السبت، 25 يناير 2020


أكثر ماأدهشني من تعليقاتٍ على المنشور السابق، استنكار البعض وصف الممثلة شريهان بالساقطة!
وحيث أني كنت تحت وطأةِ حمى شديدة، وحيث أن الاستنكار تكرر من عدة أشخاص، فقد احترت في أمري، وشككت في نفسي، وهذيتُ محمومة: هل يعقل أن ذاكرتي خانتني، وأني ظلمت المرأة؟! ولأني لا أتابع الأعمال الفنية العربية، اضطررت لفتح بعض أعمال المدعوة شريهان عبر نافذة اليوتيوب. عدة مقاطع من ثلاثة أفلام فقط، كانت كافية لإثارة قرفي واشمئزازي. لقطات وهي بملابس خليعة تكاد لا تستر شيئا، وأخرى وهي بأقمصة النوم الشفافة، ممدة على السرير بوضعيات مثيرة... قبلات وأحضان ولمسات مع داعرين يُطلق عليهم اسم فنانين...في دورين من الثلاثة أعمال كانت تمارس الرذيلة مع ربـيبها... رقص وخلاعة وعهر لاتُـطيق حرة إطالة النظر فيه.ثم وبعد كل هذا، وياللعجب المستعجب العجيب الذي يفر من العجب، يستنكر البعض وصفها بالساقطة!!... رباااه، ماالذي حل بالبشر. إذا كنا كعرب لانجد أفعال العهر والمجون هذه أفعالاً ساقطة، فلا لوم على الغرب إذن في دعمهم للـ م ث ل ي ي ن و ال س ح ا ق ي ا ت ؟!
ماالذي يحدث؟ هل هو آخر الزمان الذي يتسافد الناس فيه علانيةً في الطرقات، فيقول أمثلهم: هلاّ نحيتها جانبًا!! إذا لم تكن شريهان ساقطة فأنا لست قليلة حياء. لكنها ساقطة كما أن حيائي قل منذ ولوجي عالم الأثير، وتهاوني في الأخذ والرد مع الرجال. إن ظللنا ندس رؤوسنا في الرمال فلن نرى المشكلة، وبالتالي لن نعالجها. أولى خطوات العلاج الاعتراف بالخلل. تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية حتى لانفقد الطريق.
في فيلم Insomnia لـ آل باتشينو، وفي آخر لقطة له في الفيلم وهو يحتضر، أرادت زميلته المحققة رمي القذيفة التي تدينه بجريمة قتل صديقه، لكنه أمسك يدها قائلاً : لا، لا تفعلي، لاتفقدي الطريق. الباطل يجب أن يظل باطلاً، وأن يُسمى باسمه، ويشار إليه دون تردد، دون مواربة، دون تنميق وتجميل كاذب؛ فنانين، ورسالة، ونجوم وكلام فاضي. هؤلاء النجوم رأيناهم وهم يغنون" تسلم الأيادي"، يصفقون لزعيمهم المجرم، يرقصون على أشلاء الآخرين المحترقة. يضحكون على دموعهم و يسخرون من طحنهم وعذاباتهم؛ لسان حالهم: هل من مزيد.
نعم، ضعف إيماننا قد يجعلنا نتابع أعمالهم، نطرب لأصواتهم. لكن ذلك لايعني أن نتعامى عن حقيقتهم النتنة القبيحة. وأنهم ليسوا إلا عبيدًا لمصالحهم، كلاب يطلقها السيد علينا متى ماأراد سحقنا، لتجميل جرمه عبر "فنهم" ورسالتهم الواطية. اليوم وأنتم تناقشون تفشي الجرائم الأخلاقية، والانتهاكات الجنسية، وانتشار الشذوذ وزنا المحارم، والمتاجرة بالأطفال والنساء، تذكروا أن شريهان التي انتفضتم لأجل وصفها بالساقطة، كانت إحدى الأسباب في تفشي هذي الجرائم. وكما تطالبون بالتوقف عن التسويق للتافهين، توقفوا عن تجميل الباطل وتزيينه. توقفوا عن دس رؤوسكم في حفر رغباتكم. لأن العاصفة ستقتلعكم وإن أغمضتم عيونكم.

ألا فاسقني خمرًا.. وقل لي هي الخمر
ولاتسقني سرًا... إذا أمكن الجهر.
لأجل هذا كان إنكار القلب أضعف درجات الإيمان. لأن أهل الفسق إن لم يُلجموا، اشتدت جرأتهم، وتعالت أصواتهم، وطلبوا الظهور، ونادوا بالحقوق، حتى يصبحوا هم الفئة الظاهرة المتعالية، ثم المشرّعة الحاكمة. هذه هي سنة الكون؛ إن لم يعلو صوتك، سيعلو صوت الآخر. إن داهنتهم وجاملتهم، وارتضيت المراوغة في التعامل معهم، وسايرتهم في تزييف الحقائق، فستصبح أنت الأكذوبة ووحدهم الحقيقة. حينها سيطالبون بتحييدك، وسلب حقوقك، بحجة أن صوتك الأضعف وهم الأكثرية.
أولى المزايا التي شرف الله بها آدم، تسمية الأشياء. متى ماسُميت الأمور بمسمياتها الحقيقية، عرِف بماهيتها مالها وماعليها. أفعال العهر لاتقوم بها إلا عاهرة. الباطل سيظل باطلاً، ودع عنك متاهات النسبية وزوايا وجهات النظر وهراء النفعية. الدواب وهي دواب أنِـف بعضها من إتيان مايأتي به البشر.

الجمعة، 24 يناير 2020


في كل مرةٍ ابتل فيها فراش طفولتي، تجولت الخيزرانة في أنحاء جسدي. ثم وكعقابٍ إضافي حملتُ ذاك الفراش على ظهري إلى السطح. كحال كل الآباء والأمهات من ذلك الجيل، لم تكن والدتي لترهق ضميرها بالتساؤل عن سر هذا التبول، أو إيعازه لهراء التربية الخاطئة، والحرمان العاطفي. مرد الأمر- حسب رأيها وجيلها- يعود لقلة مبالاة هذا الطفل البليد، الذي استسلم للكسل، ولم يكلّف نفسه عناء الاستيقاظ وعرض نفسه على التواليت.
اليوم، حين يبلل صغيري فراشه، أسارع لاحتضانه، وذهني يصارع مجترًا ذكريات الأمس، باحثًا عن الموقف الذي تأذى طفلي بسببه، وحتمًا ولابد فإن هذا السبب متعلق بي، ومن عمل يدي، وبتقصيرٍ مني. تمامًا كما قصرتُ حين لم أحمل معطف ابنتي في حقيبتي حين رفضت ارتدائه، لأناولها إياه في حال شعرت بالبرد لاحقًا. بل إنني ألوم نفسي لأن صغيرتي تعزف عن أكل سمك السلمون. ألوم نفسي كيف لم أجعل أولادي يحبون القراءة مثلي. هناك دائمًا أمرٌ لم أنتبه له، خللٌ لم أتلافاه، واجبٌ قصرت فيه!
بالأمس أرسلت لي شقيقتي المتمردة حد الرعب، صورة فتاة يُقال أنها ابنة الممثلة شريهان، تحتفل بحصولها على الماجستير في علوم الطاقة، وعلقت على الصورة: انظري ياهند، أولاد الساقطات ليسوا بالضرورة مثلهم. وإذن توقفي أرجوك عن لوم نفسك. لاتصدقي كلام المعتوه فرويد وأشباهه.
أنتِ تقولين ذلك ياشقيقتي، وآخر الدراسات تؤكد أن الأطفال يولدون باستعدادٍ فطري محدد، وماالوسط الذي يحيون فيه إلا مُعينٌ لتكيّـفهم. لكن كيف لامرأةٍ مثلي القدرة على إزالة تراكمات ال"يجب" و"ينبغي" عن كاهلها.
أنا التي أسارع لتلبية نداء والدتي حين تخبرني بقدوم جدتي لزيارتها. أظل أصغي دون اعتراض لتلك الشمطاء، وهي تزدري قبيلتي وتحط من شأنها. أراقب والدتي وهي ترجوها المبيت عندها، فتنتفض عجوز السوء كماالملدوغة: أعوذ بالله، وماذا يقول عني أولادي الذكور وأبناءهم حين يسمعون بي وقد نزلت بـبـيتٍ لقبيلة حرب!! أنحني لتوديعها، أقبّـل رأسها ويدها وأنا أهمس في سري: يلعن أبوكِ ياعنصرية يابنت الكلب. تلومني والدتي بينما أضع صواني الحلوى والفطائر التي خبزتها في سلتي: لماذا لم تتبسطي في الحديث مع جدتك، لقد كنتِ جافة، ثقيلة دمٍ باردة! وبدلاً من أن أصرخ: لأنها عاهرٌة بغيضة. اكتفي بالابتسام: إنه الصداع المعتاد ياماما.
تزم شفتيها دون اقتناع وأمضي. أصدَم برفض ابني دمج احتفال عيد ميلاده مع عيد مولد شقيقته، الذي يأتي بعد خمسة أيام. عبثًا أحدثه عن توفير المال والجهد، فيصر على الحصول على مبتغاه. وفي الوقت الذي أحشو فيه أذنيّ بالقطن، كي لايصل إليّ صوت الأغنية السخيفة التي تستمع إليها ابنتي عبر السماعة الضخمة، أستعيد ذكرى "الهيدفون" التي لازمتني طويلا" في صباي، اتقاءً لانتقاد والدتي، وامتثالاً لرغبتها في عدم سماع الأغاني.
أيّ خانةٍ حائرة ألفيت نفسي فيها!.. حاولتُ تلافي خطى الجيل الصلب الذي سبقني؛ الذي لم يُـلق بالاً لهراء منظّري التربية وعلم النفس. فوجدتني أمام جيلٍ يضع نصب عينيه رغباته قبل كل شيء وأهواءه. في النهاية، لم أحصل على رضا أحد، لا الجيل الصلب ولا الجيل الأناني. وليس لي من سبيلٍ للتنفيس عن غضبي المكتوم سوى كتابة رواية، أشتم فيها الحكومة وجدتي والرجل الذي أحببت.
أنا علامة الترقيم الخاطئة؛ نقطة حين لابد من الصراخ والتبرير والتفصيل. فاصلةٌ منقوطة حين يقتضي الأمر الحزم والقطع. شَرطةٌ معترضة حين لابد من نقطة التوقف. وفاصلةُ إسهاب آن الحيرة والتعجب، واستفهام سؤال ليس له أبد الدهر جواب.

الاثنين، 20 يناير 2020


وقعت هذه الحادثة منذ عدة أشهر. اطمأننت حينها إلى كونها إحدى رسائل الله التي أؤمن بوجودها، وألمح العطاء والتفرّد في لطف التنبه لها والتقاطها.
كانت إحدى معارفنا ضنينًة بابنها الوحيد، الذي رزقت به جوار أربع بنات. وبعد تخرجه من المرحلة الثانوية التحق بكليةٍ جامعية في محافظٍة تابعٍة لمدينتنا، تبعد عنها زهاء أربعمئة كيلومتر. ولشدة خوفها عليه، ساقت إليه الرضا أن لايأتي لزيارتها إلا لماما، وحين يفعل، فلابد أن يكون برفقة أصدقائه، مع التشديد على ألا يقود السيارة بنفسه، وأن يجلس في المقعد الخلفي، مع الحرص التام على ربط حزام الأمان. لا أعرف إن كان الصبي قد امتثل لأوامر والدته بحذافيرها في كل مرةٍ قدم فيها إليها. وعلى كل حال فلم يمض على التحاقه بالجامعة سوى بضع شهور حين وقعت تلك الحادثة.حيث خطط الفتى لمفاجأة والدته بمقدمه، فاتصل بوالده يخبره أنه على مشارف المدينة، وأنه سيكون في البيت بعد أقل من نصف ساعة، مؤكِدًا على عدم إفساد مفاجأته.
"أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة" أكثر ماتناقلته الألسن خلال أيام العزاء. كان الفتى برفقة أصدقائه الثلاثة قد جلس في المقعد الخلفي، رابطًا وحده حزام الأمان. والعجيب أنه مامن حادث ولا ارتطام، مجرد احتكاك بسيط بسيارةٍ متجاوزة، استطاع الفتى الذي يقود المركبة تلافي الاصطدام بها بمهارة. وخرج الصحاب الثلاثة بعد تجمهر الناس لتفقد السيارة التي لم تتعرض لأدنى ضرر، لينتبهوا لاحقًا لصديقهم الذي لم يخرج معهم، والذي ظنوا أنه في حالة اغماء، حيث لاجرح ولانزيف، مجرد خدش بسيط كالأثر في جبينه.
أعلم جيدًا أنه "كفى بالموت واعظًا" وأن كل موت هو درس عظة. لكن بعض الأقدار قاتمة السخرية، تدوي موعظتها عاليًا في تناسبٍ عكسي مع ثقل الصمت. رسائل لايمكن مهما بلغتَ من عجرفةٍ وعناد أن تنكر وجود مغزًى لها. يتشدق التنويريون وأصحاب مابعد الحداثة وأهل العبثية، بتجاوز البشرية مرحلة الطفولة، التي تطلبت معجزات ورسل أقرب في منطقهم للأساطير. نعم، يعلم الله الأعلم بمن خلق أنكم تجاوزتم تلك المرحلة. لذلك يخاطبكم اليوم على قدر عقولكم التي تؤمن بالرسائل المرمّزة. يهمس لحواسكم التي أضاعت طريقها وسط هذا الضجيج. يستنهض تأملكم الذي غاب في زحمة المكرور والمعتاد. يمرر من شقوق الغفلة رسائل بالغة الدقة و اللطف، بلسانٍ عالمي، لايحتمل تحيّزًا ولا سوء فهم. جبريلها ينفث: اقرأوا وعوا، توقفوا وأنصتوا. خلف الرسائل كاتب، ولكل فعلٍ فاعل، وأبغض الجنايات الاستعلاء.

السبت، 18 يناير 2020


عدة نوتات خاطئة قد تتم مسامحتها، ولكن الغناء بدون شعور لايُـنسى.
بيتهوفن.

الإحساس؛ الذي ظل الملحن القعود يكرره في كل حلقات برنامجه الغنائي: "الأولوية عندي للإحساس". لاأعرف كيف يُمسي المرء أديبًا أوفناناً دون امتلاكه للإحساس المرهف الذي يصله بالعوالم اللامرئية، بالأرواح القابعة خلف المدى، بالشعور يفور ثم لاتترجمه حروف! كيف يكون كذلك دون الحاسة المحلّقة التي تحذره بصوتٍ خفي: انتبه لوقع هذي الكلمة، لأثر هذه الإلتفاتة، لمآل الابتسامة العذبةوالإيماءة اللهفى. الإحساس الذي يهمس: خفف الخطو هنا..هوّن الملام لمن تعداه العشم.
قمت بتحميل روايةٍ لأحد الكُتاب، الذي اهتديت لصفحته عن طريق الصدفة البحتة. والحق أن بدايات القصة - مازلت في الصفحة 40- مشوّقة وجاذبة، وتنبي عن كاتبٍ ذكيّ وذي موهبة. وكانت الصدفة التي قادتني لصفحته، منشورًا ذكر فيه ضرورة مصارحة مفتقري الموهبة دون أدنى مجاملة، حين يطلبون الرأي في أعمالهم. وبغض النظر عن كونه محقًا في كلامه. فإن مالفت نظري وأثار حيرتي، هو تعليق إحدى السيدات: جيد أستاذ، معناته أنا ممكن أبعث لحضرتك حتى تعطيني رأيك في عمل لي. ليرد عليها الكاتب: لأ طبعًا.
العجيب ليس رد الكاتب، وإن بدا جافًا غليظًا. إنما العجب كله من سؤال السيدة الواضح أنها متابعة جيدة له، ثم دهشتها من رده وطريقة الرد! أما الرد؛ فالرجل صاحب مهنةٍ مرهِـقة، وعائلة، وعلاقات، ووفرة إنتاج يستلزم منه فوق الساعات ساعات. وأما طريقة الرد، فمرورٌ سريع على منشوراته، وطريقة تعاطيه في الأخذ والرد مع الآخرين، تنبيك بكل وضوح عن مدى ثقة الرجل في نفسه حد العجرفة، وعن جديّةٍ فرضتها مهنته الجافة، وحياته الزاخرة بالذكريات السيئة. ومع ذلك فهو يمتلك طموح الشباب وحماسهم المتقد، فتراه يمضي كالسهم، من عملٍ لآخر، بشكلٍ يؤكد سعيه للمجد، وحرصه على النجاح، وهو مايُحمـد له، ويفصِح تزامنًا عن عدم اكتراثه بالآخر. الرجل مجتهد وطموح، ويضع نصب عينه إنجازاته وشهرته ولاشيء آخر.
فكيف وأنتِ المتابعة له، القارئة لحروفه، التي تقدم نفسها على أنها أديبة وكاتبة وفي طريقها لنشر أعمالها، كيف لم تنتبهي لكل ذلك! كيف لم تلحظي عجرفة صديقك، وجديّـته، ونهجه العمليّ، وتركيزه الشديد على ذاته!! أين إحساس الأديب في داخلك؟ أين حدسه ونباهته.. أين رهافة الشعور... أين الومضة التي تهمس بـ هس، انتبه. توقف هنا، تراجع عن هذي الكلمة. امح هذا السؤال. عاود الصياغة. جمّل الموقف. أنتِ لم تكتفي بالسؤال الأحمق علنًا، بل مضيت تنتقدين الرد والأسلوب، وتذكرين الصدمة والخيبة، وتصنعين من المتوقع حفلة دهشة!!

الذكاء والطموح كفيلان بنجاح شاعرٍ يصوغ التراكيب الشعرية باحتراف، بقاصٍ يُحسن البناء والمضي قدمًا بالأحداث، بكاتبٍ يجيد التحليل والربط مزينًة بالصور والأخيلة. كل ذلك سنتناوله دون أن ننسى مذاق الشعور المفقود، وصدق الإحساس الذي يحمل العبارة المكرورة المستهلَكة على أجنحة الطير، لتعبر المحيطات والقفار والتلال وتستقر في سويداء القلب.
الوجبة الباردة لاتُـنـسَى وإن قدِمت في مطعمٍ فخمٍ على وقع موسيقى عذبة.

الخميس، 16 يناير 2020


في نعيم الغيم!


كانت الصغيرة تدير رأسها في كل اتجاه، وهي تحملق بعينيها المفتوحتين على اتساعهما في السقف والممر والمقاعد، وماأن توقفت جدتها وجلست على المقعد الملاصق للنافذة، حتى استوت إلى جوارها. راقبت الآخرين وهم يبحثون عن مقاعدهم متنقلين بأعينهم بين الورقة التي في أيديهم، والأرقام المثبتة أعلى المقاعد."لو أن هذا الدرج في غرفتي، لاختبأت فيه وأنا ألعب الغميضة مع زياد... حتمًا لن يجدني" هذا ماحدثت به الصغيرة نفسها وهي تتابع أولئك الذين دفعوا حقائبهم في الأدراج الضخمة التي تعلو مقاعدهم. عبر الصفوف انتبهت إلى الفتاة التي تقارب سنها، ترتدي تنورًة منفوشة وردية اللون انسدلت أعلى ركبتها، وقميصًا أسود طُـعّم بفصوصٍ لامعةٍ على الصدر، بينما ثبتت تاجًا فضيًا على شعرها، وكأنها تستعد لدخول حفلٍ راقصٍ مع سندريلا، وضعت حقيبتها البيضاء المشعة على الأرض، بعد أن تأكدت والدتها من إحكامها ربط حزامها. التفتت الصغيرة إلى جدتها التي كانت تغط في نومٍ عميق. وبارتباكٍ تناولت الحزام المنسدل حولها، ولما وجدته شبيهًا بحزام مقعد السيارة، فقد دفعت اللسان في مخبئه دون عناء. بيد أن الحيرة عاودتها حين شعرت بخللٍ ما. أدارت رأسها نحو اليمين، حيث شد الرجل حزامه حول وسطه، عاودت يديها الصغيرتين مُناشَدة الحزام كي يلاصق وسطها النحيل دون جدوى. وفجأة رفعت رأسها تستعلم عن صاحب اليدين اللتين فعلتا. ابتسم السيد الجالس إلى يمينها، بادلته الابتسام وأتبعت: إنني أركب الطائرة للمرة الأولى.
- رائع. لقد ركبتها للمرة الأولى وأنا في الثالثة والعشرين من عمري.
ضحكت بحماس، ثم أمالت جسدها الصغير نحوه: لقد تخليت عن مقعدي لجدتي. لاينبغي أن يتعرّض جسد جدتي لأي احتكاك. إن ذلك يسبب لها ألمًا شديدا. وحين تكون ممدة على سريرها، لا يُسمح لأحد الاقتراب منها. سيعلو صراخها حينئذٍ.
- اها، فهمت. وإلى أين تذهبين بجدتك المريضة؟
- إننا نزور والدي، إنه مريض أيضًا. الأجواء الرطبة لمدينتنا تسبب له الاختناق، لذا يعجز عن القدوم إلينا.
أومأ صاحبنا برأسه فيما عيناه تتابعان تفاصيل الوجه الصغير الذي همس بخيبة: كنت أتمنى أن أرى الأرض وهي تقذفنا عاليًا نحو السماء!
عقد السيد حاجبيه : تقذفنا؟!
-نعم... أليس هذا مايحدث! الأرض تقذفنا عاليًا كما تفعل النطيطة، ثم تمضي الطائرة في طريقها نحو الأمام مثل بات مان. انحنت المضيفة التي حالت بينهما على الجدة تطلب منها ربط حزامها استعدادًا للإقلاع. وبينما سرى الصمت، انكمشت الصغيرة تهيء جسدها لنفثة الأرض الرافِعة.
كادت الصغيرة أن تسقط على الأرض، فيما هي تمد رأسها وترفع جسدها الضئيل لتلتقط ولو جزءا من الفضاء الممتد. قاطعها الصوت العميق الهاديء: لقد وجدت مقعدًا فارغًا في الخلف. هل تودين رؤية الأرض البعيدة؟!
بعد برهة، التصقت الصغيرة بالنافذة تحدق في المدى العميق، حيث تناثرت المباني تلوح كبقايا نداءٍ عتيق: وكأنها بيوت السنافر. همست الصغيرة، ثم أكملت بعد أن أدارت رأسها نحو الرجل الذي جلس بجانبها: لاشك أن العصافير ترانا من هنا بحجم السنافر..
- ربما، لكنها ستكتشف خطأها ماأن تقترب منّـا.
ابتسمت الصغيرة وعاودت التحديق قائلة: نعم، جدتي تقول دائمًا البُعد حليف الوهم.
- جدتك امرأة حكيمة.
-لاأدري ماذا يعني كل ذلك. لكنها تكرر هذه العبارة، في كل مرة أطلب زيارة والدي.
-وأين هي والدتك؟
-إنها هنا، على إحدى الغيمات. جدتي تقول إن المتعبين يستريحون من عناء الدنيا على الغيوم، حيث يتسنى لهم مراقبة أحبتهم. لقد تعبت والدتي بعد ولادتي. وضعتني عند جدتي، وذهبت لترتاح على الغيم مثل هايدي... التفتت إليه وأرسلت بحماس: هل شاهدت كيف تقفز هايدي على الغيم بسعادة؟
-نعم. السحاب مسكن السعداء. أرسل وهو يتأملها بحنان.
حدقت في عينيه للحظات، ثم ألصقت وجهها مجددًا بالنافذة.
-هل تودين العودة لجدتك، أخشى أن ترتاع إذا استيقظت ولم تجدك إلى جوارها.
- لن تستيقظ الآن، لقد تناولت دواءها قبل صعودنا الطائرة بدقائق. وفجأة صاحت: انظر، إنه البحر!... البحر حيث تاه عدنان، وحلقت لينا مع العصافير تبحث عنه إلى أن وجدته. ألسنا نحلق الآن مثل العصافير؟
- بلى... إننا نفعل.
-لربما صادفنا والدتي إذن... أليس كذلك.
-ربما.
أنزل السيد طاولة الصغيرة، ووضع عليها وجبتها. قدم لها نصيبه من الحلوى، وهو يصغي ليومياتها مع رفيقات الروضة، ومعلمة الروضة حنان التي تسمح لهم بالرسم على الجدران، والحفل الغنائي الذي ستقوم فيه بدور العصفورة. وزياد ابن الجيران الذي طالما حيرها بمخابئه السرية. وفجأة توقفت الصغيرة عن الكلام، تسمرت عيناها برعب في النافذة، ودون سابق إنذار انحدرت الدموع المدرارة.
- عزيزتي، مابك... لمَ هذه الدموع.
أشارت بإصبعها نحو النافذة، تحاملت لتلتقط أنفاسها، ثم وبكل مشقة : انظ... انظر... الطا.. ئرة... تـ.. تــ... تمزق الغيوم. إنها تمزق الغيوم، صرخت بذعر بينما ألقت نفسها بين ذراعيه الممدوتين نحوها... أكملت وهي تجهش : لايفترض بالغيوم أن تتمزق.. لقد رأيت هايدي وهي تقفز فوقها، إنها قوية.. لاتتمزق...
استغرق الأمر ساعًة كي يعاودها هدوءها. أكد لها السيد خلالها، أن الغيوم التي يتكيء عليها المتعبون أبعد مما تستطيع الطائرات بلوغه. وحكى لها عن ابنه الذي يلعب فوق إحدى تلك الغيمات، وكيف أنه هانيء بمقامه فيها. غفت الصغيرة على صوت السيد الذي غار بها في دهاليز الغيم والحكايات. وحين استيقظت كانت تجلس إلى جوار جدتها، وحزامها مشدودٌ حول وسطها الناعم. ابتسم لها السيد، ثم مال نحوها:
سنهبط بعد دقائق. وليس للأرض شأنٌ بذلك. تذكري ياصغيرتي؛ وحدنا المسئولون عن هبوطنا وارتفاعنا!
- حتى المتعبون؟!
-المتعبون اختارتهم أياد الرحمة، ليستريحوا من عناء الاختيار وتبعاته.
هبطت الطائرة، ومضت الصغيرة وجدتها مع الرجل الذي كان في استقبالهما، والذي دفع كرسي العجوز متمتمًا: سيكون كل شيء على مايرام. موعدك مع الطبيب غدًا التاسعة صباحًا. التفتت الصغيرة نحو الخلف، وقد أحست بصوتٍ هامس، وحين لم تجد شيئًا رفعت رأسها نحو السماء، حيث الغيوم الكثيفة.

الأحد، 12 يناير 2020


استيقظتُ على صراخ جارتي المعتاد،مثلما نمت عليه.
صراخها الكفيل بإيقاظ حارةٍ يسكنها عمال منجم، قضوا أسبوعًا متواصلاً في الحفر، ثم دلفوا إلى فُرُشهم الدافئة ليلة صقيعٍ عاتية الرياح. غطوا في نومٍ عميقٍ عميق، وماأن زعقت زعقتها، حتى أفاقوا عن بكرة أبيهم مذعورين! المفجع في الأمر، أن صراخها يرافقه سيلٌ هادرٌ من الكلمات، التي لاتكاد تمسك بأطراف بعضها لشدة اندفاعها. شيء أقرب مايكون لطلقات الكلاشينكوف المتلاحقة.
لم أشتم كمادومًا. ظللت أحدق في السقف، وأنا أفكر في سخرية ماانتبهت له: لابد وأن هذه المرأة-إذا جاز نسبتها للعنصر البشري- أثيرٌة على أحدهم. في أضيق نطاق هي عزيزة على والديها. سبحانك ربي ماأرحمك؛ لن يعدم كائنٌ وإن كان مسخًا حب أحدهم.

سحبت نفسي وتوجهت إلى المطبخ لأعد قهوتي. أحس بي ابني الصغير، ودخل بينما أنا واقفة إلى جوار الموقد: إنتِ تحبي القهوة كثير ماما.
من زاوية العين، أرسلت نظرتي نحوه: ايه.
- ليه ماتشربي حليب زيي... ليه القهوة أول ماتصحي.
أوشكت أن أرسل: هس.. ولا كلمة،انقلع عني.
لكني فرملت، مخاطبةً نفسي: لأ ياهند، ماذنب الصغير! تخلصي من غضبك بشتم الملعونة، بنت الكلب، المعتوهة، المريضة، بنت الحرام.... الخ الخ الخ. حتى هدأت، فأجبت:
- الكبار في الغالب يشربوا القهوة حتى يصحصحوا. القهوة تساعدهم انهم يتخلصوا من بقايا النعاس ويتنشطوا. تقريبًا القهوة هي المشروب الصباحي الأول في العالم.
- بس الرسول محمد ماكان يشرب القهوة.
😒😒😒😒😒😒😒😒
أطلق قذيفته ومضى؛ لسان سخريته: عن أيّ كبارٍ تتحدثين؟!
ياإلهي إنهم لم يعرفوا القهوة! أرسلت مشدوهة وأنا أحملق في "الكنكة". لم يعرفوا مساج الدماغ هذا، الذي أمسى ضرورًة لايمكن الاستغناء عنها. رباااااه، كانوا يشربون اللبن حال استيقاظهم، هذا إن وجدوا لبنًا. شعرت بالضيق والغثيان لمجرد تخيلني أدلق اللبن إلى جوفي صباحًا. كيف تسنى لأحدهم إكمال يومه، في حال استيقظ على صراخ مثل هذي العفريتة دون أن يشرب قهوته؟
لكن... من قال أن أمثال هذه المجنونة كانوا موجودين في ذلك الزمن الهاديء الوادع.

#يا_برد_يا_شلحلح
#خلي_البنية_تمرح
#تلحق_جمالها_الأصبح

الجمعة، 10 يناير 2020


العلاقة التي تبحث عن مبررٍ لاستمرارها، البتر بها أولى.
في زمنٍ مغاير، كنت سأرسل العبارة السابقة كتقريرٍ خبري. ربما من كوكبٍ آخر لاينتمي لدرب التبانة، كنت أيضًا سأفعل. لكن الواقع أنني أعيش الآن على الأرض. وكل مامررت به من تجارب، يجعلني أنظر للعبارة الاستهلالية، وكأنها رسِمت على بوابة المدينة الحالمة!
منذ أولى إطلالتك على هذه الحياة، سترتبط دون خيارٍ منك، بعلاقٍة أبديةٍ مع أبوين، قد لاتجد مع أحدهما أو كليهما أبسط لغات التواصل. فروع هذي العلاقة ستمتد لتربطك بأخت، رغم الود تحمل غيرًة لاتستطيع لها دفعا. بأخٍ يزداد مع الأيام عبئًا. علاقات لاتجرؤ حتى على التفكير في جدواها، ناهيك عن بترها. تكمل الأقدار لعبتها العجائبية، وتستدرجك لقيد ارتباط، تكونُ فيه غاية الامتنان للطرف الآخر حين يتفضل عليك بالصمت... لاشيء سوى الصمت؛ تستعين به لقطع هذه الرحلة، التي مااخترت دربها ولارفيقها. أنت لم تملك يومًا هذا الترف؛ لاحق الاختيار، ولا حق البتر. ماتملكه يقينًا هو هذا الضمير اللعين، الذي لايستطيع تجاهل مسئولياته.
المحزن في الأمر، أنك تظل تلف أحلامك، تطويها بعنايةٍ لتخبئها في درج المابعد؛ في انتظار انقضاء محكوميتك= مسئولياتك.
وتنقضي ذات يومٍ خريفي، بينما تردد على مسامعك:لم يكن بالإمكان أحسن مما كان. ستراوغ رغمًا عنك؛ مزيحًا بأقصى قواك احتمالية تصوّر وضعٍ أفضل، يقلل من شأن ماضحيت لأجله. ستربت على روحك فيما تتقمص امتلاك الحكمة، التي ستذكّرك بماخبأته ذات يومٍ في ذلك الدرج. تفتحه تحت إلحاح أملٍ مخادع، لتجده قد بات مسكنًا للعنكبوت، سيقنعك الأمل بضرورة إعادة تدوير تلك الخيوط الواهنة. وستفعل غير مدرك بأن الوهن إنما هو في التوقيت، حيث المواعيد المتأخرة تشويهٌ للمعاني، وفقد المعاني خيرٌ من تشويهها.
أمام هذه الحقيقة المؤلمة، تصغي لصوتٍ لائمٍ من دهاليز أعماقك، يتساءل عن الخيارات التي لم تُـطرح، والدروب التي لم تُـسلك، والعلاقات التي لم تقو على بترها.

الاثنين، 6 يناير 2020


اللهم اكفنا شر قلوب الحاقدين،وأعين المتربصين.. تترقب على أحرّ من نار حقدها سقوطنا..تتحين لحظة يتعثر بنا الخطو، وتزل بنا القدم، لتدلق سطول شماتتها، وتفرغ سم غيظها. اللهم لاتشمتهم بنا، ولاتعِـنهم علينا، واغننا بك وحدك عنهم وعن من لايعرفنا. عزاؤنا ياالله أنك المطلع على خبايا الصدور؛ لطالما أحسنّا الظن، ومشينا على النية، كنّـا دراويش الحيّ، والغُـفّل الذين ماخبروا مكرًا، وماطرقوا للحيلة دربا... بصدورنا المكشوفة قابلنا الريح وأعينهم، وبتكلاننا عليك أدرنا لهم ظهورنا. حسبنا أنت... حسبنا معيتك... حسبنا حفظك. احفظنا بما تحفظ به الدراويش، فلا نظن فينا صلاحًا يبلّغنا. إن هي إلا رحمتك؛ بها نكتفي،وإياها نرجو.

الأحد، 5 يناير 2020


يقال أن عروة بن الورد سبى امرأةً من بني كنانة، يقال لها سلمى، فأعتقها واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، ولدت خلالها له عدة أولاد. وهو لايشك في أنها أرغب الناس فيه( وهنا ملحوظة مهمة، وهي أن الرجل عبر كل الأزمنة، مأخوذٌ بنفسه أبدا. حتى وإن حدقت المرأة في كرشه الممدودة أمامه سبعة أمتار، ظن تحديقها افتتانا)... المهم أن المرأة استغفلته، ولعبت بعقله، فقالت: لو حججت بي، فأمرّ على أهلي وأراهم، فحج بها، ثم أتى المدينة. وماأن اجتمعت بقومها حتى قالت: إنه خارجٌ بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه، وأخبروه أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبيّة، وافتدوني منه، فإنه لايرى أني أفارقه، ولا أختار عليه أحدًا(وحتمًا أكملت في سرها: الأهبل)... فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادِنا بصاحبتنا، فإنها فينا وسيطة نسبٍ معروفة، وإنّ علينا سُبّـةً أن تكون سبيّـة. فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها، فاخطبها؛ فإنا نزوجك( طبعًا لو حدث هذا اليوم، واستغاثت إحداهن بقوم، لقيل لها: والله لو أن الأمر لم يرقك، لمابقيت عنده كل هذي السنين... نفس مايقال للمتحرَش بها)... نعود لعروة الصعاليك الذي لعبت الخمر بأم رأسه ولحوسته فأجاب: ذاك لكم؛ ولكن لي الشرط فيها أن تخيّروها(واثق من حاله الأخ☺️) فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها. قالوا: ذاك لك. قال: إلى الغد إذن.
فلما كان الغد جاؤوه فامتنع من فدائها، فقالوا: قد فاديتنا بها البارحة( ياسكير... أكيد قالوها ف سرهم) وشهد بذلك جماعٌة ممن حضر. فلم يقدر على الامتناع وفاداها( وهذا يؤكد على أنه كانت للعرب قوانين ومباديء تقوم على المروءة، والالتزام بالكلمة، وحفظ العهد)... المهم، حانت ساعة الحقيقة الصاعقة، وخيّروا سلمى، فاختارت أهلها!!! ثم أقبلت عليه فقالت: ياعروة، أما إني أقول فيك الحق وإن فارقتك: والله ماأعلم امرأةً من العرب ألقت سترها على بعلٍ خير منك، وأغضّ طرفًا، وأقل فحشًا، وأجود يدًا، وأحمى لحقيقٍة. ومامرّ عليّ يومٌ منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إليّ من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأةً من قومك تقول: قالت أمَـةُ عروة كذا وكذا، والله لا أنظر في وجه غطفانيةٍ أبدا، فارجع راشدًا إلى ولدك وأحسن إليهم. ( وبعيدًا عن الغوص في مشاعرها التي تشي بحبها لعروة. وبغض النظر عن بشاعة النساء وحقدهن الذي سممن بدنها به، وهن يلمزنها بالأمة؛ فاللافت للنظر هنا هو إباء هذه الحرة وأنفتها، التي جعلتها تختار الفكاك من الأسر على العودة لضناها. لقد أيقنت في أعماقها أن عروة أبٌ صالح، ورجلٌ كريم، وأنه لاخوف على أبنائها معه. لذلك اطمأنت لفراقهم، ورضيت البعد عنهم في سبيل استعادة حريتها وكرامتها. بينما الكثير من نسوة اليوم وذكوره يرفلون في قيد الشهوات، على أتم الاستعداد لبيع أرواحهم ومبادئهم وكرامتهم من أجل حفنة دراهم أو متع رخيصة)...

والمهم، أن سلمى المقرودة تزوجت رجلاً من بني عمها. فقال لها يومًا: أثني عليّ كما أثنيتِ على عروة- وكان قولها فيه قد شُـهِر- فقالت: لاتكلّفني ذلك؛ فإني إن قلت الحق غضبت، ولا واللات والعزى لاأكذب. فقال: عزمت عليك لتأتينني في مجلس قومي فلتـثـنينّ عليّ بما تعلمين( ماذا أخبرتكم في أول المنشور؟!... ماخذين مقلب في حالهم والله). وخرج الأبله، أعني زوجها، فجلس بين القوم. وأقبلت حتى وقفت عليهم وقالت: أنعِـموا صباحًا، إن هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم. ثم نظرت إليه فقالت: والله إن شُربك لاشتفاف(يعني مفجوع يشرب كل اللي بالإناء) وإنك لتنام ليلةَ تخاف( رعديد يعني)، وتشبع ليلة تُضاف(ياكل مع ضيوفه الين يشبع... طِفس) وما تُـرضِي الأهل(كح.. كح) ولا الجانب(خيخة منتهي) . ثم انصرفت( وقام المعفن يلقّط وجهه) فلامه قومه، وقالوا: ماكان أغناك عن هذا القول منها( وأكيد أكملوا ف سرهم: ياالرمة)...

لديّ إحساس أنني لو تتبعت حمض DNA خاصتي و سلمى، لألفيتنا نتصل بنسبٍ مشترك. خصوصًا وأنها حجازيةٌ مدنيةٌ كأنا. روح هذه المرأة تشبهني كثيرًا.
عِـزي لكِ ياسلمى، أحببتِ الرجل المغوار الكريم، فماأحبك، وماارتضاك له زوجًة مكرّمًة مصون .وحين تزوجتِ من أكرم اسمك، لم يكن شريف النفس رفيع الشأن، فاستصغرته عينك وعافته روحك، وماأحبه قلبك...
اللي يبـينا عيت النفس تبغيه،
واللي نبي، عيا البخت لايجيبه.


السبت، 4 يناير 2020


لا شيء يثير اشمئزازي أكثر من المثقف الذي (يتمنّع) بغنجٍ عن تناول السياسة، أو ذاك الذي إن خطا كتب على استحياءٍ بضع تلميحاتٍ غامضة، أو صاحبهم الأشد جرأة، الذي لاصنعة له سوى السخرية من حماسة الآخر وتحليلاته، خاتِمًا سخريته بملاحظٍة هزيلة: لاحقًا سأمحو كل ماكتبت، فأنا أكره الحديث في السياسة.
لا يارعديد، هذه ليست سياسة. هذا دينك وعرضك ومستقبل أبنائك، ومصير أمتك.

قاطعوا هؤلاء الأوغاد الهزيلين. لاتلمعوهم، لاتروجوا لهم، ولاتعلوا من شأنهم. الأمة تمر بأحلك أيامها، بأشد منحنياتها خطورة، وأكثر دروبها مزالق ووعورة. أعراضنا تستباح في كل واد، ودماؤنا تسفك في كل زقاق. دورنا تهدم، وأموالنا تسلب، وتاريخنا يُحرف، وهويتنا تُــمزّق، وديننا معروضٌ كإماء النهب، رهينة النقد والتجديد والإضافة والحذف. ثم يتشدق هؤلاء المخانيث الأدعياء" لانحب الخوض في السياسة". تواروا عن الأعين إذن. غيّـبوا وجوهكم واستتروا في الخدور مع نساءكم. الوضع لايحتمل مزيدًا من التراخي والخذلان.
في هذا العبور الصعب، نحن بحاجة المثقف الذي يمسك قلمه جنبًا إلى بندقيته. إلى العازف الذي يحمل نايه متحزّماً مشط طلقاته. إلى الشاعر الذي يهيجنا حماسًة كما ابن الفجاءة، بالقدر الذي تتأوه قلوبنا لرقة غزله.
كفى غثاءا يامثقفي الكنبة. بل الحق أنكم لستم كذلك. أنتم لاتريدون حتى متابعة أحوالنا. وماترجونه فعلاً هو التواري في أمثال تلك الغرف السرية، المحاطة بألف عازل. فلا يصلكم نداءاستغاثة، ولا يعكر صفوكم صراخ، وإن كان تكبير نصر، ولا يؤذي إحساسكم المرهف صور المعاناة والطحن، أو حتى التشفي بهلاك من أذاقنا ويلاته. لا بأس، أغلقوا أبواب غرفكم السرية، تناكحوا مع حروفكم ومصطلحاتكم الأكاديمية والثقافية. املأوا غرفكم بنتاجكم الأدبي، ونسلكم الكتابي... فقط، افعلوا ذلك بعيدًا عنا.

الجمعة، 3 يناير 2020

قاسم سليماني: جزار عسكري٦٢ سنة.
تشهد الحكومة الأمريكية ومن ورائها الإيرانية أنه أدى ماعليه، ولم يقصر، أو يتوانى أو يتخاذل. وقد تمزق جسده النتن في سبيل آخر مهامه؛ تلميع الحشد الشعبي، الذي كادت أن تزل به القدم، فيبهت وهجه، ويفقد مصداقيته (معاذ الله)، وإتاحة الفرصة -عبر الفوضى الناجمة عن تصفيته- لرجال أمريكا من الفرس ومواليهم، كي يجدوا منفذًا للهروب وتصحيح الأوضاع، وترتيب الأوراق. وأخيرًا إخماد صوت المظاهرات التي أحرجت أحفاد كسرى وأقضت مضاجعهم.... نم ملعونًا أياكبش الفداء.

للجحيم أنت ياسليماني؛ خبيثٌ في الحياة وفي الممات. لحقٌ أنت أنجس الكائنات.