الجمعة، 30 أغسطس 2019


عندما يتطلع الإنسان إلى نفسه في مرايا الزجاج لايلحظ تغييرًا أو تبديلا، ولكن عندما يتطلع إلى نفسه في وجوه الناس يعرف أنه تغير. تذهله التجاعيد التي هي إمضاءات الزمن. تدهشه الشعرات البيضاء التي تشبه الأكشاك الصغيرة التي يجلس فيها "المحولجي" في طريق السكة الحديد، والتي تعلن أننا اقتربنا من محطة الوصول! السعداء هم الذين تنبت الشعرات البيضاء في رؤوسهم، وتظهر التجاعيد على وجوههم لا على قلوبهم! *
مصطفى أمين.

لمعت أول شعرةٍ بيضاء في كثبان شعري حين كنت في السابعة عشر من عمري. أذكر ذلك جيدًا. كانت ناصية رأسي تغلي كالبركان فيما أصابع يدي تشد خصل الشعر تلك، عيناي تشخصان في ذهول، وقلبي يُسحق تحت وطأة ألمٍ عظيم، فيما لساني المخدّر يردد: لا... لا.. لايمكن أن يحدث هذا. اتضح لاحقًا أن "هذا" الذي حدث، تافهٌ وسخيف بدليل أني لا أذكره. وماعلِق في ذاكرتي من كل تلك التراجيديا التي طالما برعت فيها، الوميض الذي بَرق لي في صباح اليوم التالي وأنا أسرّح شعري أمام المرآة.
تذكرتُ وصف مصطفى أمين والشيبة البِكر في ناصيتي وأنا أتأمل ضيفتين جديدتين تتدليان بخفة نحو أذني، وكأنهما تهمسان بتأكيد: هانحن ذا قد اقتربنا. الغريب في الأمر أنني أستقبل طلائع الوفود البارقة برحابة أنوثةٍ لاأملك نحو تماديها أدنى سلطان. أنا الثائرة التي ضغطت بأقصى جموح دوّاسة البنزين وهي في الخامسة عشر من عمرها، صاحت بأقوى تمرد تطالب بالحرية والانطلاق وقيادة السيارة، أستكين اليوم وادعة خاضعة لإغراءات الأنوثة التي تهمس : انتبهي قد تخشوشن قدماك من أثر الدعس على الدواسة... قد ينكسر ظفرك وأنتِ تديرين المقود!! وحين تحملق العيون الداهشة مستفسرة باستنكار : ألم تقودي حتى الآن؟ تأخذني العزة بماضي النضال، وأعاود القيادة سعيًا وراء امتلاك الرخصة. يوم يومان... أسبوع ثلاثة... لأصطدم في النهاية بالحقيقة المفاجئة؛ لست متحمسة لهذه الخطوة! بمعنى أدق: لا أريد الالتزام بها. لاأتخيل نفسي بعد شراء عطري وأدوات ماكياجي أتوقف في إحدى ورش الصيانةلنفخ عجلات السيارة، لا أتصور أنني بعد جلسة دلع، أدلل بها أطرافي بالبديكير والمنيكير، أمرّ ببنشريّ ليغير زيت السيارة ويشيّك عليها! الأمر لايستقيم؛ إن الوضعين متناقضان. ثم كيف سأستمر بلعق الآيس كريم حين أذهب لمدرج الطائرات أتأمل هبوطها وانطلاقها بينما أنا مشغولة بالقيادة؟!..شاهدت ذلك اليوم فتاة تنحت جانبًا على الرصيف في انتظار وصول شرطة المرور، بعد تعرضها لحادث اصطدام بسيارةٍ أخرى، كانت الساعة الثانية جحيمًا. ياإلهى، هل من الممكن أن يحدث ذلك معي!!! هززت رأسي بقوة، أطرد تلك الصورة البغيضة لقطرات العرق، بل لسيول العرق وهي تنساب على جسدي الشريف.
ماهذه التفاهة؟... توقفت مع نفسي أخاطبها: ماهذا الهراء عن البديكير والآيس كريم وقطرات العرق؟ أيّ تفكيرٍ سطحي قادني للتفوّه بهذي السخافات! كيف أضع الحرية، وامتلاك زمام المبادرة، وتحمّل المسئولية، والثقة بالنفس، في كفةٍ مقابلة لعقد مفاضلة بينها وبين البديكير ولعق الآيس كريم وتدليل الحواس! هذا لايليق بك ياهند. لايليق بجديتك، وشخصيتك الاستقلالية، وماضيك الثوري. إن صورتك تبدو الآن أقرب للمرأة التقليدية البسيطة، فقيرة الطموح، محدودة التفكير والمطالب. وهو مما يتعارض مع روح هذا العصر؛ النسويّ المتحرر الواعد. ويسيء لشخصكِ، خصوصًا مع بوادر هذي البيارق التي تلمع في صدغيّك. سيبدو للناس أنكِ امرأة قديمة " مغبرّة" عفى عليها الزمن. لايمكن أن ترتضي لنفسك هذا الدور ياهند.
الدهشةُ المدهشة الداهشة أنني قابلت هذا الاستهجان بابتسامة القانع الراضي بدوره. وظهر لي في لحظة تجلٍ كاشفة أن سحر الأنوثة كعروش الحكم؛ لايُقاوم سلطانها، ولايُهزم إغراءها. نعم تغيرت... ربما غرت في أعماقي بعيدًا، وحين عدت للسطح نفثت ماالتقطته في وجوه الآخرين، لتسطع نور الحقيقة في وجداني قبل صدغيّ؛ لقد مكثت في الخارج مايكفي للزهد فيه.. اكتفيت من مزالق الطريق ومخاطره. والنضال المستعدة لخوضه اليوم حتى النهاية، هو النضال في سبيل الحفاظ على أنوثتي.. هذه هي الحقيقة. حقيقة أطمئن لها إلى الحد الذي يجعلني مستعدة لتقبيل يديّ الرجل الذي يعدني بالحفاظ على باطن قدميّ ناعمتين ورديتين.