الثلاثاء، 31 مارس 2020


هذه الكلمات، هي بمناسبة المنشور السابق الذي شاركتُه على صفحتي.

كلما تعمقت في أحوالنا، وجدتنا أبعد ما نكون عن ما ننتسب إليه، و نتسمّى به، و ندافع بحرارةٍ عنه؛ الإسلام. والذي إحدى تعاليمه المنسيّة، توجيهٌ نبويٌ مفاده: رب كلمٍة لا يلقي لها صاحبها بالاً، تهوي به في جهنم سبعين خريفًا. شهوة الثرثرة و حب الظهور، اكتسحت الأرواح، حتى لا تكاد ترى منها ناجيا. كلامٌ كثيرٌ يُـخط، دون أن يتوقف كاتبه، فيسأل نفسه عن تأثير ما نشر وألقى.
قصة المنشور السابق، ليست إلا مثالاً لألوف الكوارث، التي تسببت بها كلماتٌ لامسؤولة، لأشخاصٍ يفتقرون الوعي والضمير، والحس الأخلاقي، ممن يقدمن أنفسهن على أنهن حقوقياتٍ نسويات، ومن يدرن في فلكهن من المراهقات والمأجورات، وكل من اجتمع تحت مظلة الليبراليين منهن ومن الذكور أشباههن؛ من مروجي أفكار المساواة، وإلغاء الولاية، وضد القوامة، ولا للذكوريين، وحريتي نيلتي، وجسدي ملكي.. في الوقت الذي تبذل فيه هذه المولولة كل غالٍ ونفيس، كي يصبح جسدها مثيرًا، ووجهها فاتنًا، و تحرص على الظهور في أبهى حلة وأجمل زينة، لتـثير غرائز هذا الذكوري المتوحش الذي ترنو للخلاص منه!!!

قبل أسبوع، ومع موعد صرف رواتب الموظفين، تهافتَ الناس على السوق المركزي للمؤن، خوفًا من ضائقٍـة مقبلةٍ قد تجتاح البلاد، في ظل هذا الوضع الضبابي المجهول. تحكي إحداهن، وهي امرأة مطلقة، كيف أنها توجهت إلى السوق إياه، لتبتاع شيئًا من أكياس الدقيق والأرز والسكر، وكراتين الزيت والتمر، وغيرها من البضائع الأساسية. تقول: لم أستطع التقدم وسط أمواج الرجال المتزاحمة. أنا التي كنت فيما مضى، أكتفي بالوقوف جانبًا، فأجد من يعرض المساعدة، إما لوجه الله، أو لمآرب في نفسه. لم يلتفت صوبي أحد، بل لم يشعر بتواجدي رجل. انصبّ تفكير كل رجلٍ في تلك اللحظات على أسرته، و احتياجاتها، وتوفير مايلزم لها. غادرتُ السوق المركزي، وتبضعت من إحدى البقالات مااستطعت حمله. وحينما أصبحتُ في غرفتي، تخلصتُ من المرارة التي علقت في حلقي بالدموع. سألتها: لم كل هذي الدراما؟ كان بإمكانك استئجار أحد العمال، ليحمل لك ماتحتاجين، ويوصله إلى قعر مطبخك. أجابت : إنه الخوف، خفت من عدوى المرض، ومن أن ينتبه أحدهم إلى كوني وحيدة. في السابق لم أكن أكترث لهذي الأمور، أما اليوم، فالخوف من المجهول يسيطر عليّ. أتساءل لو ساءت الأمور، ماالذي سيحدث لي وأبنائي؟ الحق، أنني اليوم أحتاج مؤنِـسًا لوحدتي، ورفيقًـا لمساعدتي.
و بالأمس، تداولت مواقع التواصل، فيديو الممرضة الأمريكية التي قدمت استقالتها، لأن مديرتها أحالتها للعمل في الدور الذي يعج بمصابي فيروس الكورونا. قالت بالحرف الواحد، معللة استقالتها: ليس لديّ مكان أضع فيه أولادي.
توقفوا عن تخبيب النساء على أزواجهن. توقفوا عن تدمير البيوت. توقفوا عن خط الكلمات اللامسئولة، عن بيع الوهم، وتزييف الواقع. الواقع الذي كشف سوءة الشعارات النسوية، وأخرس أصواتهن، حين لاذت اليوم كل امرأةٍ بحِمى زوجها/ أباها/أخاها/ابنها، تنشد -بعد الله- عونه وأمانه. هؤلاء الرجال الذين تُـنسج حول ملازمتهم البيوت، الطُرف والنكات، في قرارة نفس كل امرأة رجاءٌ مخلص، ألاّ يحرمها الله وجوده ودعمه.

لكن... مافتيء الإنسان ظلومًا جهولاً جحودا.

السبت، 28 مارس 2020

يا أحبة، عثرت على وصفٍ مبتكٍر بديلٍ عن"دولة إسرائيل" أو " الكيان الصهيوني" واللتين تحملان شيئًا من التقدير لهولاء الأوباش. وقد عرضه مبتكره، مع وصفين إضافيين كنوعٍ من الإثراء والإغناء. أما الوصف المبتكَـر فهو " شرائد صهيون"... وصفٌ ملائمٌ موزون؛ بقدر دقته يتسع خيالاً ليحوي المدى الذي يتراكض فيه هؤلاء الشرائد الناهبون. فتـتجسّد أمام المستمِع ملتقِـط الوصف، صورة هؤلاء الأوغاد وهم مبعثرون في الشتات، هائمون في كل واد، يقتاتون ولا يشكرون، ويأخذون ثم يجحدون، ويختلسون فلا يكتفون. وإن أردت التجديد والإثراء، يمكنك الاستعانة بالوصفين الإضافيين، اللذين قد لا يكونان مبتكرين؛ " دويلة المسخ" و "قطعان الصهاينة". وصفان يناسبان قياس حجم هذه الدويلة الطفيلية اللقيطة. أتمنى أن نعتمد هذه المسميات، عند الإشارة لهذه الشرذمة المقيتة. وإن نهق ناهق، أو نبح في وجهكم نابح، إنه ياااي، ما أتعسكم ياعرب، أنتم مجرد ظاهرة صوتية... يييه هذا اللي انتوا فالحين فيه يا متأخرين يا متخلفين، فابصقوا في وجهه، ثم ذكّـروه بأصول الحرب النفسية التي مارسها من قبل مشركو قريش، حين وصفوا الرسول الكريم بالساحر المجنون، وأتباعه بالضعفاء السفهاء الأراذل، ثم سار على نهجهم اليوم أشباههم، فسخروا من إبْـلنا، ولِـحانا، وحجابنا؛ تسفيهًا، وتحقيرًا، وتصغيرا. ورغم أن أعيينا لم تُـفقأ، وأسنّـنا كما رؤوسنا لن تُـكسر، حيث لا سواء بين هداة النور و دعاة الضلال... رغم ذلك، فنحن هنا -وسنظل- بالمرصاد.

الأذية في زمن ال#كورونا

الثلاثاء، 24 مارس 2020

يسخر باومان في كتابه" الخوف السائل" من فيكتور هوجو، الذي كان يتغنى بالحداثة، ويتحرق شوقًا للمستقبل الذي ستقودنا إليه؛ حيث العالم الخالي من القدر الأعمى، حيث تنتهي المفاجآت والأوهام، حيث يتسيّـد العلم، فيـهزم كل مصدرٍ للخوف!!
يذكر باومان -في سياق سخريته- إعصار كاترينا ٢٠٠٥، الذي كشف عن هشاشة قشرة الحضارة، وعجْـز السلطات عن الحماية مُقدّمًا، وسوء إدارتها لاحقًا، وكيف أنها لم تتحرك إلا حين تم خرق القانون على يد الجوعى المخذولين، وليس رغبًة في إنقاذ ضحايا الكارثة الطبيعية. لقد أرسِل الحرس الوطني بعد تسويفٍ طويلٍ مؤسِف، للقبض على الناهبين وقتلهم بالرصاص( دون تمييز بين سارق الطعام وسارق الأجهزة الإلكترونية) وليس من أجل إيواء المشردين، ودفن الموتى، وإطعام الجوعى.
واللافت للنظر، هو حديثه عن ماأسماه" الخوف المشتق" المُـعاد تدويره، والذي عرّفه بأنه أثرٌ ناتجٌ عن خبرٍة ماضية في مواجهة الخطر، يصبح عاملاً مهمًا في تشكيل السلوك البشري، حتى وإن اختفى التهديد المباشر للحياة. هذا الخوف يخلّف شعورًا بفقدان الأمان، مقابل العالم الذي يعج بالأخطار، ثم شعورًا بالعجز، حيث الفرص ضئيلة للهرب أو الدفاع. وهو يصنّـف هذه الأخطار إلى ثلاث فئات: فئة تهدد الجسد والممتلكات، وفئة تهدد دوام النظام الإجتماعي، وهو النظام الذي يقوم عليه ضمان لقمة العيش(الدخل والوظيفة)، وأخيرًا الفئة التي تهدد موقع المرء من العالم؛ مكانته وهويّـته الاجتماعية(العرق، الدين، الطبقة...). ثم يذكر أن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء بحماية رعاياها، لاسيما من خطريّ الفئتين الثانية والثالثة، ويومًا عن يوم تُـخلِي مسؤوليتها مع تنامي هيمنة الأسواق التي تتبع العولمة بوتيرةٍ سريعة، أخرجتها عن سلطان الدولة، التي لجأت في النهاية إلى ماتسمى ب سياسة " الإسكات الصامت"، ذاك الذي يحدث بلا صخب، يتسرب إلى أيام حياتك دون أن تنتبه إليه، يتحرك بصورة دائمة، وبتأثير قوي، عبر وسائله التي عددها باومان في كتابه، والتي لا مجال لعرضها الآن. والمهم هي الخلاصة التي وصل إليها الكاتب حين قال: لا حدود لقدرتنا على الابتكار، ما أكثر السبل والأدوات التي نبتكرها، لكن... كلما زادت وفرتها، كانت تأثيراتها غير ناجحة وغير قاطعة. لقد أثبتت حياتنا أنها مختلفة عن الحياة التي تصورها حكماء عصر التنوير وورثتهم ومريدوهم، حين ظنوا بأن كبح المخاوف وتهديداتها ممكن التحقيق، لتأتي الحياة الحديثة السائلة، وتؤكد أن الصراع ضد المخاوف هو مَـهَـمة لاتنتهي، وأن العجز أمام هذه المخاوف والأخطار، ليس بسبب حجمها أو طبيعتها، وإنما بسبب عدم الثقة بالدفاعات المتاحة!!
سبحان الله... تأمّل آخر عبارة: العجز والخوف سببه عدم الثقة بالدفاعات المتاحة!... وكأنه إقرار خفيّ بدرع الدفاع المُـطَمْئِن الوحيد؛ حِـصن الله. الله الذي جسّ أرواح عباده مطمئِـنا( قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا)، بعثَ كتالوج الأمان لوحشة الظلام: ومن شر كل طارق، إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يارحمن. دلّهم للملاذ الحصين؛ حسبنا الله وكفى( حسبنا الله ونعم الوكيل)، ربّـت على القلوب الواجفة: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ماخلق وبرأ وذرأ، منحهم عهد الأمان: لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك... رفِـعت الأقلام وجفت الصحف.

الخميس، 19 مارس 2020

هناك لقطة مؤثرة جدًا في بداية فيلم contagion، المحاكي لوباء كورونا، والذي ذكرته في منشوري الأخير. حيث تنتظر "بيث إيمهوف" المريض الصفري(والتي عبرها انتشر الوباء)رحلتها في المطار، تقوم بالتقاط هاتفها الذي كان يرن، تنظر إليه وهي تبتسم ابتسامة المتلذذ بذكرى ما، ثم ترد على عشيقها الذي قضت معه ليلتها الفائتة، بشوقٍ ممزوجٍ بالنشوة. لاحقًا، تعود لبيتها وابنها الذي تحتضنه فيموت بعدوى المرض الذي قتلها، بينما ينجو زوجها المحصّن بمناعةٍ فطرية.
غنيّ عن القول، أن أيّ مشهدٍ في عملٍ أدبيّ أو فنيّ، لا يمكن أن يكون عبثيًا، بل حتمًا له رسالته وإيحاءاته. المهم، أن اللقطة التي عنيتها استهلالاً، حدثت أثناء تشريح جثة بيث. حين مُـدِد جسدها الرائع على اللوح، ثم بادر الطبيبان نشر قشرة دماغها للوصول لداخله. هنا تلتِـقط الكاميرا تلك الومضة، حيث تُــلقى قشرة دماغها، التي لم تُـفصل تمامًا عنه، باتجاه وجهها، فتغطي مع شعرها أجزاء منه!
الدماغ الذي حوى كل تلك الذكريات، وأمواج الهمسات، وخُطط المواعدات؛ يمسي اليوم مرتعًا للدود والفيروسات! الوجه الفاتن، بعينيه اللتين بعثتا ألوف الرسائل والخلجات، بحاجبيه اللذين تعاقدا لومًا وتأنيبا، بشفتيه اللتين تآمرتا غزلاً وتأجيجا؛ هو الآن حاوية قصاصات!! صورة ما فتيء الأدب الإنساني يتناقلها، لترسيخ الموت كمرآةٍ تعكس زيف الحياة وهشاشتها. وأنه الحقيقة الجليّة التي تتقازم أمامها الرغبات الإنسانية، وتكشف عن مدى وضاعتها وانعدام معناها. ضعيفٌ أنت بقدر قوة نزواتك وأهوائك.

في سياقٍ متصل، لا يرتبط بالموت على وجه الضرورة؛ وقفتُ منذ مدٍة قصيرة بباب حقيقٍة صادمة؛ من كون الحب ليس إلا وهمًا لذيذًا نقطع به حِمل هذي الحياة الثقيل...، أكاذيب نُــجمّلها في أعيننا، لنضفي لومضات الترف معنىً وقيمة؛ فتمسي للأماكن حظوة، وللروائح امتداد، وللألحان تاريخ، ولعتمة الليل مغزى، ولرنة الخلخال قصيدة. في تأكيدٍ، ساهم البشر في صنعه على أن الحياة تستحيل دون هذه العاطفة. مع أن الإسلام لم يأت على ذكر الحب، إلا ذاك المتمحور حول ذات الله وفيها. وما أبعدَ النُجعة من قال إن مجنون ليلى لو قرصه الجوع يومًا، ما ذكر ليلاه ولا هواها. وهكذا هو كل "وهم حب". أخرِجه من ظرفه المثالي، وسيتلاشى. بل ليس عليك إلا أن تعارضه بالمدرّجات الأوَل من هرم ماسلو؛ لتكتشف الزيف الذي تنسجه آمال الوحدة. وهمٌ لازمٌ لمسيرة حياة الأكثرية، مخدّرٌ لذيذ لمواجهة أوجاعهم، لتقبّـل ذواتهم، لخلق معنًى لما لا معنى له، لفلسفةِ التفاصيل بما يروق لأمزجتهم، ومايتوق إليه خيالهم.

أقِـر بأني دهشت لبلوغ هذه الحقيقة، وأسِفت حينًا لتجليها. لقد بات العالم مصقولاً ببرودةٍ لاذعة. رويدًا رويدًا، مضيت في تقبل ماوصلت إليه. لأدرك أنه كان أمامي منذ البدء، لكني اخترت حينها لذة الوهم. لا بأس... أقول لنفسي اليوم، وأنا في بداية هذا الكشف، أن الأفق يحمل ماهو أوسع من التمحور حول ذاتٍ بشرية مثلك، ترهن بها سعادتك ونشوتك، وتقيّم بها يومك، وترضى من خلالها عن ذاتك، ويدور حولها إشراقك ودندنتك. هناك ما هو أوسع، وأعمق، وأبقى. أشعر بذلك. أشعر بوخز اقترابي منه. ليس عليّ سوى التوغل في كهوف أعماقي، و تأمل هذا الأفق الرحب من الكون، وحتمًا سأصل.

الاثنين، 16 مارس 2020


في الرفاهية يصبح التافه بطلاً، وفي الشدة يبرز الكبار. الناس تركت المشاهير في هذه الظروف، وتابعت الأطباء، والعلماء، والناصحين عمومًا.
هذه الكلمات يتم تداولها حاليًا عبر الأثير، على أنها عظة مستخلصة وقراءة نابهة للحدث، والحق أنها أبعد ماتكون عن الدقة والصواب. فقاريء الواقع، المتتبع لأحداثه، الواعي لتطوراته، يلمس عكس ماورد في الفكرة أعلاه؛ من تخبط الناس، وسوء تقديرهم، وهشاشة منطقهم، وانقيادهم خلف كل مايبرق وينعق.

في فيلم contagion الذي أنتِـج قبل تسع سنوات، والمحاكي تمامًا للأزمة الراهنة، بكامل تفاصيل الوباء، وأعراضه، والحجر الصحي الملازم له، والسعي الدؤوب لإنتاج لقاحٍ له، تبرز شخصية آلان كرومويدي(جود لو) وهو عبارة عن مُـدوّنٍ ساعٍ للشهرة، يلهث خلف الأخبار بتطفّـلٍ مزعج، دفع الدكتور سوسمان لأن يصرخ في وجهه قائلاً: ابتعد عني، أنت لست صحفيًا، التدوين ليس عملاً احترافيًا، إنه مجرد سخافة. لاحِظ أن الفيلم أنتِج قبل تسع سنوات، أي قبل تنامي التفاهة الدسمة المتمثلة في سناب شات وانستقرام والذي منو. المهم أن كرومويدي، ومع تفاقم الأزمة وازدياد عدد الوفيات، يقوم بعرض مقطع فيديو على مدونته الشعبية، يدعي فيه إصابته بالوباء، ثم يعرض تسجيل فيديو آخر لاحقًا، يتعاطى فيه محلولاً يسمى فورسيثيا، مدعيًا أنه تماثل للشفاء بسببه. يُـجن جنون الناس، ويتهافتون على الصيدليات للحصول على الدواء المذكور، حد أنهم يحطمون المباني ويتعاركون، ويدهسون بعضهم البعض. ليتضح في نهاية الفيلم أن كرومويدي ليس إلا كذاب كبير، سبق له الاتفاق مع مستثمري فورسيثيا، لزيادة أرباحهم، وحَصَـد هو شخصيًا ٤ ملايين دولار. وبعد هذا كله، وبعد أن يُـلقى القبض عليه بتهمة التآمر، والغش، والقتل الخطأ، يُـطلق سراحه، لأن متابعيه البالغ عددهم ١٢ مليون، دفعوا كفالة خروجه!!!
قد يحتجّ عاذِر أنه لا لوم على البشر، فالخوف يفعل في الأنفس الأعاجيب. ونعم، الخوف يدفع الناس لتصرفات لايخطر على بالهم -في الظروف الطبيعية- أنهم سيقترفونها. رأينا ذلك في الأمهات اللاتي فجِـعن بإصابة أولادهن بأمراض خطيرة، وكيف طرقن في يأسهن أبواب الدجل والشعوذة، لكن... هل كلهن فعلن ذلك؟!
يقول الشاعر إريش: في الواقع، سيقان الأكاذيب الكبيرة ليست دائمًا قصيرة، في الغالب، سيقان الغافلين الذين صدقوها هي الأقصر منها دائمًا. نعم، الوصف المناسب هنا هو الغفلة. هذا تحديدًا عِـلّة تخبّـط هؤلاء؛ غفلة الجوارح، وخواء الأجواف، من العلم والإيمان والوعي. الغفلة التي رفع عنها القانون يد حمايته، ودعى الإسلام إلى التوقّي منها بالتدبر والتأمل. تدبّـر يورث الفهم، ويستلزم التأني، ويعـقّب الحكمة، في علاقة أقرب للتلازم الطردي؛ حيثما كان التأمل، كانت الحكمة والبصيرة. بيد أن الناس اليوم لايملكون الرغبة في التوقف، بل ولا القدرة عليه. لقد فرط من أيديهم زمام أمرهم، وباتت الخفة تقودهم رغمًا عنهم..
سأقصرُ نفسي جاهِداً عن جدالِهم
كَفانــي مــا ألقــى مــن العَبـراتِ
أُحـاولُ نقلَ الشمس من مُستقرِّها
وإسمـاعَ أحجــارٍ مــن الصَّلـَداتِ
فمــن عـارِفٍ لــم ينتفِع، ومُعاندٍ
يَــميلُ مــع الأهــواء والشَّهــواتِ

السبت، 14 مارس 2020


في خفة الطير وأحلام السباع!

زمان، كنت إن مررت بأي حديث يتطرق لفكرة قيام الساعة على شرار الخلق، أعجب منه وله أشد العجب، وفي صدري يرفرف التساؤل: كيف يكون ذلك، وقد بدا لهم من مقدماتها مابدا؟!
وسبحان ربك، يُـبدي لك كورونا ماكنت جاهله!
بالأمس كان حفل زفاف إحدى قريباتي، وقبله بساعات، تحديدًا مساء الخميس أصدرت وزارة الداخلية قرارًا يقضي بمنع إقامة أي حفلات أو مناسبات في أي مكان. وظننت (حسب مايقضي به العقل والحكمة والمصلحة والنظام وكل مايمت للرشد بصلة) أن الجميع سيمتثل للقرار في التو واللحظة، وأن العالم ستـيسّر على نفسها وغيرها، وتزف بكل سكينة بناتها إلى بيوتهن، سائلين الله السلامة، شاكرينه على تمام نعمته التي بلغتهم هذه الساعة. هذا والله ماذهبت إليه أفكاري وهي تتخيل ذاك الموكب الوادع المطمئن. لأتفاجأ برسالة من عائلة العروس، تؤكد أن الحفل ماضٍ في موعده ومكانه دون أيّ تأخير.
وكي تؤكد ابنة عمي على أني المختلة الوحيدة التي تلزم بيتها، بعثت لي بمقطع يصوّر ازدحام قاعة الحفل، التي أطفأت جُـل أنوارها مُسايرًة لسيارات الشرطة التي وقفت خارجًا تستحثهم الإسراع في المغادرة. في الوقت الذي صمدت فيه النساء، وبقين قابعاتٍ في تلك الظلمة يرقصن ويحتفلن...حدث ذلك في كل قاعات المدينة المخصصة للاحتفالات!!!
قبلها كانت ابنتي وفي محاولةٍ منها لحثي على الخروج، تُـريني سنابات صديقاتها وعوائلهن، وهم يتجولون في الأسواق، ويأكلون في المطاعم، ويجلسون في المقاهي....العجيب أنني أعرف هؤلاء جيدًا، وأعرف أنهم من مرتادي المطاعم والمقاهي على مدار السنة. وأنه من المحال المحال أن تنقضي ثلاثة أيام بلياليهن دون أن يمروا على هذي المعشوقات فيتمسحوا بها ويلثموها ويحتضنوها.
كل هذي الأخبار عن الضحايا والوباء، والحجر والوقاية، وانتشار المرض، وانهيار الاقتصاد، وكوارث العواصف والأمطار،والعالم مُغـيّـبون... في سكرات الشهوات يعمهون!
يقال أن عمر ابن الخطاب مرّ بجابر بن عبدالله وهو يحمل لحمًا، فسأله عنه، فأجاب جابر: هو لحم اشتهيته فاشتريته. فرد عليه عمر: أوَ كلما اشتهيت اشتريت!! أما تخشى أن تدخل في هذه الآية( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا). سيدنا عمر يعلم جيدًا أن الآية نزلت في الكفار، لكنه الزهد والورع الذي قال عنه: تركنا تسعة أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام. وهو ذاته القائل: إني لأكره أن يكون أمر أحدكم سبهللا، لا في أمر دين ولا دنيا!

وأنا أشاهد مقاطع السناب التي عرضتها ابنتي عليّ، والصور التي بعثت بها ابنة عمي، تخيلت لو أن عمر وقف وسط هؤلاء الناس يعظهم: أوَ كلما اشتهيت اشتريت!.. أوَ كلما رغبت انقدت!... أو كلما تمنيت حصلت!... لا يكن أمركم سبهللا، لا دين ولا.....
طبعًا لن يكمل كلامه، لأنهم سيكونون قد ربطوه في إحدى مركباتهم وسحلوه. أقسم بالله هذا ماسيحدث. الناس التي لم تقو التزام بيوتها جزعًـا من الملل، لن تصبر على رجلٍ يعظها بضرورة كبح جماح شهواتهم المسعورة، التي طغت على عقولهم حتى أذهبتها، وسلبتهم كل حيلةٍ أمامها.
تعس عبد الدينار... تعس عبد بطنه... تعس عبد رغباته... تعس وانتكس، وكما تنبأ ابن خلدون؛ سقط.

الجمعة، 6 مارس 2020


الكمامة بعشر أمثالها.

فتحت خريطة السناب شات على دولة الصين، كي يتسنى لي متابعة الأخبار من مصدرها. فكان أن التقطت إشارة شابٍ عربي يدرس الطب في مدينة شنغهاي، ثم بدأت متابعة يومياته لمّا وجدته على قدرٍ من الوعي والالتزام. استمعت إليه في يومٍ، وهو يروي إحدى قصصه التي عنونها بــ" الكمامة بعشر أمثالها"، فابتدأ قائلاً: في بداية أزمة الوباء، استوقفني حارس البناية التي أقطن فيها، وهو رجلٌ صيني عجوز، وسألني إن كان لدي كمامة إضافية أعطيه إياها، فتوجهت من فوري إلى " درج السيكل" وأخرجت كمامتي المفلترة الوحيدة التي بحوزتي. وبعد مايقارب الأسبوعين، وفي ساعات الصباح الأولى، كنت على سطح البناية، أتناول قهوتي شارد الذهن منزعج الخاطر، أفكر في الكمامة التي بَـليت على وجهي، ومامن بديلٍ عنها لديّ. الله وحده يعلم من أين أتى ذلك الشاب الصيني، وكيف هبط عليّ من السماء، تبادلنا أطراف الحديث، ليسألني فجأة بعد أن ألاحظ قِدم كمامتي: ألا توجد لديك كمامة؟ فأجبت بالنفي، ليغادر، ثم يعود إليّ بعد دقائق حاملاً معه كرتون كمامات، منحني إياه دون مقابل. يقول الفتى مكمِلاً: فما كان مني إلا أن طلبت إضافته على إحدى برامج التواصل الاجتماعي الخاصة بالصينين. بعدها بأيام، وفي أثناء لقاءٍ جمعني بالحارس العجوز، التقطت برفقته صورة"سيلڤي" وشاركتها مع أصدقاء الصفحة، لأفاجأ بالشاب الذي منحني كرتون الكمامات يرسل: هيه ياصاحبي، هذا العجوز الذي برفقتك هو والدي!
قصة الشاب، أعادت لي ذكرى حادثة وقعت معي منذ سنوات. كنت حينها قد تبرعت بتدريس مجموعٍة من الطالبات في منزلي دون مقابلٍ مادي. كان ذلك خلال شهر الحج. وفي آخر يومٍ لتدريسهن، دعيت لتناول طعام العشاء بمناسبة عودة إحدى قريباتي من الحج. وتم التأكيد على ضرورة التواجد بُـعيد صلاة العشاء مباشرًة. فرتبت أموري على المغادرة قبيل الآذان كي يتسنّى لي المرور بمحلٍ مشهورٍ لدينا يبيع مايسمى بـ " البيتي فور" اللذيذ الفاخر، والذي تحبه قريبتي هذه جدًا. وكنت أراقب الساعة بقلق في انتظار مغادرة آخر طالبة. وحيث أن المحلات لدينا تغلِق بمجرد رفع الآذان، ولاتعاود العمل إلا بعد خروج الصلاة بفترة، فقد اتصلتُ هاتفيًا بوالدة الطالبة أحثها على الإسراع. بيد أن ذلك لم يفلح. رفِع الآذان وأسقط في يدي. وتعطل لشدة حيرتي تفكيري، وفتحت الباب لوالدة الصغيرة دون تركيز، محاولًة رسم ابتسامة هدوء تقابل اعتذارها المخلص. كنت قد ارتديت عباءتي مسبقًا، في محاولٍة لكسب الوقت، وماأن أعطتني السيدة ظهرها حتى تحركت كي أطفيء نور المدخل، وإذ بي أصطدم بكيسٍ كانت يد المرأة قد انسلت به للداخل بكل لطف، وانتبهت إلى أنني قد سمعت صوت قراطيسه لكن شدة ارتباكي شغلتني عنه. انحنيت أفتحه لأتبين مابداخله، فتسمرت عيناي دهشًة. إنه البيتي فور، ومن ذات المحل المشهور الذي أردت أن أقصده، ومن ذات الصنف السادة الذي تفضله قريبتي و نويت ابتياعه!!
بعض الأحداث، مهما حاولت إلصاقها بإرادة البشر، أو نسبتها لعميق رغبتهم بها، ومايتبع ذلك من هراء قوة الطاقة، والاستدعاء، واستجابة الكون.. ستسلّم في النهاية راغمًا إلى كونها تتخطى كل ذلك وتتجاوزه، لترتبط بإرادةٍ أعلى وأقوى؛ إرادة من قال" وقل اعملوا فسيرى الله". حقيقة تقتادك من ناصيتك، وتجعلك وجهًا لوجه أمامها وحدها. تنزاح عن كاهلك الأعباء واحدًا تلو الآخر، وعينًا إثر أختها، فلاترقب في النهاية إلا عينه، ولاترجو غيره. تعبده كأنك تراه، يراك وإن لم تدركه عيناك. إن وعيت تلك الحقيقة، تخففت من كل الأحمال، وباتت غايتك نحو جهةٍ واحدة، فلم تشتتك الأهواء والجهات.
هذا ماازددت إيمانًا به بعد قصة الموظفة التي أدارت لها مديرتنا ظهر المجن، وأنزلتها من سابع علياء لسابع قاع، وأذلتها بعد طول عز. وهي التي بذلت من وقتها، وجهدها، ومالها، وصحتها مابذلت إرضاءً وخدمًة لها، إلى الحد الذي جعلها تشهد زورًا لتنقذها. كانت عينها على المديرة وحدها، فعاملتها الأخيرة بأهواء البشر التي تميل وتفرط، وتغمط وتقسو، وتسخط فكأنها يومًا لم ترض. هكذا، قد تجد الجحود عند من لايُعرف به، وقد يغدق عليك من بينه وبين العطاء قطيعة، تلك ليست إلا مراسيل الله. مراسيل من رأى، فرأى الكون تبعًا له؛ رسلًا، وعبادًا صالحين، وملائكةً تهبط على حين غرة، وتتمثل بشرًا هينين.

"فسيرى الله"، منتهى التحرر والخلاص... الخلاص من عناء الركض طلبًا لرضا الناس، أو سعيًا لماعندهم، أو أملاً في منفعةٍ منهم. تحرر من التذلل لهم، أو التجمّل من أجلهم، أو التعلّق بهم. حتى الموت حين تطلبه وأنت ترقب عين الله، يهب لك الحياة. في الوقت الذي تركض فيه طلبًا للحياة من أجل الآخرين، من أجل شعاراتهم وزيفهم، من أجل رضاهم وتصفيقهم، من أجل أن تلتمع صورتك في أعينهم، ثم هم لايرونك. بل ولايهنأ بالهم حتى يميتوا ذكرك، وكل أثرٍ لعملك.
حين تدرك أن مآل كل العيون إلى الانطفاء، ستعي أن مايُعمل لغير وجهه هباء.