الجمعة، 24 أبريل 2020


كنت صغيرة، ربما في التاسعة أو العاشرة من عمري، لم أعد أستطيع الجزم... حدث ذلك منذ زمنٍ بعيد، كأنما بين اليوم وبينه دهرٌ ممتد. حينها، صعدت للمرة الأولى أعلى سطح البيت، مانسميه باللهجة المحلية "طيرما".. ربما قاربت الساعة الخامسة عصرًا أو يزيد، حين استويت جالسةً، أحملق في المدى الذي تعرفت عليه لأول مرة، واكتشفت معه حارةً غير حارتنا، وأناسًا غير جيراننا، وبيوتًا كثيرة، تملك خزانات ماء بيضاء كخزان بيتنا. منذ ذلك اليوم، لم يعد العصر مجرد تقسيم زمني خالٍ من المعنى بالنسبة لي، لقد ارتبط حلوله الغامض البارد بماهية المدى في وجداني، بتلك الوشوشة التي التقطتها من على "الطيرما" من البيوت الغريبة البعيدة، حيث ضحكات الطفلة الراكضة، وأدخنة الطعام اليُطبخ، وصوت أكياس البقالة مع الأب الكبير....
لاحقًا، وبعد أن نضجت أحاسيس الأنوثة في كياني، انتبهت لفيروز وهي تغني: طيري ياطيارة، طيري يا ورق وخيطان... بدي ارجع بنت صغيرة على سطح الجيران... وينساني الزمان على سطح الجيران. اطمأننت حينها إلى فكرة الربط بين الحب وأعالي السطح، لابد وأن الحب هناك، في الأعلى. هكذا حدثت نفسي. إلى اليسار، كان ابن الجيران الغليظ الجلف، وورائي، الحوش المهجور لجيراننا التُـرك، وأمامي، المدى الممتد... ومع التفاتتي صوب اليمين، ظهر الصبي ذو الأصول اليمانية بعينيه الخضراوين. التقت نظراتنا. كان وسيمًا جدًا، وحزينًا جدًا جدًا. لمرات عديدة، تخيلته يتدلى ميتًا بعد أن شنق نفسه. للحب لذةٌ خاصة مع الأرواح الموجوعة، لكن روح الفتى كانت مسحوقة، إنه الخراب الناعق بالفناء.
لم يعد المدى كافيًا لروحي التي استطالت لتصبح أوسع من الصحراء. وهكذا صرت ألاحق الطائرات المختالات في جو السماء. تنامت في داخلي قناعٌة أكيدة، بأن الأفق المُغيّب يحمل وعود السعادة... هناك... هناك، في المدى البعيد الذي لا أبصر، سأجد ما أبحث عنه. مرت السنون، واستوى الحلم على سوقه في انتظاري، وثبٌة للأعلى كافيةٌ لالتقاطه. هذا ما آمنت به. وحين حملني المدى لصحراء جديدة، همست: قد ضلّ الطريق. وحين استقبلتني الخيبة في المحطة التالية، واسيتني: ما زالت الرحلة في مبتداها.ثم ألفيتني في متاهة الشتات، موصولةً بداياتي باللانهايات، على غير هدى أسير، لتنفرج لي ببركةِ الغفلة وطهر القلب كوّة النجاة... لكن... دون أرض السعادة الموعودة...

والأمل الذي طالما حاربته، ووسمته بالخداع. حذرت منه السهارى، و توعدته بالإقصاء، كنت أغض الطرف عن جذور استيطانه، وأدسه في الأعماق. وحين عبرتْ بسماء شرفتي اليوم تلك الطائرة البعيدة ، همس في صدري حلمٌ ظاميء: هناك.. هناك في البعيد...

الأربعاء، 22 أبريل 2020


كل عام وأنتم بخير يا أحبة. أسأله تعالى أن يعيننا على الصيام والقيام، ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

لديّ قناعة -ما فتئت تزداد رسوخًا- أن بين الصبر والوقاحة علاقٌة عكسية؛ كلما ازداد الصبر كمّاً، قلّ منسوب الوقاحة ومعها الأنانية. لذلك، تتفاقم الوقاحة والأنانية عند شباب هذا الجيل ومراهقيه، ممن تقلّبـوا في فُرش الترف وألوان النعيم. وقد شاءت أقداري الغرائبية العجيبة، أن أعلَق الأيام السابقة مع شابين عشريين من هؤلاء الأوباش. وحتى تكتمل حلقة السخرية، استلم ملف القضية ضابطٌ قريبٌ من عمريهما. وكون خبرتي عتيقة في أروقة المخافر والمحاكم، وقبلها في طباع البشر، وتحديدًا مع مجتمعٍ منغلقٍ بائس كهذا المجتمع، فقد توقعت مسبقًا، و قبل المثول أمام الضابط، أنه سيصطف إلى جانب الشابين ضدي... ضد المرأة المذنِبة سلفًا، وحتمًا، ودون نقاش، أو اضطرارٍ لبيـّنة.
ابن عمتي الهاديء الحكيم، الذي يدرس في أمريكا، والذي أحبني فيما مضى... حدثتكم عنه كثيرًا ، المهم.. أنه أشار عليّ، كونه يتوقع هزيمتي بنسبة ٩٠٪ كما أتوقع أنا ذلك أيضًا، بالتنازل وطيّ الأمور، بدلاً من الركض الماراثوني اللامجدي في أروقة المحاكم. وبعد طويل أخذٍ ورد، وشدٍ ومعط، ختم ناصحًا: أرى أن تتجنبي هذا الدرب المتعِب، وتشتري دماغك، وتختاري ما يريحك. أجبته دون تردد: هذا ما كنت أحدثك عنه طوال الوقت، لكنك لم تكن تصغي؛ ما يريحني هو عدم تقديم نفسي وجبًة جاهزًة للتناول. مايريحني استمرار القتال حتى وإن نالني الألم، سيخفف عني أنهم يألمون كما آلم. ما يريحني علائم الدهشة المرتسمة على وجوههم، حين ظنوا المرأة التي تضع عباءتها على رأسها لقمًة سائغًة سهلة، ثم شخصت أبصارهم وهم يغصّون بها. مايريحني "أن أموت و ما ف صدري كلام "، أن أسقط مهزومة وفي كفي خصلٌ من شعر خصمي، وفي أظافري جِلده وفتات لحمه، وعلى ثوبي دمه، وتحت حذائي بعض أسنانه. كيف لإنسانٍ عركته الحياة؛ أدمت روحه، ألهبت جلده، أنضجت قلبه وأسلمته للريح العاتيات، أن يُـسلّم بهذه السهولة، ولمن؟... لحفنة لصوصٍ توهّـموا سَلْبـه أيسر من شربة ماء!... محال، ورب الإباء، و"الروس" اليابسات، والكبرياء المعقود من سالف الأجداد.

كورونا ليست عظة لكل البشر. العظة عبرة، ومراجعة، وتوبة نصوح. وذلك لن يكون. بل محال عقلاً وعرفًا أن يكون. العبرة تلزم اشتراطًا لحدوثها قلوبًا حيةً متأمّلة، وأرواحًا طاهرة الأصل، أغبشها شيء من فتن هذا العصر. أفئدة متعلقة بالحياة الأخرى، ذهلتها صروف الدهر والحاجة عن مرادها الأصيل، فجاءت كورونا لتعيدها سيرتها ورشدها. كورونا هدية الله لأصفيائه وآخر ضنائنه على الأرض. إنها ختام مراسيل الله ولطائفه، ليس بعدها إلا الصمت، يغلّف عالَم الغافلين السادرين، إلى أن تحين صيحة الفواق والبعث.

الخميس، 2 أبريل 2020


مساء الخير.... لا، بل سلام الله عليكم ورحمته، أهل الزنازين المظلمةِ الباردة.
نعم، لقد تذكرناكم الآن. رغم البون بين حالنا وحالكم. نعلم أن مقامنا لايشبه مقامكم، وأنكم لن تشعروا بمدى معاناتنا. نحن الذين اعتدنا الخروج للهواء الطلق، وارتياد المقاهي والمطاعم. آه لو تعلمون كم نقاسي جراء حرماننا هذا. أنتم بالطبع لن تحسوا بنا. لن تفهموا الصعوبات التي تواجهنا ونحن نحاول مشاهدة أفلامٍ أو برامج، تخفف عنا عبء هذا الحجر الخانق. من أين لكم إدراك ما نعانيه مع شبكات النت السيئة، التي توشك على الانهيار لوطأة الضغط عليها. من أين لكم فهم معنى نفاد المؤونة، أو قِـلتها؛ أنتم الذين لا تزدردون سوى صنفٍ مكررٍ هزيل. من أين لكم تخيّـل بؤسنا، حين لا نتلذذ بارتشاف قهوتنا في الأماكن المحببة التي اعتدنا. إننا نضطر لاحتسائها في الشرفات. هل تتخيلون!! بل إن البؤس بلغ بالبعض حد تناولها في صالة بيته، وهو يشاهد التلفاز وسط ضجيج أولاده. أوووه، نسيت أن أخبركم بكابوسنا الأفظع؛ الأولاد. هل تستوعبون معنى أن يكون أولادك حولك، تضطر لتعليمهم، ومراعاتهم، بل واحتضانهم للتخفيف عنهم. هذا عذابٌ نجوتم منه. حتمًا أنتم سعداء كونكم بعيدين عن زوجاتكم، بطلباتهن، وتضجرهن، و.....، المهم، لا أظن أن لحظات السكينة معهن، تغفر لهن سيئاتهن. أعتقد أنكم في قرارة أنفسكم، تقـدّرون نعمة العيش دونهن. دون عناء الركض لتنظيف بيتٍ عديد الحجرات، فأنتم في نهاية المطاف تقبعون في حجرٍة صغيرة، لا تستدعي اهتمامًا بالغًا. هذه نقطة لصالحكم، أرجو ألاّ تنكروها. ولن أنسى في معرض شكواي هذه، ذكر الروتين القاتل المتمثل في: ماذا سنطبخ اليوم؟ رباااه، إنه أشبه بلسعات دبورٍ بغيض، وكلما ازدادت الخيارات، كلما ازدادت لسعاته. هل فهمتم لماذا قلت أنكم لن تحسوا بنا؛ كيف ذلك وأنتم مُـعفون من مثل هذي الخيارات وغيرها! ربما ستفهمون، حين تعرفون أننا وبسبب هذا الوباء اللعين بِـتنا مضطرين للاستحمام المتكرر، والتعقيم المتواصل، ومراعاة أدق مباديء النظافة، بينما أنتم لا تُـلقون بالاً لكل هذي السخافات، خصوصًا وأنكم لا تحصلون إلا على لباسٍ واحدٍ في العام.
ماذا؟... ألم تسمعوا بأمر الوباء؟!... حسنًا، وما الفارق إن سمعتم به أو لا. أعتقد أنكم في منأى عن أيّ تغييرٍ يطال حياتكم، التي لا يختلف ليلها عن نهارها. أنتم لم تتضرروا مثل البعض الذين فقدوا أعمالهم. أنتم لستم ممن لحقت بتجارته الخسائر. أنتم لستم من أصحاب الثروات، الذين أعلن أحدهم لشدة يأسه بأنه قد ينتحر في حال استمرار الحجر. أنتم لاتسعون لتسويق ذواتكم وتلميعها، أو استعراض منجزاتكم والتكسب بها، أو مداهنة ذوي الشأن، والتقرب إليهم بها.. أنتم تعملون لمكاسب أخرويّة، لأمجاد أمّـةٍ تحلمون بعودتها، وتوقنون بعظمتها... أنتم لا تشبهوننا، أخلاقكم السماوية غريبٌة علينا، طموحاتكم بعيدٌة عن نزواتنا، أهدافكم أوسع مدىً، وأعمق رسوخًا من حاجاتنا اليومية الفقاعية. لذلك نسيناكم في غمرة الركض وراءها، نسيناكم رغم الصوت الهامس في دواخلنا أنكم كنتم إلى صفنا، وعملتم لأجلنا. لكن... حسنًا، أنتم تعرفون مايقال عن اختباء التجارب المريرة في منطقة اللاشعور. أظننا اخترنا دفن عارنا هناك. حيث لا جدوى من مواجهة أنفسنا به، ونحن بهذا العجز المخزي. لذا، كان من الأنسب نسيانكم، ترككم تتعفنون في تلك الأقبية الموحِـشة، تغيير دفةِ كل حديثٍ يقود إليكم، تجاوز كل خبرٍ عنكم، تجاهل كل نداءٍ يذكّر بكم.... لكن اللعنة.... إنه الحجر الذي استدعى صوركم.... وربما تساؤلٌ راجٌـف همس لنا: هل ما نحن فيه عقوبة خذلانكم؟!

الأربعاء، 1 أبريل 2020


‏سئِـل السنباطي يوماً: ‏لماذا لم تأخذ سعاد محمد ‏مكانتها التي تليق بها كمطربة ؟
‏‏فأجاب: سعاد تفتقر إلى الحظ... عندما تغني أمام الجمهور، تنتزع الإعجاب. إعجاباً خاصاً لا تحظى به سوى القلة من المطربات، وبعد الحفلة، سريعاً ما تنسى... إنه الحظ، لو أن الحظ حالفها لتغير كل شيئ!! انتهى.

المفارقة في الحديث أعلاه، أن هناك وجهة نظر ستتبنى فكرة أن سعاد محمد هي الأوفر حظًا، من حيث أن رصيد سيئاتها سيكون أكثر انخفاضًا، من رصيد الطرف المقابل الأكثر شهرة.
لكن، بعيدًا عن هذه المفاضلة، هل للحظ دور حقيقي في عدم نيلها المكانة التي تستحقها، خصوصًا مع اعتراف السنباطي أن أم كلثوم هي من أوعزت إلى أحد معارفها ليلفق لسعاد حادثة تهريب المجوهرات، في مطار مصر الدولي، والتي بسببها منِعت سعاد من دخول مصر لسنوات طويلة. إضافة إلى افتقار سعاد الحنكة اللازمة للتعامل مع خفايا الوسط الفني وأزماته، وزهدها في تسويق نفسها، وفشلها في صنع كاريزما تميزها...
هل الحظ هو المغناطيس الجاذب الذي جـمّع هذه العوائق، أم أن هذي العوائق هي من خلقت حظًا بائسًا؟!