الثلاثاء، 23 يونيو 2020


غاضبةٌ أنا حد التشظي...

غاضبة من كل شيء ومن لاشيء. من أحبتي قبل أعدائي. مما أعرف ومما لا أعرف. من البياض.. والسواد.. ومابين البين.
من المجهول الذي لايفصِح، والمعلوم الذي لايؤكّد. من شكوكي ويقيني. من ذبذبتي وركوني. من خوفي واطمئناني. من الماضي بات أجمل، ومن الحاضر يسوء أكثر...

غاضبة من التقاة.. لاأستطيع معهم صبرا،
غاضبة من العصاة.. لاأشرب معهم نخبا،
غاضبة ممن وافقني لم يلمح فيّ غيّا،
غاضبة ممن عارضني لم يغض الطرف عنيّ نزرا...
غاضبة من يأسي لم يمنحني ضوءا، غاضبة من أملي لم يُلجم لي حمقا...

غاضبة من الخطى التي بدت واثقة، ومن هذه التي لا تحسن السيرا..
غاضبة من رجائي كيف تمسّح بأعتاب العابثين.. من كبريائي كيف أقصى المخلصين..
من لاءٍ بددت حلمًا، ونعمٍ أزهقت غيما.
من قدرٍ أعمى البصر، وبصرٍ لم يلتقط دربا.

ربما أدرك فرعون هزيمته منذ طرقات سيدنا موسى الأولى لبابه بعد عودته من مدين؛ حقيقة أنه قهِـر، غلِب على أمره ولم يملك منه شيئا. هو الذي قتل في ذلك العام كل غلمان بني إسرائيل، كيف حدث و كُبِـل عن قتل موسى الذي ترعرع في بيته وغُذي من طعامه، وتمشى في أروقة قصره محبوباً منعما. في أعماق روحه رأى فرعون خسارته، انعدام حيلته أمام قدرة الجبار المدبّـر، الذي قيده عن عدوه فيما هو يكبر أمام عينيه وتحت ظله.
كل محاولات التحدي التي حدثت لاحقًا لم تكن إلا هروبًا من الواقع، و تأخيرًا للمصير الذي لابد و حاصل. استمِـع هنا إلى النَـفَس الغاضب في صراخه بعد المناظرة العقلية مع موسى(لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنّـك من المسجونين)؛ وعيدُ حانقٍ يائس استشعر انفلات زمام الأمور من يديه. ثم هو و بعد الدليل المادي الملموس، يُجن جنونه فيقتل من استعان بهم لإبطال آيات عدوه دون أن تمتد يده إلى عدوه!! إنه الرعب... الرعب الذي شلّ قدرته وجمّد تفكيره، فلا هو بالذي يدع موسى يرتحل بقومه، ولا هو بالمقدِم على اجتثاثه و إبادته. وليس إلا التسويف والتأخير وطلب المزيد من البراهين والمعجزات!! تسويف المستكبر، الموقن في قرارة نفسه بكفره و جبروته، تمامًا كما يقين حاشيته التي أرسلت(لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين)؛ ليس مهمًا أن يكونوا على حق، المهم أن يكونوا هم المنتصرين!
لقد استدرجهم المولى إلى البحر، وهو العالم مسبقًا أنهم لن يروا في انفلاقه أكثر من عمل ساحر(إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)، اختلقوها من قبل وهم يدركون أنها فرية؛ لسان حالهم: لن نُـعمِل عقلنا في التفكير والبحث، لسنا مهتمين بحقيقة ما حدث، ولا كيف حدث، ولا مَنْ وراء الحدث. لقد رضعوا والشيطان من ذات ثدي الاستكبار.. لم تكن قلوبٌ تلك التي بين جنباتهم بل حجارةٌ صلد( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)،حتى وإن استنجدتَ بمن لا تريد الإيمان به (آمنْت أَنه لا إِله إِلاّ الذي آمنت به بنو إِسرائيل) سيُـحال بينك وبين رحمته؛ استحقاقًا عادلا، لا إبعادًا ناقما.

بيد أن مسلمو الحداثة والهشك بشك، لهم رأي مخالف فيما يخص مجرمي اليوم وفسقائه؛ إنهم ينقّـبون عن الرحمة التي يلج من خلالها الجمل سمّ الخياط، يمهدون لهم الممر الثالث عشر في بحر موسى، يُـنطقونهم بما ليس في صدورهم، ويُـشهِدون عليهم شركاءهم في الإثم و الفجور. ورغم أن مجرمي اليوم أشد تعنتًا من فرعون الذي استنجد متخبطًا آن الغرغرة، إلا أن المتأسلمين الحبابين اخترعوا لهم ملاكاً يأخذ بأيديهم إلى رحاب الرحمة، بدلاً عن ملكٍ يدس الوحل في أجوافهم المنتنة.

ثم لا تعجب إن طالت سنوات الطحن وأيام التيه وظلمات الشتات... إنه التمحيص والتمايز والاصطفاء.

الاثنين، 15 يونيو 2020


واحد وثلاثون مليون دولار قيمة ساعة يد، ابتاعها أحد أثرياء الخليج!!!

في أقل تقدير، بإمكان هذا المبلغ تمليك ١١٦ أسرة بيتًا خاصًا بها. هذا في حال افترضنا أن قيمة البيت ٢٥٠ ألف دولار، إذ هناك بيوت بنصف هذا المبلغ وأقل. إجمالاً؛ ٣١ مليون دولار يمكنها توفير ما يقارب ١٥٠ منزل. إعفاف ١٥٠ أسرة بمنزلٍ خاص، يزيح عبئًا كبيرًا عنها، لأنه متى ما كُفي الإنسان أجرة البيت، هانت عليه بقية النفقات. حُلم مائة وخمسون أسرة بحياة كريمة.. بحفظ ماء الوجه، بالستر الوادع؛ يبدده سفيه على ساعة تزيّن معصمه القميء، هو الذي لا يعرف للوقت تثمينًا، المُهدرة ساعات أيامه على العبث والخواء. سبحانك ربي... أمور يعجز العقل عن استيعابها!!
مقولة عمر العجيبة لجابر بن عبدالله حين رآه يحمل لحمًا اشتراه: أوَ كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟! أما تخاف الآية" أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا"!! لها دلالات عميقة تصل بك إلى حد الاقتناع بأن الإفراط اللامسؤول في شراء الكماليات، مع علم صاحبها بوجود إخوة له في الدين يتوسلون اللقمة وينشدون العون، من أمثال الفتاة التي ذكرت قصتها سابقًا، والتي تعمل مستخدمة نظافة بدوامين، تذبل زهرة شبابها وهي تنظّف قاذورات الآخرين، محرومة من الزواج، من الحب، من تحسس أنوثتها، من تأسيس أسرة خاصة بها، لأجل إعالة والدتها وإخوتها.... أقول أن السفه الذي يقوم به هؤلاء مع علمهم بوجود من يتوسل الفتات، يصل بهم إلى مرتبة المُخاطَـبين في الآية.
أنا لا أكفّر أحدًا، وأعوذ بالله أن أفعل. لكن إذا استحضرنا مقتضى الإيمان في حديث(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) أدركنا أبعاد استشهاد عمر بالآية الكريمة في معاتبته لجابر ابن عبدالله رضوان الله عليهم جميعًا؛ مِن حيث أن مسايرة شهوات النفس تميت إحساس صاحبها بحاجة أخيه. عُـمـر الذي حرّم على نفسه اللبن والسمن حين أمحل الناس عام الرمادة، حتى أنكر الناس تغيّر لونه، لم يستشهد بتلك الآية جزافاً وهو الفطِن المُحدّث. لقد كانت المعادلة واضحة بالنسبة له: استرسالٌ وراء رغبات النفس، يفضي إلى بلادةِ الإحساس وقسوة القلب (ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)، والنتيجة تفكك العلاقات و ضعف بنيان المجتمع. وإذا عُـدنا للمقتضى الإيماني في حديث( المؤمن للمؤمن كالبنيان....)، و ألحقنا به قول المولى "إِن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيانٌ مرصوص". أدركنا أن شرط النصر مرتهنٌ بالتلاحم القوي، المشدود بصلابةٍ تماثل الرصاص.
وإذن.. الأمر بدأ بمسايرةٍ لشهوات النفس، وانتهى بها علةً لهزيمة الأمة! هكذا رأى سيدنا عمر المسألة؛ الإسلام بناءٌ متكامل، مشيّـدٌ بإتقانٍ وصلابة، لبنة تشد إليها أختها، إن استهنت بواحدة كنت سببًـا في سقوط الصرح وخلخلته. وهذا الفعل لا يمكن التهوين من أثره بنسبته للخطأ والنسيان. إن الاستغراق الأناني في رغبات النفس ونزواتها لا يتأتى إلا من قلبٍ صلد، ران عليه غيّه، حتى انقطع حبل مرساته ففقد وجهته و إنتماءه. هو لا يشعر أنه منّـا، ونحن لم نر منه ما ينفي عنه ذلك. ومن لم يكن منّـا فهو مع الآخر، حتى لو اتقى بالحياد؛ رداء الخيانة.

السبت، 13 يونيو 2020


الترويج لمبدأ التجاهل و"التطنيش"، المستند إلى فكرة العبثية واللاجدوى، أو إلى وسادة إراحة القلب والتخفف من الحمول المنهِكة؛ أمٌر سافل، لايتزعمه إلا فاسدٌ له مآربه الموضوعة نصب عينيه، أو خبيثٌ لم يتكشّف له وللآخرين بعد خبثُ نفسه. كل ساكتٍ عن الحق، راضٍ بالظلم، خانعٍ لأرباب الفساد، متصالحٍ مع الخراب وطغمته؛ هو في حقيقة الأمر مشروع طاغية لم يحن دوره بعد. أوشِك أن أصل إلى قناعة بأن كل مظلوم يستحق ماحل به. نعم.. المظلوم الخانع يستحق، لأن خنوعه ابتداءً هو سبب بلائه، ولأن خنوعه ماكان لولا إيمانٌ خفيّ في داخله بالدونية، وبأحقية من ظلمه باعتلائه، والتسلّط عليه. إنه نفس الإيمان الذي سيجيز له حين انعكاس الأدوار ممارسة ذات الظلم والفجور. وصدق النبي الكريم "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"؛ اليوم فقط استوعبت هذا الحديث، وفهمت المغزى منه. فعلاً ، الضعيف الخانع بذرةَ طاغية مدفونة في الأعماق، ما أضعَـفَـهُ وأذلّـه إلا خبث طويّة، كما أرضته بالمهانة سترضيه ذات يومٍ بالظلم. لذلك كانوا المؤمنون حقًا عزيزي نفس؛ أشداء هناك، رحماء هنا. إنه التوازن الصعب. لايُلقّاها إلا ذو إنصافٍ عظيم وهمّةٍ تجاوز السحاب. لاتُـصالِح ولو قيل رأس برأس... أكل الرؤوس سواء؟! من تتساوى في عينيه الرؤوس هم أصحاب المنطقة الرمادية، والبراجماتية المؤجلة؛ يدٌ تمسك بالرغيف وعينٌ لها على الرغيف البعيد؛ المؤمنون بمبدأ "عشان تعلى لازم تطاطي"! رضوا الركوع فما استقاموا، وأركِسوا في وحل النفعية حتى غدت لهم لباسا، فلا تسل عن مظلومٍ بينهم أو ظالم.
كيف هُـنّـا فقادنا أغبياء.. ولصوصٌ متوّجون أكارم .
كيف كنا نقتات جوعًا ونعطي.. أرذل المتخمين أشهى المطاعم.
وجراحاتنا على باب "مولانا".. تقيم الذباب منها ولائم.

الجمعة، 12 يونيو 2020


أحد معارفي-وهو من الأثرياء الذين لايتحدثون إلا بالملايين- يصبّـحني ويمسيني، ضحىً وعصرًا، حين أتوسد مخدتي وقبل غسل وجهي؛ برسائل تمجيدٍ للخليفة الحاكم بأمر الله أردوغان باشا. جربت مرة بعد طول صبر- وأنا صاحبة بال طويل على فكرة- أن ألمّح إلى كون أردوغان رجل بيلعبها صح؛ حين يكون مع الأتراك يتحدث عن القومية التركية، وساعة يجتمع بالإسلاميين يقلب إسلامي على سن ورمح، وحين يستدعوه الغرب ينبش في حلف الناتو، واسمعي يا جارة ياللي مطنشانا... لكن اللي طنش ساعتها كان هو، واكتفى بإرسال هذا الوجه 🙂. ففهمت أنا بالتالي والتزمت الصمت. بيد أن حماس الرجل لم يتوقف، ولا يكاد يمر يومان أو ثلاثة إلا و يشيد بفتوحات الخليفة المغوار، وانتصاراته العابرة للبحار، وإنجازاته التي تذهل لها الأذهان. إنه ببساطة حامي حمى ديار الإسلام، ومغيث أبنائه من براثن الطغيان؛ أمل الأمة، و صاحب الهمة، السمح السخي، الشهم الأبي، لاتكاد تجد موضعًا إلا وأياده البيضاء لها فيه أثر....
المهم، أنه حدث قبل أيام، أن راسلتني شابة تعمل مراسِلةً في أحد مكاتب إدارة التعليم، ثم بعد الظهر تعمل مستخدمة نظافة في إحدى مدارس تحفيظ القرآن. والفتاة عزيزة نفس، تكدح على أمها وإخوتها. و يبدو أن وضعهم مع جائحة كورونا تردى إلى الحد الذي لجأت فيه إليّ تنشد العون، حين طالبهم صاحب البيت بأجرة الكراء. وذكرت المبلغ اللازم للسداد؛ والذي لم يكن مرتفعاً، لكنه للأسف فوق قدرتي. فوعدتها بالمساعدة، ورأسًا كاتبتُ صاحب أردوغان، المُـولع بمروءته، المُـتغزل بكرمه ونجدته. وكنت حذرة في خط رسالتي؛ لأن صوتًا خافتًا في أعماقي همسَ بخطبٍ ما. ذكرت له قصة الفتاة، ومبلغ السداد التافه بالنسبة لوضعه، والذي أقسم غير حانثة أنه ينفقه في جلسة مطعمٍ واحدة،وذيّلت الرسالة بأن إذا رغبتم في المساعدة سأبعث لكم رقم حساب الصبية لتحوّلوا لها ماتجود به أنفسكم... هسسسس، ولا كأنك يا هند رسلتِي أو هببتي. وبعد قرابة ساعة، بعث برسالتين متواليتين للخارجية التركية، وموقف أردوغان من الملف الليبي، وتصديه للمؤامرات الصهيو أمريكية، ودعمه للجهاد الإسلامي والبيض مع المقالي... الخلاصة أن السيل رفعني للزبى، وأن أوداجي المنفوخة من يومها زاد انتفاخها، وأن الشرر الذي تطاير من عينيّ شارف على تهشيم شاشة جوالي، ولم أفكر ولم أقدّر، بل أرسلت شتائمي تترا : سبحان الله انتوا الأخوان تموتوا ويكون لكم وثن، لاتستطيعون العيش دون عِجل تطوفون حوله، وحذاء تلعقونها صباح مساء، أردوغان عرص زيه زي حفتر وعباس وروحاني، مآربه توسعية، وحلمه إمبراطوريته العثمانية، و غاية همه ملأ جيوبه. خلاص كفاية، ريحتكم فاحت يا عبدة الحزب، وإخوة النفعية. ولاؤكم حيث مصالحكم، ودينكم ما شرَعت كراسيكم، وذممكم أوسع من مكبّ نفاية هندي. بعد صمت طويل، أرسل: مسكينة، ملعوب بعقلك.
لم نتكاتب من ذلك الوقت، لكني بعثت له اليوم رابط فيديو محمد العوضي وهو ينهق" لا تظلموا المثليين" وأتبعت الرابط بهذا الوجه🙂.

الأربعاء، 3 يونيو 2020


وأنا أقرأ في خُطب العرب، وقعتُ على قصة منافرة بين علقمة بن علاثة العامري و عامر بن الطفيل العامري، في أيهما أكثر استحقاقًا لخلافة عامر بن مالك بن جعفر، بعد أن أسنّ و دنا أجله.
والمنافرة تشبه في يومنا هذا البرامج الانتخابية لمرشحي منصب الرئاسة. وهكذا فقد أخذ كلاً منهما يعدد مناقبه ومآثره، ويعرض بالتوازي مثالب الآخر ومعايبه، سواء تلك المتعلقة بالصفات الخُلقية أو الخَلقية. حتى إذا عجزوا وشيعتهما عن الفصل بينهما، اطمأنوا إلى الاحتكام إلى سادة قريش، وكانت العرب تحتكم إليهم في مثل ذلك. واتفق المرشحان أن يهبا لمن يحكم بينهما مائةً من الإبل(وفي رواية مائتين)، والمائة من الإبل تعادل في يومنا هذا المليون ورقة وربما أكثر، بمعنى أن من يحوزها يصبح سيدًا في قومه. المهم... أنهما خرجا حتى بلغا أبي سفيان بن حرب، فلم يقبل الفصل بينهما وكره ذلك. وقال: أنتما كركبتيّ البعير الأردم( يعني السمين الشحِم)، فسألاه: فأيّـنا اليمين؟ قال: كلاكما يمين. فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام، فأبى أن يحكم بينهما، فتوجها إلى عيينة بن حِصن بن حذيفة فأبى أن يقول بينهما شيئا، فانطلقا نحو غيلان بن سلمة الثقفي فردهما إلى حرملة بن الأشعر المُري، فردهما الأخير إلى هرِم بن قطبة بن سنان الفزاري( انتبهتوا للأسامي: حصن.. غيلان... حرب... الفزاري..أسامي هيبة)، الحاصل، أنهما نزلا عند هرم الفزاري وكانا لا يمران بأحد إلا هاب القضاء بينهما. ثم أن هرم خاطبهما قائلاً: لعمري لأحكمنّ بينكما ثم لأفصلن، فأعطياني موثقًا أطمئن إليه أن تُـسلّما بما قضيت. فأعطياه، وأقاما وقومهما عنده أياما.
فأرسل هرم ذات ليلة يطلب عامرًا سرا، فقال له: قد كنت أرى لكَ رأياً، وأن فيك خيرًا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أتنافر رجلاً لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه! فما الذي أنت به خيرٌ منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم أن لا تفضّل عليّ علقمة. هذه ناصيتي اجززها واحتكم في مالي إن أردت، ثم انصرف وهو لا يشك أن هرم سيفضّل علقمًة عليه. وفي الليلة التالية أرسل هرم إلى علقمة يطلبه سرًا، وقال له مثل ما قال لعامر، ورد علقمة بذات جواب عامر، ثم غادر وهو لا يشك أنه سيفضّل عامرًا عليه. حتى كانت ليلة الفصل، أرسل هرم لإخوته وبنيه: إني قائلٌ غدًا بين هذين الرجلين مقالة، فإذا فعلت فلينحر بعضكم عشر جزائر عن علقمة، ولينحر الآخرون عشر جزائر عن عامر، وفـرِّقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة. فلما كان الصبح جلس هرم في مجلسه، وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا، فقام هرم وقال: يابني جعفر، قد تحاكمتما عندي، وأنتما كركبتيّ البعير الأردم: تقعان إلى الأرض معاً، وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، كلاكما سيدٌ كريم. وعمد إخوته وبنيه إلى الجُزر فنحروها وفرّقوا الناس. ولم يفضّل هرم أحداً منهما على صاحبه، وكره أن يفعل، فيجلب بين الحييّن العداوة ويوقع بينهم الشر!

إنت متخيّل حضرة سمو سعادتك! ثروة ترفع صاحبها إلى منازل الوجهاء وتبلّغه مصاف النقباء، يدفعها الرجل نحو الرجل، ويُـعرِض عنها الواحد تلو الآخر؛ تهيّـباً للدماء، وإكرامًا للرجال، وتعظيمًا للروابط! فكّرت حضرة فخامة معاليك في سيناريو القصة لو أنها حدثت في أيامنا هذه؟! حتمًا، و ببركة المادية الغربية، وإعلامها الساقط؛ مقدِّس المظاهر مؤلّه القوة، سيقوم المُـحكّم بابتزاز أحد الطرفين( غالبًا الطرف اللي سيستفيد منه أكتر)، بعدها سيفتعل هو والطرف المُـبتَز فضيحة ما لتشويه صورة الآخر(سيديهات... بنت من عينة مونيكا لوينسكي... تخابر مع أعداء القبيلة) أيّ نيلة ف أي طرشي،المهم يصدر الحكم بفوز دافع الجزية... كح، قصدي الرشوة، وطز في أي دماء تُـهدَر وأدمغة تُـفجَر وأعراض تستباح... وانا مالي أنا، المهم الفلوس ف جيبي.

نصيحة: أي شخص تجده يُـسفّه من العرب، أو يقلل من شأنهم، أو يسخر منهم، ابصق على وجهه ثم ألحِقه بأسخن بللك.