الجمعة، 28 فبراير 2020


أسلمت قلبي إليك...
أنا البدوية الهاربة من سطوة الأسقف والجدران. أنا المتخففة من ثياب التمني، الزاهدة في رضا الناس، أرنو إليك وحدك، مامن سواك. أمتطي الريح العنيدة، تدين لجدائلي قبائل الجن، وأخرّ رضًا حين ينحني قلبي بين يديك. تسابقني الخيول البرية، وأعقد للقيود ألف تعويذة، ثم أقيدني بك؛ ألتجي لحماك، وأتوق.. أتوق ليضلني جناحك.
وقعت في قيدك حين أغوتني القصيدة وعيناك، بات كل المدى وجهك، وكل وجهاتي إليك. يارضاي عن كل آت، وصلحي مع كل مافات، وتصبيرتي في الليالي القاتمات. يالهفة العمر، وغاية المنى، وصبابة القلب المُعنـّى. خذني إلى مدارات وجودك الـ طالما أدهشني، اقبلني نجمًة تنداح في محيطك الشهي الندي، سِـر بي في الدروب العتيقة التي طرقتها دوني، كي أمسي رفيقة الماضي، اسمح لطوفان هيامي أن يتخللك كما تسربتَ لدقائق تكويني وأيامي.
عبرتُ قسوة البيد الممتد، وأنخت رحالي حيث واحتك. لاتبعدني عذرًا بالجفاف، فقد ضربتُ وتدي عميقًا، بعمق لقائنا في الزمان الغابر. غاية رجائي أن تزهر آخر أيامي في ظلك الذي كسرت لأجله ألوف الرماح. إن مت اليوم، حسبي أن آخر ماتقع عليه عيناي وجهك وسماء أجدادي.

الأربعاء، 26 فبراير 2020


باتت الأرض خرابًا ياالله...
الغثاء قبل الأعداء يتهمك. تارةً يقولون دينك، ومرةً يشيرون إلى المتحدثين باسمك، وآخرون يتجرأون: علة العلل توهّم وجودك !
جحور الإمعات حجبت كهوف الثابتين. وحين يُـنثر الذهب على منصات المجون، فلا تجوع كادحة الثدي، تزهق في الدهاليز المظلمة أرواح أصحاب الوِرْق العتيقة.
أنقذنا ياالله، أنقذ الإنسان الذي اختبأ بعيدًا عنّـا. تاهت منه ومنا كل المعاني الأصيلة. ابعث فينا من يطوي شتاتنا، ويعيدنا سيرتنا الأولى.

بات حاضرنا أشبه بالماضي ياالله، لايمكننا حياله إلا المشاهدة. ترقّبٌ بغير فعل، استعراضٌ بغير فعل، وفعلٌ لايشبه الفعل، ثم تنطلق عصافير القلب أشجان! وحدها الكتابة أمست الفعل الأكثر هيبةً وأقل عتهاً وسط هذا الجنون. وهاأنذا تحك الريح جراحي، فأسقط كعروسٍ باغتها الموت...
أرخى الليل سدوله... ومضى المتعبون؛
سقط من شرفة البيت قمر، وغادر الباحة صبي، وباتت امرأةٌ هذه الليلة دون رفيق، ومازال عازف الليل يعزف الناي. وأنا التائهة في ظهر الأزقة، أشم بقايا الحياة، أبحث عن جرعة حبٍ أحقن بها وريدي كي أنعم بنومٍ هاديء، أريد ساعةً من نومٍ عميقٍ ياالله....
ياالله ... يارجاء المسحوقين، عبيء لنا في هذي القناني شيئاً من نور، امنحنا إشارةً نواجه بها هؤلاء المرتابين، ربت على قلوبنا كي نستكين. طال الليل ياالله، وأنّـات الموجوعين تثقب آذاننا، تؤكد لنا بإلحاحٍ أن لسنا بخير...
وأنا.... أنا وحيدة، لايعرفني في مدن الأشباح غير الحزن، قد حفظ وجه قلبي عن ظهر تعذيب. أظل أسير وأشعر أبداً أنني على حافة كارثة، أهرب نحو مالا أعرف، أخط وأمحو، أرسم وأنكِر، وتسقط من العين دمعة. يوماً عن يوم يزداد الملوّحون بالوداع، وأظل هنا لاأستشعر إلا الغربة. أدير وجهي فتصفعني ضحكة الأيام ساخرة: قد خسرتِ اليوم عمر ، وانطفأ لكِ حلم!
كل مافي الأمر أني قد حزنت
وأن قلباً كاد ينبض.. فاحترق
كل مافي الأمر أني قد خسرت
وأن عمراً كاد يرجع.. فاختنق
كل مافي الأمر عـمـر
لاتبعثره الحياة ولايلملمه الورق .



السبت، 22 فبراير 2020


انضمت إلى مجموعة عملنا قبل عدة أشهر معلمة حاسب، في نهاية العشرين من عمرها، متزوجة وأم لطفلين. وكنت قد لمست فيها اختلافًا عن قريناتها في العمر، من حيث كونها أكثر اتزانًا وقناعًة وجديّة. وبحكم نصاب حصصها المنخفض، كانت تنال في اليوم مالايقل عن حصتي انتظار. لكن لم يحدث يومًا أن لمحتها تجلس عند باب الفصل وتعطي ظهرها للطالبات كما تفعل الغالبية. إنها تقوم بإشغال الطالبات بأي عمل، كي لاينصرفن للهو والأحاديث الفارغة. وأذكر مرة أنّـا كنا نتحدث عن ساعة النشاط الإضافية (البلاجدوى)، التي أضيفت لساعات عملنا، بحيث صرنا ندخل بيوتنا مايقارب الثالثة عصرًا، فتكلمت الفتاة بمنتهى العفوية: إي والله بهالوقت كان أنا محممة أولادي، وأشرب الشاي الأخضر بعد الغدا.
يااااااه، استحمام الأولاد حال عودتهم من المدارس، ثم الجلوس لشرب الشاي المنعنع بعد الغداء !! تلك طقوٌس عفا عليها الزمن. كيف لفتاةٍ في مثل عمرها المحافظة عليها في ظل تفلّت الأبناء كالسهم آن دخولهم البيت، وتعلّقهم بأجهزتهم، حد انصرافهم حتى عن تناول وجبة الغداء مع أسرهم، وهي الشكوى المتكررة من جلّ الأمهات، وخصوصًا الشابات المقاربات لسنها. لاحقًا، أصبحت أصغي لأحاديثها باهتمام. كانت تكثِر من ذكر والدتها وبيت عائلتها؛ حين تكون الأجواء ملبدة بالغيوم تصيح: بهالجو ماما لازم تطبخ رز بالعدس، ولازم نتغدا بالسطح، حتى أحيانًا كانت تمطّر على روسنا واحنا نتغدى. يكون الطقس شديد البرودة، فترسل بحنين: ياالله، كان بابا يصحينا بهالبرد، وأول مانصحى كنا نشم ريحة الفطير بالسمن والعسل، مستحيل يبرد الجو إلا وأتذكر فطير السمن بالعسل اللي كانت تعمله ماما. تقوم إحدى المعلمات بتبخير الغرفة، فتعلّق: والله كثرة البخور تعّـب صدر ماما، يوميًا بعد المغرب، وبعد ماتنتهي من تنظيف البيت كانت ماما تجهز صينية الحلى، وتحط القهوة على النار وجنبها فحم البخور، خلاص عِـلِق بدماغي ريحة القهوة مع البخور بعد المغرب، ثم تضحك بصوتٍ عال. نأتي على ذكر المأكولات البحرية، فتقول: احنا تعودنا ناكل السمك يوم الجمعة، ماما كل جمعة تطبخ سمك مشوي ومقلي للي يحبه. تتحدث إحدى المعلمات عن ابنها المدمن على شاورما المطعم المجاور لمنزلها، وكيف أنها تشعر بالغثيان وهي تراقب التهامه لها، فتبتسم قائلة: ذكرتيني بماما، قِدرت إنها تكرّهنا بحلويات البقالة عن طريق وجهها، كانت لما تشوف واحد فينا ياكلها، تخرج لسانها وكأنها على وشك التقيؤ وتهز جسمها وكأن معها قشعريرة، فكان غثيانها يصل لنا لاشعوريًا. في إحدى المرات استرقتُ السمع لحديثها وهي تنصح زميلة في مثل عمرها: لازم تعوّدي بنتك على إنها تكون إيجابية وفعّالة، أنا أحيانًا أشوف الدرس اللي حتاخذه بنتي بكرا، وأروح وأشتري هدايا رمزية تكون لها علاقة بموضوع الدرس بعدد زميلاتها في الفصل، وأحيانًا في مناسبات الأعياد أو المناسبات الدينية أعمل هالحركة، ماما كانت تعمل معانا نفس هالشي، ماتتخيلي مثل هالأمور قد إيه تعزز ثقة الطفل بنفسه، وتعوده على التعاون والبذل.
رأسًا، وجدتني أستعيد كلمات الصحفية الأمريكية إيدا لوشان: إن أي طفل يشعر بالحب والقبول، ويحاط بأناس متفتحين شغوفين، سيتعلم القراءة والكتابة في سنٍ مبكرة، لكننا وللأسف غالبًا لانستطيع توفير المناخ الملائم، وأجد أن ذلك يرتبط بصورة أو بأخرى بماتشعر به النساء لكونهن نساء. فإذا لم تتصالح المرأة مع تميّزها عن الرجل، ولم تستمتع بخصائصها كامرأة؛ تستقبل الحياة وتربي الصغار من أجل المتعة الطبيعية البسيطة التي يجلبها ذلك، تصبح نافذة الصبر وساخطة، وتشعر بأنها مكرهة على دورها الفطري في إصلاح الطبيعة. أرى أن الضغط على الأطفال للتعجيل بنموهم ناتج عن عدم رضا المرأة بدورها كحاضنة للصغار. انتهى.

ربما سيسخر أحدهم لو قلنا إن موقد المطبخ هو السبب في حل خوارزميةٍ معقدة، وأن فطيرًة معجونًة بالتمر وراء مهندسٍ ناجح، وأن تحلّقًا حميمًا حول شاي العصر نهض باقتصاد دولة، ويتناسى هؤلاء أن شاعرًا حزينًا أرسل ذات يوم: أحن إلى خبز أمي.. وقهوة أمي...ولمسة أمي. لم تكن أما متمردة على الأنوثة تلك التي أنجبت شاعرًا بليغا. لم تكن أماً رافضًة لدورها تلك التي ربت قائدًا مغوارا. لم تكن أمًا ناكرًة لتميّز خصائصها تلك التي نشأ في حضنها عالمٌ نجيب. لن نظفر بشاعرٍ حكيمٍ مالم تكن هناك امرأة قانعة بفطرتها. لن يظهر بيننا عالمٌ عبقري مالم توجد امرأة تستمتع بدورها الأنثوي. لن نحظى بربع بلاغة قس، ولاسدس حِلم الأحنف، ولا ثُمُن دهاء معاوية، ولابشعرة من سجايا الفاروق إن لم توجد امرأة عظيمة الصلة بأعمق الينابيع في داخلها، تنميها وتستدعيها آن الشدائد، لتصنع بالرضا والصبر مايسكّت جوع أبنائها، ويسد حاجتهم، ويعدهم لمستقبلهم.