الجمعة، 8 نوفمبر 2019


استوقفتني المديرة برفقة إحدى جواريها في الممر معاتبة: أبلا هند، قاعة الرياضيات مو نظيفة. فإذا حضرتك مو مستعدة تدفعي للعاملة مثل بقية زميلاتك لجل تنظيف القاعات، فأقلها اطلبي من طالباتك ينظفوهالك.
-عفواً، لو تنطبق السما على الأرض ماحطلب من بناتي ينظفوا، ودفع ماراح أدفع ريال واحد. وقبل ماتبدأي حضرتك سرد الفوائد التربوية من وراء تعويد الطلبة على النظافة، حابه أذكرك بأن الميزانية الحكومية المخصصة للنظافة، لمبنى بهذا الحجم، وهذا العدد الضخم من الطلبة تفوق ال ٢٥ ألف ريال. ف وين تروح هالميزانية؟؟؟!!
دقائق بعد دخولي غرفة المعلمات، إذ بالجارية... أقصد المعلمة المرافقة تلحق بي صائحة: هند، تدرين إن جدي طلع يعرف جدك !
-والله؟
- ايه.. يوم اتكلم عنه تذكرتك... يقول كان عنيد ودايمًا معارض... لحظة خل أفتكر بشنو وصفه... ايه، تذكرت... قال عنه"راعي مشاكل"!!
حملقت فيها لبرهة، ثم رددت: مبيّن جدك كان مواطن صالح زيك، لذلك ماكان بقاموسه مصطلح مثل"راعي حق".

تمعن في المصطلحات التي يصمون بها الثائرين في كل مكانٍ وزمان: مشكلجية.. معارضون... مفسدون.. إرهابيون... خونة... مدعومون. هذه الألفاظ المنتقاة بعناية ليست إلا إحدى وسائل التحطيم النفسي للمعارض، الذي تُـخلَق حوله أنواع البلبلة، للتشكيك في نزاهته ومصداقيته، وبالتالي شيطنته للتنفير منه. إنه ذات مااتبِـع مع الرسل والمصلحين والثوار على مر الزمان؛ شيطنتهم.. الاستهزاء بهم.. التقليل من شأنهم.. التشكيك في نواياهم، وأخيرًا التآمر عليهم بالنفي أو القتل أو السجن. وماالقرار الجديد الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام، والذي ينص على منح المدير المباشر للموظف الصلاحية بإحالته للتقاعد المبكر، إلا وسيلة ضغٍط جديدة لإذلال الإنسان العربي، والعمل على تجفيف أي قطرة كبرياءٍ في دمه تسوّل له التفوّه ب لأ، ومحو أي أثرٍ لكرامٍة في روحه تحرضه على العصيان، و شلّ كل محاولٍة منه للتنقيب وراء المُمسك بزمام أمره ولقمة عيشه. عش عبدًا ومت أخرسًا. هذا هو المطلوب.
في نظام الحكم الغربي، وجود الحزب المعارض يُعد ركيزًة أساسيةً للسلطة الحق، المؤسِسة للعدل، الساعية للتطور، الباحثة عن الصدع لسده، والعوج لتقويمه، والنقص لإكماله. وهو ذات الأصل الذي أسس الإسلام عليه الحُكم؛ "وأمرهم شورى بينهم". بل إن الإسلام عظّمه ابتداءً في داخل الفرد، حين أقسم بالنفس اللوامة، التي تراجع أخطاءها وتعيد حساباتها، فتندم وتلوم، وتصحح وتتوب، وتمحو وتحسِن. والشاعر الذي ترنم قائلاً: ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا .. وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ. أشار بفطريّةٍ صافية إلى سر توازن الوجود وانسجامه، بل واكتماله. فالفعل لايكمل-مع استحالة الكمال- إلا بصوتٍ معارض، وعينٍ ناقدة، وذهنٍ مُصوّب، يجتمعون في روحٍ مخلصةٍ ناصحة؛ ترى الخلل فتشير إليه،وتتحسس الخطر فتنبه لتفاديه، وتشعر بالنقص فترجو مداراته. بيد أن الخونة الذين يحكموننا، ينفذون أجندة الاحتلال المعاصر حرفًا حرفا، وقهرًا قهرا. غاية هؤلاء وأذنابهم إنشاء إنسانٍ بلا لسان، لايبغي إلا ظل الحيطان، ولايعرف إلا سلمية الهوان. يضيقون عليه رزقه وأرضه وسماءه، فلايدعونه إلا وقد ختموا على جبينه: لاأريكم إلا ماأرى.
إن أهم خطوة لنهب الأوطان هي إذلال المرء أمام نفسه، بتقزيم تاريخه و بطولات أجداده، بالتشكيك في ثوابته، وتذويب هويته. انتزاع أخص مايميز أمته؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أن يستقر في أعماقه أن الثائر في وجه السلطان الجائر ليس إلا "راعي مشاكل" لا مجاهد.