السبت، 17 أكتوبر 2020

وأنا أتجول في حقول الملصقات والصور بحثًا عن عباراتٍ تحفيزية تلائم واقع التعليم الافتراضي الحالي، استوقفتني صورٌة تحمل هذه العبارة "مستقبلك ماأنت مشغولٌ به الآن"!!

تسمّرت طويلاً أمامها أستحث ذاكرتي لتسعفني بما شغلني في صباي حتى أوصلني هنا، حيث الوحدة والبرد والخذلان!

المفارقة الساخرة أنني تذكرت أني كنت مشغولة حد الغرق في الحب! كنت أخرج من حب لأدخل في حب. تلطمني خيبة فلا أتعافى إلا بخفقة، يمرضني حب فلا يشفيني إلا آخر!! شعاري أبداً في الغرام: وداوها بالتي كانت هي الداء! بل لربما أحببت روحين في الوقت ذاته! الخيانة سيئة، لكن كسر القلوب أسوأ!!  نعم... لقد امتلكت مسوّغًا إنسانيًا لايمكن رفضه! كيف ذاك وأنا حاملة لواء الدعم والتضامن؛ الممتليء قلبها بحب الحياة والناس والحب. التي دومًا مانظرت للناس بعين الرحمة لاسواها.كانت الفكرة الأكيدة لديّ أن الناس طيبون، كلهم طيبون، حتى المجرم منهم هو طيبٌ في أصل تكوينه، وليست إلا الظروف من عاندته وألجأته إلى وسائل دفاعية لم توافق ظروف الآخرين أو ترق لهم!

كان فمي الكبير مفتوحًا على مصراعيه بأوسع ابتسامة، توحي لمستقبلها أن الدنيا حيزت لي بكل مباهجها ونعيمها! أذكر جيدًا ماأرسلته رفيقتي في تلك الظهيرة، حين كنا نجلس خلف المقهى الجامعي، بعد أن تعالت إحدى ضحكاتي: ربما لن تضحكي كثيراً في قابل الأيام ياهند، أمثالك يستهلكون الفرح مبكراً. أنتِ تبتهجين بإسراف، تـبذرين المرح ولاتخبئين منه مؤنةً تعينك على تقلّب الأيام!

هل فعلتْ ؟!

وإذن، أين حكم المنطق في أن ماسأنشغل به الآن هو صورة مستقبلي؟!


مضيتُ في الحياة أدِين بدِين الحُب أنّى توجّهت ركائبه؛ آمنت أنه الفنار المضيء للتائهين وسط أمواج الظلمات القاسية، وإذ بي أصطدم بصخرة فوكنر" ربما كانوا محقين حين وضعوا الحب بالكتب. ربما لم يكن ليعيش في أيّ مكانٍ آخر" وتحسست قلبي القديم ساعتها فلم أعثر عليه. عبثًا حايلته كي يخفق فلم يفعل. توسلت إليه بحق كل ذكرى فلم يستجب، راودته عن نبضه.. فتمنّع كأصلب مايكون! وانتبهت، وإذ مكانه حلّ قلب المتنبي؛ غشاءٌ من نِـبالِ!

لاينبغي إذن أن أبذر الوهم في درب طالباتي، ربما العبارة المناسب وضعها أمامهن " ماتريده بشدة لن تحصل عليه"؛ تمامًا كما وصف ابن سماحة: ولي حظٌ دهاه مادهاني وأصبح ماعراه ماعراني...أيممّ حيث هو فلا أراه، ويقصد حيث كنت فلا يراني! لكن... أين أذهب بأينشتاين ونسبيته، وبالأقدار وحكمها، والحظوظ وقسمتها! أين أذهب بلعبة الأرزاق، تلك التي تشد الرحيل لمن أرادته وإن تكاسل في طلبها، ثم هي تدير ظهرها لذاك اللاهث خلفها. 

وارحمتا للبائسين فإنهم موتى وتحسبهم من الأحياء.. 

إني وجدت حظوظهم مُسودّة فكأنما قدّت من الظلماء.. 

أبدًا يُسرّ بنو الزمان ومالهم حظ كغيرهم من السراء.. 

مافي أكفّهم من الدنيا سوى أن يُكثروا الأحلام بالنعماء... 

تدنو بهم آمالهم نحو الهنا هيهات يدنو بالخيال النائي! 

يبدو أن المتنبي حين أرسل: نصيبك في حياتك من حبيبٍ نصيبك في منامك من خيال، كان يقصد بالحب كل أمانيّ النفس ورجواها. المتنبي الذي شغل نفسه بالسعي نحو طموحه؛ أسمعتْ كلماته من به صممُ وأبصر الأعمى قصائده، عرفه الليل والخيل والبيداء والإنس والجن، أنكره حلمه! 

ماضرّه ماشغل به نفسه. قدره منذ البدء أن يموت دون حاجة قلبه.

الجمعة، 2 أكتوبر 2020

 وتجسدت المطايا مسوخًا مقيتة! 


قبل زمن كورونا، قررت روضة ابني (الحكومية)  القيام برحلةٍ ترفيهية للأطفال. وأهابت بأولياء الأمور تقديم معوناتٍ مالية(لمن يرغب، كما ذكِر في الخطاب) لأجل تكاليف المواصلات ومتطلبات الرحلة. وحيث أن الوقت هو نهاية الشهر، والحديدة أنّت وونّت، وسُحِقت واضمحلّت لطول وقوفي عليها، لم أبادر إلى المساهمة ولو بـ بيزيتا واحدة، وتركت صغيري يشارك في الرحلة على أمل التعويض عليه في مشروعٍ لاحق. وحين تم إرسال تقريرٍ عن الرحلة- عبر قروب واتساب، مُنشأ للتواصل- متضمّنًا صور وعروض الفيديو، انتبهت إلى تسجيلٍ يتيم يحوي صورةً يتيمةً لابني وهو يُطل من زاويتها. فتذكرت حينها ماسمعته من قبل من تهميشٍ متعمّد من قِبل هذه المؤسسات لأطفال أولياء الأمور الأقل دعمًا لها! 

اعتدلت في جلستي، وقررت إرسال ملاحظة للفت الانتباه. علقت بطريقةٍ مهذبة على غير عادتي، وابتدأت بعبارات الشكر والامتنان للجهود المبذولة، ثم أردفت راجيةً ضرورة إحقاق العدل آن توثيق هذه اللحظات الجميلة في حياة الطفل، مشيرًة إلى ماناله البعض من نصيب الأسد من الصور وأفلام الفيديو، مقابل النزر اليسير للبعض الآخر؛ وحيث أن سيادتكم يا أصحاب المعالي تحرصون من خلال مؤسستكم التربوية على تهذيب السلوك، ومراعاة الشعور، وبناء الشخصية؛ فحتمًا لن يفوت على حضراتكم مالهذا الفعل من مردودٍ سلبيّ على روح الطفل! 

دقيقة، وبعثت سيادة المديرة ردها: نحن لانفرّق بين طفلٍ وآخر، الجميع لدينا سواسية، ومامن تكثيفٍ لظهور فردٍ على آخر، ولا لتقديم طفلٍ على صاحبه. إننا نبذل قصارى جهدنا، وأقصى مالدينا. نشقى لأجلكم ولأجل أطفالكم دون كللٍ أو ملل، لانطلب أجرًا ولا جزاء، مامن غايةٍ لنا إلا رضا المولى عنا. بيد أنكم قومٌ لاتثمّنون، ولا تحمدون، وللجميل تنكرون!!

ماإن وصلت رسالة سمو المديرة، حتى انهالت رسائل الوفود: بارك الله جهودكم وجعلها في ميزان حسناتكم..... بوركتم أستاذتي أسعدالله قلوبكم كما أسعدتم قلوب أطفالنا.... الشكر لكم ولجهودكم الجبارة ياسيادة المديرة.... بل نرى يا سعادة الرئيسة، ونسجل ونحفظ عظيم جميلكم .

أخذتُ نفسًا طويلاً، وحاولت تقمّص روح أميرةٍ أرستقراطية، تلبس فستانًا طويلاً من المخمل، وتضع قبعةً مستديرة، تكتب بهدوء وإلى يمينها قدح الشاي وإناء الكريستال المملوء بالزهور المقطوفة من حديقتها، وأرسلت: عفواً سيدتي، لم يفتني تقديم الشكر لحضرتكم، والإشارة لعظيم جهدكم.علمًا بأن ماتقدمونه ليس في النهاية إلا عملكم، وكل مسؤولٍ عن عمل مطالب بأدائه على أتم وجه. وقد سبق وذكرتم سيادتكم أن هذا "القروب"  قد أنشيء للتواصل وإبداء الملاحظات، فإن أزعجتكم ملاحظتي، فالعذر منكم... وسأبعث بها لغيركم !!! 

رسمتُ علامات التعجب الثلاث في محاولةٍ للتلميح بالتهديد، واللجوء إلى تدابير أخرى و  جهات عليا لنيل حقي. فعلت ذلك بيقينٍ تام بأنني لست إلا " شحاتة" بائسة لن تجد من يلتفت إليها أو يسمع منها حرفا. بيد أن وفود الشعب كانت أسرع مني في اتخاذ التدابير. فما أن تراءت لهم عُصيّ التعجب خاصتي، حتى اجتاحت أرض القروب الحشود والهتافات: ألف شكرٍ لاتفيكم حقكم أسيادنا، بوركتم و بوركت خطاكم.... قواكم الله ونصركم، جهودٌ تستحق التخليد والعرفان..... أبدعتم وأجدتم وليس إلا الجاحد من ينكر فضلكم.ثم حانت إطلالة عبر الشرفة من المديرة وهي تبتسم للجموع وتلوح بكفها: الحمدلله، الحمدلله، أعاننا المولى على تحمّل الأمانة، نحن في خدمتكم، ولا غاية لنا إلا رضاكم.... صفيق وتصفير، أقصد تصفيق وصفير، ثم هتافات ومعاودة للتمجيد: كفيّتم ووفيّتم والشكر موصول لكل فردٍ في مؤسستكم الغرّاء..... جزيتم جنان الخلد على ماأدخلتموه على قلوبنا وقلوب صغارنا من فرح (ولو بصورةٍ واحدة) !.... أساتذتنا لاتلتفتوا للنقد والمنتقدين الحاقدين.... ذنبكم مغفور وتقصيركم مسموح، وكل نقيصةٍ ضائعة في بحر حسناتكم... لاعليكم ياسيادة المديرة فالأصيل لايلتفت للنقص اليسير ويترك الخير الوفير ، لننظر بإيجابية وندع تصيّد العثرات. 

تلا ذلك خطبة ألقتها إحدى الأمهات ابتدأتها بالذكر الحكيم، ثم حديث من الهدي النبوي، ثم حشتها باللحمة والموزريللا... عفوًا أعني بعبارات الثناء والتقدير: أنتم يامن كان لكم قدم السبق في ركب العلم والتعلّم، أنتم يامن بذلتم ولم تنتظروا، يامن أعطيتم ولم تبخلوا، يامن وهبتم ولم تطلبوا....تصفيق ورفرفة رايات... ثم كلمة لأحد منسوبي المؤسسة أكد فيها على وجوب اللُحمة والتكاتف، ونبذ كل مغرِض مفرّق للصفوف،ثم قصيدة ألقتها مواطنة مخلصة... ثم ومن أقصى "القروب"  جاءت حيةٌ تسعى، لتقدم قرابين الولاء والطاعة، وتعلن المبايعة الأبدية الراضخة، والبراءة من كل مشككٍ في جهود السيدة المديرة ومنسوبي المؤسسة الفاضلة! 

كل ذلك فيما أنا في زاويتي أنكمش وأنكمش وأنكمش، وتخيلتني الأعور الدجال الذي ماإن تبدّى له المسيح حتى ذاب كما الملح في الماء! أغلقت المحادثة، ونزعت القبعة... كلا... لم تكن هناك قبعة حينها، لقد استشعرتُ قرنيّ شيطان تعلوان رأسي، واحمرارًا يفترش عينيّ، وسوادًا يغمرني. كنت أتحسس ذيلي اللئيم المدبب وأظافري القذرة وأتساءل: لماذا ؟ كلما حللت بوادٍ نشبت الحروب والمعارك... كلما نطقت بحديثٍ صوّبت السهام والخناجر...كلما صدحت برأي  تناوشتني الرماح والأيادي!! هل أنا أيقونة الشر في هذا الكوكب!؟ 




 أنا الصوت النشاز، والجملة الاعتراضية، والسبابة الطاوية للإبهام. أنا النقض بدون حق، والاعتراض قبل الإذن، والصراخ حين يسود الصمت...أنا العابر دومًا نحو الطرف الآخر... أنا الهاجر للـ "الحيط"الآمِن. أنا المقتحِم دون خريطةٍ ولا مفتاح؛ يقودني"مايجب أن يكون" وتدهسني جموع المسبحين.

قدري أن تطول غربتي... وتطول! 






 


الخميس، 24 سبتمبر 2020

قال رجلٌ للأعمش: !أراك تُكثر الشك فقال: تلك محاماة عن اليقين
استيقظت ذات يوم لتجد أن الرجل الذي اشتكت حتى لحجارة الحي منه ، كان هو الرجل المناسب لها ! في يومٍ غريب ، لايشبه سابقيه ، سنستيقظ جميعنا على حقيقة أن الأحلام ربما كانت أطيافاً بثيابٍ فضفاضة ، قياسها أوسع من جسد الواقع ، وأن ألوان احتياجاتنا لا تتناسب ووجه الحلم الوردي ، وأن الجهد المبذول في تفاصيل يومنا أقوى من استيعاب حلمنا ، وأن اللغة التي نهمس بها في أذن الحلم كل خلوة ، لغة لايعترف بها قدرنا !
في إحدى قنوات معلمي الرياضيات التيليقرامية، بعث أحد مشرفي القناة تسجيلاً مصوّرًا يذكر فيه أنه وجد حلاً للمشاكل التي تعترض مستخدمي الآي باد، من إنهاءٍ للاجتماع، وتنزيلٍ لجداول Excel للحضور والغياب. فعلّقت: ممتاز، تبقت أهم مشكلة، وهي تضمين الصوت للفيديو المُشارك عبر الشاشة. - من إعدادات الجهاز، اتبعي نفس خطوات الفيديو. مباشرةً اشتغلت على إعدادات الجهاز، ثم نظّمت اجتماعًا على Teams عبر بوابة المنصة، ودخلت.... و هشششششش.... هراء في هراء... لم يتغير شيء. عدت للقناة بعد أن التقطت صورةً للشاشة، أرسلتها معلّقة: للأسف ياأستاذ لم تنجح الطريقة. - ادخلي عبر المتصفح وليس التطبيق. - اي، هذا اللي سويته. - بعد الضغط على أيقونة الدرس الافتراضي، تأكدي من اختيار الدخول عبر المتصفح وليس التطبيق. - أستاذ، هذي الخيارات الثلاث تظهر فقط على اللاب توب وليس الآي باد... - طيب خلاص!!! ماأن أرسل عبارته الأخيرة، حتى استشعرتُ أذنيّ حمار تهتزان فوق رأسي، فبعثتُ باضطراب: حِلمك أستاذ.. ليش الزعل! ورأساً أمسكت بالجهاز أراجع خطواتي، باحثة عن الخطأ الذي اقترفت. لكن... مامن خطأ. لقد اتبعت طريقته بدقة، تمامًا كما ذكر. عدت للقناة، فوجدته قد أرسل: مافي زعل، أنا طلبت خطوات محددة حتى نوصل لحل"لو كنت أستخدم آيباد كنت طلّعت حلها" !!!!!!! في تلك اللحظة، دخل مشرفٌ آخر عليّ الخاص قائلاً: - رح أدلك على الخطوات، بس إنت" اهدأي"!!! ومع أني كنت هادئة جدًا وأرد بتهذيب، لكن سايرته فقلت: شكرًا لحضرتك، تفضل. - خليكي معي خطوة بخطوة... وخطوة بخطوة كنت معه، وأصوّر وأسجّل فيديو وأرسِل. فلما رأى بأم عينه أنه لم يحدث تغيير، كتب : - ايش رايك تحذفي Teams وتعيدي تنصيبه. ممكن؟ - ايه عادي... ليش لأ. وبالفعل حذفت البرنامج، وأعدت التنصيب، ثم وضعت الإيميل الوزاري وسجلت مجددًا، وأعدت طريقة الفيديو المُرسل حذو القذة بالقذة..و.. ما.. من.. تغـ... يـ.. يـ.. يـ.. يـ.. يـ.. رر. وكـلّه بالصور!! - طب اسمعي، أنا الآن ححذف Teams من عندي، وأوريك وين الخلل!!!! وفيما الثواني تمر، اختفت أذنيّ الحمار من فوق رأسي، وحلّ بدلاً عنها أنياب النمر ومخالب النسر... وفجأة، قفزت الفريسة أمام عينيّ: - أعتذر... معك حق، مانفعت الطريقة"أنا ماأستخدم الآي باد في الشرح، عشان كذا ما أعرف له زين"!!!!! الآن، أين المشكلة؟! المشكلة في كون الأول أرسل لاحقًا يؤكد تغيّر شريط الأدوات في Teams" الآي فون" وهو الذي سجّل الفيديو على الآي باد. فيما الثاني بعث بعد ست ساعات تسجيلاً لعرضه درس التبرير الاستنتاجي وهو يشرح على آي باد!!!! وإذن... تظهر هنا وبكل جلاء عقلية الرجل السعودي، الذي لايرى المرأة إلا من خلال كونها فِراش لاغير. يستوي في ذلك من بلغ أرقى درجات العلم وحاز أرفع برستيج، بمحدود العلم متواضع القدرات والعقل... من سافر وارتحل واطلّع على صنوف الحضارات وألوان الثقافات، بالمنغلق المحصور بين عمله ورِفقة الاستراحات... جميعهم لم يغادروا ذلك الكهف الذي لايستشعرون فيه رجولتهم إلا من خلال تقزيم عقلية المرأة وتحطيم قدراتها؛ أرواحهم تنذرهم بخطرٍ عظيم يهدد وجودهم إن لم يفعلوا. لايمكن لامرأة أن تخطّئهم وهم الذين لم ولن يلحقوا بغبار الفاروق العظيم! هذه العقليات لايمكن لامرأة حرة، واعية لأبعاد وجودها، مقدّرة لذاتها وقدراتها؛ أن تقبل الاقتران بها أو مرافقتها، بل وحتى التواصل معها عبر أبسط أرضيات التعايش. قولبة المرأة في خانة"الجسد المُشتهى" لاغير، أمر مهين لم يحدث في العصور المتأخرة، التي خاضت فيها المرأة المعارك، وطبّـبت وعلّمت وأفتت، واستشيرت وأشارت. إنها انتكاسة حقيقية ورجعية حديثة ترفضها النفس الأبيّة التي تحترم وجودها وإنسانيتها، بل وحتى دينها.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2020

وإنما العمر سلّم أمانٍ ممدودٌ إلى سقف السماء أو قيعان الأرض! هكذا تمضي أيامه؛ نحو مايصبو ولا يدرك. وسط ضبابٍ غاصـت في أعماقه منحنيات الحياة. يطول طريقه ونُـصب عينيه أمانٍ قديمة حاديها لحنٌ غويّ. حتى إذا ما انقشع الضباب كانت مفارقة النهاية؛ بين معراجٍ ممتدٍ نحو الفضاء، أو هاويةٍ لم يُحسب لها حسبان! هكذا وجدتني؛ بإحساسٍ ضاربٍ في القدم. كأنما كان منذ البدء؛ عاش بعمر الأرض، ومرّت عليه كل أساطير الإنس وخرافات الجن! بقلبٍ موصولٍ بحبلٍ أزليّ، اتسع ليحوي كل شيء عداي! وكأنما استنفد طاقته في تجميع الصور التي تلاحقت عليه، حتى إذا ما بحثتُ عني فيه، وجدتني معنىً تقاذفته الأرواح وأكـف الطريق! وجدتني في خيط النداء الذي لا يتعب، في آهة المشتاق الكافر بالمحال.. في ثنايا النور الهارب نحو زنزانة معتَقَل، في نحيب الانتظار ومشيب الرجاء، في همس الليل.. يُكذّب ثرثرة الشمس. في تعثّر الوعـود وسراب اللقاء. في طرف إيماءة وتغضّن جبين! في صوت الحنين الذي لا يهرم... في قبضة الظل النهِم. هكذا كنت معي يا قلبي... في داخلي بعيدًا عنيّ؛ أسمى من رغائبي حين تدنو، وأدنى من طموحي حين يعلو! عالقًا بين شهقتين... بين نظرتين... بين نبضتين، بين جذور أسلافك وإغواء حاضرك! محجوزًا في صدى صوتٍ لم ينبعث، متكئًا على كتف نهاية. مستظلاً بوهم! قابعًا في حيّز فراغ، راكضًا في وقتٍ ضائع. ممسكًا بأهداب فوت، هائمًا في قفار أسئلة! تلتهب حد التسامي، وتستكين حد التجمّد. حدّ أنّي أتحسسك لأتأكد من وجودك، وإذ بك تثور وتضطرب! مسافرًا على غيمةٍ غريبة ستظل يا قلبي؛ تهبط بك لتركل جمود الصخر، برود النهر، وتعنّت البشر. وتعلو بك، فتنكر نبضك، ثم تستفهم ذاكرتك: من أنا ومتى كنـت؟! حتى إذا ما راودك الحب عن نفسك فررتَ كالممسوس نحو سفوح الجبال، وسقف الفضاء، وفوق نداء الحياة!

الأحد، 20 سبتمبر 2020

..

في انتظار الأشياء التي لم تُقال في انتظار الوعود التي لم تتم... في انتظار الدفء الذي لم يُوهَب... التحايا التي لم تُرسل... الهمهمات التي لم تُفصح... البوح الذي اغتِيل ذات توثّب... مازلت أنتظر . على وعدٍ بتحريك ماسكنَ في حنجرتي من كلام. ماغاص عميقًا في كهوف الروح وأزقة القلب، ماانعقد بين لساني وعيون الآخرين. على وجع انتظار، في غرفٍة باردة، سأجمع كل الكلام الذي ألقيتُه على قارعة الطريق ذات تيه. أنظم في الخيط اليتيم آخر الدهشات. أزين الطاولة والمقعد الثاني لأول مرة. امنحوني رئةً يتيمةً، شرفةً تعيدني للوراء... لموعدٍ أخلفتُه دون تأنيب ضمير، لحضنٍ زهدتُ فيه ذات جهالة، لقبلةٍ أجلّتها حتى بردت أوصالها، لليلةٍ مقمرةٍ لم أتقاسم حلاوتها مع نديم، لحبٍ عجزت عن فك رموزه وآثرت الرحيل! كيف فاتني أن أملأ ثقوب أيامي بالأزاهير الخالدة! كيف فاتني أن أنصب في باحتي خيامًا لاتقتلعها الرياح الباردة! كيف فاتني زرع بعضي في ثنايا الذاكرة! لماذا لم أعضّ قلبي الجبان، وألوّح به للذئاب العاوية... لماذا لم أسرق جفون يقظتها قبل أن تسرقني السنون القاسية؟! أدرتُ وجهي نحو الأفق فيما عبر ورائي طيفك المخاتل كما العادة. مجددًا تخدعني الأقدار ، وتدس في كفي القطني الندم للمرة المائة.

السبت، 12 سبتمبر 2020

قبل أسبوع وقعت عيناي على منشور لإحدى صديقات الصفحة تذكر فيه خبر خطوبتها إلى أحد الشباب. وحيث الفضول قادني كنت في صفحته، وإذ بها تعج بروابط الألعاب والأغاني الأجنبية، وصور اللاعبين والأندية، والنكات السامجة وما إلى ذلك من التفاهات والسخافات الدالة على ضحالة فكر صاحب الصفحة وتدنيّ همته. بحيث أنك لا تحتاج عظيم استبصار كي تخمّن أنه بعد سنة أو بضع سنوات ستملأ هذه الفتاة صفحات الأثير شتمًا في الرجال، ومدى تسلطهم، وانعدام مروءتهم ووفائهم، وعدم تحملهم للمسئولية، ثم تلتحق بتجمعات المعتوهات( النسويات) لتليّك وتشيّر وتؤيد، وتنتقد القوامة والدين والولاية، وتشارك في لطميات ظلم المرأة، وغمط حقوق المرأة، والديانات التي أساءت للمرأة... وليلة غبرة ليس لها من نهاية، متناسية أن ذات الدين الذي أقر الولاية والقوامة، منحها ابتداءً حرية الاختيار، بعد أن وهبها صاحب الدين عقلاً تميّز به وتستشير! وإن قلتم: الخيارات محدودة، والسنوات عدو المرأة، والعفاف مطلبٌ مهم. قلنا: ولا أحلى من هذا الكلام، وكل كلام واقعي على العين والرأس. وإذن أين الخلل؟! الخلل في التوقعات التي لا تطابق البضاعة المعروضة. الخلل في عدم مواجهتكِ لذاتك بحقيقة وضعكِ،وبالتالي البناء حسب مقتضاه و إمكانيات الخيار المتاح. وهنا تحضرني قصة قريبة لي، بلغت الرابعة والثلاثين من العمر ولمّا تتزوج. وحين تقدم لخطبتها رجلٌ متزوج بامرأتين، يكبرها بأعوام، متواضع الهيئة، قبلت الزواج به معللّة بأنها تريد الحصول على طفل قبل فوات الأوان. وبالفعل أنجبت طفلين، ثم سمعنا بانفصالها عن الرجل. وأقسم بالله، رغم لقاءاتي العديدة بها، لم أسمع منها أو عنها ذِكراً لذلك الرجل لا بِـشر ولا بخير. لقد وضعت نصب عينيها غاية محددة؛ الإنجاب. فلما لم تحصل معها على العشرة الطيبة قنعت ورضت. ذلك أنها من البداية كانت تدرك ضعف مؤهلاتها، ومدى إمكانيات الرجل الذي ارتبطت به، فلم تبن قصورًا من رمال، ولم تحلم بفارس على حمار. في حين عبقريات هاليومين، من الاسترونج اندبندنت وومان، تقبل بحيّ الله طارق مرّ بها، ضعيف عقل، فقير طموح، متواضع العلم والدين، لربما اتصل ليله بنهاره وهو يقابل "ألعابه" ومباريات فريقه، ثم تريد منه أن يكون رفيق البراء بن مالك وهو يُلقى إلى حديقة الموت، أو شبيه أبي عبيد قاتل الفيل!!! لأ ياماما... ركزي. خفة العقل والعجلة لا تكون في أمور مصيرية مثل الزواج وتكوين الأسرة. فكري جيدًا. وازني بين مؤهلاتك وخياراتك. إن ألجأتك ظروفك للتنازل عن بعض الشروط، فكوني واقعية، وامح معها الخيالات التي لا تلائمها. احنا مو ناقصينك أنت وأشباهك، الدنيا حروب ومجاعات، وعالم تغيّب في المعتقلات، وتطبيع وخيانات... مو بعد ماتروح السكرة تخرجين علينا لتملأي سماءنا عويلاً ولطما. يخرب بيت أم كذا تفكير.

الجمعة، 11 سبتمبر 2020

تضج صفحات اليمنيين منذ الأمس بجريمة مروّعة راح ضحيتها فتىً في التاسعة عشر من عمره. كان قد أنكر على العصابة التي يعمل لديهم في محل بيع وإصلاح الجوالات، مايفعلونه بهواتف النساء من حوادث ابتزاز واغتصاب وغيره، ويبدو أن القضية متشعبة وذات أبعاد واسعة وجرائم مختلفة. لاأنصح أحد بمشاهدة الفيديو الذي تورطت بمشاهدته لأنه سيقتل في داخلك شيئًا إن لم تكن أشياء. صورهم وهم متحلقون حوله، ينهالون عليه ضربًا وركلاً وصفعًا، محشورًا في زاوية غرفة ضيقة بشعة، يبدو أنهم مارسوا فيها من قبل صنوف الفسق وألوان الشنائع، ثم سحبهم له بعد أن قطعوا شرايينه ليبدو موته وكأنه عملية انتحار. ومن قبل صورته وهو يحتضن وسادًة يشدها إلى صدره، وكأني به يهمس باكيًا: أريد أمي... أريد العودة لبيتنا... كيف علقت هنا؟! صورهم الخمسة وهم يتناولون الطعام لاستعادة نشاطهم و إكمال تعذيبه، فيما هو متكوّرٌ على نفسه في ركنه الضعيف. صورة له وهو مجرٌد من بنطاله فاقد لوعيه، وأثرُ الكدمات والدماء بادية على جسمه، بينما جلس أحدهم قبالته يعبث في جواله، وربما كان حينها يكتب منشورًا ضاحكًا أو دعاءً. من المتوقع أن هذه الجريمة الصادمة ستحدِث هزة عنيفة في النفوس، تقودها إلى الكفر بكل شيء. ولقد علّقت لحظة ألم في صفحة أحد الأصدقاء، بأنني كفرت بالعروبة التي دافعتُ عنها ذات اعتزاز! عمومًا، الخطاب المتوقع بعد هذه الجريمة وأشباهها، أن العلة هي في ابتعاد الناس عن دينهم، متناسين أن كفار قريش الذين هدد الإسلام وجودهم لم يبلغوا هذا القاع من الدناءة والوحشية في التعامل مع أتباعهم الذين تمردوا عليهم، والأمر ليس متعلّقًا بحضور القيم الأخلاقية كمكوّن رئيس في المجتمع، بل بما حافظ على هذا المكوّن قوياً حيّا؛ ألا وهو الاستقرار السياسي، وما اقترن به من ازدهارٍ اقتصادي. نعم، الحضارة الغربية الآن تغرق في وحل السقوط الأخلاقي، وجرائم الشذو. ذ واغتصاب الأطفال والمتاجرة بالبشر، لأنها انفلتت من عصمة الدين الذي يحفظ على المرء اتزانه الروحي، والأهم؛ من الصلة بالخالق المدبر الأعلم بما يَصلح لهم ويُصلح حالهم. لكن نحن مازلنا مسلمين، نحن أصحاب دين وهويّة ومشروع، في أقل تقدير ١٠٪ مِـنّـا هم كذلك. وتاريخ الأمم والحضارات يؤكد أن ازدهارها كان بفعل نسبة أقل من هذه. وإذن لابد من التوقف عن القفز فوق المربعات، لابد من التوقف عن بعثرة المراحل ولخبطتها. القصة ليست قصة بُـعد عن دين، وملحدين، ونسويات، وشاذ..ين وشاذ.ات. مبتدأ القصة القمع السياسي والقهر السياسي الذي يضع نصب عينيه الوصول لهذه الفوضى، وإفراغ الناس من كل القيم والمباديء لإحكام قبضته. الملحدين والزنادقة والفساق تواجدوا في العصور الإسلامية المتقدمة ولم يضرّوها شيئا، لأن اليد العليا كانت للسلطة السياسية المتبنية للإسلام في صورته النقية. حين كانت الدولة الإسلامية في أوج قوتها لم يتهيب ابن عباس ومعاوية من استفتاء كعب الأحبار عن القراءة الصحيحة لـ(حمئة)، لم تخش الطبقات المتقدمة من اعتماد الإسرائيليات كمصدرٍ للتفسير كما يفعل المعاصرون، ولا لوم عليهم؛ ذلك أن الضعيف المهزوم يحسب كل صيحةٍ عليه، وكل صرير باب غاصبٌ ينشده. المربع الأول الواجب البدء به هو امتلاك القرار السياسي، هذا الامتلاك هو نفخ الروح لنكون. ومتى ما كُنـّا انطلقنا. وأيّ تهميش لهذا المربع، هو حكم بالمتاهة الأبدية.
احشميني يا مقابيل الايام... عن علومٍ ما تعزّ ولا تشرّف. حين يتساقط حول خصرها الرِمم والزناة، ارفعنا ياالله عن معترك أقدامهم. هبنا صمودًا يقيم صلب أرواحنا؛ نكسر به أقلامنا إن راودتنا عن ذواتنا، نحرق به مراكب عودتنا إن لم يكن ثمّ خلاصٌ إلا جناتهم. حين تحيط بنا أمواج البحر اللجيّ، ارزقنا الطمأنينة لاختيار قيعانه عوض أيديهم الملطخة بدماء إخوتنا. ثبّت أفئدتنا بسكينة التخليّ؛ عن الترف، والخبز، والمقعد الوثير، وأُنْس الواهنين المتهاونين. حين تحاصرنا جيوشهم وخناجر مرتزقتهم، افتح لنا في الجدار كوّةً نقتفي عبرها خطى جدنا الغفاري؛ شعثًا منتصبي القامة، غُبرًا متخففين، حفاةً مستغنين. صدى أصواتهم خلفنا يستعطف الشرائد الناهبة، فيما ألسنتنا تلهج قانعة: خلي يديّ فلستُ من أسراكِ... أنا ياحياة علوت فوق علاكِ.
ياتعويذة المقاتلين في الليالي الصعاب؛ مرّي بحقولنا ذات يومٍ ثقيل... نحن الجبناء، المعقودة أرواحنا بنواصي الرغبات... نموت هلعًا من وقع الخطى البعيدة! نحن الهزيلون المتخمون بالشهوات؛ نحتاج ثقبًا تندلق منه أحشاؤنا الواهنة.. ثقبًا ترتفع عبره أبصارنا نحو السماوات. نبتت على ظهورنا أشجار الخزي حين طال انكفاؤنا... وعبست في وجوهنا الأرض تلعن إطراقنا. ياأسلافنا ..هلاّ بعثتم رياح العزة تطرق أبوابنا، توقظ منامنا! يارياح الإباء، يوم كان صهيل الخيل نذير الثورات... اقتلعي من قبور الأشاوس قلبًا، وزعي فتاته على هذي الخيالات... لربما بث الأموات في أشباه الرجال الحياة.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2020

كان لإحدى بنات عمي زوجٌ ضعيف العقل محدود التفكير؛ كلما أصابت الحمى أحد أبنائه طالبها بغسل أجسادهم بالماء البارد، فإن استعصت الحرارة على الهبوط، أوصى بالتحاميل! عبثًا حاولت إفهامه أن الحمى إنما تنجم عن التهابٍ ما، وأن الماء والتحاميل يخففان أثرها لكنهما لا يُـنهيانها، كونهما لا يقضيان على مسببها. بيد أنه لم يستوعب! استعدتُ قصتهما حين مررت توًا بصفحٍة كانت مخصصة لمحاربة النسوية، وقضايا الحجاب والحياء، وحقوق الزوجية والمهلبية، وسائر الخطب والمواعظ الدرويشية إياها، ثم تحولت بقدرة قادر لمحاربة الإلحاد والتصدي له، تمامًا كما يخصص أصحاب بعض الحسابات صفحاتهم لمثل هذي المعارك الاستنزافية، متناسين-إن أحسنا الظن- جهلاً وحمقا، أن الناس ألحدت بسبب القهر السياسي، فسدت أخلاقها بسبب القهر السياسي، نست دينها وربها بسبب الجوع الذي خلّفه القهر السياسي؛ عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لايخرج على الناس شاهرًا سيفه! تحت سطوة القمع السياسي، اغتصِبت حقوق الناس، وعقولهم، وأرواحهم، حتى في بيوت الله التي يلجأون إليها للأنس بالله، والتخفف من ضغوط الحياة. وكل من يرشد الناس للاغتسال بالماء البارد لتخفيف نار الحمى التي أذهلتهم عن دينهم وأخلاقهم ومبادئهم، هو مبعوث المغتصبين شريكٌ لهم، مهما تزيّا بلبوس القديسين المصلحين. لاينبغي لذي لبٍ الانخداع بمعسول كلامهم وفصاحة بيانهم. سلطة الاستبداد لايمكن أن تغض الطرف عن مصلٍح حقيقي. هؤلاء ليسوا إلا باعة مخدرات ومذِرّي رمادٍ في الأعين؛ صرفًا للأذهان عن سبب الخراب الحقيقي! نعم، الوضع اليوم بلغ من السوء منتهاه بالنسبة للدعاة والمصلحين، حدّ أن أحدهم لو نبس ببنت شفة لـغُيّـب من حينه في ظلمات السجون أو تدلت عنقه على حبل المشانق. هذا معلومٌ ومُقدّر ومُستوعب. بيد أنه لايقتضي تزييف الحقائق، وصرف الأذهان عن علة الذل والبؤس الذي نكابده في هذي الخرائب. والكمادات الباردة التي يمكننا القبول بها حتى حين، هي علمٌ نافع نُـدل عليه، نهجٌ أكاديمي يغوص بنا في التاريخ الوضّاء؛ تصبّـرًا وتمثّلاً واسترشادًا، جمعيات أهلية خيرية نساهم فيها أو ننتفع منها ولو بعلبة لبن زبادي. نعم... لبن زبادي يُلقِـمه جائعٌ جوفه، أنفع ألف مرة من هذي الحروب الاستنزافية التي تقودونا إليها بإرشادات أسيادكم لتفريغ شحنات غضبنا. كلا... نزدرد اللبن على جوفٍ ملتهبٍ بشحنات الغضب، خيرٌ من متابعة إلهاءاتكم المدوزنة على نغمة" بص العصفورة". لقد كان ماجن الخمرة أجرأ منكم حين صدح مطالِبًا: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر! دافع عن عقيدة السكر التي اعتنقها، واضعًا نهجًا لايقبل المداهنة ولا المواربة ولا الإلهاء: اشرب فُديت علانيه... أُمّ التستـّر زانية! ليت شعري، كيف قضيتم ليلتكم في أسرّة الطغاة، ثم خرجتم علينا بزينة التستر والإلهاء!! . . آه...كدت أنسى. بالنسبة لابنة العم، فقد انفصلت عن زوجها بعد عشرين سنة حافلة بالآفات، حيث فقدت إحدى البنات حاسة السمع جراء التهاب أذنٍ لم يُعالج في حينه. بينما أصيب الابن الأصغر بالحول نتيجة حمى شديدة أصر الأحمق على مداواتها بالكمادات والتحاميل! وعوافي.

الأحد، 30 أغسطس 2020

..

أنا الليلة أقرأ بقلبٍ مكلوم، و لذا فإني أصدف عن المعنى و أتوه. إن العين التي تعشيها الدموع لا ترى الصور كما هي على طبيعتها، إنها ترى نصف حزنها فيما ترى! موجوعٌ أنا حد الضياع، حد اليأس الذي أيقن به شمشون نهايته، حد تساوي الأضداد و استواء صفوف الخيبات؛ ركعت تصلي صلاتها الأخيرة! موجوع و أقسى مافي وجعي أنّي لا أعرف له علةً مؤكّدة، و لا أميّز له وجه سبب. أقرأ فلا أعي، و أكتب فلا أحسِن، و أسمع و لا أفقه! ازدرد الثواني ويطول اغترابي، وكأن جوفي بئر غربان عميقة، بعمق بحثي عن الإجابة! عبثًا أمد يديّ وإذ كل مافوقي ظلمات يعلوها فراغ... فظلمات... ففراغ. مدىً متسع فاقدٌ للذاكرة، التهم حدوده و نسي لعق أصابعه، حتى إذا ماانبعثت الرائحة القديمة تحرّكت أشجانه و أصغى؛ تأوّه و حنّ، ثم همس يسأل: إلى ماذا أحِن؟ إلى أيّ شئ أحن؟ وحين تزوّد بكسرة أمل، توهّم القوة ومضى، لكنه كالعادة كان يصل متأخرًا. متأخرًا بخطوة، بجرأة، بهمستين، بألف فرحةٍ وجناحين! في كل مرة كان لا يلمس من الدفء إلا الرماد، و لا يصله من الصوت إلا تعاريج الصدى، و لا يجد من الماء إلا رائحة الطين المبتلّة؛ تتخلل مساماته و تثير حنينه القديم، ليعاود السؤال من جديد: إلى ماذا أحن ؟  إلى أيّ شئٍ أحن ؟! آآه.. يالهذا الغموض القاتم، لو أنّه ينجلي برهةً من زمنٍ مسروق لأدرك سر الحنين، لأهتدي لمصدره، لم يعد يعنيني الحصول على ما أحِن إليه قدر أن أعرفه، أن أستبين ملامحه، أن أوقن بحقيقة وجوده، أن أومئ لأطياف الزوايا أنّي لست واهما! أيها الحنين المسافر في دمي، يا رفيقي قبل ميلاد الرغبة واستواء الحاجة، يا ظمأي الأبديّ قبل لثغة الحروف و تمرّد القلم، يا هاجسي الذي لم يتمثّل لي كائنًا سويّا، يا حلمًا لم يضمّه مدى، و سرابًا لم تمسكه يدا، و غايةً لم تبلغ خط النهاية. قد طالت الرحلة و أنهكني الظما، و غدا قلبي هشيمًا يبسا.

الخميس، 13 أغسطس 2020

أي خطاب أو فكرة لاتنسجم مع الواقع لايمكن أن تصمد طويلاً. مايطرحه المتحدث أدناه على أنها مسلّمة لا شية فيها، وحقيقة لا مجال لدحضها، هي في أصلها تزييفٌ للواقع، وتخديرٌ للعقول، واستدراجٌ للناس نحو مأزقٍ وجودي، لن يعود على أرواحهم إلا بالتعاسة. السعادة لم تكن يومًا منجزًا فرديا، على العكس السعادة فعل تشاركيّ تكتمل دورته مع العطاء والتفاعل. نحن نغتبط بمشاركة الطعام مع الأهل والأحبة، لا حين نتناوله وحيدون مهما بلغ ذلك الطعام من اللذة والروعة، نحن نحتفل بالأعياد استئناسًا بأهلها وصخبهم، ولمعة الفرح في أعينهم، لا لذات العيد، ولا بكوننا قادرين في عزلتنا على جعله عيدًا. بل حتى وجبات البهجة التي نتناولها في وحدتنا، كاستماعٍ لمعزوفةٍ، أو قراءة رواية، أو مشاهدة عملٍ فني، نتوق لاحقًا لمشاركتها مع رفيقٍ نأنس إليه؛ وكأن اكتمال لذتنا لن يتحقق إلا بتلك المشاركة. نعم، الإنسان قادر بقوة الإيمان على زرع الرضا والقناعة في ذاته، قادر بعون الله، ثم بالعزيمة الصلبة على التفوق والإنجاز وتخطي الصعاب؛ المرأة و الرجل سواءً بسواء. قادر إلى حدٍ كبير على منح نفسه الثقة اللازمة لإبقائه واقفًا على قدميه، وأقول إلى حدٍ كبير، لأنه حتى الثقة جزء منها يستمده المرء من أعينِ مَنْ حوله، مهما كابر وادعى خلاف ذلك. ولو كانت السعادة منجزًا فرديًا بحتًا لما وعِد الإنسان في الجنة -التي بها من النعيم ما لاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر- بالأزواج والأهل والذريات، بل إن إحدى العقوبات الموحِشة التي توعد الله بها العصاة، هي تبدّل قلوب أحبتهم وندمائهم ( الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). فكون العداوة باتت نوعًا من العقاب، دليلٌ على أن التصافي والاستئناس نعمةٌ واستحقاق ثواب. ثم تأمل الإعجاز في اختيار لفظ "متقابلين" في وصفه تعالى لأهل الجنة( على سررٍ متقابلين)؛ لاينظر بعضهم إلى قفا بعض. فأنّى لوحيدٍ في دار الفناء إيجاد السعادة!! مهما حصد الإنسان من المنجزات العلمية والمادية، ومهما تحلّق حوله من أصدقاء ومعارف وأحبة، فإن روحه لن تجد السعادة الحقيقية- بعد لذة الطاعة- إلا مع توأمٍ لروحه يأنس بوجوده وتكوينه، حد أنه يجد في صمته مايغنيه عن أحاديث البشر جميعا. توقفوا عن خداع النساء. نعم، تستطيع المرأة أن تحقق النجاح، تستطيع إن امتلكت العلم والمال أن تستغني بالله ثم بهذين السلاحين، وتتخطى بهما الصعاب. لكن أن تبلغ ثمرة السعادة وحدها، دون رفيقٍ يشاركها لذة هذي الثمرة، فهذا دجلٌ ومحض أوهام.

الأحد، 9 أغسطس 2020

لقد حافظنا على صمتٍ أقرب ما يكون إلى الغباء! كان هذا إعلان العصيان الذي أصدرته مجموعة الدفاع عن مدينة لاباث عام١٨٠٩م ! هو خيطٌ رفيع ونقطةٌ فاصلة. شعرٌة وضع بها معاوية حجر أساس الدبلوماسية، فيما صاغ ابن المقفع من خلالها حكمته: إنك إن خلطت بالجد هزلاً هجنته، وإن خلطت بالهزل جداً كدرته! هي شعرة التردد التي راودت ابن رواحة عن نفسه، فقطعها بسيفه ومقاله: أقسمت يانفس لتنزلنه... مالي أراك تكرهين الجنة! منطقة الفراغ بين اللاء والنعم. التعثر بين الإقدام والإحجام. البقعة الحائرة بين الضباب والصحو. ؛ المثقلة بألف ظنٍ وخيال، تتنازعها أكف الخوف والرجاء! وأنت الواقف مابين البين، تنظر للمصائد ولاتجزم بوجودها. تموت في حنجرتك كل يومٍ ألوف الكلمات. تزدرد الغصص، وترسل تحت لحاف الليل الصرخات. أنت القابع في مدينة الثلج، تتأمل الشوارع واللافتات؛ كل عنوان.. شتيمةٌ واتهام، وفي كل زقاق عينٌ تغمزك، ولسانٌ ممدودٌ يسخر منك. تتابع أخبار الذين غادروا مناطق الصمت ثم تقضم مؤخرة الوقت، يحاصرك استنزال ابن رواحة: أقسمت لتنزلنه... لتنزلنه... لتنزلنه...، يزلزلك صهيل الخيول وقرع الطبول ونشنشة الدروع، تمزقك الأوصال المقطعة، وتخنق صوتك رائحة الدماء، فينعقد اللسان على آآهٍ حائرة! أنت الهارب إلى أطراف المنافي، لن تتذكرك إلا شمس القطب. تلعنك الحدود والمواقف الفصل، يمقتك البياض والسواد. لايؤنس ضياعك إلا دفء الرماد ويقين الأشباح! . .

السبت، 1 أغسطس 2020

أغدًا ألقاك!

وصلتني رسالة من أخٍ سوداني يشكرني فيها على قبول طلب الصداقة، مع ثناءٍ لما راقه واستحسنه، خاتمًا رسالته بالقول: شكرًا لأجل ماتكتبين من درر، وأعجب للكيبورد ألاّ يرقص طرباً لجميل العبارات! "أعجب للكيبورد ألاّ يرقص طرباً لجميل العبارات"!! لماذا يصبح مذاق بعض الكلمات لذيذًا حين يجمعها رباط سطرٍ واحد، ولماذا السودانيون كثيرًا ماامتلكوا هذا الطوق الآسر؛ الذي يهب أبسط الكلمات رنينًا سحريًا لا يـُماثَـل! مرّ هذا التساؤل ببالي وأنا أتذكر تغاريد روضة الحاج، ثم قصيدة ذاك العاشق الذي أهدى الكون أروع اللوحات"أغداً ألقاك"! ذاك الذي أرّقه الغدُ الموعود المرتقب، الغد المتراقص على حائط الأمنيات؛ صورًا تومض دهشًة بالجمال المتخيل، ثم خوفًا من خيبٍة صادمة. الغد الهائم دون ختمِ مرورٍ أو تأكيد لقاء؛ المتأرجح بين حيرة الزمان وحرج المكان؛ ذاك المتوجّد.. لايمكن أن يكون عاشقًا عادياً! تخيلته على سطح منزله في تلك الليلة الموعودة، يُلقي في فم الكون سؤاله الـ أضناه: أغداً ألقاك؟ .. ياخوف فؤادي من غدي.. يالشوقي واحتراقي في انتظار الموعد. انتظارٌ وتشوّف، يضيق بالمجرةِ لتستحيل نونًا في عين محبوبته... آآه، كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا.. كنت أستدنيه.. لكن.. هبته لما أهابا! أيّ اضطرابٍ وأيّ حيرة.. حين تغدو كالكرة؛ تقذفها اليد إلى اليد، بين رجاءٍ وإشفاق، بين إقدامٍ وإحجام، بين رغبةٍ ورهبة! واقفًا إلى نافذته مرسلاً عبر ممر الحنين عيونه، حيث أطياف الغد تتماوج دون ثبات، حيث خفقات القلب تراهن بعضها أيهن أعجل بصاحبها! هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا ؛ مهجًة حرّة وقلباً.. مسّه الشوق فذابا.. فذابا.... فذابا... إي والله ياابن آدم! ثم كيف استدل اللحن على الشعور حين عزف الـ آآه: آآه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني؛ كم أناديك وفي لحني حنينٌ ودعااااء! هل سمعتم رجاءًا مثيراً للوعةِ كهذا الرجاء! سؤالاً تائهاً في المدارات الفسيحة، يتلوّى صدى حيرته فتنثني الكواكب عليه عطفا، حتى إذا ماأعياها حمله أعادته إلى صدر صاحبه، ليعلن في استسلام: يارجائي أنا.. كم عذبني طول الرجاااء ! لواعج محرِقة، لقلبٍ اغترف الحب من معينه البكر ، فاستحالت جوارحه أغصان عشقٍ لاتكف عن التمدد، ثم إذا ما حالت دونه ودون أنفاسه، وأدرك أنه لا محالةَ هالك، أقرّ بما ليس عنه مفر: أنا لولا أنت.. أنت لم أحفل بمن راح وجاء.. أنا أحيا في غدي الآن بأحلام اللقاء؛ فأت... أو لا تأت... أو فافعل بقلبي ماتشاء. 2-11-2014

الأحد، 26 يوليو 2020


يقول ابن سينا في كتابه" السياسة": وإذا لم تُوهب الهيبة الزوج، فقد هان عليها، وإذا هان عليها لم تسمع لإمرته، ولم تصغ لنهيه، ثم لم تقنع بذلك حتى تقهره على طاعتها، فتعود آمِرة ويعود مأمورًا، وتصير ناهية ويصير منهيًا؛ وذلك الانتكاس والانقلاب! والويل حينئذٍ للرجل؛ فماذا سيجلب عليه تمردها وطغيانها، ويجني عليه قصور رأيها. المرأة كلما كانت أعظم شأنًا وأفخم أمرًا كان ذلك أدلّ على نبل زوجها وشرفه، وعلى جلالته وعظم خطره. انتهى.
وأتصور لو أن ابن سينا بيننا اليوم، لأدرك آسِفًا أن هيبة الرجل انتزِعت عبر خطةٍ مدروسةٍ ممنهجة تكاد لا تجد للمرأة دورًا فيها. المرأة غالبًا اقتصر دورها على الإفادة اللاحقة من الهيبة المنتزَعة. وهي في ذلك على حالين؛ امرأة متضررة فِعلًا وواقعًا من ظُلمِ ذَكرٍ مارس تسلطًا مشوّهًا لم يراعَىَ فيه لا دينًا ولا إنسانيةً ولا حتى مروءة، وامرأة تافهة العقل، سطحية الثقافة، ضيقة الطموح، صفّقـت لانتزاع الهيبة رغبةً في تفلّتٍ ممجوج، وحريةٍ سائبةٍ بهيمية.
أما انتزاع هيبة الرجل، فقد تكفلت به السلطة الحاكمة- تحديدًا في الوطن العربي-على أكمل وجه،مدعومًة بإيقاع الحياة الحالية ونمطها المادي. الرجل العربي اليوم يتعرض لشتى أنواع الامتهان والإذلال، بدءًا من سحقه تحت عجلة البطالة والعوز، مرورًا برحلة إذهاله عن كل شيء عدا السعي وراء اللقمة، ثم إجهاده بالكدح المضني الشاق مقابل مايسكِت صوت بطنه وجوع عياله، يفعل ذلك وهو يتعرض لـ تعنيف رجل الأمن، وملاحقة شرطي المرور، وتأنيب المدير المسؤول، وتهديدات قوانين الحكومة التي تُـضَخ ليلاً ونهارًا عبر شاشة التلفاز، ورسائل الجوال، وإشعارات الأثير: إياك وإياك... ثم إياك. ترهيبٌ ممنهج يحيل الرجل يوما إثر يوم إلى مجرد أرنب،فإن لم يتأرنب كان السجن عرين هلاكه. لاحقًا، إن طلب هذا البائس فسحًة من ترويحٍ وتنفيس، فمحالٌ أن تمنحه الدولة مايستعيد به الرجولة المهدرة، من رمايةٍ و فروسيةٍ وسباحة... لا يا نن عين الحكومة، أنت ستلعب. نعم، ستلعب ال فورت نايت وببجي، و ون بييس، و ستظل مُسمّرًا أمام شاشتك، قابعًا على أريكتك، حتى يتدلى لحمك المُنعّم حول خاصرتك. عمومًا أنت لست حديث عهدٍ باللعب، لقد كنت تلاحق الكرة في المدرسة، من خلال مادة التربية البدنية التي اقتصر منهجها على هذه الرياضة وحدها دون سواها. منهٌج دراسي مختارٌ بعناية؛ لن تحصل من خلاله على أي قدواتٍ أو رموز؛ لن يربطك بتاريخك، ولن يعمّق هويتك، ولن يعرّفك بدينك. ستحرص وزارة تعليمك أن يظل أبطالك رسوم الإنمي وشواذ هوليوود.
أنت الآن جاهز؛ ذكرٌ مخصيّ الرجولة، منزوع الهيبة، يتأهب لدخول(قفص) الزوجية!
السيناريوهات الآن متعددة؛ فإما زوجٌة صفيقٌة سليطة، دنيئة الرغبات، فقيرة الوعي، وهذه ستجيّر المهابة المنزوعة لصالحها منذ أولى لحظات حفل الزفاف، حين تراقص العريس الأراجوز يدًا بيد مع (رقاصة) شبه عارية، لسان حالها: في ليلة الدخلة ادبحيله القطة. طبيعة الاختلال الحاصل، المستند إلى قاعدة" إذا جرّدت المرأة زوجها من هيبته، لن يجدها في أعين أبنائه"* سيُنـتج أطفالاً ممسوخين ذكورًا وإناثا، لن يأخذوا في يد الحكومة(غلوة).
السيناريو الثاني، لامرأة تامة الحياء محدودة الذكاء، فهي وزوجها نموذجان جيدان ل(المواطن) الصالح. لكن، قد يحدث ويسلك الذكر المطحون، مسارًا عدوانيًا ضد زوجته البسيطة الوادعة في لحظات يأسه التي ينشد فيها رجولته المُستلبة، وربما لجأ إلى حيل عدوانية عنيفة أخرى للتعويض وتفريغ الكبت.
نموذجٌ أخير متبقي ذاك المحاكي لحال ابن تيمية: مايفعل بي أعدائي، جنتي في صدري وبستاني! في عزمٍ يرددون: مايفعل بي أعدائي، دولتي في صدري وقراري. هؤلاء الواعون مبكرًا لما يراد بهم، سيكون لهم منهجهم الخاص الموازي والمخالف لمنهج الدولة؛ تعليمًا وترفيهًا وترهيبا، ليس استنادًا بالضرورة إلى"لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد في الاتجاه"، قد يفعل ذلك فيما يخص التعليم والترفيه، بينما يلجأ لحيلة القوة الناعمة في مواجهة الترهيب الممنهج، فهو في نهاية المطاف لايريد أن يتأرنب. هذا النموذج هو من عناه ابن سينا في سطره الأخير. وقليلٌ ماهم.... وقليلٌ ماهم.


*القاعدة من كيسي، وكيسي برأس ألف حكومةٍ مما يعدون.

الاثنين، 20 يوليو 2020


من المرويّ عن خلعاء بغداد، قول أحدهم:
عجبتُ من إبليس في كِبره... وقُبحِ ماأظهرَ من نيّـته
تاه على آدم في سجدةٍ... وصار قوّادًا لذريته.
وفي ذات المعنى يقول خليعٌ آخر:
يأبى السجود له من فرط نخوته... وقد تحوّل في مِسلاخ قوّادٍ !
وإن من المفارقات الساخرة تحسس الدور الحيّوي والهام لمثل هذه الخلاعة الطريفة، والتي تأتي موافِقة للحكمة العتيقة: ذلّ من لا سفيه له. ومع الأسف-أو دونه لافرق- فقد أكدت الأحداث والأيام الضرورة الملِحّة، بل والدور الإيجابي للسفهاء، حد اعتبارهم من العدة اللازم توفيرها واعتمادها ضمن الحرب النفسية المؤثرة في هزيمة العدو، وتثبيط عزائمه، وإنهاك قِواه.
وقد ابتلِي قريبٌ لنا بابنٍ بذيء اللسان، ضيّق الجنان، فاحش القول سريع البطش. فسألته ذات يوم: ماأثقلَ حِملك! أيّ ذنبٍ أذنبتْ حتى يكون لك مثل هذا الوبش. فأجاب: اسمعي ياهند. قد صبّرتُ نفسي بما تأملتْ؛ أوَ ليسَ لكل دار بيتُ خلاء،تُصرف عبرها فضلات أهله؟! وإذن، فإن ابني هذا هو.... بيت الخلاء؟ (سألتُـه مقاطِعة)... فأكملَ مغمض العينين: إنه ابني ومِني، أدعو عليه ولا أريد من السامعين تأمينا،لكن.. لنعتبره شفّاط بيت الخلاء (:

الأحد، 19 يوليو 2020


كان حكيم بني فزارة قد قال يومًا: " إذا أردت أن تبقى شيخاً للقبيلة للأبد، فعليك أن تفسِد فتيان ونساء القبيلة "!
إنه مبدأ السياسة القذر؛ الإزاحة.
الساسة لايعرفون تصالح وتسامح، واستيعاب... لا، نهجهم الدائم الإقصاء مهما تظاهروا بحيل الاستيعاب والديمقراطية الزائفة! وأنعم طرق الإقصاء؛ إفساد الأخلاق.

سبحان الله! العرب لم يتركوا شأنًا من شؤون الحياة إلا وردوه وتكلموا فيه. وإذا استثنينا التطور الطبيعي للعلوم الطبيعية والتطبيقية، فكل مايتشدق به الغرب ويمطّونه تشعيبًا وتفلسفًا، ويبهرجونه بالمصطلحات والتركيبات، إنما سبقهم العرب إليه ولو بإيراده في شطر بيت.

السبت، 18 يوليو 2020


في تلك الفترة التي تداول فيها الكثير تجربة الضفدع الذي وضِع في إناء ماءٍ يغلي على النار، ثم لم يقفز حين اشتدت الحرارة، بل عمد إلى موازنة درجة حرارة جسمه مع حرارة الوسط المحيط به، حتى استنزِفت طاقته ولم يقو على القفز في الوقت المناسب فمات؛ أرسلت لي صديقتي ذات الرسالة مُذيّلة بـ: أنا أيضًا لم أقفز في الوقت المناسب!
فكتبت أجيبها:
ماالمُرسَل إليه بأفضل حالٍ من المرسِل.
كذلك أنا؛ لم أقفز في الوقت المناسب. وحين أبحث عن الأسباب، يلوح أمام ناظري العديد منها، لكني أميل إلى الاعتقاد أن الغرور أهمها! هذا صحيح..لطالما وثقت في قدراتي، وحسن تدبيري، وذكائي. لطالما تصورت أنني سأصل إلى ماأخطط له، وأن الحظ العاثر الذي تلقّـف غيري لن يستطيع الإمساك بي. كنت أسير باطمئنان إلى أن أشواك الطريق وعثراته؛ ستـتـنـحـى جانباً إيماناً بي، وتقديراً لمصيري الذي كان يشع أمامي بتوهجٍ أخّاذ. توهجٍ أغواني، فأعماني عن تلك المصيدة التي لم أحسب لها حساب!
نعم، لم أقفز في الوقت المناسب. لم أكن أرى أبعد من أرنبة أنفي، ذاك الذي كنت مزهوةً به. كان يروقني شموخه، وكنت أظن أن الشموخ وحده كافٍ لعبور بوابات هذا العالم. كنت مأخوذةً بقصص السندريلات وأساطير النبلاء الذين يأتون في الوقت المناسب، وفاتني أن الفوت ثعلبٌ مخادع، وجبته المفضلة: الوقت المناسب!
نعم، لم أقفز في الوقت المناسب. وهاأنذا أتعلق بأهداب الغيم الهارب، بهراء الوعود الجائعة، بهمزة الرجاء وأطراف ثياب الأمس؛ أتوسل ظلالاً هزيلة اتكأت تستمطر عبرات القناديل، وخبزاً مبللاً بنداء. أمضي  وأركل خيبتي، فيرتد صدى الرصيف: ماذنبي أنا؟   أيها البلداء الخائبون تعلموا الحساب جيدًا!!
تسقط نجمة.. فأشم رائحة قلبي المحترق !

الجمعة، 17 يوليو 2020


عليكم بصحبتي وجِـواري، عضوا عليها بالنواجذ.
تشبثوا بها، ليس لأجل درهمٍ أو دينار، ولا لمعسول كلامٍ ودَلال، ولا كون صحبتي تورّث ملكاً أو كيلو فدان، ولا أقول لكم عندي خزائن من ياقوتٍ ومرجان، أو سبائك ذهبٍ وألماسٍ أطنان، ولا أعدكم بحسن معشرٍ وحلو ابتسام. أبداً... ليس شيئاً مما سبق وكان، كل مافي جعبتي، وباعتزازٍ أملكه؛ وفاء أبي محسدٍ حين قال:
خلِقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا.. لفارقت شيبي موجع القلب باكيا !
فـوالله لو رأيتم مايحمله قلبي من عظيم وفاء، وعلمتم ماتكابده روحي من لواعج الحنين، مابارحتْ مطاياكم أعتابي أبدا، ولبذلتم في سبيل مودتي الثمين والأنفسا، ولضربتم أكباد الإبل في طلبي ضرباً مبرحا، ولأتيـتموني عن اليمين والشمال، ثم قعدتم لي في كل دربٍ ومشوار ، ثم تمسحتم بأطراف ثيابي، وتشوّفتم لرؤيتي وملاقاتي. وطلبتم رائحتي في الهواء والشطآن، وسححتم على ذكراي الأدمع والماء، ثم لطمتم على فراقي لطما، وشققتم ثيابكم شقاً، وحثثتم في وجهي..أعني على رؤوسكم التراب حثا، ثم ندمتم ولات حين مناص؛ أن لم تلازموني منكبًا منكبا، وتلاصقوني كما لصقة جونسون لصقا مُـغِثّـا!

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من نرجسية المتنرجسين وغطرسة المتفيهقين واغترار الحمقى المُـنفسنين. إنما هي عظة لمل متعظ، وذكرى لمن يرجو العبر وتنبيه لمن أراد ألا يعضّ أيادي الندم .

#باب_ماجاء_في_تقديس_الذات_الهنداوية

الأربعاء، 15 يوليو 2020


من وحي قصص التحرش والاغتصاب.

أثناء كارثة سيول جدة التي حدثت قبل عشرة أعوام تقريبًا، جرت قصة عجيبة روتها السيدة"نورة" قريبة زوج خالي. والأحداث حصلت في بيتها صبيحة الكارثة الموافق للسابع من شهر الحج، حين قدمت لزيارتها جارتها مع ابنتيها الصغيرتين لتلعبا مع بنات نورة الثلاث. لا أحد يعلم على وجه الدقة كم من الوقت مر قبل أن يجتاح السيل الحي، ويجرف السيارات بمن فيها ويُغرق البيوت بساكنيها، لكن ماتذكره السيدة نورة أنه حين داهم السيل بيتها أخذت هي وجارتها تضعان قِطع الكنب قطعة فوق الأخرى لترتقي عليها الفتيات الخمس، حتى إذا شارف الماء سقف الغرفة وابتلع الفتيات الأربع الصغيرات، تعلّقت السيدة نورة بالمروحة الكهربائية الكائنة في السقف، في الوقت الذي أشارت فيه إلى ابنتها الكبرى أن تتمسك بعارضة الستارة مؤكدة عليها أن تخفف من ثقلها بوضع قدمها في السياج الحديدي للنافذة. تكمل السيدة نورة: حدث كل ذلك وجارتي ليس على لسانها سوى" استريني عن زوجك وعيالك يانورة...استريني عن زوجك وعيالك يانورة". تنظر إلى الماء يسحب ابنتيها وتتوسل" استريني عن زوجك وعيالك يانورة"... غابت في أحضان السيل الجارف فيما ظلت آخر كلماتها عالقة في سقف بيتي وأعماق قلبي"استريني عن زوجك وعيالك يانورة".

مثل هذا الأمر لايمكن أن تفهمه تلك التي سخرت من السيدة السورية التي خرجت من تحت الأنقاض بكامل حجابها، مشيرة بيديها أنها بخير، مشفقة من أن تمتد إليها يد لامِس وإن كانت يد عون. نعم.. كثرةُ المِساس تميت الإحساس. اللحم يموت حين يموت القلب، وموات القلب بموت الحياء. ذلك أن الحياء مأخوذٌ أصله من الحياة. وكما أن الماء مادة حياة الجسم، فإن الحياء مادة حياة القلب.
هذا ما وعاه الأعرابي الذي أوصى ابنه حين اشتكى رَفع عروسه الكلفةَ بينها وبين الرجال حد أنها لاترد يد لامس؛ أن أنزِلها بقوم فلان فإن نساؤهن عفيفات. وكما الإيمان قرين الحياء يزيد وينقص، فكذلك الحياء يضيع ويُكتسب. يضيع بالاستغراق في الشهوات، بكثرة المساس، بالتفريط في عزة النفس ومروءتها. ويُكتسب بصون الروح عن مواطن الشبهات، ومراتع الاختلاط المودي للمزالق؛ تلك التي اختصرها المولى بوصف"خطوات الشيطان"... وهي كذلك؛ خطوة إثر خطوة، ولمسة بعد لمسة، وقطعة يُستغنى عنها ثم قطعة، حتى يلفظ الحياء آخر أنفاسه. فلا تسل بعدها عن وقارٍ وحشمة، ولا عن خُلقٍ وأمانة، بل ولا تسل حتى عن حياة"إِنَّ الله إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدَاً نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الحَيَاءَ لَمْ تَلْقَه إِلاَّ مُقِيتاً مَمْقِتاً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ مُقِيتاً مُمْقِتاً نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ لَمْ تَلْقَه إِلاّ خَائِناً مُخَوَّناً، فإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ خَائِناً مُخَوَّناً نُزِعْت مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَه إِلاَّ رَجِيماً مَلْعُوناً، فَإِذَا لَمْ تَلْقَه إِلاَّ رَجِيماً مُلْعَناً نُزِعَتْ مِنْهُ رَبْقَةُ الإِسْلاَمِ".

الجمعة، 10 يوليو 2020


يذكر الأستاذ روم لاندو في كتابه(الإسلام والعرب) امتناع عمر بن الخطاب عن الصلاة في كنيسة القيامة، قدس أقداس العالم المسيحي كما وصفها؛ خوفًا من أن يطالِب المسلمون بها بعد ذلك بوصفها مكانًا صلى فيه عمر. ويقارن بين ماقبل وما بعد الفتح العربي الإسلامي فيقول: وعلى نقيض الامبراطورية النصرانية التي حاولت أن تفرض المسيحية على جميع رعاياها فرضا، اعترف العرب بالأقليات الدينية وقبلوا بوجودها. كان النصارى واليهود والزرادشتيون يُعرفون عندهم بأهل الذمة، أو الشعوب المتمتعة بالحماية، ولقد ضمنت حرية العبادة لهم عن طريق الجزية. وهي ضريبة على الرؤوس مالبثت أن أمست ضريبًة تدفَع بدلاً من الخدمة العسكرية. وكانت هذه الضريبة-مضافًا إليها الخراج، أو ضريبة الأراضي- أقل في مجموعهما من الضرائب التي كانت مفروضة في ظل الحكم البيزنطي.
كانت كل فرقة من الفرق الدينية تعامَل كملة أو كطائفة نصف مستقلة استقلالاً ذاتيًا ضمن الدولة، وكل ملة تخضع لرئيسها الديني الذي كان بدوره مسئولاً عن مسلكها أمام الحكومة العربية.
في موضعٍ آخر يورد لاندو مقارنة بين مافعله الصليبيون لاحقًا حين دخلوا بيت المقدس: وفي عام ١٠٩٩ م بعد حصارٍ للمدينة دام شهرين، اقتحم النصارى بيت المقدس بمثل ابتهاج المنتصرين المتعصبين المتوقد، وأعملوا السيف في رقاب المسلمين من غير تمييز؛ رجالاً ونساء وأطفالا، سواء أكانوا في بيوتهم أم في المساجد. وواصل النصارى وهم يبكون فرحًا مجزرتهم حتى أخليت المدينة من جميع سكانها المسلمين واليهود. ومثل هذا الإفناء البشري باسم المسيح كان لابد له أن يذهل الناس. وقد عجزت القرون المتتابعة عن محو هذه الوصمة*
انتهى كلامه.

ثم يتشدق مسلمو الحداثة اليوم بالتاريخ الوحشي العنصري للمسلمين، تقليدًا وحمقا، أو عمالًة وخبثا. ولو أنهم- الصنف الأول، الثاني مفروغ من أمره-أعملوا النظر والتأمل، ثم استمعوا إلى رأي الآخر المنصِف لعرفوا أن حال البشرية لم ولن ولا يستقيم إلا بهذا النهج القويم؛ لو أن له رجال.
زي مااتفقنا: ابصقوا عليهم أنّى ثقفتموهم.

الأربعاء، 8 يوليو 2020


يورد القرآن الكريم صورًا لاحتجاج المجرمين بالحصة الزمنية القصيرة الممنوحة لهم، كمبرٍر لانحرافهم وضلالهم(إذ يقول أمثلهم طريقًة إن لبثتم إلا يوما).. (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة)... (كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فاسأل العادين)، وهو احتجاجٌ له وجاهته لو كان صحيحًا في العموم(أوَ لم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير)، وقد يكون التدارك هنا لمن تخطّفهم الموت مبكرًا، ولكون الزمن الأرضي لايُعد شيئاً قياسًا للزمن السماوي(قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون)...فمن علم أحسن التدبير.
وإذن، فالمولى لم ينكر عليهم احتجاجهم بقصر الوقت من حيث المبدأ، وكيف ذلك وهو المقسم بعظمته -أي الوقت- في قوله(والعصر إن الإنسان لفي خسر)، إنما كان الإنكار والتقريع في كذبهم بما احتجوا به؛ (أوَ لم نعمركم مايتذكر فيه من تذكر). وهنا ملمحٌ هام يؤكد على مدى خطورة الاستهانة بالوقت المبسوط أمام الإنسان، وضرورة استغلاله على أفضل صورة. لكنه يشير أيضًا من طرفٍ خفي إلى أن هذا التوفيق في استثمار الوقت مرتبطٌ بماهية النفس، من حيث عزمها وخيرها، لومِها لذاتها وبحثها، كدحها وتحريها؛ بالتالي مدى تعلقها بالله وقربها منه. والناس تدلل على لوازم المحبة بقولها: الرِجْل تِدبْ مطرح ماتحب! أنت لن تداوم إلا على زيارة من أحببت. وفي سبيل ذلك سيهون عليك كل صعب، وستتحدى من أجله كل خطر، وتذلل في سبيل الوصول إليه كل عائق. وإذن، المسألة في حقيقتها مسألة رغبة؛ (فعلم مافي قلوبهم) لو أردت.. لطرقت الباب. وماهي تلك الطرقات؟! ليست إلا رفعُ أكـٍف وقليلُ تمتمة. ولو أنك فعلت لوجدت الله عندك ومعك( إذا تقرب العبد إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)...
كل ماسبق، كافٍ لدحض حجة المتحججين بقصر العمر، وتسرب أجزائه. وكفيلٌ بتجسيد مشهد الندم الموعود به كل مفرّط، وحقيقٌ بتدريب النفس على الجدية، ونبذ مايُخوّرها ويقتلها.
هذا في كل حال، ومع حال اليوم أشد وأقوى.

الاثنين، 6 يوليو 2020


مبدأ الشافعي في الحب، والذي لخصه في قوله:
وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة... ولكن عين السخط تبدي المساوئا.
أو المساويا في بعض الروايات، المهم... في اعتقادي أن هذا المعيار لايُعتد به للحكم على علاقة بكونها حبًا أو لا. مسألة التغاضي عن عيوب المحبوب ومحاولة رفضها وإنكارها، هي في حقيقة الأمر حب للذات لا للآخر، من حيث كون مُـنكِر العيوب يرنو لشريكٍ مثالي (ع الفرازة)، ويرى في نفسه استحقاقًا لمثل هذي الغنيمة وعزوفًا عن ماهو أدنى منها.
ومن خـبُر خلاصة الحب وذؤابته علم يقينًا أن العاشق الحق مغرمٌ بصاحبه مع عيوبه.
والأمر ابتداءً عائدٌ لكون العشق الأصيل لا يبلغه إلا صاحب همةٍ عالية، وروحٍ نبيلةٍ راقية، وقلبٍ كريمٍ شجاع. الحب ليس للجبناء ولا للضعفاء ولا للحمقى. هؤلاء إن يظنون إلا ظنا. يتوهمون الحب، فيغطون أعينهم عامدين عن عيوب الآخر، لأنهم أضعف من أن يتقبلوه كما هو، أجبن من أن يواجهوا العالم بذواتهم المهزوزة، دون شريكٍ يضعونه دونهم ودون الناس.
أما من يحتج بالحديث النبوي(حبك الشيء يعمي ويصم)، فأعتقد مرًة أخرى أن مفردة "الشيء" قد تنقض هذا الاحتجاج، كونها توحي لكل شيء عدا الروح. وربما هي خاصة بشهوات النفس التي تطلب اللذات المادية والحسية قصيرة الأجل سطحية المعنى، تلك التي تلقِي صاحبها الأعمى الأصم في غياهب جب الإدمان المُذِل، وهو عكس ما يفعله العشق البهيّ المشرق، الذي يرقق الروح، ويمدد الضياء في جنبات صاحبه، فيسمو وإن عانى، ويبذل وإن حرِم، ويعطي وإن مُـنِع.

حين تحب، ستأتي بِـكلّك لِـكلّ الآخر، تتحس عيوبه في ذات اللحظة التي تلمس روعة تكوينه. تشهق للذة حسنه ثم تبتسم لنقائصه، بل قد تشتمه سرًا وجهرا؛ تلعن مساوئه ثم لاتلبث تركض لاحتضانه؛ إذابة كيانك في كيانه، اتحادًا مُرغمًا لا مشروطاً ولا مُقيّدا. تنتبه.. فإذ مذاق سيئاته كما ثمار أطايبه، وإذ بك تعشق المعايب من كونها لوازم المحاسن. تحتفل بلبِـنات هذا الوجود الذي فتنك، ثم لا ترجو عنه بديلاً، ولا تطلب له تبديلا.

السبت، 4 يوليو 2020




استوقفني بالأمس تسجيلٌ مصوّر يتحدث عن ما تسمى أزمة منتصف العمر، المتمثلة في حالة الاكتئاب والإحباط الشديدين، و ما يرافقها من شعور التوتر و الانطواء. و ذكر المتحدث أن علّة نشوء هذه الأزمة هي"فقدان الرسالة". بمعنى أن الإنسان و بعد أن يحقق جُلّ ما تمنى من زواجٍ و إنجابٍ والتحاقٍ بوظيفٍة، و تأمين دخٍل وشراء بيتٍ... و هلم جرا من المعتاد من الأحلام ، يجد نفسه أمام السؤال الصادم: وماذا بعد؟ فيشعر بالخواء و انعدام المعنى، وربما بضآلة وجوده، وتفاهة مشواره الطويل في الحياة.
سرعان ما انتبهت و أنا أتابع التسجيل، إلى أن الإسلام قد أوجد ركيزًة قويةً بمثابةِ الفنار المضيء في بحر الظلمات، تحولُ دون فقدان الإنسان لرسالٍة سامية يستمد منها معنى وجوده؛ (و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون). و مراعاةً للفروق الفردية بين الخلق في القدرات العقلية والجسدية والروحية، كانت إماطة الأذى عن الطريق عبادة، والدعاء مخها، والجهاد ذروة سنامها. هكذا.. تنخفض المستويات لتراعي الضعيف الذي لا يقوى إلا على إنكار المنكر بقلبه، ثم ترتفع حتى تبلغ ذروة العنان عند ذاك الصادح بكلمة الحق أمام سلطانٍ جائر!

ينتقل المتحدث بعد ذلك إلى فكرة الطاقة المحرّكة للرسالة، و هي التي أسماها: طاقة النبض الابتكاري! المستنِـدة إلى حقيقة أن الكون في حركة توسعية دائمة. و ضرب مثلاً على ذلك الألعاب الإلكترونية المُـصممة بطريقٍة تبقِـي حماس اللاعب مشتعلاً، عبر تقنية "المراحل المتقدمة" التي تنقل اللاعب من تحدٍ لآخر يفوقه. وبالعودة إلى نهج الإسلام في الرسالة المشتغِل بها كل منتسبٍ إليه، نجد أنه اعتمد هذه التقنية التوسعية منذ البدء؛ تصلي الفرائض الخمس فيرغّبك في السنن الرواتب، ثم يحملك إلى نوافل الضحى والوتر، والتراويح والتهجد. يلزِمك صيام رمضان، ثم يدعوك للأيام البيض، و يومي الإثنين والخميس، وإلحاق رمضان بستٍ من شوال، ثم صيام عرفة و عاشوراء. إن لم تؤدي الحج فلتصم العشر، و لتضحي، و لتذكر الله كثيرًا؛ صبحًا و مساء، عند النوم و بعد الاستيقاظ، قبل الخروج من البيت و قبل الولوج. عند صعود المركبة، و نزول الدار الجديدة، و هبوط الوادي و ارتقاء الجبل....
هكذا.. تنتقل من مستوى لآخر؛ في حركةٍ دؤوبٍ تبقيك على اتصالٍ بالسماء، و تشغِلك عن الركض الأرضي خلف اللذائذ التي سرعان ما تفقد بريقها. تلك التي وصفها العليم الحكيم بـ الفُـرُط= المتروك المُـضيّع. و أوصاك قبلها أن تصبر نفسك مع الذين يذكرونه غداةً وعشيا، لا تتجاوزهم ولا تصرف عيناك عنهم، ثم أوحى للدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمكِ فاستخدميه. و كيف ستخدمك؟ هل بتحقيق أحلامك الأرضية التي ستبلَى ذات يوم، وتفقد أنت نفسك شغفك بها ؟! إن الذي كلّفك بهذه الرسالة هو خالقك الأعلم بك؛ بالإنسان الذي يهرم ويضعف ويمرض، وتتسرب لذة الدهشة من حنايا صدره، العالِم قبل ذلك أن في خلْقِه ضعيف العقل، وصاحب الداء المزمن، والعاهة المستديمة. ولو ارتبط وجود البشر فقط بالرسائل الأرضية، لكان مصير الغالبية المصحات العقلية و مشانق الانتحار.
رسالتك العبادة حتى يأتيك اليقين. اليقين الذي سيزيل عنك غشاء وهم هذه الرحلة الخاطفة.





الثلاثاء، 23 يونيو 2020


غاضبةٌ أنا حد التشظي...

غاضبة من كل شيء ومن لاشيء. من أحبتي قبل أعدائي. مما أعرف ومما لا أعرف. من البياض.. والسواد.. ومابين البين.
من المجهول الذي لايفصِح، والمعلوم الذي لايؤكّد. من شكوكي ويقيني. من ذبذبتي وركوني. من خوفي واطمئناني. من الماضي بات أجمل، ومن الحاضر يسوء أكثر...

غاضبة من التقاة.. لاأستطيع معهم صبرا،
غاضبة من العصاة.. لاأشرب معهم نخبا،
غاضبة ممن وافقني لم يلمح فيّ غيّا،
غاضبة ممن عارضني لم يغض الطرف عنيّ نزرا...
غاضبة من يأسي لم يمنحني ضوءا، غاضبة من أملي لم يُلجم لي حمقا...

غاضبة من الخطى التي بدت واثقة، ومن هذه التي لا تحسن السيرا..
غاضبة من رجائي كيف تمسّح بأعتاب العابثين.. من كبريائي كيف أقصى المخلصين..
من لاءٍ بددت حلمًا، ونعمٍ أزهقت غيما.
من قدرٍ أعمى البصر، وبصرٍ لم يلتقط دربا.

ربما أدرك فرعون هزيمته منذ طرقات سيدنا موسى الأولى لبابه بعد عودته من مدين؛ حقيقة أنه قهِـر، غلِب على أمره ولم يملك منه شيئا. هو الذي قتل في ذلك العام كل غلمان بني إسرائيل، كيف حدث و كُبِـل عن قتل موسى الذي ترعرع في بيته وغُذي من طعامه، وتمشى في أروقة قصره محبوباً منعما. في أعماق روحه رأى فرعون خسارته، انعدام حيلته أمام قدرة الجبار المدبّـر، الذي قيده عن عدوه فيما هو يكبر أمام عينيه وتحت ظله.
كل محاولات التحدي التي حدثت لاحقًا لم تكن إلا هروبًا من الواقع، و تأخيرًا للمصير الذي لابد و حاصل. استمِـع هنا إلى النَـفَس الغاضب في صراخه بعد المناظرة العقلية مع موسى(لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنّـك من المسجونين)؛ وعيدُ حانقٍ يائس استشعر انفلات زمام الأمور من يديه. ثم هو و بعد الدليل المادي الملموس، يُجن جنونه فيقتل من استعان بهم لإبطال آيات عدوه دون أن تمتد يده إلى عدوه!! إنه الرعب... الرعب الذي شلّ قدرته وجمّد تفكيره، فلا هو بالذي يدع موسى يرتحل بقومه، ولا هو بالمقدِم على اجتثاثه و إبادته. وليس إلا التسويف والتأخير وطلب المزيد من البراهين والمعجزات!! تسويف المستكبر، الموقن في قرارة نفسه بكفره و جبروته، تمامًا كما يقين حاشيته التي أرسلت(لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين)؛ ليس مهمًا أن يكونوا على حق، المهم أن يكونوا هم المنتصرين!
لقد استدرجهم المولى إلى البحر، وهو العالم مسبقًا أنهم لن يروا في انفلاقه أكثر من عمل ساحر(إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)، اختلقوها من قبل وهم يدركون أنها فرية؛ لسان حالهم: لن نُـعمِل عقلنا في التفكير والبحث، لسنا مهتمين بحقيقة ما حدث، ولا كيف حدث، ولا مَنْ وراء الحدث. لقد رضعوا والشيطان من ذات ثدي الاستكبار.. لم تكن قلوبٌ تلك التي بين جنباتهم بل حجارةٌ صلد( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)،حتى وإن استنجدتَ بمن لا تريد الإيمان به (آمنْت أَنه لا إِله إِلاّ الذي آمنت به بنو إِسرائيل) سيُـحال بينك وبين رحمته؛ استحقاقًا عادلا، لا إبعادًا ناقما.

بيد أن مسلمو الحداثة والهشك بشك، لهم رأي مخالف فيما يخص مجرمي اليوم وفسقائه؛ إنهم ينقّـبون عن الرحمة التي يلج من خلالها الجمل سمّ الخياط، يمهدون لهم الممر الثالث عشر في بحر موسى، يُـنطقونهم بما ليس في صدورهم، ويُـشهِدون عليهم شركاءهم في الإثم و الفجور. ورغم أن مجرمي اليوم أشد تعنتًا من فرعون الذي استنجد متخبطًا آن الغرغرة، إلا أن المتأسلمين الحبابين اخترعوا لهم ملاكاً يأخذ بأيديهم إلى رحاب الرحمة، بدلاً عن ملكٍ يدس الوحل في أجوافهم المنتنة.

ثم لا تعجب إن طالت سنوات الطحن وأيام التيه وظلمات الشتات... إنه التمحيص والتمايز والاصطفاء.

الاثنين، 15 يونيو 2020


واحد وثلاثون مليون دولار قيمة ساعة يد، ابتاعها أحد أثرياء الخليج!!!

في أقل تقدير، بإمكان هذا المبلغ تمليك ١١٦ أسرة بيتًا خاصًا بها. هذا في حال افترضنا أن قيمة البيت ٢٥٠ ألف دولار، إذ هناك بيوت بنصف هذا المبلغ وأقل. إجمالاً؛ ٣١ مليون دولار يمكنها توفير ما يقارب ١٥٠ منزل. إعفاف ١٥٠ أسرة بمنزلٍ خاص، يزيح عبئًا كبيرًا عنها، لأنه متى ما كُفي الإنسان أجرة البيت، هانت عليه بقية النفقات. حُلم مائة وخمسون أسرة بحياة كريمة.. بحفظ ماء الوجه، بالستر الوادع؛ يبدده سفيه على ساعة تزيّن معصمه القميء، هو الذي لا يعرف للوقت تثمينًا، المُهدرة ساعات أيامه على العبث والخواء. سبحانك ربي... أمور يعجز العقل عن استيعابها!!
مقولة عمر العجيبة لجابر بن عبدالله حين رآه يحمل لحمًا اشتراه: أوَ كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟! أما تخاف الآية" أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا"!! لها دلالات عميقة تصل بك إلى حد الاقتناع بأن الإفراط اللامسؤول في شراء الكماليات، مع علم صاحبها بوجود إخوة له في الدين يتوسلون اللقمة وينشدون العون، من أمثال الفتاة التي ذكرت قصتها سابقًا، والتي تعمل مستخدمة نظافة بدوامين، تذبل زهرة شبابها وهي تنظّف قاذورات الآخرين، محرومة من الزواج، من الحب، من تحسس أنوثتها، من تأسيس أسرة خاصة بها، لأجل إعالة والدتها وإخوتها.... أقول أن السفه الذي يقوم به هؤلاء مع علمهم بوجود من يتوسل الفتات، يصل بهم إلى مرتبة المُخاطَـبين في الآية.
أنا لا أكفّر أحدًا، وأعوذ بالله أن أفعل. لكن إذا استحضرنا مقتضى الإيمان في حديث(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) أدركنا أبعاد استشهاد عمر بالآية الكريمة في معاتبته لجابر ابن عبدالله رضوان الله عليهم جميعًا؛ مِن حيث أن مسايرة شهوات النفس تميت إحساس صاحبها بحاجة أخيه. عُـمـر الذي حرّم على نفسه اللبن والسمن حين أمحل الناس عام الرمادة، حتى أنكر الناس تغيّر لونه، لم يستشهد بتلك الآية جزافاً وهو الفطِن المُحدّث. لقد كانت المعادلة واضحة بالنسبة له: استرسالٌ وراء رغبات النفس، يفضي إلى بلادةِ الإحساس وقسوة القلب (ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)، والنتيجة تفكك العلاقات و ضعف بنيان المجتمع. وإذا عُـدنا للمقتضى الإيماني في حديث( المؤمن للمؤمن كالبنيان....)، و ألحقنا به قول المولى "إِن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيانٌ مرصوص". أدركنا أن شرط النصر مرتهنٌ بالتلاحم القوي، المشدود بصلابةٍ تماثل الرصاص.
وإذن.. الأمر بدأ بمسايرةٍ لشهوات النفس، وانتهى بها علةً لهزيمة الأمة! هكذا رأى سيدنا عمر المسألة؛ الإسلام بناءٌ متكامل، مشيّـدٌ بإتقانٍ وصلابة، لبنة تشد إليها أختها، إن استهنت بواحدة كنت سببًـا في سقوط الصرح وخلخلته. وهذا الفعل لا يمكن التهوين من أثره بنسبته للخطأ والنسيان. إن الاستغراق الأناني في رغبات النفس ونزواتها لا يتأتى إلا من قلبٍ صلد، ران عليه غيّه، حتى انقطع حبل مرساته ففقد وجهته و إنتماءه. هو لا يشعر أنه منّـا، ونحن لم نر منه ما ينفي عنه ذلك. ومن لم يكن منّـا فهو مع الآخر، حتى لو اتقى بالحياد؛ رداء الخيانة.

السبت، 13 يونيو 2020


الترويج لمبدأ التجاهل و"التطنيش"، المستند إلى فكرة العبثية واللاجدوى، أو إلى وسادة إراحة القلب والتخفف من الحمول المنهِكة؛ أمٌر سافل، لايتزعمه إلا فاسدٌ له مآربه الموضوعة نصب عينيه، أو خبيثٌ لم يتكشّف له وللآخرين بعد خبثُ نفسه. كل ساكتٍ عن الحق، راضٍ بالظلم، خانعٍ لأرباب الفساد، متصالحٍ مع الخراب وطغمته؛ هو في حقيقة الأمر مشروع طاغية لم يحن دوره بعد. أوشِك أن أصل إلى قناعة بأن كل مظلوم يستحق ماحل به. نعم.. المظلوم الخانع يستحق، لأن خنوعه ابتداءً هو سبب بلائه، ولأن خنوعه ماكان لولا إيمانٌ خفيّ في داخله بالدونية، وبأحقية من ظلمه باعتلائه، والتسلّط عليه. إنه نفس الإيمان الذي سيجيز له حين انعكاس الأدوار ممارسة ذات الظلم والفجور. وصدق النبي الكريم "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"؛ اليوم فقط استوعبت هذا الحديث، وفهمت المغزى منه. فعلاً ، الضعيف الخانع بذرةَ طاغية مدفونة في الأعماق، ما أضعَـفَـهُ وأذلّـه إلا خبث طويّة، كما أرضته بالمهانة سترضيه ذات يومٍ بالظلم. لذلك كانوا المؤمنون حقًا عزيزي نفس؛ أشداء هناك، رحماء هنا. إنه التوازن الصعب. لايُلقّاها إلا ذو إنصافٍ عظيم وهمّةٍ تجاوز السحاب. لاتُـصالِح ولو قيل رأس برأس... أكل الرؤوس سواء؟! من تتساوى في عينيه الرؤوس هم أصحاب المنطقة الرمادية، والبراجماتية المؤجلة؛ يدٌ تمسك بالرغيف وعينٌ لها على الرغيف البعيد؛ المؤمنون بمبدأ "عشان تعلى لازم تطاطي"! رضوا الركوع فما استقاموا، وأركِسوا في وحل النفعية حتى غدت لهم لباسا، فلا تسل عن مظلومٍ بينهم أو ظالم.
كيف هُـنّـا فقادنا أغبياء.. ولصوصٌ متوّجون أكارم .
كيف كنا نقتات جوعًا ونعطي.. أرذل المتخمين أشهى المطاعم.
وجراحاتنا على باب "مولانا".. تقيم الذباب منها ولائم.

الجمعة، 12 يونيو 2020


أحد معارفي-وهو من الأثرياء الذين لايتحدثون إلا بالملايين- يصبّـحني ويمسيني، ضحىً وعصرًا، حين أتوسد مخدتي وقبل غسل وجهي؛ برسائل تمجيدٍ للخليفة الحاكم بأمر الله أردوغان باشا. جربت مرة بعد طول صبر- وأنا صاحبة بال طويل على فكرة- أن ألمّح إلى كون أردوغان رجل بيلعبها صح؛ حين يكون مع الأتراك يتحدث عن القومية التركية، وساعة يجتمع بالإسلاميين يقلب إسلامي على سن ورمح، وحين يستدعوه الغرب ينبش في حلف الناتو، واسمعي يا جارة ياللي مطنشانا... لكن اللي طنش ساعتها كان هو، واكتفى بإرسال هذا الوجه 🙂. ففهمت أنا بالتالي والتزمت الصمت. بيد أن حماس الرجل لم يتوقف، ولا يكاد يمر يومان أو ثلاثة إلا و يشيد بفتوحات الخليفة المغوار، وانتصاراته العابرة للبحار، وإنجازاته التي تذهل لها الأذهان. إنه ببساطة حامي حمى ديار الإسلام، ومغيث أبنائه من براثن الطغيان؛ أمل الأمة، و صاحب الهمة، السمح السخي، الشهم الأبي، لاتكاد تجد موضعًا إلا وأياده البيضاء لها فيه أثر....
المهم، أنه حدث قبل أيام، أن راسلتني شابة تعمل مراسِلةً في أحد مكاتب إدارة التعليم، ثم بعد الظهر تعمل مستخدمة نظافة في إحدى مدارس تحفيظ القرآن. والفتاة عزيزة نفس، تكدح على أمها وإخوتها. و يبدو أن وضعهم مع جائحة كورونا تردى إلى الحد الذي لجأت فيه إليّ تنشد العون، حين طالبهم صاحب البيت بأجرة الكراء. وذكرت المبلغ اللازم للسداد؛ والذي لم يكن مرتفعاً، لكنه للأسف فوق قدرتي. فوعدتها بالمساعدة، ورأسًا كاتبتُ صاحب أردوغان، المُـولع بمروءته، المُـتغزل بكرمه ونجدته. وكنت حذرة في خط رسالتي؛ لأن صوتًا خافتًا في أعماقي همسَ بخطبٍ ما. ذكرت له قصة الفتاة، ومبلغ السداد التافه بالنسبة لوضعه، والذي أقسم غير حانثة أنه ينفقه في جلسة مطعمٍ واحدة،وذيّلت الرسالة بأن إذا رغبتم في المساعدة سأبعث لكم رقم حساب الصبية لتحوّلوا لها ماتجود به أنفسكم... هسسسس، ولا كأنك يا هند رسلتِي أو هببتي. وبعد قرابة ساعة، بعث برسالتين متواليتين للخارجية التركية، وموقف أردوغان من الملف الليبي، وتصديه للمؤامرات الصهيو أمريكية، ودعمه للجهاد الإسلامي والبيض مع المقالي... الخلاصة أن السيل رفعني للزبى، وأن أوداجي المنفوخة من يومها زاد انتفاخها، وأن الشرر الذي تطاير من عينيّ شارف على تهشيم شاشة جوالي، ولم أفكر ولم أقدّر، بل أرسلت شتائمي تترا : سبحان الله انتوا الأخوان تموتوا ويكون لكم وثن، لاتستطيعون العيش دون عِجل تطوفون حوله، وحذاء تلعقونها صباح مساء، أردوغان عرص زيه زي حفتر وعباس وروحاني، مآربه توسعية، وحلمه إمبراطوريته العثمانية، و غاية همه ملأ جيوبه. خلاص كفاية، ريحتكم فاحت يا عبدة الحزب، وإخوة النفعية. ولاؤكم حيث مصالحكم، ودينكم ما شرَعت كراسيكم، وذممكم أوسع من مكبّ نفاية هندي. بعد صمت طويل، أرسل: مسكينة، ملعوب بعقلك.
لم نتكاتب من ذلك الوقت، لكني بعثت له اليوم رابط فيديو محمد العوضي وهو ينهق" لا تظلموا المثليين" وأتبعت الرابط بهذا الوجه🙂.

الأربعاء، 3 يونيو 2020


وأنا أقرأ في خُطب العرب، وقعتُ على قصة منافرة بين علقمة بن علاثة العامري و عامر بن الطفيل العامري، في أيهما أكثر استحقاقًا لخلافة عامر بن مالك بن جعفر، بعد أن أسنّ و دنا أجله.
والمنافرة تشبه في يومنا هذا البرامج الانتخابية لمرشحي منصب الرئاسة. وهكذا فقد أخذ كلاً منهما يعدد مناقبه ومآثره، ويعرض بالتوازي مثالب الآخر ومعايبه، سواء تلك المتعلقة بالصفات الخُلقية أو الخَلقية. حتى إذا عجزوا وشيعتهما عن الفصل بينهما، اطمأنوا إلى الاحتكام إلى سادة قريش، وكانت العرب تحتكم إليهم في مثل ذلك. واتفق المرشحان أن يهبا لمن يحكم بينهما مائةً من الإبل(وفي رواية مائتين)، والمائة من الإبل تعادل في يومنا هذا المليون ورقة وربما أكثر، بمعنى أن من يحوزها يصبح سيدًا في قومه. المهم... أنهما خرجا حتى بلغا أبي سفيان بن حرب، فلم يقبل الفصل بينهما وكره ذلك. وقال: أنتما كركبتيّ البعير الأردم( يعني السمين الشحِم)، فسألاه: فأيّـنا اليمين؟ قال: كلاكما يمين. فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام، فأبى أن يحكم بينهما، فتوجها إلى عيينة بن حِصن بن حذيفة فأبى أن يقول بينهما شيئا، فانطلقا نحو غيلان بن سلمة الثقفي فردهما إلى حرملة بن الأشعر المُري، فردهما الأخير إلى هرِم بن قطبة بن سنان الفزاري( انتبهتوا للأسامي: حصن.. غيلان... حرب... الفزاري..أسامي هيبة)، الحاصل، أنهما نزلا عند هرم الفزاري وكانا لا يمران بأحد إلا هاب القضاء بينهما. ثم أن هرم خاطبهما قائلاً: لعمري لأحكمنّ بينكما ثم لأفصلن، فأعطياني موثقًا أطمئن إليه أن تُـسلّما بما قضيت. فأعطياه، وأقاما وقومهما عنده أياما.
فأرسل هرم ذات ليلة يطلب عامرًا سرا، فقال له: قد كنت أرى لكَ رأياً، وأن فيك خيرًا، وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك. أتنافر رجلاً لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه! فما الذي أنت به خيرٌ منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم أن لا تفضّل عليّ علقمة. هذه ناصيتي اجززها واحتكم في مالي إن أردت، ثم انصرف وهو لا يشك أن هرم سيفضّل علقمًة عليه. وفي الليلة التالية أرسل هرم إلى علقمة يطلبه سرًا، وقال له مثل ما قال لعامر، ورد علقمة بذات جواب عامر، ثم غادر وهو لا يشك أنه سيفضّل عامرًا عليه. حتى كانت ليلة الفصل، أرسل هرم لإخوته وبنيه: إني قائلٌ غدًا بين هذين الرجلين مقالة، فإذا فعلت فلينحر بعضكم عشر جزائر عن علقمة، ولينحر الآخرون عشر جزائر عن عامر، وفـرِّقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة. فلما كان الصبح جلس هرم في مجلسه، وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا، فقام هرم وقال: يابني جعفر، قد تحاكمتما عندي، وأنتما كركبتيّ البعير الأردم: تقعان إلى الأرض معاً، وليس فيكما أحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، كلاكما سيدٌ كريم. وعمد إخوته وبنيه إلى الجُزر فنحروها وفرّقوا الناس. ولم يفضّل هرم أحداً منهما على صاحبه، وكره أن يفعل، فيجلب بين الحييّن العداوة ويوقع بينهم الشر!

إنت متخيّل حضرة سمو سعادتك! ثروة ترفع صاحبها إلى منازل الوجهاء وتبلّغه مصاف النقباء، يدفعها الرجل نحو الرجل، ويُـعرِض عنها الواحد تلو الآخر؛ تهيّـباً للدماء، وإكرامًا للرجال، وتعظيمًا للروابط! فكّرت حضرة فخامة معاليك في سيناريو القصة لو أنها حدثت في أيامنا هذه؟! حتمًا، و ببركة المادية الغربية، وإعلامها الساقط؛ مقدِّس المظاهر مؤلّه القوة، سيقوم المُـحكّم بابتزاز أحد الطرفين( غالبًا الطرف اللي سيستفيد منه أكتر)، بعدها سيفتعل هو والطرف المُـبتَز فضيحة ما لتشويه صورة الآخر(سيديهات... بنت من عينة مونيكا لوينسكي... تخابر مع أعداء القبيلة) أيّ نيلة ف أي طرشي،المهم يصدر الحكم بفوز دافع الجزية... كح، قصدي الرشوة، وطز في أي دماء تُـهدَر وأدمغة تُـفجَر وأعراض تستباح... وانا مالي أنا، المهم الفلوس ف جيبي.

نصيحة: أي شخص تجده يُـسفّه من العرب، أو يقلل من شأنهم، أو يسخر منهم، ابصق على وجهه ثم ألحِقه بأسخن بللك.

الأحد، 31 مايو 2020

وأنا أشاهد مقاطع فيديو المصريين الملقون عند أبواب المشافي صارخين مستنجدين، مرت بذاكرتي قصة أرملة جاورتنا في الحارة القديمة. كان ابنها الأوسط عنيفًا غليظًا قاسيًا متسلّطاً، و كان وحده القائم بشؤون البيت والإنفاق عليه، لأنه وخلافًا لأخيه الأكبر - الذي انعزل للتعبد والاعتكاف - حصل على وظيفةٍ ذات دخلٍ لا بأس به. لأيام طويلة شهدنا المعارك العنيفة التي شنها هذا الفتى على أخيه وأخته اليصغرانه. استطاع جميع أهالي الحارة سماع صرخات ألمهما واستنجادهما، حد أن الصبية وهي في السابعة عشر من عمرها خرجت ذاهلة ذات يوم دون عباءتها، هربًا منه حين أعمل "عِقال" رأسه في جسدها. وحتى اليوم تتمثل لي صورته وهو يهوي بالمطرقة الضخمة على سيارة أخيه القديمة البائسة التي كانت تحمله لمدرسته البعيدة، حطمها حين عاودت العمل بعد كيس السكر الذي أفرغه في ماكينتها. في كل مرة طالبت فيها نسوة الحيّ الأم التدخل لطرد هذا الابن أو إيقاف ممارساته الإجرامية، كانت تجيب بعجزها عن ذلك، كونه القائم بشؤون الأسرة المتفضّل عليها. ثم تـتبِع بتبريرٍ مفاده أنه يروم الخير من وراء تربيتهما، و أنه لا يرجو إلا النفع لهما.
مرت السنون وتزوج الوغد بفتاة أكملت دراستها في أمريكا ثم ارتأت الاستقرار فيها، فكان طوع بنانها وتحت أمرها. و من قبل، ألقت أخته بنفسها في أحضان أول عابرٍ طلب يدها، لتنجب منه طفلين ثم يلقي بها هو تبعًا إلى الشارع. و قد شوهدت آخر مرة، في أحد المكاتب النسوية تدور بصينية الشاي بين الموظفات. أما الأخ الأصغر فقد تخرج من كلية الهندسة بامتياز، وتوظف في شركةٍ مرموقة براتبٍ ضخم، لكنه سرعان ما فصِل، لتردي وضعه النفسي و ما لازمه من نوبات اكتئابٍ حادة. لتبقى الأم وحيدة تحت رحمة المحسنين المتصدقين، بعد أن بات مُعيلها الطاغية يرسل من الفتات ما تسمح به ظروفه المتأزمة(حسب ما يدعي)!!!
غالب المصريين، حتى من لم يؤيد منهم ابن الحرام، كانوا يرددون عبارة" مش احسن ما نكون زي سوريا". وهاهم اليوم يموتون كما مات السوريون وشهداء رابعة، وكما يموت الناس كل يوم في كل مكان، بيد أنه لا سواء بين مات وهو يصرخ "لا" في وجه الطاغية، وبين من قضى خنوعًا تحت أقدامه.
المصريون ليسوا بِِدعًا في هذا الشأن. جميعنا اليوم نسير على خطاهم، وسنحصل على ذات ميتتهم. نحن الذين أخذنا دور اليهود، فخربنا بأيدينا بيوتنا حين لم نأخذ على يد الطاغية.
نحن الواجلة قلوبهم من قضاء الأجساد، نحن الرعاديد الهزلى الميتون منذ أول طأطأة رأس، عبيد اللقمة والهِدمة و"أجراء" الوطن، لا شركاؤه كما ظنت تلك الجارية الكويتية التي ضـنّت برقعة السخرة القابعة عليها من أن يجاورها فيها أحد، حين توهمت مايلقيه عليها سيدها من بقايا نعمته الوفيرة، تقديرًا واستحقاقاً و تمييزا. ولو أن الحمقاء جربت معارضة سيدها بما لا يوافق هواه، لاكتشفت زيف شراكتها، و لعرفت قَـدْرها ومنزلتها. وعلى الأرجح أنها في أعماقها تعرفها، بيد أنها اختارت كما اخترنا؛ غض الطرف والتغابي؛ تأجيل موت الأجساد إلى أطول فترةٍ ممكنة، للتنعم باللقمة والهِدمة والستر الذليل، تحت مظلة القمع والتقتير والترهيب؛ هدرًا للطاقات، و تقزيمًا للهمم، و إشغالاً للنفوس عن غاياتها الكبرى.
كل يومٍ لك احتِمالٌ جَديد.. ومسيرٌ للمَجدِ فيه مقامُ
وإذا كانَت النفُوس كِباراً.. تعبت في مُرادها الأجسامُ.
لأجل ذلك كان لابد من سحقنا وقهرنا وإذلالنا، للوصول إلى النسخة المشوّهة من الأرواح الضئيلة، ثم استنساخها وتعميم إنتاجها. وهاهم أولاد الزنا المتسلطون علينا بالعمالة لا يألون جهدًا لتحقيق ذلك. ثم أننا لم نأخذ في أيديهم" غلوة"؛ كنا طيّعين هيّنين، هانت غاياتنا، وهُنـّا في أنفسنا، فاستحققنا الهوان..
قد هيؤوك لأمرٍ لو فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل..
كلنا في مزارع أولاد الزنا هَـمل، نساق للذبح على مهل.

رجاءً لا أريد تعليقات من قبيل: البذاءة لا تليق بسيدة وأديبة وكل هالهراء، لأنه لا توجد بذاءة أكثر من التي نرتع فيها.

الأربعاء، 27 مايو 2020


(أو أجد على النار هدى)...

في ليلةٍ شاتية، نزل سيدنا موسى بين الشعاب والجبال، يلتمس طريق العودة بعد عشر سنوات اغتراب. في ظلمةٍ وضباب أخذ يقدح زنده طلبًا للدفء والضياء. تكاد كل نفسٍ بشرية وجدِت على هذه الأرض، مرّت بمثل هذا الموقف؛ حيث برد الغربة و شتات الضياع.
كان من السهل على الرحيم القادر أن يُجنّـبه كل ذلك، فلا برد، ولا ظلمة، ولا تيه، بل ولا حتى جهد مسير. لكن الحكيم سبحانه وتعالى يعامل عباده بمنطق الأخذ بالأسباب، يصطفيهم بالصبر، ويهذبهم بالسعي؛ ( لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى)... إن لم أحصل على قبس الدفء ونور الضوء، طلبت نصح الهداية وعون الرشد. إن أغلِق باب طرقت آخرًا، وإن أعيتني حيلة جربت غيرها. فما دمت في طريقي إلى الله، لن يكون لليأس في روحي مكان.
سبيل الله، ليس للحالمين الواهمين، ولا للمتخاذلين المتقاعسين، ولا للذين إن مستهم الضراء جزعوا وخانوا( اليأس خيانة)... في طريقه لتلقي رسالته، قطع موسى أميالاً من مرار الغربة، و خوف المطاردة، و ألم الحاجة، وجهد الكدح. و بعد ظلمةٍ وبردٍ، وضبابٍ وضياع، وخوفٍ وحنين، أدرك المعنى، وتلقّف النور، واستشعر الدفء. بيد أنها لم تكن أيكة الاستظلال، ولا راحة المتكيء، بل استكمال ابتلاءات، ومزيد نضالٍ وكفاح.

كم باذرٍ لم ير موسم الحصاد.
لا تظن أنك في برد الغربة وحدك، ولا أن نفق الظلمة هذا لم يعبره غيرك، ولا أن ريح الشتات لم تعصف إلا بروحك. فقط أنصت لهمس الدروب، والوشوشة العالقة بجنباتها، تلك التي سقطت ممن سبقوك: مدار الأمر الثبات وغاية الرشد الهدى.

الثلاثاء، 26 مايو 2020


شركات ضخمة أعلنت إفلاسها ووضعت نقطة النهاية لمشوارها، فهل أنا بأحسن حالٍ منهم!
هكذا تحدثت السيدة الجالسة أمامي، والتي طرقت باب منزلي مع أولى لحظات الإشراق.

عشرون عامًا يا هند ولم يضِف هذا الرجل لحياتي أي إضافة، لا دينية ولا علمية ولا روحية ولا حتى مادية. حسنًا، سأكون منصفة؛ لقد رزقني الله بسببه أربعة أبناء، وحديقًة مشذبةً طوال العام. لكن لنكن واضحين، إنه مغرم بأعمال البستنة،وإذن، إلى حدٍ بعيد قام بهذا العمل تلبيةً لرغباته لا لأجل عينيّ.
كنا نعيش حياتين منفصلتين تمامًا... تماماً، حياتين خاليتين من أي توافق. أحيانًا ينعدم الحب بين الزوجين، كما تنعدم العديد من ألوان التوافق، لكن يظل هناك توافق صامت نحو هدفٍ ما؛ بناء مستقبل الأبناء، أو مشروع شراكةٍ مادية، أو غير ذلك. في حالتي انعدمت جميع هذي الألوان.
- لايمكن أن يكون الأمر على هذا القدر من السوء، لابد وأن هناك جوانب مشرقة في حياتكما....
- نعم، أنا أيضًا ظننت ذلك. لسنوات طويلة كنت أردد التصبيرة وأختها؛ إنه جيد مع الأولاد، إنه يلاعبهم ويلاطفهم. حتى ذلك اليوم، الذي انتبهت فيه إلى أنه يظل لطيفًا معهم ما دمت أبقِـي فراشه دافئاً، فإن توقف الإمداد أو اضطرب، تحمّل الأولاد عواقب ذلك؛ تعنيفًا، وتوبيخًا، وقسوة. أحدث نفسي: إنه يقوم بأعباء الإنفاق. لأكتشف ذات قَدَرٍ ساقه الله لإزاحة الغمة عن عينيّ، أنه يمتلك مزرعةً، وأرضًا خارج المدينة، وشاحنتيّ نقل عملاقتين. وحين التدقيق، وجدت أنني فعليًا من كانت تقوم بالإنفاق، في الوقت الذي اكتفى هو بمؤونةٍ خجلى لسد رمق الجوع. اخترتُ تجاهل ذلك، تماماً كما فعلتُ مع ضربه لي. كنت قد غادرت بيت والديّ بقناعةٍ مفادها أنني حين أضرَب، فلابد أن ذلك عقاب مُستحق. وهكذا.. عندما ضربني أول مرة في بيتنا الأول، حين رفضتُ استقبال أولاد أخته الذين تركتهم مجددًا عندي، لتتجول في أنحاء أوروبا، أخبرتُ نفسي أنني بالغت في غضبي، وقد يكون هذا ما دعاه لضربي. ثم لما ضربني مرةً أخرى في بيتنا الثاني، آن مطالبتي تسديد الدين المستحق عليه لي، عصرتُ ذاكرتي لاستحضار الشتيمة التي تفوهت بها وأوجبتْ الضرب. لابد وأنني أرسلتُ شتيمًة ما، هذا ما أقنعت نفسي به. وإن كنتِ ستسألين عن بيتنا الثالث وسبب اللكمات التي تلقيتها فيه، سأجيبك: لا أذكر. نعم.. لا أذكر السبب الذي من أجله ضرِبت، لكن ما أنا متأكدة منه، أنها كانت المرة الأخيرة التي ضرِبت فيها، ذلك أنني ابتعتُ لاحقًا بيتًا خاصًا بي.
- لايمكن أن نتخذ قرارًا خطيرًا كالانفصال لمجرد الانتصار للنفس. هناك أرواح أخرى سيطالها الضرر من وراء هذا القرار.
- أنتِ مخطئة، أنا لا أنتصر لنفسي من خلال الانفصال، أنا أنتصر لها عبر وضع حدٍ لابتزازي، لإهانتي، لاستغفالي وامتهان إنسانيتي، لهدر عشرين عامًا من شبابي وأحلامي. أما عن الأولاد، فأصغرهم اليوم في الثالثة عشر من عمره، وفي اليوم الذي خرج فيه والدهم من البيت، وكان ذلك في أولى أيام الحظر، صاح بهم محذِراً: إياكم أن تتصلوا بي أو تطلبوني، مادامت أمكم تعاملني بجفاء، فأنتم لستم أبنائي. لقد اكتشف الأولاد منذ وقتٍ ليس بالقصير، أن والدهم لايراهم إلا بعين رغائبه وأنانيته.
الله وحده يعلم لماذا تحملت هذي الحياة البائسة طوال تلك السنوات. هل كنتُ مجرد امرأة مغفلة ضعيفة، أم أنني وعيت مايدور حولي، واخترت غض الطرف وانتهاج الصبر؟! لربما هذا ما حدث معي ولم أواجه نفسي به حينها. والآن وأنا أجيش بما في صدري أمامك، تبيّـن لي أن لحظة سقوط القشة، عندما تفوّه بكلماته الزاجرة تلك لأبنائه" لستم أبنائي"... نعم، كانت تلك لحظة تجلي الإفلاس.
-أشعر أنه من الضروري تنبيهك لمسألة موازنة الأرباح والخسائر، خصوصًا وأننا مقبلون على أزمةٍ اقتصادية صعبة. لا أفهم حقًا كيف تخاطرين باتخاذ هذه الخطوة في هذا التوقيت السيء...
- على العكس، إنه التوقيت الصائب. المولى الرحيم لا يجمع على عبده عسرين في آنٍ واحد. الوضع المتردي الذي يلوح في الأفق لا يمكن أن أتشاركه مع رجلٍ أناني. هذه الجائحة وضعتني أمام تساؤلٍ مذهل: هل هذا هو الرفيق الذي سأختاره لاجتياز المرحلة الصعبة؟ الرجل الذي لم يدعمني وقت الرخاء، لم يلحظني في النعماء، لم يكرمني عند السعة، هل هو الرفيق المناسب لامتحان الشدة والإيثار؟.... قطعًا لا.
- حسنًا إذن... لم يبق إلا أن أشجعك على المضي قدمًا في قرارك. امضي ولا تخافي. التغيير كفكرة أمرٌ مثير، وإن اتخِـذَ بعد تمحيصٍ دقيق واستنفادٍ لكل الخيارات، فهو إكرام الحرية وحرية الكرامة مهما تكلل بالصعاب. أن يتأمل المرء لوحًة بيضاء، متسليًا بخيالات مَـلأها ذات يوم، لهو أفضل من مقابلة لوحةٍ مُـلئت بما لا يوافق مزاجه و يرضِي طموحه. أحيانًا نحن من نضع النقطة آخر السطر، وأحيانًا نتعثر بها دون قصد، في الحالتين لابد من بدء سطرٍ جديد.


رغم الخوف والخيبة اللتين جللتا كيانها المضطرب، إلا أن عينيها التمعتا ببريق أملٍ وإصرار، لمحتهما وأنا أودعها راجيةً لها التوفيق. وفي طريقي إلى المطبخ تناهى إليّ صراخ جارتي وشتائمها. ذات السيناريو الملعون منذ أن جاورتنا قبل ثلاث سنوات. أكملتُ طريقي وأنا أتمتم: ستعلِن إفلاس شركتها يومًا ما.

الجمعة، 8 مايو 2020


يمكن اعتبار قصة طالوتٍ عليه السلام، خريطًة ربانيةً مُـحكمة التصميم، للخروج من أزمات التيه التي لم تسلم منها أمة على مر العصور.
الحقبة الزمنية التي وقعت فيها القصة، مشابهة تمامًا للظرف الحالي الذي نمر به، باعتباره مأزقًا حضارياً وجوديا. فاليهود الذين حرفوا دينهم، و أحدثوا فيه، ومالوا عن نهجه، سلط الله عليهم من الأمم من أذلهم و أذاقهم ألوان الهوان، حتى إذا ما تمادوا في الضلال وإحداث البدع، سلبهم الله دستورهم(التوراة)، وهويتهم وتراثهم(التابوت)، بل ونزعه من قلوبهم، فلم يبق ممن يحفظ التوراة إلا قلةٌ قليلة.
ظن الجميع في أنفسهم الإخلاص، والعزيمة، والقدرة على الجهاد، لمجرد أنهم رغبوا في رفع الذل عنهم، واستعادة أمجادهم، فطالبوا بكل ثقة من نبيهم :(ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله)!!! هكذا، بكل بساطة؛ فقط رشّح لنا ملكًا و سنقاتل تحت لوائه. ذات الأمل والحجة التي يتعلّق بها الجميع في كل عصرٍ و زمان: نحتاج قائدًا يلم شتاتنا، لنظهِر من بأسنا ما الله به عليم. ولأن الله تعالى بهم عليم، هيأ لهم ذلك القائد الملك. ليُعريّهم الحسد، و الغرور، والتحزّب، ويُـنطِق قلوبهم :( أنّـى يكون له الملك علينا)... لاحظ التحزب(نحن أحق بالملك)، انتبه للغرور(لم يؤت سعًة من المال). انعدام ثقةٍ في الخالق، وازدراءٌ للمخلوق المُختار منه! شتات الأنفس أنكى وأعظم.
وبدلاً عن إعلان النفير، وعقد رايات القتال، والتعجيل الذي حبب إليه المولى وأحبه( وعجلت إليك ربِ لترضى)، يسري الهمس، ويدور الغمز و اللمز، ويظهرُ التراخي، مُبرَرًا بالتساؤل حينًا، وطلب البينة حينًا أخرى، وممن؟ من النبي الصالح الذي لا يتبع حزبًا، و لا يضمِر مأربا، ولا يبغي إلا وجهه الدائم.
ظهرت آية المُلك، ومعها ظهر خبث طوية الحاسدين، و أطماع طالبي السلطة، من المتحزبين، و سلالة الملوك الحاكمين. وهكذا تم تجاوز أولى عقبات الخلاص: الحسد، التحزب، الغرور.
ثم كانت مرحلة التمحيص الثانية، المخصصة للعامة. إنه اختبار التسليم و الامتثال التام(إن الله مبتليكم بنهر)؛ لا أسئلة ولا عصيان، لا مشاورات جانبية و لا فقه مرحلة، لا استفتاء و لا مراجعات. (من شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني)، إذا حزِبكم الأمر واشتد الجهد فـ اغترفوا غرفة. هو ذا منفذ الضعفاء، مسلوبي الإرادة : اغتراف غرفة. ولا بأس أن نستأنس هنا برمزية النهر الفلسفية، التي تشير إلى أن النهر يحمل رمزيتي التحول والحد الشرطي. التحول باعتباره مصدرًا دائمًا للحركة و الحياة و الرغبات. و حدٌ شرطي باعتباره انتقالاً من الحياة المعروفة الراهنة إلى أخرى مجهولة. فإن كانت الأولى، فإن الأمر قُـصِد به العزوف عن ملذات الدنيا وشهوات النفس، وتهذيبها بالزهد والتبتل. وإن كانت الثانية فالغاية لا تختلف، إذ هي الانقطاع الكامل للحياة الأخرى المجهولة، المُـتيقن منها إيمانًا وتصديقا. كم عدد الذين اجتازوا هذا الاختبار؟ اختبار التحرر من الشهوات والرغبات، والانقطاع لنداء الحياة الأخرى. اختبار التسليم التام ، فلا اجتهادات فقهية بغية التخفف، ولا مناقشات هامشية أملاً في التقارب، ولا جدلية مزايدات، أو تثبيط واستعراضات.
تبدو المجموعة المجتازة أهلاً للقتال، ومن ثم الاستخلاف، وبناء حضارة الأمة... حسنًا، تمحيصٌ أخير، وتنال هذا الاستحقاق. إنه اختبار الصبر، والثبات، والثقة، لكن ( قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده). إنه اليأس، إنها الخيانة. ذلك أن اليأس خيانةٌ للمتبوع، من حيث هو تشكيكٌ في قدراته وبالتالي نهجه، ( لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) الجاحدون بقدرته، و من قبل بآياته و دينه. هنا، أرسلت الصفوة:( كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). قيل أنهم الراسخون في العلم، العالمون بأن وعد الله حق، حين يتوفر الشرط( الله مع الصابرين)، ثبتت أرواحهم بهذا الرسوخ، وبالتربية الشاقة. لم يحدث الأمر على حين غرة، أو بين طرفة عينٍ وانتباهتها. كلا.. كانت رحلةً طويلةً من العلم والإيمان، أتت أكلها وقت الحصاد/الصدام (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا). صبروا فاستحقوا، ( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).

عن أبي اسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.
معركة بدر الكبرى، معركة الفرقان، التي بها استئصلت شأفة الكفر وتأسست دولة الإسلام، كانت مرحلة التمحيص الأخيرة التي أثمرت الصفوة المختارة. وإذن، فقد عبر سيدنا محمد عليه أزكى السلام بذات الممر الذي عبره طالوت؛ اختبار الحسد والغرور والتحزب، لرؤوس قريش وأكابرها، الذين استكثروا عليه النبوة و الرسالة، و خافوا و بقية الأحزاب ضياع السلطة منهم. ثم اختبار التسليم التام، للمهاجرين والأنصار، الذين حرروا قلوبهم من ملذات الأرض وقيودها: الديار، الأزواج، الأهل، والمال، ثم سمت أرواحهم، حتى صارت تحب في الله وتبغض في الله، و تقتل الآباء و الأبناء في سبيله. وأخيرًا تمحيص الفئة القليلة الصابرة الثابتة، الموقنه بوعده.( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
صفوةٌ مُـمحصة، قد لا تتجاوز نسبتها ٣٪ من مجموع الأمة، لكنها كافية لقيامها؛ ( إن إبراهيم كان أمة). بتلك الصفوة المُختارة تأسست دولة الإسلام، و أشرقت شمسه على كل الأصقاع. وبصفوةٍ مماثلة يكون الخلاص من هذا الشتات.

ملاحظة لابد منها: المنثور اجتهاد شخصي، وسأقبل بامتنان أي تصحيح لفحواه.

الجمعة، 24 أبريل 2020


كنت صغيرة، ربما في التاسعة أو العاشرة من عمري، لم أعد أستطيع الجزم... حدث ذلك منذ زمنٍ بعيد، كأنما بين اليوم وبينه دهرٌ ممتد. حينها، صعدت للمرة الأولى أعلى سطح البيت، مانسميه باللهجة المحلية "طيرما".. ربما قاربت الساعة الخامسة عصرًا أو يزيد، حين استويت جالسةً، أحملق في المدى الذي تعرفت عليه لأول مرة، واكتشفت معه حارةً غير حارتنا، وأناسًا غير جيراننا، وبيوتًا كثيرة، تملك خزانات ماء بيضاء كخزان بيتنا. منذ ذلك اليوم، لم يعد العصر مجرد تقسيم زمني خالٍ من المعنى بالنسبة لي، لقد ارتبط حلوله الغامض البارد بماهية المدى في وجداني، بتلك الوشوشة التي التقطتها من على "الطيرما" من البيوت الغريبة البعيدة، حيث ضحكات الطفلة الراكضة، وأدخنة الطعام اليُطبخ، وصوت أكياس البقالة مع الأب الكبير....
لاحقًا، وبعد أن نضجت أحاسيس الأنوثة في كياني، انتبهت لفيروز وهي تغني: طيري ياطيارة، طيري يا ورق وخيطان... بدي ارجع بنت صغيرة على سطح الجيران... وينساني الزمان على سطح الجيران. اطمأننت حينها إلى فكرة الربط بين الحب وأعالي السطح، لابد وأن الحب هناك، في الأعلى. هكذا حدثت نفسي. إلى اليسار، كان ابن الجيران الغليظ الجلف، وورائي، الحوش المهجور لجيراننا التُـرك، وأمامي، المدى الممتد... ومع التفاتتي صوب اليمين، ظهر الصبي ذو الأصول اليمانية بعينيه الخضراوين. التقت نظراتنا. كان وسيمًا جدًا، وحزينًا جدًا جدًا. لمرات عديدة، تخيلته يتدلى ميتًا بعد أن شنق نفسه. للحب لذةٌ خاصة مع الأرواح الموجوعة، لكن روح الفتى كانت مسحوقة، إنه الخراب الناعق بالفناء.
لم يعد المدى كافيًا لروحي التي استطالت لتصبح أوسع من الصحراء. وهكذا صرت ألاحق الطائرات المختالات في جو السماء. تنامت في داخلي قناعٌة أكيدة، بأن الأفق المُغيّب يحمل وعود السعادة... هناك... هناك، في المدى البعيد الذي لا أبصر، سأجد ما أبحث عنه. مرت السنون، واستوى الحلم على سوقه في انتظاري، وثبٌة للأعلى كافيةٌ لالتقاطه. هذا ما آمنت به. وحين حملني المدى لصحراء جديدة، همست: قد ضلّ الطريق. وحين استقبلتني الخيبة في المحطة التالية، واسيتني: ما زالت الرحلة في مبتداها.ثم ألفيتني في متاهة الشتات، موصولةً بداياتي باللانهايات، على غير هدى أسير، لتنفرج لي ببركةِ الغفلة وطهر القلب كوّة النجاة... لكن... دون أرض السعادة الموعودة...

والأمل الذي طالما حاربته، ووسمته بالخداع. حذرت منه السهارى، و توعدته بالإقصاء، كنت أغض الطرف عن جذور استيطانه، وأدسه في الأعماق. وحين عبرتْ بسماء شرفتي اليوم تلك الطائرة البعيدة ، همس في صدري حلمٌ ظاميء: هناك.. هناك في البعيد...

الأربعاء، 22 أبريل 2020


كل عام وأنتم بخير يا أحبة. أسأله تعالى أن يعيننا على الصيام والقيام، ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

لديّ قناعة -ما فتئت تزداد رسوخًا- أن بين الصبر والوقاحة علاقٌة عكسية؛ كلما ازداد الصبر كمّاً، قلّ منسوب الوقاحة ومعها الأنانية. لذلك، تتفاقم الوقاحة والأنانية عند شباب هذا الجيل ومراهقيه، ممن تقلّبـوا في فُرش الترف وألوان النعيم. وقد شاءت أقداري الغرائبية العجيبة، أن أعلَق الأيام السابقة مع شابين عشريين من هؤلاء الأوباش. وحتى تكتمل حلقة السخرية، استلم ملف القضية ضابطٌ قريبٌ من عمريهما. وكون خبرتي عتيقة في أروقة المخافر والمحاكم، وقبلها في طباع البشر، وتحديدًا مع مجتمعٍ منغلقٍ بائس كهذا المجتمع، فقد توقعت مسبقًا، و قبل المثول أمام الضابط، أنه سيصطف إلى جانب الشابين ضدي... ضد المرأة المذنِبة سلفًا، وحتمًا، ودون نقاش، أو اضطرارٍ لبيـّنة.
ابن عمتي الهاديء الحكيم، الذي يدرس في أمريكا، والذي أحبني فيما مضى... حدثتكم عنه كثيرًا ، المهم.. أنه أشار عليّ، كونه يتوقع هزيمتي بنسبة ٩٠٪ كما أتوقع أنا ذلك أيضًا، بالتنازل وطيّ الأمور، بدلاً من الركض الماراثوني اللامجدي في أروقة المحاكم. وبعد طويل أخذٍ ورد، وشدٍ ومعط، ختم ناصحًا: أرى أن تتجنبي هذا الدرب المتعِب، وتشتري دماغك، وتختاري ما يريحك. أجبته دون تردد: هذا ما كنت أحدثك عنه طوال الوقت، لكنك لم تكن تصغي؛ ما يريحني هو عدم تقديم نفسي وجبًة جاهزًة للتناول. مايريحني استمرار القتال حتى وإن نالني الألم، سيخفف عني أنهم يألمون كما آلم. ما يريحني علائم الدهشة المرتسمة على وجوههم، حين ظنوا المرأة التي تضع عباءتها على رأسها لقمًة سائغًة سهلة، ثم شخصت أبصارهم وهم يغصّون بها. مايريحني "أن أموت و ما ف صدري كلام "، أن أسقط مهزومة وفي كفي خصلٌ من شعر خصمي، وفي أظافري جِلده وفتات لحمه، وعلى ثوبي دمه، وتحت حذائي بعض أسنانه. كيف لإنسانٍ عركته الحياة؛ أدمت روحه، ألهبت جلده، أنضجت قلبه وأسلمته للريح العاتيات، أن يُـسلّم بهذه السهولة، ولمن؟... لحفنة لصوصٍ توهّـموا سَلْبـه أيسر من شربة ماء!... محال، ورب الإباء، و"الروس" اليابسات، والكبرياء المعقود من سالف الأجداد.

كورونا ليست عظة لكل البشر. العظة عبرة، ومراجعة، وتوبة نصوح. وذلك لن يكون. بل محال عقلاً وعرفًا أن يكون. العبرة تلزم اشتراطًا لحدوثها قلوبًا حيةً متأمّلة، وأرواحًا طاهرة الأصل، أغبشها شيء من فتن هذا العصر. أفئدة متعلقة بالحياة الأخرى، ذهلتها صروف الدهر والحاجة عن مرادها الأصيل، فجاءت كورونا لتعيدها سيرتها ورشدها. كورونا هدية الله لأصفيائه وآخر ضنائنه على الأرض. إنها ختام مراسيل الله ولطائفه، ليس بعدها إلا الصمت، يغلّف عالَم الغافلين السادرين، إلى أن تحين صيحة الفواق والبعث.

الخميس، 2 أبريل 2020


مساء الخير.... لا، بل سلام الله عليكم ورحمته، أهل الزنازين المظلمةِ الباردة.
نعم، لقد تذكرناكم الآن. رغم البون بين حالنا وحالكم. نعلم أن مقامنا لايشبه مقامكم، وأنكم لن تشعروا بمدى معاناتنا. نحن الذين اعتدنا الخروج للهواء الطلق، وارتياد المقاهي والمطاعم. آه لو تعلمون كم نقاسي جراء حرماننا هذا. أنتم بالطبع لن تحسوا بنا. لن تفهموا الصعوبات التي تواجهنا ونحن نحاول مشاهدة أفلامٍ أو برامج، تخفف عنا عبء هذا الحجر الخانق. من أين لكم إدراك ما نعانيه مع شبكات النت السيئة، التي توشك على الانهيار لوطأة الضغط عليها. من أين لكم فهم معنى نفاد المؤونة، أو قِـلتها؛ أنتم الذين لا تزدردون سوى صنفٍ مكررٍ هزيل. من أين لكم تخيّـل بؤسنا، حين لا نتلذذ بارتشاف قهوتنا في الأماكن المحببة التي اعتدنا. إننا نضطر لاحتسائها في الشرفات. هل تتخيلون!! بل إن البؤس بلغ بالبعض حد تناولها في صالة بيته، وهو يشاهد التلفاز وسط ضجيج أولاده. أوووه، نسيت أن أخبركم بكابوسنا الأفظع؛ الأولاد. هل تستوعبون معنى أن يكون أولادك حولك، تضطر لتعليمهم، ومراعاتهم، بل واحتضانهم للتخفيف عنهم. هذا عذابٌ نجوتم منه. حتمًا أنتم سعداء كونكم بعيدين عن زوجاتكم، بطلباتهن، وتضجرهن، و.....، المهم، لا أظن أن لحظات السكينة معهن، تغفر لهن سيئاتهن. أعتقد أنكم في قرارة أنفسكم، تقـدّرون نعمة العيش دونهن. دون عناء الركض لتنظيف بيتٍ عديد الحجرات، فأنتم في نهاية المطاف تقبعون في حجرٍة صغيرة، لا تستدعي اهتمامًا بالغًا. هذه نقطة لصالحكم، أرجو ألاّ تنكروها. ولن أنسى في معرض شكواي هذه، ذكر الروتين القاتل المتمثل في: ماذا سنطبخ اليوم؟ رباااه، إنه أشبه بلسعات دبورٍ بغيض، وكلما ازدادت الخيارات، كلما ازدادت لسعاته. هل فهمتم لماذا قلت أنكم لن تحسوا بنا؛ كيف ذلك وأنتم مُـعفون من مثل هذي الخيارات وغيرها! ربما ستفهمون، حين تعرفون أننا وبسبب هذا الوباء اللعين بِـتنا مضطرين للاستحمام المتكرر، والتعقيم المتواصل، ومراعاة أدق مباديء النظافة، بينما أنتم لا تُـلقون بالاً لكل هذي السخافات، خصوصًا وأنكم لا تحصلون إلا على لباسٍ واحدٍ في العام.
ماذا؟... ألم تسمعوا بأمر الوباء؟!... حسنًا، وما الفارق إن سمعتم به أو لا. أعتقد أنكم في منأى عن أيّ تغييرٍ يطال حياتكم، التي لا يختلف ليلها عن نهارها. أنتم لم تتضرروا مثل البعض الذين فقدوا أعمالهم. أنتم لستم ممن لحقت بتجارته الخسائر. أنتم لستم من أصحاب الثروات، الذين أعلن أحدهم لشدة يأسه بأنه قد ينتحر في حال استمرار الحجر. أنتم لاتسعون لتسويق ذواتكم وتلميعها، أو استعراض منجزاتكم والتكسب بها، أو مداهنة ذوي الشأن، والتقرب إليهم بها.. أنتم تعملون لمكاسب أخرويّة، لأمجاد أمّـةٍ تحلمون بعودتها، وتوقنون بعظمتها... أنتم لا تشبهوننا، أخلاقكم السماوية غريبٌة علينا، طموحاتكم بعيدٌة عن نزواتنا، أهدافكم أوسع مدىً، وأعمق رسوخًا من حاجاتنا اليومية الفقاعية. لذلك نسيناكم في غمرة الركض وراءها، نسيناكم رغم الصوت الهامس في دواخلنا أنكم كنتم إلى صفنا، وعملتم لأجلنا. لكن... حسنًا، أنتم تعرفون مايقال عن اختباء التجارب المريرة في منطقة اللاشعور. أظننا اخترنا دفن عارنا هناك. حيث لا جدوى من مواجهة أنفسنا به، ونحن بهذا العجز المخزي. لذا، كان من الأنسب نسيانكم، ترككم تتعفنون في تلك الأقبية الموحِـشة، تغيير دفةِ كل حديثٍ يقود إليكم، تجاوز كل خبرٍ عنكم، تجاهل كل نداءٍ يذكّر بكم.... لكن اللعنة.... إنه الحجر الذي استدعى صوركم.... وربما تساؤلٌ راجٌـف همس لنا: هل ما نحن فيه عقوبة خذلانكم؟!

الأربعاء، 1 أبريل 2020


‏سئِـل السنباطي يوماً: ‏لماذا لم تأخذ سعاد محمد ‏مكانتها التي تليق بها كمطربة ؟
‏‏فأجاب: سعاد تفتقر إلى الحظ... عندما تغني أمام الجمهور، تنتزع الإعجاب. إعجاباً خاصاً لا تحظى به سوى القلة من المطربات، وبعد الحفلة، سريعاً ما تنسى... إنه الحظ، لو أن الحظ حالفها لتغير كل شيئ!! انتهى.

المفارقة في الحديث أعلاه، أن هناك وجهة نظر ستتبنى فكرة أن سعاد محمد هي الأوفر حظًا، من حيث أن رصيد سيئاتها سيكون أكثر انخفاضًا، من رصيد الطرف المقابل الأكثر شهرة.
لكن، بعيدًا عن هذه المفاضلة، هل للحظ دور حقيقي في عدم نيلها المكانة التي تستحقها، خصوصًا مع اعتراف السنباطي أن أم كلثوم هي من أوعزت إلى أحد معارفها ليلفق لسعاد حادثة تهريب المجوهرات، في مطار مصر الدولي، والتي بسببها منِعت سعاد من دخول مصر لسنوات طويلة. إضافة إلى افتقار سعاد الحنكة اللازمة للتعامل مع خفايا الوسط الفني وأزماته، وزهدها في تسويق نفسها، وفشلها في صنع كاريزما تميزها...
هل الحظ هو المغناطيس الجاذب الذي جـمّع هذه العوائق، أم أن هذي العوائق هي من خلقت حظًا بائسًا؟!

الثلاثاء، 31 مارس 2020


هذه الكلمات، هي بمناسبة المنشور السابق الذي شاركتُه على صفحتي.

كلما تعمقت في أحوالنا، وجدتنا أبعد ما نكون عن ما ننتسب إليه، و نتسمّى به، و ندافع بحرارةٍ عنه؛ الإسلام. والذي إحدى تعاليمه المنسيّة، توجيهٌ نبويٌ مفاده: رب كلمٍة لا يلقي لها صاحبها بالاً، تهوي به في جهنم سبعين خريفًا. شهوة الثرثرة و حب الظهور، اكتسحت الأرواح، حتى لا تكاد ترى منها ناجيا. كلامٌ كثيرٌ يُـخط، دون أن يتوقف كاتبه، فيسأل نفسه عن تأثير ما نشر وألقى.
قصة المنشور السابق، ليست إلا مثالاً لألوف الكوارث، التي تسببت بها كلماتٌ لامسؤولة، لأشخاصٍ يفتقرون الوعي والضمير، والحس الأخلاقي، ممن يقدمن أنفسهن على أنهن حقوقياتٍ نسويات، ومن يدرن في فلكهن من المراهقات والمأجورات، وكل من اجتمع تحت مظلة الليبراليين منهن ومن الذكور أشباههن؛ من مروجي أفكار المساواة، وإلغاء الولاية، وضد القوامة، ولا للذكوريين، وحريتي نيلتي، وجسدي ملكي.. في الوقت الذي تبذل فيه هذه المولولة كل غالٍ ونفيس، كي يصبح جسدها مثيرًا، ووجهها فاتنًا، و تحرص على الظهور في أبهى حلة وأجمل زينة، لتـثير غرائز هذا الذكوري المتوحش الذي ترنو للخلاص منه!!!

قبل أسبوع، ومع موعد صرف رواتب الموظفين، تهافتَ الناس على السوق المركزي للمؤن، خوفًا من ضائقٍـة مقبلةٍ قد تجتاح البلاد، في ظل هذا الوضع الضبابي المجهول. تحكي إحداهن، وهي امرأة مطلقة، كيف أنها توجهت إلى السوق إياه، لتبتاع شيئًا من أكياس الدقيق والأرز والسكر، وكراتين الزيت والتمر، وغيرها من البضائع الأساسية. تقول: لم أستطع التقدم وسط أمواج الرجال المتزاحمة. أنا التي كنت فيما مضى، أكتفي بالوقوف جانبًا، فأجد من يعرض المساعدة، إما لوجه الله، أو لمآرب في نفسه. لم يلتفت صوبي أحد، بل لم يشعر بتواجدي رجل. انصبّ تفكير كل رجلٍ في تلك اللحظات على أسرته، و احتياجاتها، وتوفير مايلزم لها. غادرتُ السوق المركزي، وتبضعت من إحدى البقالات مااستطعت حمله. وحينما أصبحتُ في غرفتي، تخلصتُ من المرارة التي علقت في حلقي بالدموع. سألتها: لم كل هذي الدراما؟ كان بإمكانك استئجار أحد العمال، ليحمل لك ماتحتاجين، ويوصله إلى قعر مطبخك. أجابت : إنه الخوف، خفت من عدوى المرض، ومن أن ينتبه أحدهم إلى كوني وحيدة. في السابق لم أكن أكترث لهذي الأمور، أما اليوم، فالخوف من المجهول يسيطر عليّ. أتساءل لو ساءت الأمور، ماالذي سيحدث لي وأبنائي؟ الحق، أنني اليوم أحتاج مؤنِـسًا لوحدتي، ورفيقًـا لمساعدتي.
و بالأمس، تداولت مواقع التواصل، فيديو الممرضة الأمريكية التي قدمت استقالتها، لأن مديرتها أحالتها للعمل في الدور الذي يعج بمصابي فيروس الكورونا. قالت بالحرف الواحد، معللة استقالتها: ليس لديّ مكان أضع فيه أولادي.
توقفوا عن تخبيب النساء على أزواجهن. توقفوا عن تدمير البيوت. توقفوا عن خط الكلمات اللامسئولة، عن بيع الوهم، وتزييف الواقع. الواقع الذي كشف سوءة الشعارات النسوية، وأخرس أصواتهن، حين لاذت اليوم كل امرأةٍ بحِمى زوجها/ أباها/أخاها/ابنها، تنشد -بعد الله- عونه وأمانه. هؤلاء الرجال الذين تُـنسج حول ملازمتهم البيوت، الطُرف والنكات، في قرارة نفس كل امرأة رجاءٌ مخلص، ألاّ يحرمها الله وجوده ودعمه.

لكن... مافتيء الإنسان ظلومًا جهولاً جحودا.

السبت، 28 مارس 2020

يا أحبة، عثرت على وصفٍ مبتكٍر بديلٍ عن"دولة إسرائيل" أو " الكيان الصهيوني" واللتين تحملان شيئًا من التقدير لهولاء الأوباش. وقد عرضه مبتكره، مع وصفين إضافيين كنوعٍ من الإثراء والإغناء. أما الوصف المبتكَـر فهو " شرائد صهيون"... وصفٌ ملائمٌ موزون؛ بقدر دقته يتسع خيالاً ليحوي المدى الذي يتراكض فيه هؤلاء الشرائد الناهبون. فتـتجسّد أمام المستمِع ملتقِـط الوصف، صورة هؤلاء الأوغاد وهم مبعثرون في الشتات، هائمون في كل واد، يقتاتون ولا يشكرون، ويأخذون ثم يجحدون، ويختلسون فلا يكتفون. وإن أردت التجديد والإثراء، يمكنك الاستعانة بالوصفين الإضافيين، اللذين قد لا يكونان مبتكرين؛ " دويلة المسخ" و "قطعان الصهاينة". وصفان يناسبان قياس حجم هذه الدويلة الطفيلية اللقيطة. أتمنى أن نعتمد هذه المسميات، عند الإشارة لهذه الشرذمة المقيتة. وإن نهق ناهق، أو نبح في وجهكم نابح، إنه ياااي، ما أتعسكم ياعرب، أنتم مجرد ظاهرة صوتية... يييه هذا اللي انتوا فالحين فيه يا متأخرين يا متخلفين، فابصقوا في وجهه، ثم ذكّـروه بأصول الحرب النفسية التي مارسها من قبل مشركو قريش، حين وصفوا الرسول الكريم بالساحر المجنون، وأتباعه بالضعفاء السفهاء الأراذل، ثم سار على نهجهم اليوم أشباههم، فسخروا من إبْـلنا، ولِـحانا، وحجابنا؛ تسفيهًا، وتحقيرًا، وتصغيرا. ورغم أن أعيينا لم تُـفقأ، وأسنّـنا كما رؤوسنا لن تُـكسر، حيث لا سواء بين هداة النور و دعاة الضلال... رغم ذلك، فنحن هنا -وسنظل- بالمرصاد.

الأذية في زمن ال#كورونا

الثلاثاء، 24 مارس 2020

يسخر باومان في كتابه" الخوف السائل" من فيكتور هوجو، الذي كان يتغنى بالحداثة، ويتحرق شوقًا للمستقبل الذي ستقودنا إليه؛ حيث العالم الخالي من القدر الأعمى، حيث تنتهي المفاجآت والأوهام، حيث يتسيّـد العلم، فيـهزم كل مصدرٍ للخوف!!
يذكر باومان -في سياق سخريته- إعصار كاترينا ٢٠٠٥، الذي كشف عن هشاشة قشرة الحضارة، وعجْـز السلطات عن الحماية مُقدّمًا، وسوء إدارتها لاحقًا، وكيف أنها لم تتحرك إلا حين تم خرق القانون على يد الجوعى المخذولين، وليس رغبًة في إنقاذ ضحايا الكارثة الطبيعية. لقد أرسِل الحرس الوطني بعد تسويفٍ طويلٍ مؤسِف، للقبض على الناهبين وقتلهم بالرصاص( دون تمييز بين سارق الطعام وسارق الأجهزة الإلكترونية) وليس من أجل إيواء المشردين، ودفن الموتى، وإطعام الجوعى.
واللافت للنظر، هو حديثه عن ماأسماه" الخوف المشتق" المُـعاد تدويره، والذي عرّفه بأنه أثرٌ ناتجٌ عن خبرٍة ماضية في مواجهة الخطر، يصبح عاملاً مهمًا في تشكيل السلوك البشري، حتى وإن اختفى التهديد المباشر للحياة. هذا الخوف يخلّف شعورًا بفقدان الأمان، مقابل العالم الذي يعج بالأخطار، ثم شعورًا بالعجز، حيث الفرص ضئيلة للهرب أو الدفاع. وهو يصنّـف هذه الأخطار إلى ثلاث فئات: فئة تهدد الجسد والممتلكات، وفئة تهدد دوام النظام الإجتماعي، وهو النظام الذي يقوم عليه ضمان لقمة العيش(الدخل والوظيفة)، وأخيرًا الفئة التي تهدد موقع المرء من العالم؛ مكانته وهويّـته الاجتماعية(العرق، الدين، الطبقة...). ثم يذكر أن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء بحماية رعاياها، لاسيما من خطريّ الفئتين الثانية والثالثة، ويومًا عن يوم تُـخلِي مسؤوليتها مع تنامي هيمنة الأسواق التي تتبع العولمة بوتيرةٍ سريعة، أخرجتها عن سلطان الدولة، التي لجأت في النهاية إلى ماتسمى ب سياسة " الإسكات الصامت"، ذاك الذي يحدث بلا صخب، يتسرب إلى أيام حياتك دون أن تنتبه إليه، يتحرك بصورة دائمة، وبتأثير قوي، عبر وسائله التي عددها باومان في كتابه، والتي لا مجال لعرضها الآن. والمهم هي الخلاصة التي وصل إليها الكاتب حين قال: لا حدود لقدرتنا على الابتكار، ما أكثر السبل والأدوات التي نبتكرها، لكن... كلما زادت وفرتها، كانت تأثيراتها غير ناجحة وغير قاطعة. لقد أثبتت حياتنا أنها مختلفة عن الحياة التي تصورها حكماء عصر التنوير وورثتهم ومريدوهم، حين ظنوا بأن كبح المخاوف وتهديداتها ممكن التحقيق، لتأتي الحياة الحديثة السائلة، وتؤكد أن الصراع ضد المخاوف هو مَـهَـمة لاتنتهي، وأن العجز أمام هذه المخاوف والأخطار، ليس بسبب حجمها أو طبيعتها، وإنما بسبب عدم الثقة بالدفاعات المتاحة!!
سبحان الله... تأمّل آخر عبارة: العجز والخوف سببه عدم الثقة بالدفاعات المتاحة!... وكأنه إقرار خفيّ بدرع الدفاع المُـطَمْئِن الوحيد؛ حِـصن الله. الله الذي جسّ أرواح عباده مطمئِـنا( قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا)، بعثَ كتالوج الأمان لوحشة الظلام: ومن شر كل طارق، إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يارحمن. دلّهم للملاذ الحصين؛ حسبنا الله وكفى( حسبنا الله ونعم الوكيل)، ربّـت على القلوب الواجفة: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ماخلق وبرأ وذرأ، منحهم عهد الأمان: لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك... رفِـعت الأقلام وجفت الصحف.

الخميس، 19 مارس 2020

هناك لقطة مؤثرة جدًا في بداية فيلم contagion، المحاكي لوباء كورونا، والذي ذكرته في منشوري الأخير. حيث تنتظر "بيث إيمهوف" المريض الصفري(والتي عبرها انتشر الوباء)رحلتها في المطار، تقوم بالتقاط هاتفها الذي كان يرن، تنظر إليه وهي تبتسم ابتسامة المتلذذ بذكرى ما، ثم ترد على عشيقها الذي قضت معه ليلتها الفائتة، بشوقٍ ممزوجٍ بالنشوة. لاحقًا، تعود لبيتها وابنها الذي تحتضنه فيموت بعدوى المرض الذي قتلها، بينما ينجو زوجها المحصّن بمناعةٍ فطرية.
غنيّ عن القول، أن أيّ مشهدٍ في عملٍ أدبيّ أو فنيّ، لا يمكن أن يكون عبثيًا، بل حتمًا له رسالته وإيحاءاته. المهم، أن اللقطة التي عنيتها استهلالاً، حدثت أثناء تشريح جثة بيث. حين مُـدِد جسدها الرائع على اللوح، ثم بادر الطبيبان نشر قشرة دماغها للوصول لداخله. هنا تلتِـقط الكاميرا تلك الومضة، حيث تُــلقى قشرة دماغها، التي لم تُـفصل تمامًا عنه، باتجاه وجهها، فتغطي مع شعرها أجزاء منه!
الدماغ الذي حوى كل تلك الذكريات، وأمواج الهمسات، وخُطط المواعدات؛ يمسي اليوم مرتعًا للدود والفيروسات! الوجه الفاتن، بعينيه اللتين بعثتا ألوف الرسائل والخلجات، بحاجبيه اللذين تعاقدا لومًا وتأنيبا، بشفتيه اللتين تآمرتا غزلاً وتأجيجا؛ هو الآن حاوية قصاصات!! صورة ما فتيء الأدب الإنساني يتناقلها، لترسيخ الموت كمرآةٍ تعكس زيف الحياة وهشاشتها. وأنه الحقيقة الجليّة التي تتقازم أمامها الرغبات الإنسانية، وتكشف عن مدى وضاعتها وانعدام معناها. ضعيفٌ أنت بقدر قوة نزواتك وأهوائك.

في سياقٍ متصل، لا يرتبط بالموت على وجه الضرورة؛ وقفتُ منذ مدٍة قصيرة بباب حقيقٍة صادمة؛ من كون الحب ليس إلا وهمًا لذيذًا نقطع به حِمل هذي الحياة الثقيل...، أكاذيب نُــجمّلها في أعيننا، لنضفي لومضات الترف معنىً وقيمة؛ فتمسي للأماكن حظوة، وللروائح امتداد، وللألحان تاريخ، ولعتمة الليل مغزى، ولرنة الخلخال قصيدة. في تأكيدٍ، ساهم البشر في صنعه على أن الحياة تستحيل دون هذه العاطفة. مع أن الإسلام لم يأت على ذكر الحب، إلا ذاك المتمحور حول ذات الله وفيها. وما أبعدَ النُجعة من قال إن مجنون ليلى لو قرصه الجوع يومًا، ما ذكر ليلاه ولا هواها. وهكذا هو كل "وهم حب". أخرِجه من ظرفه المثالي، وسيتلاشى. بل ليس عليك إلا أن تعارضه بالمدرّجات الأوَل من هرم ماسلو؛ لتكتشف الزيف الذي تنسجه آمال الوحدة. وهمٌ لازمٌ لمسيرة حياة الأكثرية، مخدّرٌ لذيذ لمواجهة أوجاعهم، لتقبّـل ذواتهم، لخلق معنًى لما لا معنى له، لفلسفةِ التفاصيل بما يروق لأمزجتهم، ومايتوق إليه خيالهم.

أقِـر بأني دهشت لبلوغ هذه الحقيقة، وأسِفت حينًا لتجليها. لقد بات العالم مصقولاً ببرودةٍ لاذعة. رويدًا رويدًا، مضيت في تقبل ماوصلت إليه. لأدرك أنه كان أمامي منذ البدء، لكني اخترت حينها لذة الوهم. لا بأس... أقول لنفسي اليوم، وأنا في بداية هذا الكشف، أن الأفق يحمل ماهو أوسع من التمحور حول ذاتٍ بشرية مثلك، ترهن بها سعادتك ونشوتك، وتقيّم بها يومك، وترضى من خلالها عن ذاتك، ويدور حولها إشراقك ودندنتك. هناك ما هو أوسع، وأعمق، وأبقى. أشعر بذلك. أشعر بوخز اقترابي منه. ليس عليّ سوى التوغل في كهوف أعماقي، و تأمل هذا الأفق الرحب من الكون، وحتمًا سأصل.

الاثنين، 16 مارس 2020


في الرفاهية يصبح التافه بطلاً، وفي الشدة يبرز الكبار. الناس تركت المشاهير في هذه الظروف، وتابعت الأطباء، والعلماء، والناصحين عمومًا.
هذه الكلمات يتم تداولها حاليًا عبر الأثير، على أنها عظة مستخلصة وقراءة نابهة للحدث، والحق أنها أبعد ماتكون عن الدقة والصواب. فقاريء الواقع، المتتبع لأحداثه، الواعي لتطوراته، يلمس عكس ماورد في الفكرة أعلاه؛ من تخبط الناس، وسوء تقديرهم، وهشاشة منطقهم، وانقيادهم خلف كل مايبرق وينعق.

في فيلم contagion الذي أنتِـج قبل تسع سنوات، والمحاكي تمامًا للأزمة الراهنة، بكامل تفاصيل الوباء، وأعراضه، والحجر الصحي الملازم له، والسعي الدؤوب لإنتاج لقاحٍ له، تبرز شخصية آلان كرومويدي(جود لو) وهو عبارة عن مُـدوّنٍ ساعٍ للشهرة، يلهث خلف الأخبار بتطفّـلٍ مزعج، دفع الدكتور سوسمان لأن يصرخ في وجهه قائلاً: ابتعد عني، أنت لست صحفيًا، التدوين ليس عملاً احترافيًا، إنه مجرد سخافة. لاحِظ أن الفيلم أنتِج قبل تسع سنوات، أي قبل تنامي التفاهة الدسمة المتمثلة في سناب شات وانستقرام والذي منو. المهم أن كرومويدي، ومع تفاقم الأزمة وازدياد عدد الوفيات، يقوم بعرض مقطع فيديو على مدونته الشعبية، يدعي فيه إصابته بالوباء، ثم يعرض تسجيل فيديو آخر لاحقًا، يتعاطى فيه محلولاً يسمى فورسيثيا، مدعيًا أنه تماثل للشفاء بسببه. يُـجن جنون الناس، ويتهافتون على الصيدليات للحصول على الدواء المذكور، حد أنهم يحطمون المباني ويتعاركون، ويدهسون بعضهم البعض. ليتضح في نهاية الفيلم أن كرومويدي ليس إلا كذاب كبير، سبق له الاتفاق مع مستثمري فورسيثيا، لزيادة أرباحهم، وحَصَـد هو شخصيًا ٤ ملايين دولار. وبعد هذا كله، وبعد أن يُـلقى القبض عليه بتهمة التآمر، والغش، والقتل الخطأ، يُـطلق سراحه، لأن متابعيه البالغ عددهم ١٢ مليون، دفعوا كفالة خروجه!!!
قد يحتجّ عاذِر أنه لا لوم على البشر، فالخوف يفعل في الأنفس الأعاجيب. ونعم، الخوف يدفع الناس لتصرفات لايخطر على بالهم -في الظروف الطبيعية- أنهم سيقترفونها. رأينا ذلك في الأمهات اللاتي فجِـعن بإصابة أولادهن بأمراض خطيرة، وكيف طرقن في يأسهن أبواب الدجل والشعوذة، لكن... هل كلهن فعلن ذلك؟!
يقول الشاعر إريش: في الواقع، سيقان الأكاذيب الكبيرة ليست دائمًا قصيرة، في الغالب، سيقان الغافلين الذين صدقوها هي الأقصر منها دائمًا. نعم، الوصف المناسب هنا هو الغفلة. هذا تحديدًا عِـلّة تخبّـط هؤلاء؛ غفلة الجوارح، وخواء الأجواف، من العلم والإيمان والوعي. الغفلة التي رفع عنها القانون يد حمايته، ودعى الإسلام إلى التوقّي منها بالتدبر والتأمل. تدبّـر يورث الفهم، ويستلزم التأني، ويعـقّب الحكمة، في علاقة أقرب للتلازم الطردي؛ حيثما كان التأمل، كانت الحكمة والبصيرة. بيد أن الناس اليوم لايملكون الرغبة في التوقف، بل ولا القدرة عليه. لقد فرط من أيديهم زمام أمرهم، وباتت الخفة تقودهم رغمًا عنهم..
سأقصرُ نفسي جاهِداً عن جدالِهم
كَفانــي مــا ألقــى مــن العَبـراتِ
أُحـاولُ نقلَ الشمس من مُستقرِّها
وإسمـاعَ أحجــارٍ مــن الصَّلـَداتِ
فمــن عـارِفٍ لــم ينتفِع، ومُعاندٍ
يَــميلُ مــع الأهــواء والشَّهــواتِ

السبت، 14 مارس 2020


في خفة الطير وأحلام السباع!

زمان، كنت إن مررت بأي حديث يتطرق لفكرة قيام الساعة على شرار الخلق، أعجب منه وله أشد العجب، وفي صدري يرفرف التساؤل: كيف يكون ذلك، وقد بدا لهم من مقدماتها مابدا؟!
وسبحان ربك، يُـبدي لك كورونا ماكنت جاهله!
بالأمس كان حفل زفاف إحدى قريباتي، وقبله بساعات، تحديدًا مساء الخميس أصدرت وزارة الداخلية قرارًا يقضي بمنع إقامة أي حفلات أو مناسبات في أي مكان. وظننت (حسب مايقضي به العقل والحكمة والمصلحة والنظام وكل مايمت للرشد بصلة) أن الجميع سيمتثل للقرار في التو واللحظة، وأن العالم ستـيسّر على نفسها وغيرها، وتزف بكل سكينة بناتها إلى بيوتهن، سائلين الله السلامة، شاكرينه على تمام نعمته التي بلغتهم هذه الساعة. هذا والله ماذهبت إليه أفكاري وهي تتخيل ذاك الموكب الوادع المطمئن. لأتفاجأ برسالة من عائلة العروس، تؤكد أن الحفل ماضٍ في موعده ومكانه دون أيّ تأخير.
وكي تؤكد ابنة عمي على أني المختلة الوحيدة التي تلزم بيتها، بعثت لي بمقطع يصوّر ازدحام قاعة الحفل، التي أطفأت جُـل أنوارها مُسايرًة لسيارات الشرطة التي وقفت خارجًا تستحثهم الإسراع في المغادرة. في الوقت الذي صمدت فيه النساء، وبقين قابعاتٍ في تلك الظلمة يرقصن ويحتفلن...حدث ذلك في كل قاعات المدينة المخصصة للاحتفالات!!!
قبلها كانت ابنتي وفي محاولةٍ منها لحثي على الخروج، تُـريني سنابات صديقاتها وعوائلهن، وهم يتجولون في الأسواق، ويأكلون في المطاعم، ويجلسون في المقاهي....العجيب أنني أعرف هؤلاء جيدًا، وأعرف أنهم من مرتادي المطاعم والمقاهي على مدار السنة. وأنه من المحال المحال أن تنقضي ثلاثة أيام بلياليهن دون أن يمروا على هذي المعشوقات فيتمسحوا بها ويلثموها ويحتضنوها.
كل هذي الأخبار عن الضحايا والوباء، والحجر والوقاية، وانتشار المرض، وانهيار الاقتصاد، وكوارث العواصف والأمطار،والعالم مُغـيّـبون... في سكرات الشهوات يعمهون!
يقال أن عمر ابن الخطاب مرّ بجابر بن عبدالله وهو يحمل لحمًا، فسأله عنه، فأجاب جابر: هو لحم اشتهيته فاشتريته. فرد عليه عمر: أوَ كلما اشتهيت اشتريت!! أما تخشى أن تدخل في هذه الآية( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا). سيدنا عمر يعلم جيدًا أن الآية نزلت في الكفار، لكنه الزهد والورع الذي قال عنه: تركنا تسعة أعشار الحلال خشية الوقوع في الحرام. وهو ذاته القائل: إني لأكره أن يكون أمر أحدكم سبهللا، لا في أمر دين ولا دنيا!

وأنا أشاهد مقاطع السناب التي عرضتها ابنتي عليّ، والصور التي بعثت بها ابنة عمي، تخيلت لو أن عمر وقف وسط هؤلاء الناس يعظهم: أوَ كلما اشتهيت اشتريت!.. أوَ كلما رغبت انقدت!... أو كلما تمنيت حصلت!... لا يكن أمركم سبهللا، لا دين ولا.....
طبعًا لن يكمل كلامه، لأنهم سيكونون قد ربطوه في إحدى مركباتهم وسحلوه. أقسم بالله هذا ماسيحدث. الناس التي لم تقو التزام بيوتها جزعًـا من الملل، لن تصبر على رجلٍ يعظها بضرورة كبح جماح شهواتهم المسعورة، التي طغت على عقولهم حتى أذهبتها، وسلبتهم كل حيلةٍ أمامها.
تعس عبد الدينار... تعس عبد بطنه... تعس عبد رغباته... تعس وانتكس، وكما تنبأ ابن خلدون؛ سقط.

الجمعة، 6 مارس 2020


الكمامة بعشر أمثالها.

فتحت خريطة السناب شات على دولة الصين، كي يتسنى لي متابعة الأخبار من مصدرها. فكان أن التقطت إشارة شابٍ عربي يدرس الطب في مدينة شنغهاي، ثم بدأت متابعة يومياته لمّا وجدته على قدرٍ من الوعي والالتزام. استمعت إليه في يومٍ، وهو يروي إحدى قصصه التي عنونها بــ" الكمامة بعشر أمثالها"، فابتدأ قائلاً: في بداية أزمة الوباء، استوقفني حارس البناية التي أقطن فيها، وهو رجلٌ صيني عجوز، وسألني إن كان لدي كمامة إضافية أعطيه إياها، فتوجهت من فوري إلى " درج السيكل" وأخرجت كمامتي المفلترة الوحيدة التي بحوزتي. وبعد مايقارب الأسبوعين، وفي ساعات الصباح الأولى، كنت على سطح البناية، أتناول قهوتي شارد الذهن منزعج الخاطر، أفكر في الكمامة التي بَـليت على وجهي، ومامن بديلٍ عنها لديّ. الله وحده يعلم من أين أتى ذلك الشاب الصيني، وكيف هبط عليّ من السماء، تبادلنا أطراف الحديث، ليسألني فجأة بعد أن ألاحظ قِدم كمامتي: ألا توجد لديك كمامة؟ فأجبت بالنفي، ليغادر، ثم يعود إليّ بعد دقائق حاملاً معه كرتون كمامات، منحني إياه دون مقابل. يقول الفتى مكمِلاً: فما كان مني إلا أن طلبت إضافته على إحدى برامج التواصل الاجتماعي الخاصة بالصينين. بعدها بأيام، وفي أثناء لقاءٍ جمعني بالحارس العجوز، التقطت برفقته صورة"سيلڤي" وشاركتها مع أصدقاء الصفحة، لأفاجأ بالشاب الذي منحني كرتون الكمامات يرسل: هيه ياصاحبي، هذا العجوز الذي برفقتك هو والدي!
قصة الشاب، أعادت لي ذكرى حادثة وقعت معي منذ سنوات. كنت حينها قد تبرعت بتدريس مجموعٍة من الطالبات في منزلي دون مقابلٍ مادي. كان ذلك خلال شهر الحج. وفي آخر يومٍ لتدريسهن، دعيت لتناول طعام العشاء بمناسبة عودة إحدى قريباتي من الحج. وتم التأكيد على ضرورة التواجد بُـعيد صلاة العشاء مباشرًة. فرتبت أموري على المغادرة قبيل الآذان كي يتسنّى لي المرور بمحلٍ مشهورٍ لدينا يبيع مايسمى بـ " البيتي فور" اللذيذ الفاخر، والذي تحبه قريبتي هذه جدًا. وكنت أراقب الساعة بقلق في انتظار مغادرة آخر طالبة. وحيث أن المحلات لدينا تغلِق بمجرد رفع الآذان، ولاتعاود العمل إلا بعد خروج الصلاة بفترة، فقد اتصلتُ هاتفيًا بوالدة الطالبة أحثها على الإسراع. بيد أن ذلك لم يفلح. رفِع الآذان وأسقط في يدي. وتعطل لشدة حيرتي تفكيري، وفتحت الباب لوالدة الصغيرة دون تركيز، محاولًة رسم ابتسامة هدوء تقابل اعتذارها المخلص. كنت قد ارتديت عباءتي مسبقًا، في محاولٍة لكسب الوقت، وماأن أعطتني السيدة ظهرها حتى تحركت كي أطفيء نور المدخل، وإذ بي أصطدم بكيسٍ كانت يد المرأة قد انسلت به للداخل بكل لطف، وانتبهت إلى أنني قد سمعت صوت قراطيسه لكن شدة ارتباكي شغلتني عنه. انحنيت أفتحه لأتبين مابداخله، فتسمرت عيناي دهشًة. إنه البيتي فور، ومن ذات المحل المشهور الذي أردت أن أقصده، ومن ذات الصنف السادة الذي تفضله قريبتي و نويت ابتياعه!!
بعض الأحداث، مهما حاولت إلصاقها بإرادة البشر، أو نسبتها لعميق رغبتهم بها، ومايتبع ذلك من هراء قوة الطاقة، والاستدعاء، واستجابة الكون.. ستسلّم في النهاية راغمًا إلى كونها تتخطى كل ذلك وتتجاوزه، لترتبط بإرادةٍ أعلى وأقوى؛ إرادة من قال" وقل اعملوا فسيرى الله". حقيقة تقتادك من ناصيتك، وتجعلك وجهًا لوجه أمامها وحدها. تنزاح عن كاهلك الأعباء واحدًا تلو الآخر، وعينًا إثر أختها، فلاترقب في النهاية إلا عينه، ولاترجو غيره. تعبده كأنك تراه، يراك وإن لم تدركه عيناك. إن وعيت تلك الحقيقة، تخففت من كل الأحمال، وباتت غايتك نحو جهةٍ واحدة، فلم تشتتك الأهواء والجهات.
هذا ماازددت إيمانًا به بعد قصة الموظفة التي أدارت لها مديرتنا ظهر المجن، وأنزلتها من سابع علياء لسابع قاع، وأذلتها بعد طول عز. وهي التي بذلت من وقتها، وجهدها، ومالها، وصحتها مابذلت إرضاءً وخدمًة لها، إلى الحد الذي جعلها تشهد زورًا لتنقذها. كانت عينها على المديرة وحدها، فعاملتها الأخيرة بأهواء البشر التي تميل وتفرط، وتغمط وتقسو، وتسخط فكأنها يومًا لم ترض. هكذا، قد تجد الجحود عند من لايُعرف به، وقد يغدق عليك من بينه وبين العطاء قطيعة، تلك ليست إلا مراسيل الله. مراسيل من رأى، فرأى الكون تبعًا له؛ رسلًا، وعبادًا صالحين، وملائكةً تهبط على حين غرة، وتتمثل بشرًا هينين.

"فسيرى الله"، منتهى التحرر والخلاص... الخلاص من عناء الركض طلبًا لرضا الناس، أو سعيًا لماعندهم، أو أملاً في منفعةٍ منهم. تحرر من التذلل لهم، أو التجمّل من أجلهم، أو التعلّق بهم. حتى الموت حين تطلبه وأنت ترقب عين الله، يهب لك الحياة. في الوقت الذي تركض فيه طلبًا للحياة من أجل الآخرين، من أجل شعاراتهم وزيفهم، من أجل رضاهم وتصفيقهم، من أجل أن تلتمع صورتك في أعينهم، ثم هم لايرونك. بل ولايهنأ بالهم حتى يميتوا ذكرك، وكل أثرٍ لعملك.
حين تدرك أن مآل كل العيون إلى الانطفاء، ستعي أن مايُعمل لغير وجهه هباء.