الأحد، 29 سبتمبر 2019


في فيلم cast away لتوم هانكس، والذي جسّد فيه شخصية موظفٍ مهووسٍ بالوقت، وحساب الوقت والتسابق مع الوقت؛ تراه راكضًا في كل الأنحاء حاملاً معه مؤقته، محصيًا أسرع عملية فرزٍ يقوم بها طاقمه، مستنفرًا الجميع بصوته العالي، وكلماته السريعة اللاهثة، لبذل المزيد من السرعة، وتحطيم الرقم القياسي في كل مرة. وهو لاينسى مع كل هذا الصخب أن يحتفظ في حقيبته بهديةٍ ما يقدمها للصبي المنضم حديثًا للفريق، كي يضمن ديمومة اتقاد حماسه. وفجأة.يتوقف كل هذا. يختفي اللهاث المحموم ليحل الصمت الثقيل محله، حين تتحطم طائرته وتلقيه الأقدار في جزيرةٍ نائيةٍ لمدة أربع سنوات. أربع سنوات قُضِـمت من عمره بقسوة الأقدار التي لاتداهن على حساب سيرورة الكون وقوانينه. ترغمه هذه العزلة القسرية على الاستسلام لعقارب الساعة المتوقفة. لينكفيء على ذاته تأملاً وتنقيبا، ثم يرفع ناظريه تفحصًا وتدقيقا؛ في الكون والنواميس، والأشياء والناس. توقّـف كان لابد منه، لتنضبط معايير الأمور لديه، ويعاود اتزانه النفسي الذي انفلت منه مع سعار اللهث خلف الوقت.
كل هذا استعدته وأنا أقرأ كلمات الرافعي على لسان الراهب (شطا) حين أجاب مارية عن استفسارها عن(الله أكبر) :
إنها كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقتٍ ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يديّ من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعةً أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا ترين هذه الكلمة قد سحرتهم سحرًا فهم لايلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ قد شملتهم السكينة ورجعوا غير ماكانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم! .. انتهى.

حين تعود لشخصية شاك في الفيلم أعلاه، تجده قد اتخذ في عزلته إلهًا(كرة رسم لها ملامحًا ووضع عليها شَعرًا وأطلق عليها اسمًا) أخذ يناجيه في وحدته استئناسًا ، ويتفاءل بمطلعه استجداءً لطلب المعونة؛ في إشعال النار، وطلب الثمار، ومعرفة اتجاه الرياح... فطرة الإنسان الذي إن لم يكن عبدًا لله، كان عبدًا لغيره؛ وقتًا أو صنمًا من صنع يديه. الإنسان الذي لايعلم مفاتيح اتزانه إلا من خلقه ونفخ فيه من روحه؛ كان وسطًا بين طينٍ أرضي ونفخٍة سماوية، لم تكن لتستقيم حياته دون هذا النهج الوسطيّ المتمثل في دين الإسلام؛ عقيدته وشرائعه، عباداته وضوابطه. كل ذلك ضمن بناء هندسي دقيق، يعاير أدق حركات الإنسان وسكناته،فلا يشطط ولايخور، لايُفرط ولايفرّط، لايغالي ولا يزهد. يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا.
والذي حثّك على غرس الفسيلة والساعةُ قائمةٌ عليك، ذاته من قال لك:صلّ صلاة مودّعٍ حين تمثل بين يديّه.

الجمعة، 27 سبتمبر 2019

كنت أظن خريف العمر تعبيرّ يرمز للمشيب و التقدم في السن. وحين مضت بي السنون، واقتادتني رغمًا عني في دروبها، أدركت أن الخريف المعني إنما تساقط البشر من حولي وعيني وقلبي؛ الرفاق والإخوة، الأهل والأصدقاء، الخلان والندماء... وكل من تعلّق بهم يومًا هدب قلبي، وتوهمت سذاجًة أنني سأشيب برفقتهم.
توغل في ممر العمر بينما يتساقط هؤلاء من شجرة ذاكرتك وعرفانك، يتبخرون مع أحلامٍ آمنت بتحققها، وحدودٍ أقسمت ألا تتجاوزها. يتلاشون مع العشم والدهشة، مع خيط النداء الذي بح صوتك. يذوبون مع الضحكات العتيقة. تلك التي ماعدت تدري أهي من تاهت فضيعتك، أم أنت من فقد الدليل إليها زهدًا ويأسا.
صوت اليباس في أوراق الخريف المتساقطة، شاهد حكمتك التي جناها تغضّن جبينك. والخريف الذي يحوّطك خديعتك لذاتك، جفناك اللذان أغمضتهما تجاهلاً وتعاميا، أملاً كاذبًا، وأمانيّ غرّت فأضلّت.

قبل عدة شهور كنت خارج البلاد، وحين عدت وجدتهم قد أحدثوا ترتيبات جديدة في مكان العمل، وغيروا في مواقع المكاتب والغرف. كان مكتبي الجديد قد وضِع خلافًا لما اعتدت عليه؛ بعيدًا عن الأركان، مستقبلاً لجهاز التكييف. وخلال الثلاثة أسابيع اللاحقة ظللت أتذمر وأتسخط، وأولول وأتضجر من التغيير الجديد الذي أثّر على صحتي، حيث أصبت بالحمى المتكررة جراء تعرضي المباشر لهواء التكييف. هسسسسس... لامجيب لنداءاتك ياهنيد. في النهاية ثبتت الرؤية، وتأكد لي أنه لامناص من الثورة لنيل الحقوق. قمت بمساعدة إحدى طالباتي ومستخدمة رشوتها بمبلغٍ من المال، بدفع مكتبي إلى مكانه القديم الذي حولته المديرة إلى قاعة اجتماعات زينتها بورق الجدران، والباركييه، والنجف، والتحف، وكل مايبرِق ويبهِج. بالطبع وصل أمر التمرد إلى مسامع السيدة المديرة في لمح البصر، فثارت ثائرتها وجُن وجنونها. وكونها تتجنب الاصطدام بي اتقاءً لسلاطة لساني وحفاظًا على برستيجها ومقامها السامي، فقد سلّطت عليّ زبانيتها وعبيدها الذين توافدوا إليّ تِباعا؛ بين متقنّعٍ باللين والابتسام مُدعٍ الصلح لوجه الواحد القهار، وبين محذّرٍ منـبّه يقسم أضغث الأيمان أنه لايرجو سوى تجنيبي الضرر والملام، وآخرين تزيّوا لباس الجدية والحياد، لسان حالهم : ليس على الرسل إلا البلاغ. ومع صنوف الوفود والطوابير كان ردي الأوحد : لا أريد سوى حقي. حقي في أن أمارس عملي في بيئةٍ مناسبة تعينني على ذلك،طوال سنوات عملي ومكتبي يقبع في الركن الذي لايواجه التكييف، ولن أبرح مكاني هذا حتى أستعيد حقي، ولو اضطررت لسحب مكتبي إلى هنا مع كل يومٍ جديد.
أقل من ساعة، وأخلت معلمة الدِين التي تقبع في الركن المعنيّ مكانها. ودخلتُ بعد انقضاء حصتي القاعة دخول الفاتحين المنتصرين، لأجد مكتبي في انتظاري في المكان الذي أريد، بينما حلّت معلمة الدين مكاني في مواجهة تيار التكييف. استويتُ على مقعدي بهدوء دون أن ألتفت لأحد، وسط صمتٍ ثقيل لم تغب عني علّته. في اليوم التالي اقتربت مني زميلة تكِن لي ودّاً ملحوظا : هند ليه كذا؟
- ليه شنو؟
- ليه ماشكرتي معلمة الدين الفاضلة اللي تخلت عن مكانها لأجلك.
- مو لأجلي... هي عملت هالشي لجل تكسب رضا المديرة. ظليت ٣ أسابيع تحت وطأة الحمى، وكلكم شايفين وعارفين وضعي ورغبتي، وماتحركتْ إلا بعد استنفار المديرة وأوامرها بإبعادي عن قاعة الاجتماعات. هل أرغمها أحد على التخلي عن مكانها؟
- لا، هي تبرعت بذلك لجل تنهي الخلاف. هي إنسانة متدينة وطيبة، ماحبت تتفاقم المشكلة بينك وبين الإدارة، وتنازلت عن مكانها بطيب خاطر لوجه الله.
-إذا لوجه الله فعلاً فهي لن تنتظر مني شكرًا. قفلي على هالموضوع رجاءً.

معلمة الدين امرأة جميلة، بيضاء البشرة دقيقة الملامح، موسومة بين الجميع بالصبر والطيبة. زوجها الدميم حالك السمرة، تزوج عليها قديمًا، ثم حين طلق زوجته، أرغمها على استقبال ابنتيه في بيتها المملوك لها، فأحسنت استقبالهما، كما أحسنت الصبر على بخل زوجها، وسلبه مالها، وإساءاته إليها طوال سنوات عشرتهما. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يثني على خُلقها و صبرها واحتسابها الأجر. كنت أتأملها في بعض الأوقات وأتساءل في سري: لماذا تفعل ذلك؟ لماذا تقبل الاضطهاد بكل هذا الخنوع؟ لماذا لاتتحرك ضد هذا الرجل الغنية عنه بمالها وجمالها!.. ولأني أوقن أن مابين الرجل وزوجه شأنٌ لايمكن الوصول لحقيقته، لم أتوقف طويلاً عند شكوى هذه المرأة وادعاءاتها.
ومنذ أن وفدت إلينا هذه المديرة البغيضة المتسلطة قبل أربع سنوات، والمدرسة تستقبل مع بداية كل عامٍ دراسي وجوهًا جديدة، بديلاً عن تلك التي استقالت أو تقاعدت أو هربت بطلب النقل. وقبل أسبوعين انضمت إلى كادر المعلمات معلمة جديدة، اتضح أنهاصديقة قديمة للمديرة، سعت في ضمها إلى فريق العمل لتكون ردءًا لها تعينها وتنصرها. وصباح الأمس بينما كنت أرتشف قهوتي، انتبهت إلى معلمة الدين إياها تدور على المتواجدات، وتنحني بكامل جسدها لتصل إلى أذانهن، فترسل همسًا ماتلبث إحداهن أن تقابله بعينين شاخصتين ذاهلتين، ثم تتبع ذلك بهز رأسها بالنفي. تكرر ذلك مع الغالبية، مع حرصٍ على عدم الاقتراب مني، أو وصول الأمر لمسامعي. توجهت بعد قرع الجرس لحصتي دون أي محاولة لتقصي الأمر. وبعيد انتهاء الحصة، وبينما كنت أسير في الممر اقتربت مني إحداهن تسأل: ايش رايك بالمهزلة الجديدة، أكيد رفضتي.
-شنو القصة؟
- معلمة الدين ماقالتلك؟!
- لأ... شفتها تدور على بعض الزميلات وتوشوش لهن... بس ماأعرف ايش الهرجة!
-ههههههه، أكيد خافت منك، لجل كذا ماحكتلك.
رفعت حاجبيّ متسائلة، فبادرت :
- معلمة الدين تدور على الكل، تطلب المساهمة بمبلغ مالي لجل الاحتفال بالمعلمة الجديدة صديقة المديرة. ياأختي من متى حنا نحتفل بالمعلمات الجدد... والله بعمرها ماصارت!!
كنت قد وصلت إلى مكتبي في ذات اللحظة التي انتصبت فيها معلمة الدين من انحناءها نحو تلك الزميلة التي عاتبتني ذلك اليوم على عدم شكرها. تأملتها وهي ذاهلة قد تسمّرت عيناها في وجه معلمة الدين. ثم انزلقت نظراتها نحوي، فأومأتُ لها بابتسامةٍ واهنة، وطيف زوج معلمة الدين ماثلٌ أمامي.
نعم، لن يركب ظهرك إلا من سمحت له بذلك. لن يضطهدك إلا من وصلته رسائلك بخنوعك واستسلامك. الهزيمة لاتحدث على غفلةٍ منا، والعبيد لايظهرون من العدم. هم فقط يحتاجون طاغيًة يخلق بيئةً لتكاثرهم، وظهور العبد الكامن في أعماقهم. ربما تكون إحدى حسنات الطغاة هو كشف الغطاء عن هؤلاء الأذلاء المقززين. ليكون جيل الثورة الحقيقية جيلٌ يُـعد من الصغر على الأنفة، والعزة، والكبرياء، يُربى منذ نعومة أظافره على نيل الحقوق صاعًا بصاع ونِدا بند كما أداء الواجبات. يكبر وقد وقر في صدره وحُـفِر في وجدانه، وتردد كما الصدى الأزلي في سمعه؛ مقولة سيدنا الفاروق : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار !

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019


-الحب يليق بك أيتها الانيقة وان كان حباً فطيما،
-يليق بي أن أحِب  أم أحَب؟
-الاثنان... لكن اتحدث عن الواجب وهو بفتح الحاء، والباقي نافلة لك، عسى ان تعيشي عمرًا محمودا.

الأحد، 15 سبتمبر 2019


اعتراف صريح من أحد الأزواج: زوجتي هي مصدر قوّتي. أما باقي النساء فهن نقطة ضعفي!!
وصلتني الرسالة أعلاه عبر الواتس اب على أنها نكتة، فضحكت كونها كذلك، ثم مالبثت أن غرقت في التفكير؛ متخيلة حال أي امرأة توضع أمام هذا الخيار: هل تفضلين أن تكوني مصدر قوة لزوجك أم نقطة ضعف عنده! الأمر لايحتاج طول تفكير. وكوني امرأة، أجزم أن جلّ النساء ستختار أن تكون نقطة الضعف لدى رجلها. علة ذلك بكل بساطة: الفطرة.
فطرة المرأة التي خلِقت عليها؛ أن تكون محل اهتمام الرجل وعنايته، وملاحقته وتدليله لها. أن تظل مثار إعجابه ولذته ورغبته، في الوقت الذي يكون هو فيه مصدر قوتها وسندها واعتمادها، وركنها الذي تأوي إليه حين تهاجمها صروف الدهر ودواهي الأيام. والرجل يتقبل هذا الدور دون احتجاج، كونه مستعد له استعدادًا فطرياً ربانياً استنادًا إلى مسؤولية (القوامة) التي حمّله الله إياها ابتداءًا.
نعم، المرأة الأصيلة لن تتخلى عن رجلها حين يحتاج إليها. ستسخّر كل طاقاتها من أجله. ستوفر له أقصى مالديها من عونٍ مادي ومعنوي. وإن جاز أن نستأنس بقصة زوج سيدنا أيوب عليه السلام في هذا المقام، فلا يمكن اعتبارها قاعدة أصيلة. فبعيدًا عن كون سيدنا أيوب نبي مرسل ورجل مؤمنٌ صالح ، وزوجه كذلك، فإن فعل زوجه - المستند بدايةً إلى الإيمان- يصب في خانة الوفاء وجزاء الإحسان بالإحسان، لِما رفلت فيه من نعيمٍ سابق مع هذا الزوج أول حياتها. فالأمر، وأعني أن تكون الزوجة مصدر قوةٍ مادية، لم يكن هو الأصل ولا القاعدة، إنما جاء استثناءً لوضعٍ طاريء، وامتحانٍ رباني علم صاحبيه يقينًا أنه كذلك. وإلا فإن مقولة ابنة سيدنا شعيب " إن خير من استأجرت القويّ الأمين" تحمل الدلالة الأكيدة على ماتنشده المرأة من قوة واعتماد على الرجل.
لن تكون المرأة مصدر قوة للرجل إلا من ذات نقطة الضعف الذي تمثله. بمعنى أن تكون أنثى حقيقية مستوفية لمقتضى فطرتها. يستمد من رقتها قوته، ومن شغفها وخضوعها ثقته، ومن حنانها وحرصها على مملكتها استقراره، ومن عفتها وحكمتها ثباته، ومن احتياجها له معنى وجوده. فهي مصدر قوته من نقطة ضعفه فيما أكّـد عليه الشرع؛ تعينه على غض بصره، وحفظ فرجه، وصون عرضه. ثلاث هنّ مدار اهتمامه، ومنهن يُـؤتى ويُـفتن ويجني بهن على نفسه وغيره؛ لقوة سطوة الغريزة التي وضِعت فيه نحو الأنثى. كل مايخرج عن هذا الإطار في معنى الاحتياج والقوة والضعف، هو معنىً شاذ أو حالة استثناء. ومايستدل به بعض المتفيهقين (للاحتجاج بوجوب تحجب الرجل كما المرأة) من كون خديجة رضي الله عنها قد فتِنت بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هو مردودٌ عليهم، مؤكِدٌ لما جاء في هذه الأسطر؛ حين رغبت السيدة خديجة في زوجٍ قويّ تعتمد عليه، يحفظ مالها وتجارتها، ويخلصها من أطماع الطامعين، فكان أن اجتمعت في سيدنا محمد قوة الشباب والدين، والخُلق والحسب والنسب.
بمقتضى الفطرة، الرجل مصدر قوةٍ للمرأة. قد تكتمل أركان هذه القوة جسدياً ومادياً، وخُلقاً ودينًا. وقد تقصر ويظل رغم ذلك، بمسؤولية القوامة مصدر الدعم والعون والقوة. والمرأة المخلوقة من ضلعه هي مصدر قوته من كونها نقطة ضعفه. بها تقويّه ومنها تستدرجه لتستقوي. لايمكن أن تقبل المرأة أن تكون مصدر قوة بغير هذه الصورة، إلا فيما يمكن إدراجه في خانة " حالة خاصة" تستدعيها طواريء الأوضاع واستثناء الأحداث، من حربٍ وتهجير، وبطالةٍ وتفقير، وتآمر أعداء علموا علة الاستقرار والنهوض، من مراعاةٍ لخصوصية المرأة والرجل، والوضع الفطري الرباني للعلاقة بينهما، فعمدوا إلى كل مامن شأنه أن يشوّه هذه الخصوصية، وينتكس بها إلى أسفل السافلين.

الجمعة، 13 سبتمبر 2019


كنت أقرأ في سيرة المفكر الإسلامي محمد عمارة، والعوامل العديدة التي أثّرت في تكوين شخصيته العلمية، ومن ضمنها العوامل الثقافية. فكان أن ذكر المؤلف مكتبة خاصة امتلكها الدكتور عمارة في مقتبل عمره، أثّرت عظيم الأثر في تكوينه الثقافي. العجيب أن مالك المكتبة الأصلي فتىً من ذات القرية من خريجي الأزهر، كان شابًا أديبًا وقارئاً مثقفًا، حوت مكتبته أربعة آلاف كتاب في فروع متعددة: أدب وتاريخ، فلسفة واجتماع، فقه ونحو..... والعديد من المجلات العربية منها النسخة الأصلية من مجلة العروة الوثقى... هوب، ومات الفتى! فما كان من ورثته إلا أن سارعوا ببيع مكتبته، لتكون من نصيب محمد عمارة!!
لم أقو على مجاوزة الصفحة تلك الليلة. ظللت لساعات أتخيل مسار الحكاية. منظر الوالدين المفجوعين بابنهما الفتيّ، عائلته...إخوته المحزونين... وربما زوجة شابة، وصبي أو طفلة صغيرة... كل أولئك يذرفون الدموع الحارة على الفقيد الغالي. والدته المكلومة في ركنٍ مظلم قد همست في ذهول : ليه...ليه... اشمعنى ابني؟!
والجواب ببساطة : عشان المكتبة!
نعم، كان يجب أن يموت الفتى لتنتقل المكتبة إلى شابٍ آخر اسمه محمد عمارة، كان لابد وأن يحظى عمارة بالمكتبة لتكون ردفًا وداعمًا له مع بقية عوامل تثريه وتنمّيه وتهيؤه للدور الذي سيشغله. مسطورٌ في مسيرة تلك المكتبة أن تستقر في صدر ذلك الرجل الذي ستمتليء أرفف المكتبات بمؤلفاتٍ يذود فيها عن الإسلام ضد الغلاة والحاقدين ودعاة التغريب. رجل يحمل في راحتيه مشروعًا نهضويًا لأمته.
فقط تأمل في هذه الأقدار الخفيّة الدقيقة؛ كيف تتسلل عبر شقوق الحياة، من تحت أبواب الدور، خلال شروخ الأيام، لتستقر في مكانها الصحيح... الصحيح جدًا، برؤية مهندس الكون الذي أتقن كل شيء صنعا.
إنه تدبير من يرى الصورة الكاملة؛ قطع البازل التي تتراءى أحجيةً محيّرة ناقصة، وربما خاطئة، يتضح معناها للبعض قبل اكتمال رصها، فيما لايدرك البعض الآخر المغزى منها إلا بعد الانتهاء من تركيبها... كمالٌ لايتأتى في هذي الحياة الفانية.
ربما لم تهمس والدة الفتى الأزهري بالسؤال المعترِض. ربما امتلكت ذلك اليقين الراسخ الذي به رأت ابنها لبِنة في بناءٍ متكاملٍ متقن التشييد، أدّى دوره على خير مايرجو، حتى إذا مااستوفت أيامه عدتها على الأرض، سلّم الراية لمن خلفه ليكمل المسير... وتعود هي بحصة الرضا، رضا " ومنهم من ينتظر". إذ في عرف الموقنين ليس الوصول هو الغاية، إنما الموت على الطريق. وإرشادات الطريق تومض لك بطرفٍ خفيّ : وإن غاب عنك المغزى أمسِكْ عليك يقينك. إن لم تدرك الحكمة من التدبير، فثق بصاحب التدبير. اعتمد على من "كل شيء عنده بمقدار"