الأحد، 29 ديسمبر 2019


في آخر زيارةٍ لي لأسطانبول، وبعد أن انتهيت من الحديث مع أحدهم، بادرني قائلاً: سيدة هند، مارأيك أن تمضي معي لقضاء أمسيةٍ ستنال إعجابك. عقدت حاجبيّ: أمسية؟! مع من؟
- أمسية شعرية لمجموعة من الشعراء، ستأنسين برفقتهم.
- اعذرني ياصديقي، اسطانبول ساحرة جدًا في الليل، ولا أريد هدر مسائها مع فئةٍ أوقن بعدم انسجامي معها.
- لكنك لم تلتقي بهم بعد.
- ومن قال أني أتحدث عنهم تحديدًا. أنا أتكلم عن معشر الشعراء إلا ماندر، والندرة هنا هي ماتبقى من ٩٩،٩٪ منهم. الشعراء باستثناء من رحم ربي، جمعٌ من الضعفاء المتملقين، مثيرون للشفقة والغثيان. يغارون من بعضهم غيرة النساء، ويلهثون خلف الثناء لهاث المقيم أبدًا في الحرمان. إن أُعـطُوا قَـبّلوا الأيدي بامتهان، وإن مُـنعوا قلبوا ظهر المجن وبطنه وسابع جدٍ له. ولاتقل لي ذلك فعل المتشاعرين لا الشعراء؛ قد سبقهم كبيرهم حين تذلل قائلاً: أَبا المسك هل في الكأس فضل أَناله.. فإني أُغني منذ حين وتشرب.
- لكن ماعددته من معايب، لايخصهم وحدهم. بل هو الطابع الغالب للأدباء والمثقفين.
- لن أنكر ذلك. لكنه في الشعراء أقوى وأحد.

قبل يومين، تفاجأت بشاعرٍ، وهو من الأصدقاء القدامى، يتملق أحد المتشاعرين التافهين، الذي لو وضعنا نظمه جنبًا إلى نظم جدتي غريسة، لطرحته أرضًا هو وخزعبلاته. هذا المتشيعر تملقه صديقي، كما يتملقه العديد، لكونه وجهًا إعلاميًا، وصاحب رباطية، عفوًا أعني رابطة دولية كونية إعجازية للفطاحلة الشعراء، الذين لايشق لهم غبار ولايُـطرق لهم باب... يوه، أقصد لايُغلق دونهم باب. العجيب أن هذا الصديق ليس بحاجة لتملق المتشيعر سالف الذكر، وفي غنىً عن تلميعه والتمسح برابطته. لكنه داء التزلّف، وعلة التلهوق، وعميق التصنع في نفوس جل الشعراء وكل المتشيعرين.

يقال أن بكّارة الهلالية استأذنت يومًا على معاوية بن أبي سفيان، وكانت قد كبرت وضعفت. وفي مجلسه يومئذٍ عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص. فابتدأ عمرو : ياأمير المؤمنين هذه القائلة يوم صفين:
يازيد دونك فاحتفر من دارنا.. سيفًا حسامًا في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهةٍ.. فاليوم أبرَزَه الزمان مصونا.
ثم أتبعه مروان: هي والله القائلة ياأمير المؤمنين:
أترى ابن هندٍ للخلافة مالكاً.. هيهات ذاك_وإن أراد_ بعيد
منّتك نفسك في الخلاء ضلالًة.. أغراك عمرو للشقا وسعيد
ثم ختم سعيد بن العاص: وهي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى.. فوق المنابر من أميّة خاطبا
فالله أخّر مدتي فتطاولت.. حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يومٍ للزمان خطيبهم.. بين الجميع لآل أحمد عائبا.
ثم سكتوا. فقالت بكّارة: نبحتني كلابك ياأمير المؤمنين واعتورتني. وأنا والله قائلٌة ماقالوا، لاأدفع ذلك بتكذيب. وماخفي عليك مني أكثر. فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين. فضحك معاوية، وقال: لايمنعنا ذلك من برّك.. اذكري حاجتك. قالت: أما الان فلا.

هذه امرأة مسنة، ضعيفة، محتاجة. قد منعتها عزة نفسها أن تريقها تذللاً وتملقًا ونفاقا. بينما متشاعري اليوم ومتشدقيه، وأشباه الرجال في كل بقعةٍ ومنافقيه ، يتمسحون لأجل الظهور والبروز، لأجل حفنة دراهم لاتخلّد عمرًا ولاتطيّب ذكرا. لاتعجب بعدها إن رأيتهم منبطحين للقائد والحاكم وإن كان أصهب أصفر ذا لسانٍ أعجميّ لايبين.

السبت، 28 ديسمبر 2019


قصة الفتاة نورهان نصر، تؤكد فكرة التفاني العظيم للمرأة من أجل قضيتها. أكثر أمر مثير للإعجاب في المرأة، هو إخلاصها وتفانيها لأجل ماتؤمن به. أنا ألحدت، إذن سأروج للإلحاد وأدعو له، وأنشره، وأتباهى به، وأمسي ناشطة في ركاب مؤسساته، ولن ألتفت لجعجعتكم: مؤسسات مشبوهة ومؤمرات وكل الذي منو... أنا تقية، والله لأحمل حتى السلاح في سبيل ماآمنت به، ولن تقدر قِوى الأرض وترساناتها وكل سلطاتها إزاحة ملليمتر من حجابي عن جسدي. أنا عشقت! سأقطع آلاف الأميال لأجل من أحببت، سأهِبه عمري ومالي ووقتي، بل وحتى جسدي إن أغرمت. سأكون له كما يريد، وفوق مايتمنى، وأبعد ممايتخيل. وإن قسوت، فليتل على كل ذاك السلام.
عاطفة المرأة لاتعرف التوسط؛ مثار إعجاب، وعلة مشاكل. مرغوبة، مرفوضة. محببَة مزعجة. لذيذة، مدمرة!

من جهة أخرى، تأمل كيف هي لعبة الأقدار، حين لاتمنح البعض فرصة التأمل والمراجعة. يعني مثلاً مصطفى محمود، من الإسلام للشك ثم اليقين، وغيره ربما كثر. في حين أمثال الفتاة أعلاه، إلحاد، وصخب ترويج، وهجوم على الإسلام، وأنا ناشطة..أنا بدرس... أنا بلندن.. وهب.. شهرين واتكتمت للأبد. لو لم يكن للإسلام من قاعدة سوى" لاإفراط ولاتفريط" لكفته عظمًة واكتمالا. قاعدة بسيطة موجزة، باتت أسس علوم الاجتماع والفيزياء والفلسفة، هي بمثابة المكابح التي تقيك الإنزلاق في الطريق الذي اخترت المضي فيه. العاقل لن ينكر عليك الشك والحيرة، وحتى الإنكار. فقط تذكر: لاإفراط ولاتفريط. تعامل مع الأمر بعقلية التاجر الذي يحسب كل شيء بميزان الربح والخسارة، ضع نصب عينيك جواب أحدهم على الملحد الذي سأله ساخرًا: وكيف سيكون حالك لو أنك مت فلم تجد إلهًا ولا بعثًا أوحسابا؟ فرد عليه: ليس بأسوأ من حالك حين تجد الله أمامك.
أنت متشكك، منكر، حائر... هس، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. امض في حيرتك وشكك بصمت، اقرأ كثيرًا وتأمل كثيرًا واسأل كثيرًا جدا، افعل ذلك برغبة صادقة في الوصول، وستصل.. صدقني. وإن لم تصل، واخترت الرضا بما أنت فيه، ولا تقل لي اقتناع، لأنه أقسم لك بكل ماهو مقدس لديك، أن ماأنت فيه ليس إلا الرضا الذي اخترت الركون إليه. مهو تكاليف الإسلام صعبة بصراحة، صعبة وقاسية ومرهقة لمن يراها وهو على الجانب الآخر؛ ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم) وقبلها استفتاح الفعل ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين).
إن بلغت يقين الإيمان فكن داعيًا له. وإن وصلت رضا الإنكار، فارض طريق الكتمان. زنها بعقلية الربح والخسارة. إما ذاك، أو لاتنكر على الموقن معاداتك ومحاربتك. ستبشّر ويبشّر، ستحرّض ويحرض، سترهبه وسيجز عنقك. ولاتضحك على نفسك بأنك لن ترهب أو تقتل، قالها من هو أوعى منك وأحكم:
أرى بين الرماد وميض جمرٍ.. وأحرى أن يكون له ضرام..
فإن النار بالعيدان تذكى.. وإن الحرب مبدؤها الكلام.


الأربعاء، 25 ديسمبر 2019


يخيّل إليّ أنني سأظل أرتكب الحماقات حتى بعد خروجي من هنا. تمتمت السيدة مِنان، بعد أن استشعرت ألم بحةٍ في حلقها.
لقد تحلق سكان هذي المقبرة حولي مرارًا. حملقوا منصتين لغرائب قصصي، وعجيب وقوفي الطويل بهذا السياج. أخبرتهم أن هناك خطأ ما، وأنني لايجب أن أكون هنا. لكن أحدهم، وهو قاتم البشرة طويل الساقين، يضع قبعًة بالغة الطول، أرسل عبر الجمع: إنه ذات ماكنت ترددينه حين كنتِ على الجانب الآخر.

في ليلة السبت الهادئة زار السيد معاذ الكائن في القبر التاسع إلى يمين قبر السيدة مِنان، وهو حلاقٌ ماهر، كان ينوي تحويل دكانه لمحلٍ كبيرٍ لأحدث القصات والتسريحات، بيد أن قذيفةً في الحرب الدائرة، اخترقت أمعاءه، بعد أن أخذت في طريقها رأس الزبون الذي كان يزيّن له شعره، لذا تراه لاينفك يحرك يديه وكأن مقصًا ومشطاً مازالا فيهما... المهم أنه توجه في تلك الليلة إلى قبر السيد رضوان، والذي أثار بلبلةً واسعة في الأمسية التي وفد فيها على المقبرة، لقد أثير جدٌل كبير حول العقوبة المستحقة بشأنه. لقد كان السيد رضوان على علاقةٍ غرامية بجارته الأرملة، وحسب القوانين المنصوص عليها في لوائح المقبرة، كان لابد من لطمه سبعين ألف لطمةٍ على وجهه، بأحذية سكانٍ من المقبرة، مرّ على موتهم ثمانون خريفًا، شرط أن يكون سبب موتهم مشينًا مخزيًا معيبا، و تكون أحذيتهم قد نقِـعت في قيّ مسؤولٍ سياسي مات ميتةً طبيعية. بيد أن القائمين على الأمر، لم يرق لهم إنفاذ العقوبة عليه إلا بعد تغيير اسمه، إرضاءً للـ..... في علاه، القائم بأعمال.. كح كح... تعلمون ماأعني...
وإذن، فقد زار السيد معاذ الأستاذ رضوان في تلك الليلة، ورغم الرائحة النتنة التي كانت تملأ قبره، إلا أن الكلام الذي في صدره تزاحم حتى سدّ عليه منافذه، فأبى إلا أن يُخرِجه. اقترب منه هامسًا : هل علمت بأمر السيدة مِنان ؟
- من مِنان ؟
- السيدة التي وفدت إلينا منذ أسبوع.
- أسبوع؟... مِنان ؟... هل هي جميلة... مكتنزة ؟
تأمّل السيد معاذ الكدمات التي على وجه السيد رضوان، وأسرّ في نفسه: الله ياخذك، انت المفروض يسحلوك مو بس يلطموك. السيدة مِنان، تلك المرأة غريبة الأطوار، تظل صامتة حتى إذا مانكِشت لاتتوقف عن الكلام...
- اه اه... تذكرتها ، تلك التي تترنم : اصفعني وخذ دينارًا
-نعم هي.
-مابها ؟
-المسكينة يبدو أنها تفقد الذاكرة باستمرار ، منذ قدومها وهي تقع في الأخطاء، لقد شرح لها الماجوي(الماجوي رتبة المسؤول القائم بشؤون الوافدين الجدد) أنه يحظر عليها الاقتراب من سياج المقبرة، بيد أنها كل ليلة تعاود الجلوس على السياج وتصيح منادية..
- منادية؟... تنادي من تلك البلهاء ؟
- نعم... هي بلهاء تمامًا، تصيح: أناديكم.. أشد على أياديكم... وينن وينن صار في سياج بيني وبينن...الشعب العربي وين.. وين. هكذا ظلت تفعل لثلاث ليالٍ متواليات، وفي الليلة الثالثة انضمت إليها السيدة وجنات، تلك التي تقيم في الزاوية الشرقية للمقبرة. ..
- نعم نعم، أعرفها، تلك التي تمتلك مؤخرةً مخروطية...
وفجأة فاح القبر برائحة نتنةٍ شنيعة، أخذ السيد معاذ بسببها يسعل ويسعل، ثم أشار على السيد رضوان بالخروج، وماأن أصبحا في الخارج حتى بادره السيد رضوان متسائلاً: ها.. أكمل، ماذا حدث للسيدة وجنات، هل اغتصبها أحدهم؟
- سيد رضوان...
- هس.. لاتنطق بهذا الاسم، لم يعد اسمي، أنا الآن السيد نون أربعة وعشرون..
وفجأة، التمعت عينا السيد معاذ فيما عبرت ذهنه فكرةٌ طرب لها. أومأ برأسه موافقًا.. أجل ،الأغوات. كيف لم يخطر ببال القائمين هذا الحل. اللطم لن يجدي نفعًا مع هذا الشبق المأفون، لابد من خصيه ليكون أول أغا في مقبرة عمون.
- حسنًا سيد نون أربعة وعشرون، نحن لسنا بصدد الحديث عن السيدة وجنات ومؤخرتها البيضاوية...
- بل المخروطية... المخروطية، هناك فرق بين المؤخرة البيضاوية والمخروطية من حيث الانحناءات، ومدى العلو وزاوية الارتكاز، وهي ذات الفوارق بين المؤخرة المربعة والمستديرة، ثم أن هناك...
كاد قلب السيد معاذ ينخلع من صدره فيما هو يركض بجنون. لم يعد يتذكر من حلّ أولاً، أهي الأحذية التي تساقطت كالحجارة، تلطم وجه السيد رضوان ذات اليمين وذات الشمال، أم هي مجموعة اللوقات(هيئة الضبط والآداب العامة) والتي بركت عليه كما تبرك السمينة على زوجٍ هزيلٍ باغتته ساعة نحس. مذهولاً أخذ يصيح: ياإلهي إنه لايتوب..لا يتوب! وماكاد ينهي عبارته، حتى تراءت له في البعيد السيدة مِنان تجلس كما المعتاد على حافة السياج، تهذر بذات الهراء وتكرر ذات النداء. تأملها وهمس: من قال أن الحمقى يتعلمون!

الاثنين، 23 ديسمبر 2019


كلمة كلمة... لما راح الهوى ويا الجراح!

كل بناء يحتاج جهدًا ووقتًا ومشقة، عكس الهدم الذي يتم في لحظات... وحده الحب، يعاند هذه القوانين؛ يُبنى في طرفة عين.. في لمحة بصر. يتسلل إليك دون أن تنتبه، يتربع داخلك فلا تشعر إلا وقد أسرك. هكذا على حين غرٍة منك والزمان تمسي عاشقًا متيّمًا. ثم تبدأ تجوية هذا الكيان، فتفوتة إثر فتفوتة؛ قسوة... برود... كلمة جارحة... هجر...،وأنت في تيه الحب، تتلذذ بسكرته، تتمطى في كيس غشاوته. تحت ظلال خدرته، وعلى سحب نعيمه، تضع نفسك رهن إشارته. قد جعل الحب منك مغفلاً بكامل فرحتك، ودون إرادتك.
ذات يوم، وبفعل جرعة قسوةٍ زائدة تفيق. تنظر لذاك الصرح الذي توهمته عظيمًا، وإذ بالتجوية أحالته خربةً تلهو بها الريح، وتنهشها أنياب البرد..
انتهى الحب فتفوتًة فتفوتة، تلاشى بعد صقيعٍ طويل، وترك لك قفر الحيرة؛ كم لبثتُ في غفلة الوهم عدد سنين!

الأحد، 22 ديسمبر 2019


شعارات التضامن الحالية مع الإيغور، ذكرتني بهبلي أيام ماوضعت شعار الأصابع الأربعة، وبعدها كنت قاب قوسين وأدنى من وضع شعار كيماوي الغوطة. بس الحمدلله فرملت شوية، لأنه كان فيه صوت في داخل أعماقي يهمس : طب وبعدين يختي!
العجيب إنه قوانين الكون تؤكد لنا يوميًا صحتها وأبديتها ووضوحها، واحنا مصرين نتعامى، ونستعبط، ونعمل أنفسنا موتى. والحق أننا فعلاً موتى؛ موتى همّـة.
القانون واضح اهو: إن لم تمارس الإرهاب، سيمارس عليك الإرهاب. بلاش من الإرهاب، الحيوانات بعثت لك تحياتها منذ دهر قائلة: إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب.
بعيدًا عن إسلام ودين وحقد دفين. المسألة مسألة تداااااافع. تدافع ومصالح. حكاية التحضر والتمدن ورقي البشرية هذه نتحدث بها في المؤتمرات والمحافل وأمام الشاشات ونحن نرتدي أجمل لباس. الحديث عنها حلو والله. أنا زمان كنت أتفيهق وأتكلم عن الإتسانية والمدنية والذي منو وأنا أشرب القهوة. بس الواقع أن هذا المتمدن الذي يرتدي تلك البدلة الفاخرة، والكارفتة المتنشية، والحذاء اللامع، يضع رجل على رجل بكل هدوء، غارق في بحرٍ من الاسترخاء والسمو، وهو يستمع لمعزوفة بيتهوفن أو شوبان. يخرج من تلك الأمسية وهو على أتم الاستعداد لبقر بطن أي معترض لطريقه، يهدده بانتزاع مايرفل فيه من نعم. الاختلاف فقط في رتب القوانين التي تمنحك حرية التحرك هذه. يعني فيه قوانين استباقية، وقوانين جزائية. إنت كفرد داخل مجتمع متمدن يأكل بالشوكة والسكين ويمارس الرياضة والرقص، غير مسموح لك سوى بتطبيق القانون الجزائي، عبر القنوات المختصة. احنا كحكومات الأمر مختلف، نحن مخولين لأجل الحفاظ على خيرات مجتمعنا المتمدن وملذاته... وسيبك من حكاية هوية ومنجز حضاري، لأن هذه رفاهيات زيها زي الكرافتة، رفاهيات لاحقة، يتم التشدق بها والبطون بارزة. الأمر بمنتهى البساطة: رغيف خبز. مع عدم نسيان طمع الإنسان المتأصل( لو أعطي واديان لطلب الثالث)... المهم احنا كحكومات لابد لنا من حكاية الخطوة الاستباقية، لقطع الطريق أمام أي خطر يتهدد مجتمعنا ولو قدر أنملة. وهو مايندرج تحت مصطلح " الإعداد" الذي ذكره لك دستورك القرآن. ووضح مفهومه وآليته وأدواته، والتي ليس من بينها، أو على الأقل ليس من ضمن مراحلها الأولية العاجلة الحاسمة الرادعة، وضع شعار.

السبت، 21 ديسمبر 2019


لدي مشكلة مع مثل هذه التسجيلات، التي تندرج تحت: التحدي، الشجاعة، الضربة التي لاتقتلك مدري شتسوي بيك.. ليس لاعتراضي على المعاني المدرجة بحد ذاتها، ولكن لأن غالب من يتفوهون بها ويسوّقون لها مزيّفون أدعياء، أو يناقضون أنفسهم من حيث لايشعرون، بمعنى أنهم لم يفهموا أنفسهم ولا الحياة، وغير واعين تمامًا للمأزق الذي هم فيه. بحيث يتملكني إحساس قوي بأن المسألة ليست إلا بثًا وترويجًا لأفكارٍ مدسوسة!
الفتاة متناقضة؛ تزعم أنها ذات قرار وصاحبة اختيار. اختارت الاستمرار والتحدي، بينما حين تدقق في كلامها تجدها من النوع المغاير تمامًا؛ فهي تحمّل والدها مسؤولية تزويجها، ثم تحمّل الآخرين الذين حاولوا مساعدتها أمر إتلاف عامودها الفقري، طبعًا أنا لا أستبعد ذلك، لكن طريقة عرضها له لم تكن مناسبة. وكان الأمثل أن تورد امتنانها ثم تتبع ذلك بنصيحة أن ياقوم، لاتقوموا بسحب إنسان تعرض لحادث، ودعوا ذلك للمسعفين المختصين. رغم أننا لانعلم الظروف التي دعت الناس لسحبها، ربما كان الوضع سيئًا لايحتمل التأخير. ثم أن العجب العجاب أنها لامت زوجها لأنه خرج من السيارة وتركها، ثم لامت الناس(ضمنيًا) لأنهم سحبوها وأتلفوا حبلها الشوكي!!!
أبي أراد تزويجي... زوجي كان نائمًا وسقطنا في حفرة... الناس سحبوني وأتلفوا حبلي الشوكي... حتى الأطباء لم يسلموا من نقدها؛ قال لي لن تصبحي فنانة..قال لي الطبيب الآخر لن تستطيعي الإنجاب....، طب الجماعة لايريدون خداعك، وظيفتهم تقتضي إعلامك بوضعك ومستجداته. ستقولون أنها كانت في وضع نفسي بشع.. نعم، لكن الأمر مرّ عليه تسع سنوات، والطبيعي أنها تقبلت الآن مصارحتهم ومكاشفتهم لها بوضعها المستقبلي. ثم نأتي للتناقض الصارخ: لم يكن زواجًا سعيدًا... وبعدها تقول: كانت أعظم مخاوفي الطلاق!!!
شلون أبوك اللي زوجك، وأنتِ تزوجت فقط لإسعاد والدك، والزواج لم يكن سعيدًا. ثم بعد ذلك كله تكون أعظم مخاوفك الطلاق!!! مهو زواج فاشل، والولد نذل لأنه أنقذ نفسه وتركك في السيارة، فطبيعي أنه لن يستمر معك وسيتزوج بأخرى! وطبعًا الله أعلم لماذا أراد والدك تزويجك منه، ممكن الولد ميسور الحال، وأنت جميلة، والوالد الذي تحاولين تشويه صورته وجدها فرصة جيدة لك. أنا بس قاعدة أتخيل وضع هالأب، وهو يستمع لابنته تتحدث للعالم، وتقول والدي أراد تزويجي، وتزوجت فقط لأجل إسعاده، والزواج لم يكن ناجحًا، وزوجي نام وسقطنا في حفرة، وخرج وتركني..... الخلاصة وكأنها تقول لوالدها أنت السبب في كوني مشلولة. ثم تحدثنا عن الشجاعة والتقبّل والتجاوز!
ثم أين الإنجاز في الموضوع؟!... حين قالت: الطبيب قال لي، سمعت أنك تريدين أن تكوني فنانة، لكن يدك تشوهت وستبقين ربة منزل(وكأنه ربة المنزل من سقط المتاع)... المهم أنني تخيلت أنها ستتحدث عن إنجازها في عمل معرض فني، أو كتابة رواية، وكيف أنها نجحت في ذلك نجاحًا باهرًا. وإذ بها تتحدث عن ظهورها أمام الناس في برامج سخيفة، تغني وتعرض أزياء( مو عارفة عرض أزياء شنو) وسفيرة نوايا مدري ايش... وناطقة باسم حقوق النساء( وأنا كلمة حقوق ومعاها نساء تسببلي حكة في الركب)... واختِرت ضمن مدري كم مئة امرأة، وأبرز ثلاثين امرأة تحت سن الثلاثين في إحصائيات فوربس... وربك أعلم بفوربس دي ومين وراها... الخلاصة كما قالت، أن قرار التحدي لها هو الظهور أكثر أمام الناس. هذا هو الإنجاز الذي تميزت به عن ربة المنزل!!! وكم من ربة منزل، قابعة في بيتها، عازفة عن الظهور والاستعراض أمام الناس، أعدت رجالاً ونساءً كانوا علامةً فارقةً لأمتهم والزمان.

الفتاة تبحث عن التقبل، يؤرقها هذا الأمر. لذلك انطلقت هائمة على غير هدى، تقفز من منصة لأخرى، رسم... عرض أزياء... مذيعة... ضيفة... ناطقة، كل ذلك لتبحث عن ذاتها في أعين الناس، وهو مايناقض كلامها "لن أكون مثالية لأجل أحد، سأكون مثالية لأجل نفسي". جميعنا نبحث عن التقبل وإثبات الذات، هذا أمر هام جدًا جدا. لكن أولى خطوات النضج هي القناعة والاكتفاء بمن يهمك تقبلهم لك. لا اللهث المحموم، الساعي لتقبل من هب ودب لك. هذا عبث، وتشتت، وتبعثر للذات؛ أن تجرها وراءك يائسا باحثًا عن رضا ذاك وذاك وتلك. لا أدري لم تذكرت مقولة سيدنا أبو بكر: اطلبوا الموت توهب لكم الحياة. ذاك الرجل البسيط الزاهد، الذي لم يشغله سوى تحقيق إيمانه واكتماله، هانحن ذا نذكره بعد ألف عام وأربعة قرون. سبحان الله، لم يسع وراء الذكر، فمنِح الخلود!

من يدقق في الفيديو، سيلتقط رسائله الخفية، ومن بينها السعي وراء الظهور. آفة العصر وبلواه. الكل يريد أن يظهر، الكل يريد أن يشتهر، متشيعرون شوهوا ذائقتنا بركاكة مايقدمون. متفيهقون أدعياء أغثوا حتى الأموات بما يكتبون ويطبعون. سمّج حمقى ينشرون صورهم وهم يأكلون، يدخنون، يستحمون... يغازلون... يركضون... يضحكون....، معاتيه تافهين لم يتوقفوا لحظًة واحدة ليسألوا أنفسهم من يريد أن يراهم؟ من يهتم بهم؟ ماالعائد على البشرية من وراء نشر يومياتهم التافهة تفاهة عقولهم الجوفاء. ياالله كم شعرت بالشفقة على الفتاة وهي تفتح فمها على المسرح بين جمع الواقفين. أنا لا أعني أن ينزوي الإنسان ويدفن أيامه. لكن المرء حيث يضع نفسه. هؤلاء الذين تتماوتين للظهور أمامهم، لو دخلت حسناء على قدميها لأداروا رؤوسهم نحوها وتجاهلوك تمامًا. تخيلتها بعد أن عادت لمنزلها بعد فتحة الفم تلك... ثم ماذا؟! أين تحقيق الذات؟ أين الإنجاز؟ هل كنتِ مغنية عالمية، رسامة ذائعة الصيت، فنانة موهوبة( هذا إذا سلمنا تنزلاً بكونها إنجازات في حد ذاتها)... متى أمسى مجرد الظهور إنجاز؟! لماذا لايكون رضاك بوضعك، وتقبلك له، واكتفاؤك بعائلتك، وعملك في صمت وإخلاص، وسعيك للعطاء الدائم غير المعلن؛ إنجازات كفيلة بأن توصلك للرضا والتصالح.
لكن لاتثريب... إنه زمن السلفي والفلاتر، وليكللي وأليكلك، وتابعني وأتابعك، وأتعرى وصورني، وأتمسخر واشهِرني...

أنبوبة أكسجين ياجماعة بليز.

الخميس، 19 ديسمبر 2019


أيام دراستي الجامعية كنت أخرج من الامتحان السيء بذات الهدوء الذي أخرج به من الامتحان الهين. مهما بلغ غموض الاختبار وتعقيده، لم أكن لأقابله بالتسخط الناقم الذي تثيره بقية الطالبات. كانت لدي قناعة مُـطَمئِنَـة بأنه مادمت قد بذلت كامل جهدي، ولم أقصّر في جانبٍ ما، فإن الأمور ستسير على مايرام. وأذكر أن إحدى الصديقات اقتربت مني، حين ابتعدت عن صخبهن الحانق، بعد خروجنا من اختبار دكتورٍ سافٍل معقد، وأخذتُ أجمع حاجياتي في الحقيبة استعدادًا للمغادرة:
- شنو... مبيّـن حليتي ماشاء الله!
- أبدًا، وشلون تنحل الطلاسم اللي جايبها هالمعتوه!
- لعد ليش كل هالبرود !
- شوفي منال، أهم شي عندي انه ضميري مرتاح... أنا سويت اللي عليّ، قدّمت كل اللي عندي... وخلص، دام ماقصرت، فمتقبلة كل شي يصير. تدرين متى ممكن أنهار وأتألم؟... لو ندمت؛ ندمت على تقصير، ندمت على شي كان ممكن أقدمه وماقدمته، أمر كان ممكن أتلافاه وماانتبهتله. ساعتها رح يقتلني الندم.

بعدها بفترة، تحديدًا في السنة التي سبقت سنة التخرج، كانت المادة التي أحضّر لاختبارها عبارة عن ملزمة ورقية مرتبة في ملٍف ضخم، حيث الأوراق مخرّمة وموضوعة فيه. وفيما كنا ندخل القاعة، سألتني إحداهن عن قانونٍ ما، وحين عقدتُ حاجبيّ مستفهمة، ردت مرتبكة: ايش بك... هذا القانون اللي بالمحاضرة الفلانية، اللي نبّه الدكتور عليه.
انتهى الكلام. وساد الصمت مع بدء توزيع أوراق الاختبار، لأتفاجأ بأن مايتجاوز نصفه لاأعرف له جوابا. خرجت من القاعة ترافقني صدمتي الذاهلة، وأنا أستمع لمناقشة الفتيات حول الأجوبة. وماأن وصلت غرفتي حتى قلبتها رأسًا على عقب، لأجد بين أرفف المكتبة مجموعة أوراق انسلت من الملف إياه. كانت مذيّلة بالأرقام حسب ترتيبها التسلسلي، ولو أنني ركزت في أرقام الصفحات، لانتبهت للفجوة المخِلّة. ولو أنني ألزمت نفسي متابعة الدكتور المُطِـل علينا عبر الشاشة، ولم أنشغل بقراءة الروايات، لتذكرت تلك القوانين التي أوردها... لو أنني حرصت... لو أنني سألت.... لو أنني... لو أنني.... . لقد نالت مني حرقة الندم، وكوتني بذكراها المقيتة، حد أني لم أنس حتى اليوم شكل ذاك الملف، ولونه، والأوراق المنسلة منه.

لاحقًا، مع مرور السنوات، اكتشفت أن ذلك السيناريو كان ديدني مع كل المقربين الذين عبروا حياتي، ولم أتخيلهم مجرد عابرين. تلك الأوجه المحببة، بابتساماتها الوادعة، وأعينها البراقة، ودفئها القديم، الذي ظننت أنه سيكون ملاذي في برد المشيب، أوصلتهم حتى الباب، وأغلقته بهدوء...ودّعتهم دون صخب، أو ولولة ناقمة. إنها ذات القناعة المُطمئِنة؛ طمأنينة من قدّم وبذل، ومنح مافي وسع الوسع، ولم يترك للندم خرم إبرة... لم يستمع لقوانين العطاء المقنن، ولا لصنعة الثقل، وحبكة المسافات... كان قلبًا بِـدائيًا بريّاً، على سجية الحفاة الفِطريين. يحب بأقصاه، ويأتي بكلّه. يذوب عشقًا، ويفنى عطاءًا، ويذوي إخلاصًا. يستمد قوته من ضعفه، وتتوهج نضارته بتقادم أيامه. مدار اهتمامه إرضاء ضميره، وسد منافذ روحه دون الندم؛ ندم التقصير، والأذية، والتخليّ. لذلك لم يلتفت يومًا لمن ودّع، ولم يقف طويلاً معددًا خسائره، ونائحًا متشكيا. توجّع.. حتمًا، لكن ضميره الراضي كان يطوي سجل الراحلين دون إبطاءٍ أو ضغينة. لقد آثر الخذلان على أن يكتوي بنار الندم، رضي بأن يبات مظلومًا على أن يمسي ظالمًا.

السبت، 14 ديسمبر 2019


أنهيت صلاة العصر، ومباشرًة توجهت للصالة، حيث ابني الصغير، بالصف الثالث ابتدائي، يكتب دروسه...
- خلاص ماما، خلصت واجب لغتي.
- هات وريني شنو كتبت..
كان موضوع الدرس عن الإيثار، معناه، وشاهدٌ له؛ قصة جرحى معركة اليرموك الثلاثة(عكرمة والحارث ابن هشام وضرار ابن الأزور) الذين تدافعوا الماء كلٌ إلى صاحبه، حتى هلكوا جميعًا.. طبعًا القصة ذكِرت دون أسماء، فقط أشارت للصحابة باسم الجريح الأول والثاني والثالث... المهم، أخذت أراجع أجوبة ابني على الأسئلة :
من اصطحب فواز إلى المكتبة؟ والده... برافو.
ماالخُلُـق الذي تحلى به الجرحى؟ الإيثار.. صح.
مارأيك في تصرف الجرحى؟ رائع... صح،
ماذا يحدث لو أن الناس جميعهم اتصفوا بخُلق الإيثار؟... يموتون 😲😲

بعد أن انتهيت من نوبة الضحك المجنونة، صححت جواب ابني، محاولًة تبسيط المعنى له كي يسهل عليه استيعابه. أكملت شرب الشاي أحدث نفسي؛ سبحان الله حتى الفطرة النقية، فطرة الأطفال لم تستوعب هذا الفعل الخارق.. ذلك أن الإنسان مفطور بطبعه على الأنانية وحب الحياة. انظر لفعل قوة الإيمان !.. سَـمَت بأولئك الرجال حتى جاوزت بهم الإنسانية لتلحقهم بالملائكة.. أكاد أقسم أن الملائكة غبطتهم على مابلغوه. تظل الملائكة ملائكة، كما تظل الشياطين شياطين. وحده الإنسان ينتكس ليمسي بهيمًة... مسخا، أو يسمو ليحلق في سماء الملائكة الأبرار.

الخميس، 12 ديسمبر 2019


أجمل مافي التقدم في العمر هو هذا الاسترخاء الساخر.
كنت أنتقل من سوبرماركت لآخر، بحثًا عن نوعٍ جيد من الفستق غير المملح لاستخدامه في صنع الكنافة، من أجل صديقتيّ اللتين ستزوراني في الغد. وحين لم أجده في السوبرماركت الثالث، بدأت غيوم القلق تتكاثف في صدري، وسريعًا ودون تردد كنستها بعيدًا؛ وإن لم تجدي الفستق ياهند... لابأس؛ ستعدين الحلوى المغربية، وإن لم يكن السميد كافيًا اعملي بسبوسة.. مامن مشكلة.
قبل سنتين وربما أقل، كنت سأقلب المدينة رأسًا على عقب كي أحصل على هذا الفستق، وستكون رحلة البحث تلك مكللة بشتى صنوف الشتائم وجيوش اللعنات؛ على الحظ، والجغرافيا، والسياسة، والحكام، وعلى جشع التجار، ومزارع الفستق، وابن الكلب اللي اخترع حلويات الفستق. وفي النهاية سأصنع الحلوى وأقدمها لجمعٍ من النسوة لايكترثن لأمري، وقبل أن يتبخر عرق جسدي الذي نزّ بفعل حرارة الفرن وتشنج الأعصاب، ستكون تلك النسوة الغريبات قد وجدن ألف عيبٍ في الحلوى !!
يااااه، ماأصدقها مقولة: "في المدارس نتعلم الدروس ثم نخضع للاختبار، بينما في الحياة نمر بالاختبارات ثم نتعلم الدروس". ظالمٌة هذه الحياة!
عمومًا، توقفت منذ زمن عن التعلّق المفرِط بالناس والأشياء. التقدم في العمر يمنحك الخريطة بالمجان. بت تعرف كل المخارج والمآلات. أنت ترى السيناريو المتوقع لكل قصة سلفًا، وتكاد تردد حتى الحوار. ستغادرك الأشياء، والحكايات، والناس، دون أن تنفق ساعًة من العمر الثمين في التساؤلات؛ لماذا، وكيف، وحتى متى... كل شيء سيتسرب بيسر ودون ضغينة، تدرك تمامًا أن كل مامضى وحدث ليس في حقيقته إلا مجرد أيام. إن أمعنا النظر، فلابد أن نقر بإنصاف الحياة؛ ففي الوقت الذي تسلبك فيه النضارة وقوة البدن، تمنحك الاسترخاء والحكمة، ولا قوة كالحكمة.

كنت أنتظر دوري في المختبر للحصول على نتيجة التحاليل، وإذ برجلٍ يتقدم، يسبقه صدره المنفوخ زهواً : وين غرفة سحب العينات؟ حتى صباح الخير حبسها في جوفه. وحين لم يرد عليه أحد، رفع صوته: الظاهر سألت ومحد جاوب!... ليبادر أحدهم: آخر الممر ولف يمين. تبعته بنظراتي وأنا أستعيد قصص الأشخاص الأنانيين الذين التقيتهم في حياتي. لا أذكر أن نهاية أحدهم كانت سعيدة! هؤلاء البغيضون الشحيحون تصفعهم الحياة على حين غرة؛ ليقضوا آخر أيامهم منبوذين وحيدين. بقدر ماتعطي ستمنحك الحياة، ستمنحك حتى وأنت في قبرك. كنت أتحدث مع صديقتي عن ذلك الرجل الذي وجِد ميتًا في بيته بعد مرور عدة أيام على وفاته: انظري لهشاشة الحياة، بمنتهى السهولة القاسية تنتقل من هذه الدار، دون أن يكترث لأمرك أحد، دون أن يفتقدك أحد... من سيفتقدك! في أفضل الأحوال، إن كنت محظوظًا وفجعت قلب والديك، وحدهما من سيملآن دارك الأخرى نورًا وهدايا ودعوات.
- ليس بالضرورة ياهند، ماتت عمتي العجوز قبل سنتين، وأقسم لك حتى آخر أيامها ظلت تتصدق عن جارٍة قديمة لوالدتها، وحين سألناها عن سر ذلك، أجابت: في كل مرة كنت أزور بيتها مرسولًة من أمي كانت تعطيني حبة حلوى. لم أنس أبدًا قِـطع السعادة تلك التي ملأت بها قلبي الصغير.
ذكريات العطايا الممنوحة بحب، جواز سفرٍ بلا تاريخ انتهاء،بلا قيدٍ على مكان. تدس امتنانها حتى مع الرفات.
من الجيد أنني حصلت على ذلك الفستق غير المملح.