذا شارف الماء سقف الغرفة وابتلع الفتيات الأربع الصغيرات، تعلّقت السيدة نورة بالمروحة الكهربائية الكائنة في السقف، في الوقت الذي أشارت فيه إلى ابنتها الكبرى أن تتمسك بعارضة الستارة مؤكدة عليها أن تخفف من ثقلها بوضع قدمها في السياج الحديدي للنافذة. تكمل السيدة نورة: حدث كل ذلك وجارتي ليس على لسانها سوى" استريني عن زوجك وعيالك يانورة...استريني عن زوجك وعيالك يانورة". تنظر إلى الماء يسحب ابنتيها وتتوسل" استريني عن زوجك وعيالك يانورة"... غابت في أحضان السيل الجارف فيما ظلت آخر كلماتها عالقة في سقف بيتي وأعماق قلبي"استريني عن زوجك وعيالك يانورة".

مثل هذا الأمر لايمكن أن تفهمه تلك التي سخرت من السيدة السورية التي خرجت من تحت الأنقاض بكامل حجابها، مشيرة بيديها أنها بخير، مشفقة من أن تمتد إليها يد لامِس وإن كانت يد عون. نعم.. كثرةُ المِساس تميت الإحساس. اللحم يموت حين يموت القلب، وموات القلب بموت الحياء. ذلك أن الحياء مأخوذٌ أصله من الحياة. وكما أن الماء مادة حياة الجسم، فإن الحياء مادة حياة القلب.
هذا ما وعاه الأعرابي الذي أوصى ابنه حين اشتكى رَفع عروسه الكلفةَ بينها وبين الرجال حد أنها لاترد يد لامس؛ أن أنزِلها بقوم فلان فإن نساؤهن عفيفات. وكما الإيمان قرين الحياء يزيد وينقص، فكذلك الحياء يضيع ويُكتسب. يضيع بالاستغراق في الشهوات، بكثرة المساس، بالتفريط في عزة النفس ومروءتها. ويُكتسب بصون الروح عن مواطن الشبهات، ومراتع الاختلاط المودي للمزالق؛ تلك التي اختصرها المولى بوصف"خطوات الشيطان"... وهي كذلك؛ خطوة إثر خطوة، ولمسة بعد لمسة، وقطعة يُستغنى عنها ثم قطعة، حتى يلفظ الحياء آخر أنفاسه. فلا تسل بعدها عن وقارٍ وحشمة، ولا عن خُلقٍ وأمانة، بل ولا تسل حتى عن حياة"إِنَّ الله إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدَاً نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ لَمْ تَلْقَه إِلاَّ مُقِيتاً مَمْقِتاً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ مُقِيتاً مُمْقِتاً نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ لَمْ تَلْقَه إِلاّ خَائِناً مُخَوَّناً، فإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ خَائِناً مُخَوَّناً نُزِعْت مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَه إِلاَّ رَجِيماً مَلْعُوناً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ رَجِيماً مُلْعَناً نُزِعَتْ مِنْهُ رَبْقَةُ الإِسْلاَمِ".

الجمعة، 10 يوليو 2020


يذكر الأستاذ روم لاندو في كتابه(الإسلام والعرب) امتناع عمر بن الخطاب عن الصلاة في كنيسة القيامة، قدس أقداس العالم المسيحي كما وصفها؛ خوفًا من أن يطالِب المسلمون بها بعد ذلك بوصفها مكانًا صلى فيه عمر. ويقارن بين ماقبل وما بعد الفتح العربي الإسلامي فيقول: وعلى نقيض الامبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحية على جميع رعاياها فرضا، اعترف العرب بالأقليات الدينية وقبلوا بوجودها. كان النصارى واليهود والزرادشتيون يُعرفون عندهم بأهل الذمة، أو الشعوب المتمتعة بالحماية، ولقد ضمنت حرية العبادة لهم عن طريق الجزية. وهي ضريبة على الرؤوس مالبثت أن أمست ضريبًة تدفَع بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانت هذه الضريبة-مضافًا إليها الخراج، أو ضريبة الأراضي- أقل في مجموعهما من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي.
كانت كل فرقة من الفرق الدينية تعامَل كملة أو كطائفة نصف مستقلة استقلالاً ذاتيًا ضمن الدولة، وكل ملة تخضع لرئيسها الديني الذي كان بدوره مسئولاً عن مسلكها أمام الحكومة العربية.
في موضعٍ آخر يورد لاندو مقارنة بين مافعله الصليبيون لاحقًا حين دخلوا بيت المقدس: وفي عام ١٠٩٩ م بعد حصارٍ للمدينة دام شهرين، اقتحم النصارى بيت المقدس بمثل ابتهاج المنتصرين المتعصبين المتوقد، وأعملوا السيف في رقاب المسلمين من غير تمييز؛ رجالاً ونساء وأطفالا، سواء أكانوا في بيوتهم أم في المساجد. وواصل النصارى وهم يبكون فرحًا مجزرتهم حتى أخليت المدينة من جميع سكانها المسلمين واليهود. ومثل هذا الإفناء البشري باسم المسيح كان لابد له أن يذهل الناس. وقد عجزت القرون المتتابعة عن محو هذه الوصمة*
انتهى كلامه.

ثم يتشدق مسلمو الحداثة اليوم بالتاريخ الوحشي العنصري للمسلمين، تقليدًا وحمقا، أو عمالًة وخبثا. ولو أنهم- الصنف الأول، الثاني مفروغ من أمره-أعملوا النظر والتأمل، ثم استمعوا إلى رأي الآخر المنصِف لعرفوا أن حال البشرية لم ولن ولا يستقيم إلا بهذا النهج القويم؛ لو أن له رجال.
زي مااتفقنا: ابصقوا عليهم أنّى ثقفتموهم.

الأربعاء، 8 يوليو 2020


يورد القرآن الكريم صورًا لاحتجاج المجرمين بالحصة الزمنية القصيرة الممنوحة لهم، كمبرٍر لانحرافهم وضلالهم(إذ يقول أمثلهم طريقًة إن لبثتم إلا يوما).. (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة)... (كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فاسأل العادين)، وهو احتجاجٌ له وجاهته لو كان صحيحًا في العموم(أوَ لم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير)، وقد يكون التدارك هنا لمن تخطّفهم الموت مبكرًا، ولكون الزمن الأرضي لايُعد شيئاً قياسًا للزمن السماوي(قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون)...فمن علم أحسن التدبير.
وإذن، فالمولى لم ينكر عليهم احتجاجهم بقصر الوقت من حيث المبدأ، وكيف ذلك وهو المقسم بعظمته -أي الوقت- في قوله(والعصر إن الإنسان لفي خسر)، إنما كان الإنكار والتقريع في كذبهم بما احتجوا به؛ (أوَ لم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر). وهنا ملمحٌ هام يؤكد على مدى خطورة الاستهانة بالوقت المبسوط أمام الإنسان، وضرورة استغلاله على أفضل صورة. لكنه يشير أيضًا من طرفٍ خفي إلى أن هذا التوفيق في استثمار الوقت مرتبطٌ بماهية النفس، من حيث عزمها وخيرها، لومِها لذاتها وبحثها، كدحها وتحريها؛ بالتالي مدى تعلقها بالله وقربها منه. والناس تدلل على لوازم المحبة بقولها: الرِجْل تِدبْ مطرح ماتحب! أنت لن تداوم إلا على زيارة من أحببت. وفي سبيل ذلك سيهون عليك كل صعب، وستتحدى من أجله كل خطر، وتذلل في سبيل الوصول إليه كل عائق. وإذن، المسألة في حقيقتها مسألة رغبة؛ (فعلم مافي قلوبهم) لو أردت.. لطرقت الباب. وماهي تلك الطرقات؟! ليست إلا رفعُ أكـٍف وقليلُ تمتمة. ولو أنك فعلت لوجدت الله عندك ومعك( إذا تقرب العبد إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)...
كل ماسبق، كافٍ لدحض حجة المتحججين بقصر العمر، وتسرب أجزائه. وكفيلٌ بتجسيد مشهد الندم الموعود به كل مفرّط، وحقيقٌ بتدريب النفس على الجدية، ونبذ مايُخوّرها ويقتلها.
هذا في كل حال، ومع حال اليوم أشد وأقوى.

الاثنين، 6 يوليو 2020


مبدأ الشافعي في الحب، والذي لخصه في قوله:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة... ولكن عين السخط تبدي المساوئا.
أو المساويا في بعض الروايات، المهم... في اعتقادي أن هذا المعيار لايُعتد به للحكم على علاقة بكونها حبًا أو لا. مسألة التغاضي عن عيوب المحبوب ومحاولة رفضها وإنكارها، هي في حقيقة الأمر حب للذات لا للآخر، من حيث كون مُـنكِر العيوب يرنو لشريكٍ مثالي (ع الفرازة)، ويرى في نفسه استحقاقًا لمثل هذي الغنيمة وعزوفًا عن ماهو أدنى منها.
ومن خـبُر خلاصة الحب وذؤابته علم يقينًا أن العاشق الحق مغرمٌ بصاحبه مع عيوبه.
والأمر ابتداءً عائدٌ لكون العشق الأصيل لا يبلغه إلا صاحب همةٍ عالية، وروحٍ نبيلةٍ راقية، وقلبٍ كريمٍ شجاع. الحب ليس للجبناء ولا للضعفاء ولا للحمقى. هؤلاء إن يظنون إلا ظنا. يتوهمون الحب، فيغطون أعينهم عامدين عن عيوب الآخر، لأنهم أضعف من أن يتقبلوه كما هو، أجبن من أن يواجهوا العالم بذواتهم المهزوزة، دون شريكٍ يضعونه دونهم ودون الناس.
أما من يحتج بالحديث النبوي(حبك الشيء يعمي ويصم)، فأعتقد مرًة أخرى أن مفردة "الشيء" قد تنقض هذا الاحتجاج، كونها توحي لكل شيء عدا الروح. وربما هي خاصة بشهوات النفس التي تطلب اللذات المادية والحسية قصيرة الأجل سطحية المعنى، تلك التي تلقِي صاحبها الأعمى الأصم في غياهب جب الإدمان المُذِل، وهو عكس ما يفعله العشق البهيّ المشرق، الذي يرقق الروح، ويمدد الضياء في جنبات صاحبه، فيسمو وإن عانى، ويبذل وإن حرِم، ويعطي وإن مُـنِع.

حين تحب، ستأتي بِـكلّك لِـكلّ الآخر، تتحس عيوبه في ذات اللحظة التي تلمس روعة تكوينه. تشهق للذة حسنه ثم تبتسم لنقائصه، بل قد تشتمه سرًا وجهرا؛ تلعن مساوئه ثم لاتلبث تركض لاحتضانه؛ إذابة كيانك في كيانه، اتحادًا مُرغمًا لا مشروطاً ولا مُقيّدا. تنتبه.. فإذ مذاق سيئاته كما ثمار أطايبه، وإذ بك تعشق المعايب من كونها لوازم المحاسن. تحتفل بلبِـنات هذا الوجود الذي فتنك، ثم لا ترجو عنه بديلاً، ولا تطلب له تبديلا.

السبت، 4 يوليو 2020




استوقفني بالأمس تسجيلٌ مصوّر يتحدث عن ما تسمى أزمة منتصف العمر، المتمثلة في حالة الاكتئاب والإحباط الشديدين، و ما يرافقها من شعور التوتر و الانطواء. و ذكر المتحدث أن علّة نشوء هذه الأزمة هي"فقدان الرسالة". بمعنى أن الإنسان و بعد أن يحقق جُلّ ما تمنى من زواجٍ و إنجابٍ والتحاقٍ بوظيفٍة، و تأمين دخٍل وشراء بيتٍ... و هلم جرا من المعتاد من الأحلام ، يجد نفسه أمام السؤال الصادم: وماذا بعد؟ فيشعر بالخواء و انعدام المعنى، وربما بضآلة وجوده، وتفاهة مشواره الطويل في الحياة.
سرعان ما انتبهت و أنا أتابع التسجيل، إلى أن الإسلام قد أوجد ركيزًة قويةً بمثابةِ الفنار المضيء في بحر الظلمات، تحولُ دون فقدان الإنسان لرسالٍة سامية يستمد منها معنى وجوده؛ (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون). و مراعاةً للفروق الفردية بين الخلق في القدرات العقلية والجسدية والروحية، كانت إماطة الأذى عن الطريق عبادة، والدعاء مخها، والجهاد ذروة سنامها. هكذا.. تنخفض المستويات لتراعي الضعيف الذي لا يقوى إلا على إنكار المنكر بقلبه، ثم ترتفع حتى تبلغ ذروة العنان عند ذاك الصادح بكلمة الحق أمام سلطانٍ جائر!

ينتقل المتحدث بعد ذلك إلى فكرة الطاقة المحرّكة للرسالة، و هي التي أسماها: طاقة النبض الابتكاري! المستنِـدة إلى حقيقة أن الكون في حركة توسعية دائمة. و ضرب مثلاً على ذلك الألعاب الإلكترونية المُـصممة بطريقٍة تبقِـي حماس اللاعب مشتعلاً، عبر تقنية "المراحل المتقدمة" التي تنقل اللاعب من تحدٍ لآخر يفوقه. وبالعودة إلى نهج الإسلام في الرسالة المشتغِل بها كل منتسبٍ إليه، نجد أنه اعتمد هذه التقنية التوسعية منذ البدء؛ تصلي الفرائض الخمس فيرغّبك في السنن الرواتب، ثم يحملك إلى نوافل الضحى والوتر، والتراويح والتهجد. يلزِمك صيام رمضان، ثم يدعوك للأيام البيض، و يومي الإثنين والخميس، وإلحاق رمضان بستٍ من شوال، ثم صيام عرفة و عاشوراء. إن لم تؤدي الحج فلتصم العشر، و لتضحي، و لتذكر الله كثيرًا؛ صبحًا و مساء، عند النوم و بعد الاستيقاظ، قبل الخروج من البيت و قبل الولوج. عند صعود المركبة، و نزول الدار الجديدة، و هبوط الوادي و ارتقاء الجبل....
هكذا.. تنتقل من مستوى لآخر؛ في حركةٍ دؤوبٍ تبقيك على اتصالٍ بالسماء، و تشغِلك عن الركض الأرضي خلف اللذائذ التي سرعان ما تفقد بريقها. تلك التي وصفها العليم الحكيم بـ الفُـرُط= المتروك المُـضيّع. و أوصاك قبلها أن تصبر نفسك مع الذين يذكرونه غداةً وعشيا، لا تتجاوزهم ولا تصرف عيناك عنهم، ثم أوحى للدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمكِ فاستخدميه. و كيف ستخدمك؟ هل بتحقيق أحلامك الأرضية التي ستبلَى ذات يوم، وتفقد أنت نفسك شغفك بها ؟! إن الذي كلّفك بهذه الرسالة هو خالقك الأعلم بك؛ بالإنسان الذي يهرم ويضعف ويمرض، وتتسرب لذة الدهشة من حنايا صدره، العالِم قبل ذلك أن في خلْقِه ضعيف العقل، وصاحب الداء المزمن، والعاهة المستديمة. ولو ارتبط وجود البشر فقط بالرسائل الأرضية، لكان مصير الغالبية المصحات العقلية و مشانق الانتحار.
رسالتك العبادة حتى يأتيك اليقين. اليقين الذي سيزيل عنك غشاء وهم هذه الرحلة الخاطفة.