الأحد، 31 مايو 2020

وأنا أشاهد مقاطع فيديو المصريين الملقون عند أبواب المشافي صارخين مستنجدين، مرت بذاكرتي قصة أرملة جاورتنا في الحارة القديمة. كان ابنها الأوسط عنيفًا غليظًا قاسيًا متسلّطاً، و كان وحده القائم بشؤون البيت والإنفاق عليه، لأنه وخلافًا لأخيه الأكبر - الذي انعزل للتعبد والاعتكاف - حصل على وظيفةٍ ذات دخلٍ لا بأس به. لأيام طويلة شهدنا المعارك العنيفة التي شنها هذا الفتى على أخيه وأخته اليصغرانه. استطاع جميع أهالي الحارة سماع صرخات ألمهما واستنجادهما، حد أن الصبية وهي في السابعة عشر من عمرها خرجت ذاهلة ذات يوم دون عباءتها، هربًا منه حين أعمل "عِقال" رأسه في جسدها. وحتى اليوم تتمثل لي صورته وهو يهوي بالمطرقة الضخمة على سيارة أخيه القديمة البائسة التي كانت تحمله لمدرسته البعيدة، حطمها حين عاودت العمل بعد كيس السكر الذي أفرغه في ماكينتها. في كل مرة طالبت فيها نسوة الحيّ الأم التدخل لطرد هذا الابن أو إيقاف ممارساته الإجرامية، كانت تجيب بعجزها عن ذلك، كونه القائم بشؤون الأسرة المتفضّل عليها. ثم تـتبِع بتبريرٍ مفاده أنه يروم الخير من وراء تربيتهما، و أنه لا يرجو إلا النفع لهما.
مرت السنون وتزوج الوغد بفتاة أكملت دراستها في أمريكا ثم ارتأت الاستقرار فيها، فكان طوع بنانها وتحت أمرها. و من قبل، ألقت أخته بنفسها في أحضان أول عابرٍ طلب يدها، لتنجب منه طفلين ثم يلقي بها هو تبعًا إلى الشارع. و قد شوهدت آخر مرة، في أحد المكاتب النسوية تدور بصينية الشاي بين الموظفات. أما الأخ الأصغر فقد تخرج من كلية الهندسة بامتياز، وتوظف في شركةٍ مرموقة براتبٍ ضخم، لكنه سرعان ما فصِل، لتردي وضعه النفسي و ما لازمه من نوبات اكتئابٍ حادة. لتبقى الأم وحيدة تحت رحمة المحسنين المتصدقين، بعد أن بات مُعيلها الطاغية يرسل من الفتات ما تسمح به ظروفه المتأزمة(حسب ما يدعي)!!!
غالب المصريين، حتى من لم يؤيد منهم ابن الحرام، كانوا يرددون عبارة" مش احسن ما نكون زي سوريا". وهاهم اليوم يموتون كما مات السوريون وشهداء رابعة، وكما يموت الناس كل يوم في كل مكان، بيد أنه لا سواء بين مات وهو يصرخ "لا" في وجه الطاغية، وبين من قضى خنوعًا تحت أقدامه.
المصريون ليسوا بِِدعًا في هذا الشأن. جميعنا اليوم نسير على خطاهم، وسنحصل على ذات ميتتهم. نحن الذين أخذنا دور اليهود، فخربنا بأيدينا بيوتنا حين لم نأخذ على يد الطاغية.
نحن الواجلة قلوبهم من قضاء الأجساد، نحن الرعاديد الهزلى الميتون منذ أول طأطأة رأس، عبيد اللقمة والهِدمة و"أجراء" الوطن، لا شركاؤه كما ظنت تلك الجارية الكويتية التي ضـنّت برقعة السخرة القابعة عليها من أن يجاورها فيها أحد، حين توهمت مايلقيه عليها سيدها من بقايا نعمته الوفيرة، تقديرًا واستحقاقاً و تمييزا. ولو أن الحمقاء جربت معارضة سيدها بما لا يوافق هواه، لاكتشفت زيف شراكتها، و لعرفت قَـدْرها ومنزلتها. وعلى الأرجح أنها في أعماقها تعرفها، بيد أنها اختارت كما اخترنا؛ غض الطرف والتغابي؛ تأجيل موت الأجساد إلى أطول فترةٍ ممكنة، للتنعم باللقمة والهِدمة والستر الذليل، تحت مظلة القمع والتقتير والترهيب؛ هدرًا للطاقات، و تقزيمًا للهمم، و إشغالاً للنفوس عن غاياتها الكبرى.
كل يومٍ لك احتِمالٌ جَديد.. ومسيرٌ للمَجدِ فيه مقامُ
وإذا كانَت النفُوس كِباراً.. تعبت في مُرادها الأجسامُ.
لأجل ذلك كان لابد من سحقنا وقهرنا وإذلالنا، للوصول إلى النسخة المشوّهة من الأرواح الضئيلة، ثم استنساخها وتعميم إنتاجها. وهاهم أولاد الزنا المتسلطون علينا بالعمالة لا يألون جهدًا لتحقيق ذلك. ثم أننا لم نأخذ في أيديهم" غلوة"؛ كنا طيّعين هيّنين، هانت غاياتنا، وهُنـّا في أنفسنا، فاستحققنا الهوان..
قد هيؤوك لأمرٍ لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل..
كلنا في مزارع أولاد الزنا هَـمل، نساق للذبح على مهل.

رجاءً لا أريد تعليقات من قبيل: البذاءة لا تليق بسيدة وأديبة وكل هالهراء، لأنه لا توجد بذاءة أكثر من التي نرتع فيها.

الأربعاء، 27 مايو 2020


(أو أجد على النار هدى)...

في ليلةٍ شاتية، نزل سيدنا موسى بين الشعاب والجبال، يلتمس طريق العودة بعد عشر سنوات اغتراب. في ظلمةٍ وضباب أخذ يقدح زنده طلبًا للدفء والضياء. تكاد كل نفسٍ بشرية وجدِت على هذه الأرض، مرّت بمثل هذا الموقف؛ حيث برد الغربة و شتات الضياع.
كان من السهل على الرحيم القادر أن يُجنّـبه كل ذلك، فلا برد، ولا ظلمة، ولا تيه، بل ولا حتى جهد مسير. لكن الحكيم سبحانه وتعالى يعامل عباده بمنطق الأخذ بالأسباب، يصطفيهم بالصبر، ويهذبهم بالسعي؛ ( لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى)... إن لم أحصل على قبس الدفء ونور الضوء، طلبت نصح الهداية وعون الرشد. إن أغلِق باب طرقت آخرًا، وإن أعيتني حيلة جربت غيرها. فما دمت في طريقي إلى الله، لن يكون لليأس في روحي مكان.
سبيل الله، ليس للحالمين الواهمين، ولا للمتخاذلين المتقاعسين، ولا للذين إن مستهم الضراء جزعوا وخانوا( اليأس خيانة)... في طريقه لتلقي رسالته، قطع موسى أميالاً من مرار الغربة، و خوف المطاردة، و ألم الحاجة، وجهد الكدح. و بعد ظلمةٍ وبردٍ، وضبابٍ وضياع، وخوفٍ وحنين، أدرك المعنى، وتلقّف النور، واستشعر الدفء. بيد أنها لم تكن أيكة الاستظلال، ولا راحة المتكيء، بل استكمال ابتلاءات، ومزيد نضالٍ وكفاح.

كم باذرٍ لم ير موسم الحصاد.
لا تظن أنك في برد الغربة وحدك، ولا أن نفق الظلمة هذا لم يعبره غيرك، ولا أن ريح الشتات لم تعصف إلا بروحك. فقط أنصت لهمس الدروب، والوشوشة العالقة بجنباتها، تلك التي سقطت ممن سبقوك: مدار الأمر الثبات وغاية الرشد الهدى.

الثلاثاء، 26 مايو 2020


شركات ضخمة أعلنت إفلاسها ووضعت نقطة النهاية لمشوارها، فهل أنا بأحسن حالٍ منهم!
هكذا تحدثت السيدة الجالسة أمامي، والتي طرقت باب منزلي مع أولى لحظات الإشراق.

عشرون عامًا يا هند ولم يضِف هذا الرجل لحياتي أي إضافة، لا دينية ولا علمية ولا روحية ولا حتى مادية. حسنًا، سأكون منصفة؛ لقد رزقني الله بسببه أربعة أبناء، وحديقًة مشذبةً طوال العام. لكن لنكن واضحين، إنه مغرم بأعمال البستنة،وإذن، إلى حدٍ بعيد قام بهذا العمل تلبيةً لرغباته لا لأجل عينيّ.
كنا نعيش حياتين منفصلتين تمامًا... تماماً، حياتين خاليتين من أي توافق. أحيانًا ينعدم الحب بين الزوجين، كما تنعدم العديد من ألوان التوافق، لكن يظل هناك توافق صامت نحو هدفٍ ما؛ بناء مستقبل الأبناء، أو مشروع شراكةٍ مادية، أو غير ذلك. في حالتي انعدمت جميع هذي الألوان.
- لايمكن أن يكون الأمر على هذا القدر من السوء، لابد وأن هناك جوانب مشرقة في حياتكما....
- نعم، أنا أيضًا ظننت ذلك. لسنوات طويلة كنت أردد التصبيرة وأختها؛ إنه جيد مع الأولاد، إنه يلاعبهم ويلاطفهم. حتى ذلك اليوم، الذي انتبهت فيه إلى أنه يظل لطيفًا معهم ما دمت أبقِـي فراشه دافئاً، فإن توقف الإمداد أو اضطرب، تحمّل الأولاد عواقب ذلك؛ تعنيفًا، وتوبيخًا، وقسوة. أحدث نفسي: إنه يقوم بأعباء الإنفاق. لأكتشف ذات قَدَرٍ ساقه الله لإزاحة الغمة عن عينيّ، أنه يمتلك مزرعةً، وأرضًا خارج المدينة، وشاحنتيّ نقل عملاقتين. وحين التدقيق، وجدت أنني فعليًا من كانت تقوم بالإنفاق، في الوقت الذي اكتفى هو بمؤونةٍ خجلى لسد رمق الجوع. اخترتُ تجاهل ذلك، تماماً كما فعلتُ مع ضربه لي. كنت قد غادرت بيت والديّ بقناعةٍ مفادها أنني حين أضرَب، فلابد أن ذلك عقاب مُستحق. وهكذا.. عندما ضربني أول مرة في بيتنا الأول، حين رفضتُ استقبال أولاد أخته الذين تركتهم مجددًا عندي، لتتجول في أنحاء أوروبا، أخبرتُ نفسي أنني بالغت في غضبي، وقد يكون هذا ما دعاه لضربي. ثم لما ضربني مرةً أخرى في بيتنا الثاني، آن مطالبتي تسديد الدين المستحق عليه لي، عصرتُ ذاكرتي لاستحضار الشتيمة التي تفوهت بها وأوجبتْ الضرب. لابد وأنني أرسلتُ شتيمًة ما، هذا ما أقنعت نفسي به. وإن كنتِ ستسألين عن بيتنا الثالث وسبب اللكمات التي تلقيتها فيه، سأجيبك: لا أذكر. نعم.. لا أذكر السبب الذي من أجله ضرِبت، لكن ما أنا متأكدة منه، أنها كانت المرة الأخيرة التي ضرِبت فيها، ذلك أنني ابتعتُ لاحقًا بيتًا خاصًا بي.
- لايمكن أن نتخذ قرارًا خطيرًا كالانفصال لمجرد الانتصار للنفس. هناك أرواح أخرى سيطالها الضرر من وراء هذا القرار.
- أنتِ مخطئة، أنا لا أنتصر لنفسي من خلال الانفصال، أنا أنتصر لها عبر وضع حدٍ لابتزازي، لإهانتي، لاستغفالي وامتهان إنسانيتي، لهدر عشرين عامًا من شبابي وأحلامي. أما عن الأولاد، فأصغرهم اليوم في الثالثة عشر من عمره، وفي اليوم الذي خرج فيه والدهم من البيت، وكان ذلك في أولى أيام الحظر، صاح بهم محذِراً: إياكم أن تتصلوا بي أو تطلبوني، مادامت أمكم تعاملني بجفاء، فأنتم لستم أبنائي. لقد اكتشف الأولاد منذ وقتٍ ليس بالقصير، أن والدهم لايراهم إلا بعين رغائبه وأنانيته.
الله وحده يعلم لماذا تحملت هذي الحياة البائسة طوال تلك السنوات. هل كنتُ مجرد امرأة مغفلة ضعيفة، أم أنني وعيت مايدور حولي، واخترت غض الطرف وانتهاج الصبر؟! لربما هذا ما حدث معي ولم أواجه نفسي به حينها. والآن وأنا أجيش بما في صدري أمامك، تبيّـن لي أن لحظة سقوط القشة، عندما تفوّه بكلماته الزاجرة تلك لأبنائه" لستم أبنائي"... نعم، كانت تلك لحظة تجلي الإفلاس.
-أشعر أنه من الضروري تنبيهك لمسألة موازنة الأرباح والخسائر، خصوصًا وأننا مقبلون على أزمةٍ اقتصادية صعبة. لا أفهم حقًا كيف تخاطرين باتخاذ هذه الخطوة في هذا التوقيت السيء...
- على العكس، إنه التوقيت الصائب. المولى الرحيم لا يجمع على عبده عسرين في آنٍ واحد. الوضع المتردي الذي يلوح في الأفق لا يمكن أن أتشاركه مع رجلٍ أناني. هذه الجائحة وضعتني أمام تساؤلٍ مذهل: هل هذا هو الرفيق الذي سأختاره لاجتياز المرحلة الصعبة؟ الرجل الذي لم يدعمني وقت الرخاء، لم يلحظني في النعماء، لم يكرمني عند السعة، هل هو الرفيق المناسب لامتحان الشدة والإيثار؟.... قطعًا لا.
- حسنًا إذن... لم يبق إلا أن أشجعك على المضي قدمًا في قرارك. امضي ولا تخافي. التغيير كفكرة أمرٌ مثير، وإن اتخِـذَ بعد تمحيصٍ دقيق واستنفادٍ لكل الخيارات، فهو إكرام الحرية وحرية الكرامة مهما تكلل بالصعاب. أن يتأمل المرء لوحًة بيضاء، متسليًا بخيالات مَـلأها ذات يوم، لهو أفضل من مقابلة لوحةٍ مُـلئت بما لا يوافق مزاجه و يرضِي طموحه. أحيانًا نحن من نضع النقطة آخر السطر، وأحيانًا نتعثر بها دون قصد، في الحالتين لابد من بدء سطرٍ جديد.


رغم الخوف والخيبة اللتين جللتا كيانها المضطرب، إلا أن عينيها التمعتا ببريق أملٍ وإصرار، لمحتهما وأنا أودعها راجيةً لها التوفيق. وفي طريقي إلى المطبخ تناهى إليّ صراخ جارتي وشتائمها. ذات السيناريو الملعون منذ أن جاورتنا قبل ثلاث سنوات. أكملتُ طريقي وأنا أتمتم: ستعلِن إفلاس شركتها يومًا ما.

الجمعة، 8 مايو 2020


يمكن اعتبار قصة طالوتٍ عليه السلام، خريطًة ربانيةً مُـحكمة التصميم، للخروج من أزمات التيه التي لم تسلم منها أمة على مر العصور.
الحقبة الزمنية التي وقعت فيها القصة، مشابهة تمامًا للظرف الحالي الذي نمر به، باعتباره مأزقًا حضارياً وجوديا. فاليهود الذين حرفوا دينهم، و أحدثوا فيه، ومالوا عن نهجه، سلط الله عليهم من الأمم من أذلهم و أذاقهم ألوان الهوان، حتى إذا ما تمادوا في الضلال وإحداث البدع، سلبهم الله دستورهم(التوراة)، وهويتهم وتراثهم(التابوت)، بل ونزعه من قلوبهم، فلم يبق ممن يحفظ التوراة إلا قلةٌ قليلة.
ظن الجميع في أنفسهم الإخلاص، والعزيمة، والقدرة على الجهاد، لمجرد أنهم رغبوا في رفع الذل عنهم، واستعادة أمجادهم، فطالبوا بكل ثقة من نبيهم :(ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله)!!! هكذا، بكل بساطة؛ فقط رشّح لنا ملكًا و سنقاتل تحت لوائه. ذات الأمل والحجة التي يتعلّق بها الجميع في كل عصرٍ و زمان: نحتاج قائدًا يلم شتاتنا، لنظهِر من بأسنا ما الله به عليم. ولأن الله تعالى بهم عليم، هيأ لهم ذلك القائد الملك. ليُعريّهم الحسد، و الغرور، والتحزّب، ويُـنطِق قلوبهم :( أنّـى يكون له الملك علينا)... لاحظ التحزب(نحن أحق بالملك)، انتبه للغرور(لم يؤت سعًة من المال). انعدام ثقةٍ في الخالق، وازدراءٌ للمخلوق المُختار منه! شتات الأنفس أنكى وأعظم.
وبدلاً عن إعلان النفير، وعقد رايات القتال، والتعجيل الذي حبب إليه المولى وأحبه( وعجلت إليك ربِ لترضى)، يسري الهمس، ويدور الغمز و اللمز، ويظهرُ التراخي، مُبرَرًا بالتساؤل حينًا، وطلب البينة حينًا أخرى، وممن؟ من النبي الصالح الذي لا يتبع حزبًا، و لا يضمِر مأربا، ولا يبغي إلا وجهه الدائم.
ظهرت آية المُلك، ومعها ظهر خبث طوية الحاسدين، و أطماع طالبي السلطة، من المتحزبين، و سلالة الملوك الحاكمين. وهكذا تم تجاوز أولى عقبات الخلاص: الحسد، التحزب، الغرور.
ثم كانت مرحلة التمحيص الثانية، المخصصة للعامة. إنه اختبار التسليم و الامتثال التام(إن الله مبتليكم بنهر)؛ لا أسئلة ولا عصيان، لا مشاورات جانبية و لا فقه مرحلة، لا استفتاء و لا مراجعات. (من شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني)، إذا حزِبكم الأمر واشتد الجهد فـ اغترفوا غرفة. هو ذا منفذ الضعفاء، مسلوبي الإرادة : اغتراف غرفة. ولا بأس أن نستأنس هنا برمزية النهر الفلسفية، التي تشير إلى أن النهر يحمل رمزيتي التحول والحد الشرطي. التحول باعتباره مصدرًا دائمًا للحركة و الحياة و الرغبات. و حدٌ شرطي باعتباره انتقالاً من الحياة المعروفة الراهنة إلى أخرى مجهولة. فإن كانت الأولى، فإن الأمر قُـصِد به العزوف عن ملذات الدنيا وشهوات النفس، وتهذيبها بالزهد والتبتل. وإن كانت الثانية فالغاية لا تختلف، إذ هي الانقطاع الكامل للحياة الأخرى المجهولة، المُـتيقن منها إيمانًا وتصديقا. كم عدد الذين اجتازوا هذا الاختبار؟ اختبار التحرر من الشهوات والرغبات، والانقطاع لنداء الحياة الأخرى. اختبار التسليم التام ، فلا اجتهادات فقهية بغية التخفف، ولا مناقشات هامشية أملاً في التقارب، ولا جدلية مزايدات، أو تثبيط واستعراضات.
تبدو المجموعة المجتازة أهلاً للقتال، ومن ثم الاستخلاف، وبناء حضارة الأمة... حسنًا، تمحيصٌ أخير، وتنال هذا الاستحقاق. إنه اختبار الصبر، والثبات، والثقة، لكن ( قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده). إنه اليأس، إنها الخيانة. ذلك أن اليأس خيانةٌ للمتبوع، من حيث هو تشكيكٌ في قدراته وبالتالي نهجه، ( لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) الجاحدون بقدرته، و من قبل بآياته و دينه. هنا، أرسلت الصفوة:( كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). قيل أنهم الراسخون في العلم، العالمون بأن وعد الله حق، حين يتوفر الشرط( الله مع الصابرين)، ثبتت أرواحهم بهذا الرسوخ، وبالتربية الشاقة. لم يحدث الأمر على حين غرة، أو بين طرفة عينٍ وانتباهتها. كلا.. كانت رحلةً طويلةً من العلم والإيمان، أتت أكلها وقت الحصاد/الصدام (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا). صبروا فاستحقوا، ( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).

عن أبي اسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.
معركة بدر الكبرى، معركة الفرقان، التي بها استئصلت شأفة الكفر وتأسست دولة الإسلام، كانت مرحلة التمحيص الأخيرة التي أثمرت الصفوة المختارة. وإذن، فقد عبر سيدنا محمد عليه أزكى السلام بذات الممر الذي عبره طالوت؛ اختبار الحسد والغرور والتحزب، لرؤوس قريش وأكابرها، الذين استكثروا عليه النبوة و الرسالة، و خافوا و بقية الأحزاب ضياع السلطة منهم. ثم اختبار التسليم التام، للمهاجرين والأنصار، الذين حرروا قلوبهم من ملذات الأرض وقيودها: الديار، الأزواج، الأهل، والمال، ثم سمت أرواحهم، حتى صارت تحب في الله وتبغض في الله، و تقتل الآباء و الأبناء في سبيله. وأخيرًا تمحيص الفئة القليلة الصابرة الثابتة، الموقنه بوعده.( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
صفوةٌ مُـمحصة، قد لا تتجاوز نسبتها ٣٪ من مجموع الأمة، لكنها كافية لقيامها؛ ( إن إبراهيم كان أمة). بتلك الصفوة المُختارة تأسست دولة الإسلام، و أشرقت شمسه على كل الأصقاع. وبصفوةٍ مماثلة يكون الخلاص من هذا الشتات.

ملاحظة لابد منها: المنثور اجتهاد شخصي، وسأقبل بامتنان أي تصحيح لفحواه.