الأربعاء، 30 أكتوبر 2019


هل تساءلت يومًا لماذا كل محاولات إرضاء الطرف الآخر وكسب قلبه هي من مبادرات النساء وحدهن!! كيف تحافظين على زوجك؟.. كيف تنالين رضا زوجك؟... كيف تسعدين زوجك؟... أقصر طريق لقلب الرجل هو البتاع... أهم مايريده الرجل من زوجه هو الهباب... انتبهي من فعل كذا... واحرصي على عدم فعل ذاك!!
في المقابل تجد الرجل "مكبّر دماغه" تمامًا عن هذي الأمور. لا يحاول إشغال نفسه بمحاولة فهم المرأة أو تحري سبل إسعادها. لايوجد في قاموس حياته لاعشر طرق ولا عشرين ولاحتى خمسين لكسب قلب المرأة. هو غير مستعد لتضييع ثانية واحدة من وقته في البحث عن أقصر أو أطول طريق لنيل رضاها. في أحسن الأحوال، هو يأخذ الأمر بالبركة؛ إن وجد طريقة لإسعادها حلوو وعال العال، وإن لم يجد فالقيامة لن تقوم بسبب ذلك. وحتى وإن أقامتها رفيقته، ف "ماتش كورة" أو لعبة"بابجي" أو حي الله مقهى، كفيل بأن ينسيه أهوال تلك القيامة.
لماذا.. لماذا لايماثل سعي الرجل سعي المرأة؟ الجواب ببساطة: لأن المرأة كائنٌ زئبقي يستحيل فهمه. هي نفسها لاتفهم في أحايين كثيرة ماالذي تريده تحديدًا، وماالذي يسعدها حقًا. ربما لكونها عاشت في خوفٍ عتيق، خلِق مع وجودها. خوف من عارها،من مسؤوليتها. خوف من تعليمها، ثم من تجهيلها. خوف من أسرِها، ثم من انطلاقها. يصفونها بأصل الحياة وامتدادها، ثم ينسبونها لضلعٍ أعوج. يقولون أنها عِلّة القصائد والأغاني والحكايات، ثم يرمونها بنقص العقل والدين. هي جنة الرجل على الأرض، لكن لأجلها أريق أول دمٍ على هذي الأرض.
مطاردةٌ هي بالرغبةِ واللعنة. محاطة بأعين الغزل وألسن النقد. مأكولةٌ مذمومة. ضعيفةٌ كائدة. أين تذهب بكل هذي الكلاليب، ومن أين لها أن تستقر وماعرِف لها ماءٌ ولاأصل. نهرٌ مجنون أشبه ماتكون. نفِـثت حوله الشائعات، منهم من يقول: لبنٌ مصفّى هو، ومنهم من يهمس: بل السم في الكعك.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019


" لا أحد يا عزيزي ، هل تُراني سأتصل بكم في السادسة صباحًا ، لو أن هناك أحدًا في حياتي أستطيع أن أوجه له تحية ؟!
هكذا أجاب المتصل على سؤال المذيع : عزيزي المتصل لمن توجه تحيتك ؟!*

المشهد الآخر:

" إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة "...
كثيرًا ماتردد هذا الصوت على سمعي، في الصباحات التي كنت أتوجه فيها لعملي. وحيث أن المحتوى هزيلٌ مثيرٌ للشفقة، لا يليق مستواه بطفلٍ في العاشرةِ من عمره، فلم ألق بالاً لبرامج تلك الإذاعة. وحدث في إحدى نوبات يقظتي أن التقطتُ صوت المذيع وهو يرحب بمتصلٍ وصفه بالصديق الدائم للبرنامج. كان صوت المتصل ذا بحةٍ مميزة، لاتخطئها الأذن المدققة. ولأيامٍ لاحقةٍ عديدة استقر صوت ذلك الرجل في أذني حتى حفظته عن ظهر قلب. وبينما كنت متوجهة لعملي في إحدى صباحات الشتاء الهادئة، إذ بأحد البرامج المكرورة القديمةِ قِدم الزمان وأهله يبدأ وصلته التقديمية، حيث الصوت المسبّح المُهلل المرتل؛ تماوجت أعماقي وتقطب جبيني واستحلتُ أذنًا مصيخة السمع لذلك الصوت الذي لم أخطئه. نعم... إنه صوت صديق البرنامج!... صديق البرنامج الوحيد، والذي اتضح أنه ليس إلا موظف في تلك الإذاعة التعيسة!
الوحدة تفعل الأعاجيب. الإقصاء يجبرك على أفعال لم تتخيل يومًا أنك ستقدِم عليها. النبذ قاسٍ قسوة صقيعٍ سيبيري.

متصل السادسة صباحًا، لم يكن اتصاله إلا استغاثة يخبر الكون عبرها كم هو وحيد، كم هو بحاجةِ رفيقٍ يبدد وحشته. إنها الحاجة لنديمٍ تقاسمه قهوة الصباح ونشوة أغاريد العصافير. تفك معه أحجية الندى وانحناء الغصون. يلتقط من فيك ماالتمع في عينيك من توثب الحروف. وترتعش أنامله لنبض قلبك الذي استفزه تماهٍ لم تجده إلا معه. الحاجة لشريكٍ يُلوّن يومك بماتشتهيه نفسك. تكون إطلالته نافذة الضياء، وصوته هودج الطمأنينة، وتربيتته وداعيّة الأحزان. رفيق لايخطيء فهم مقصودك، ولايبحث فيماوراء ظنونك. بل هو القريب الذي وإن أساء الظن وجدت ألف عذرٍ له، ثم غفرت، ثم قلبت السيئة حسنة، وأحببته فوق الحب حبا. كيانٌ يكفيك منه وجوده، وروحٌ يؤنسك مجرد تردد أنفاسها. يلوم فلا يكون اللوم إلا حرصا، ويعتب فلا يثمر العتاب إلا ودا. يغضب فإذا هي فرصة القلوب لتجديد العهد. ويشتم فتترجم أذن المحِب الشتائم كلمات عشق. من حلكة الأسى يكون وحده نقطة الضياء التي تبدد الظلام. يأخذك من كفيك...من ذراعيك.. من خاصرتك، ينتشلك من محيط الوجع، يحلّق بك في سماوات الطمأنينة الوادعة واللذة التي لاتشابهها لذة، ولاتدانيها أمَـنة. يهبط بك حيث لا كدر ولانفاق، حيث لسان الصدق، وقلب الصدق، وتحية الصدق. سلامٌ هي حتى تضع الأرض أثقالها ومابعد.. ومابعد.

الخميس، 17 أكتوبر 2019


قبل مايقارب خمسة وعشرون عامًا، تزوج أحد معارفنا بفتاة من أقاربنا، درويشة، محدودة التفكير، غير متزنة تمامًا في أفعالها. من البداية عافتها نفسه، فقام بإرجاعها لبيت والدها الذي ألح عليه أن يمسك زوجته ويصبر عليها، وستتكفل الأيام-كما ادعى- بإصلاحها وتجميلها في عينه. في كل مرة يعيد الرجل الفتاة لبيت أهلها، يعود الأب ليلصِقها به، ويقسم عليه أن يتحملها ويصبر عليها. أظن أن الرجل توقف عن محاولات الخلاص منها بعد إنجابها. لقد أنجبت ثلاثة أبناء، وهو عدد قليل جدًا، بالمقارنة مع الوضع الاجتماعي لهما، حيث يتنافس أفراد عائلتيهما في إنجاب أكبر عددٍ من الأبناء. قبل خمس سنوات تزوجت ابنته البكر، ثم انتقلت الأسرة بعدها للبيت الذي أتم بناءه خلال عشر سنوات، نظرًا لقدرته المادية المحدودة. وفي السنة الماضية زفّ ابنته الصغرى لزوجها، ولم يتبقى لديه إلا الصبي ذو السبعة عشر عامًا.
مباشرةً بعد زواج ابنته الصغرى، انتقل الرجل إلى الدور السفلي حيث الشقة التي رفض سابقًا أن يؤجرها رغم حاجته. وظلت المرأة في بيتها لم يتغير عليها شيء من أمور النفقة والرعاية، حتى صعِـقت بابنها ينقل إليها رسالة والده بأنه قد طلقها صبيحة زواج ابنتهما.
حين سمعتُ بأمر تطليقه لزوجه، قفزتْ إلى ذهني مباشرًة كلمات عادل إمام في فيلم المنسي: حلو أوي لما الواحد يزهق يقدر يمشي. أنا أحيانًا بزهق، بس مقدرش أمشي. لو مشيت ممكن أتسجن. في ناس كتير زيي، تزهق بس ماتقدرش تمشي... تموت وهي زهقانة.
بالطبع كانت غلطة الرجل من البداية، مسايرته للمجاملات العائلية والأعراف القبلية، وحكايا العيب والشرهة، على حساب نفسه ومشاعره. لكن الواضح أنه خطط مبكرًا للخلاص من هذه الورطة، يبدو ذلك جليًا من عدد الأبناء القليل، وحرصه على تزويج ابنتيه دون تأخير، ثم امتناعه عن تأجير شقته اليتيمة. نعم. هو الآن على مشارف الخمسين، وربما وضع رجله على أولى عتباتها. لكن بعض القيود تبلغ من الثقل حد أنك ترجو الخلاص منها ولو لم يتبقى في حصّالة عمرك إلا يوم واحد. يوم واحد ستتنفسه بملء رئتيك، تتلذذ بثواني الحرية المتشبعة بها جزيئاته. يوم واحد يشعرك أنك ملك نفسك، وأنّ الـ "لاء" التي جالت عمرًا في سماء صدرك استحالت واقعًا بأمرك وحكمك وقرارك. يوم واحد تعيشه كما تريد أنت، لا كما يمليه الواجب والعرفان. يوم تكون فيه أنت،ولو بندوب الخيبات والحرمان. أنت راضٍ بها رضى "آندي" بالقاذورات التي علِـقت به وهو يقطع أنابيب المجاري زحفًا لبلوغ الحرية.
يكفيك أنك لن تموت وأنت "زهقان".

الجمعة، 4 أكتوبر 2019



وبعيدًا عن كون هذه الشريعة السامية توافق المروءة الأصيلة، لذا شددت على عدم الخوض في الأعراض، أو التطرق لمعايب الميت ومخازيه، إلا أن يكون بادي العداوة للإسلام، معلوم النفاق ظاهر الأذى. وبغض النظر عما ذكره النووي من كون هذه الشهادة بالخير للميت لن تنفعه مالم تقتضي أعماله ذلك. فإن الأكيد الأكيد أن المعنيين في قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: أنتم شهداء الله في أرضه، ليسوا رعاع اليوم من أشباه الرجال وأرباع النساء. الخراف الذين رضعوا الذل ومابلغوا الفطام. المتهارشين على الفتات، القانعين بحكم الأوغاد؛ يثورون نزقًا وخِفة، ويرضون يأسًا وخنوعا. شهداء الله في أرضه الذين وصفهم خالقهم(أشداء على الكفار رحماء بينهم) هم على الطرف النقيض من شهداء اليوم أشحة الخير، أجاويد الشر، يسلقون بعضهم البعض بالألسنة الحداد، وأمام الأعادي تخجل من وجيب قلوبهم الأرانب. الشهداء الذين كانت حياتهم تطبيقًا عمليًا لنواهي القرآن وأوامره، ليسوا ذاتهم شهداء اليوم متتبعي الرخص، متصيدي مافي الماء العكر. المتفيهقين ؛ في الحجاب والتعدد وماهية الحياء. مرقّعي الخيانة، مفلسفي الولاء والبراء، مؤوّلي الجهاد ،منظّري الإرهاب.
شهداء اليوم الذين شعارهم: إن كان لك عند الكلب حاجة قله ياسيدي، محالٌ أن يكونوا خلفًا لسلف الشهداء الذين قال سيدهم: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.
شهداء الله الذين كان ديدنهم"سمعنا وأطعنا" ليسوا شهداء اليوم أهل السياق والمناسبة، والتشكيك والاجتهاد الشخصي، وأنتم أعلم بأمور دنياكم؛ دنياهم التي باتت غثاء كهممهم، عفِـنةً كنواياهم، سوداء كقلوبهم التي يتشدقون باستفتائها!!
شهداء الله الذي أبى أحدهم رد السلام على ابن عمه وقد تسوّر حائطه التزامًا بالنهي الرباني، لن يكون امتدادًا لهم شهداء اليوم، أهل التقارب والتحاور والتسامح، والحرية الشخصية، والدين في القلب مش بالمظاهر. لينزوي دينهم قريبًا في ركنٍ قصي من المساجد. شهداء الله الذين قتلوا آباءهم وإخوانهم وأبناء عمومتهم لأجل الله، براء منكم ومما به تشهدون.