الخميس، 25 يوليو 2019


الترجمة... الترجمة... الترجمة...
ياليت لي من الأمر من شيء، إذن لوضعت شرطًا إلزاميا لكل من رام الترجمة؛ أن يكون في مقامه الأول، وقبل إجادة اللغات والإلمام بقواعدها، صاحب روحٍ جوّابٍة شفافة، وشعورٍ مرهفٍ ندي، وذكاءٍ متقدٍ نابه؛ يتلبّس الشخوص إحساسا، والمكان استيعابا، واللغة انسجاما، فيترجم المقال بما يلائم المقام؛ بيئـةً وحالا، لغًة وثقافة.
بالأمس انتهيت من رواية" آلام فارتر" بترجمة الأستاذ أحمد الزيات، وقبل الطرق إلى معايب ترجمتها، أحرر رأيي في هذه الرواية التافهة.. نعم تافهة؛ لاتحمل من الأفكار أثمن مما يموج به ذهن مراهقٍ مضطرب، ولا من السمو مايرقي ب"كاوبوي" لتقليم أظافره، ولا من الوعي مايستنير به طبيب عيون عن مخاطر نقعهما في الليمون. وخير مافيها تصديقها لعته صاحبها وقومه، ممن يمتهنون الفلسفة ويتعاطونها. وإني لأعجب والله، حد الريبة في النوايا؛ كيف لمثل هذي السامجة الجوفاء نيل الشهرة الواسعة والتمجيد المدوي! ثم يزداد عجبي وتتعاظم دهشتي، حين أقرأ تقديم الدكتور طه حسين لهذا العمل، إذ هو يقول " وخصلة أخرى قضت لهذا الكتاب بالبقاء والخلود، هي أنه لم يقف عند تمثيل الحياة النفسية للشباب في طورٍ من أطوارها، وإنما وضع للإنسانية مثالاً على الفضيلة تُحس كل نفسٍ الميل إليه، وتود لو بلغته أو دنت منه، فهو يمثّـل الإيثار والتضحية أحسن تمثيل، ويصور الولاء للأصدقاء والوفاء للأحباء أجل تصوير " !!
ولا أدري كيف غاب عن الدكتور الفاضل قِصر المدة الزمنية التي جمعت الشخوص، فإنّ مابين التقاء فارتر ب شرلوت وانتحاره أقل من السنة والنصف، وإذا مااستثنينا المدة التي ارتحل فيها فارتر عن البلدة، سنجد أن ماجمعهم هي تلك الفترة التي كانت فيها شرلوت مخطوبة فعلا لألبير الذي أحبت، ثم هي بعد ذلك عروس؛ منصرفة لمشاغل الزواج ولذائذ أيامه الأول... وبالرغم من هذا كله، نجدها حين غاب عريسها بضع ليالٍ استشعرت فيها الوحدة، تستقبل فارتر الذي مافتيء يحوم حولها ويترصد خلواتها، فتتهاون في إلقاء نفسها بين يديه، ليحتضنها ويلثم خديها وشفتيها قبلا! هذا ولمّا يمض على التعارف غير شهور، فكيف إذا سار المطي بالجمع دهور؟! فأين هي الفضيلة ووفاء الأصدقاء التي إليها يشير الدكتور ؟؟!!
وأما التضحية والإيثار التي أشاد بها، فسحقًا وتعسًا لها من تضحية؛ تلك التي لاتكون إلا بقتل صاحبها نفسه، بتلك الطريقة الرعناء المؤلمة، التي جعلته يكابد صروف العذاب وألوان الغصص من الساعة الثانية عشر ليلاً وحتى ضحى اليوم الثاني" تارةً ينسم نسم الريح الضعيفة، وتارةً يشهق شهيقًا عاليا، والناس من حوله ينتظرون أن يسكن نسيسه في كل لحظة"... لعائن الله تترى على تضحيةٍ كهذه، وعلى كل من يروّج لها أو يشيد بها. سمّوا الأمور بمسمياتها، لاتبهرجوا المعاني بسحر البيان؛ الرجل معتوهٌ مريض، وفِعله حُـمقٌ صرف، وبلاهةُ عجز، وسوء منقلبٍ لايستسيغه عقلٌ ولا ذوق.
وأما قابعة الزيات التي كرُبت بي الانصراف عن القراءة مراتٍ ومرات، فكانت العبث المُـربك والإرباك العابث. القصة لفتىً ألماني يدعى فارتر يهيم عشقًا بفتاته شرلوت في أحد أرياف أوروبا، حيث الجداول والأشجار، والفراشات والأنهار، وألوان الفواكه والثمار... بيد أن حروف الزيات لاتخبرك بذلك، إنه يواظب باستمرار على انتشالك من تلك الحقيقة، ليضعك رغمًا عن أنف الكاتب أمام فارسٍ عربي يتغزل بمحبوبته داعجة العينين في بيدٍ دونها بيدُ، حيث مرابع القوم ومنازع القوس والكأس الدهاقا. وهاهو يقص على شرلوت ماكان من أمره وصديقته الآنسة ب. فيقول : وقد كان ذكرك ياشرلوت ريحانة المجلس وروح الحديث. آه! كم مرة أجبرتها على إكبارك وإجلالك! أستغفر الله ماأجبرتها ولا أكرهتها؛ إنما تجلك من ذات نفسها عن طوعٍ وإيثار !!! ثم هو يسترضيها قائلاً: نعم ياشرلوت ونعام عين! سأصدقك السعي فيما كلفتني، وأكفيك من حاجتك مااستكفيتني. فلا تخشي أن تحمليني من أمورك غير هذا فإني خفيفٌ إلى مبتغاك سريعٌ إلى رضاك".
بالله عليك، هل تخيلت من تفوّه بأعلاه فتىً أصهب أشقر، بعينين خضراوين زرقاوين، وسط تلالٍ غطتها أشجار الزيزفون!!!
هذا ولم تفتر همة الزيات عن إذعان شخوص الرواية للروح العربية رغم الرفض والإباء، فهاهو يُقوّل ألبير "... ثم غرمت ثمن العلاج للجرّاح فكان ضغثًا على أبالة. فعاهدت الله ألا أدع في بيتي سلاحا..." ثم يعود للمعتوه فارتر فيطلق لسانه مستعطِفًا محبوبته " بَـرّدي حشاي بلفظة ودّعي الظاعن بكلمة. حنانيك لاأطلب إلا ذاك"! ثم يأت-غفر الله له- بأمّ الدواهي وأس العجائب حين يُرسل الشعر العربي الفصيح بلسان الجرماني فارتر: وكان حالهما في الحكم واحدة.. لو احتكما من الدنيا إلى حكم !!!
وهاهو ذا النشمي فارتر يهنيء الزوجين ألبير وشرلوت قائلاً : بالرفاه والبنين ياعزيزيّ! بارك الله عليكما ومتعكما بما حرمني إياه من العيش الرغيد!!!!!!!... ولا ألف عصا تعجّب تفي بإيضاح كمّ العجب!
امض واقطف ماشئت :" عن الأرض لم يطمثها من قبل إنسٌ ولا جن... سبحانك اللهم لو كنت أعددت لي.... عجوزٌ لاتألف ولاتؤلف... الحزن الذي أنقض ظهري... وداعاً ياصديقي الأعز وسلام الله عليك وبركاته... لو تخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكانٍ سحيق"!!!
بل أنت ياأستاذ الزيّات من تخطفت الرواية من عالمها لتدحجها دحجًا في صحارينا ومرابعنا، وأذهلتنا حتى إلى مايقارب الفصام أوصلتنا؛ نقرأ عن أعاجم حمرٌ صفر في جناتهم الخضر، ثم يبرق لنا بارقٌ يصوّر الروميّ وقد وضع العمامة، وارتدى العباءة، وورِد الماء بحثًا عن كحيلة العينين عظيمة الردفين عريبة الجدين!!
لله أنت ومابه أتيت، وعلى الترجمة تجنيت.

الأربعاء، 24 يوليو 2019


في سبتمبر الماضي، كنت في زيارةٍ لاسطانبول، وكنت قد صعدت المترو من ترابيا قاصدة حي فلوريا، وهي مسافة بعيدة لمن يعرفها. وعند نقطةٍ معينة شعرت بحدوث خطأ، إذ ارتفع الصوت معلنًا التوجه لحديقة جولهانة. احترت حينها في أمري، وأخذت أحك رأسي وأمعن التحديق في الخارطة الممدوة أمامي، ثم أجيل النظر خلال النافذة أستكشف مسار المركبة. وبعد أن قرأت الرسالة التي وصلني إشعارها على الهاتف، أغلقته معاودةً التنقيب في الخارطة إياها، ليقاطعني الصوت : انت وين بدك تروحي؟.. التفتُ برجاء الغريق : فلوريا .
- انت بعيدة، شو جابك ع هون.
-ايه... واضح انه في محطة فاتتني.
-شوفي.. بس نوقف بدك تروحي ع المسار التاني، تاخدي الترام المتجه ل(...) توصلي لمنطقة(....) ومن هناك تاخدي باص رقم(...). من المؤكد أن تعابير وجهي كانت تشي بضياعي التام، لذلك توقف الفتى عن الاسترسال : خلص.. رح انزل معك وأوصلك لمكان الباصات.
في خلال دقائق الانتظار، تحدث صاحب العينين الأشد حزنًا التي التقيتهما في حياتي؛ عن والدته البعيدة في الداخل، انقطاعه عن جميع أهله، عن الحرب والغوطة والدمار.. كنت في تلك الفترة أعاني انخساف أجزاءٍ من عالمي، مثقلة بأوجاعٍ أتجلّد لها بمايفوق طاقتي. فلما أن غاص بي الفتى في عوالم الذهول والقسوةِ والتعاسة، أطبقتِ المدينة ببناياتها وأناسها ومركباتها على صدري حتى ماعدت أجد سم خياطٍ لأنفاسي. صحت واثبة: الباص هذا مبيّن حيتأخر، رح اخذ تاكسي. وما أن استويت على المقعد حتى انحل عقد الدمع، وانهل انهلال القطر.

وبالأمس، حين كنت أتصفح أخبار السوريين الذين تم القبض عليهم في تركيا لترحيلهم للداخل، إذ بصاحب الوجه الحزين أمامي، بذات الحاجبين المعقودين، والجبين المتغضن، وسحائب الألم الجون التي ظللت أرجاءه. ياالله إنه هو، مقيدٌ بذنب عروبته، مساقٌ لوطن غربته، مدانٌ بنداء حريته. وجدتني أهمس: فعلاً، مِن خرج من داره قلّ مقداره. وأفقت على لسعة دهشتي: ماهذا الهراء الذي تفوّهتُ به؟! أيّ دارٍ وأيّ مقدار؟.. هل هذه المستعمرات التي يحكمها هؤلاء الخونة يصح فيها وصف دارٍ ومقام؟! ياإلهي، انظر ماذا فعلوا بنا ولأيّ دركٍ أوصلونا ! ضيّقوا علينا الخناق؛ أحاطونا بمؤامراتهم وقهرهم من كل صوب، زلزلوا الأرض من تحت أقدامنا؛ تزويرًا وتسفيهًا للدين والهوية والتاريخ، جاؤونا من فوقنا ومن تحتنا وعن يميننا وشمالنا؛ تطبيعًا وتمييعاً وتغريبا، غربلوا تراثنا سخريةً وتقزيمًا وتشنيعا، صاحوا تسامحًا واستيعابًا واحتواءا؛ لكل مذهبٍ وملةٍ عدانا... ثم إذا مارفعنا الصوت ننشد سلامةً لبنياننا الذي عمدوا تهويشه ونسفه؛ جُن جنونهم وثارت حفيظتهم وانقشع غطاء الزيف عن عميق حقدهم.
وهانحن ذا نتماهى مازلنا مع خديعتهم، فنتأوّه حسرًة على مانظنه وطن حقيقٌ بالرثاء والحنين. لا والله، قول العقل وسنة الكون تقضيان؛ زوالاً ثم إحلال؛ هو مايليق بهذي الخرائب التي ماوجِدت إلا لتغييبنا وتغريبنا وتعليبنا.

الاثنين، 22 يوليو 2019


كانت عمتي رحمها الله كثيراً ماتدعو: يارب شيلة بـ ليلة.. من الأرض لجوتها يارب، والأمر ليس لأنها صاحبة كبرياء فقط، لكن لكونها أمضت أكثر من عشرين عاماً مع زوجٍ مشلول لايبرح مكانه أبداً. لاأدري تحديداً كم سنة مرت على مرضه حين أوكلت أمر عنايته لابنها الأكبر الذي يسكن في الدور العلوي، كانت عمتي امرأة طيبة وجميلة، رهيفة الشعور مفتونة بالحب والحياة، الأمر الذي لم تقو عليه أبداً هو تنظيف زوجها من فضلاته. وفي تلك الليلة الماطرة صعدت لغرفته ووقفت بالنافذة، رفعت يديها للسماء، وبدموعٍ منهمرة انتقلت بعينيها بين زوجها والسماء، وهي تتمتم : شيلة ب ليلة.. شيلة ب ليلة يارب ! أسبوع وتوفت عمتي بهدوءٍ شديد ودون أدنى معاناة، ودون أن يعلم زوجها الذي دخل في غيبوبة مفاجئة بموتها، ليلحق بها بعد عشرة أيام   !
منذ فترة أصبحت والدتي تدعو بدعاء عمتي بين وقتٍ وآخر، وحين اجتمعنا أنا وإخوتي بها ذلك المساء أرسلت: يارب لاتطرحني عند أحد، ولاتطرح عندي أحد، لايتعبني أحد، ولا اتعّب أحد... شيلة ب ليلة يارب ! فأمّنتُ بصوتٍ عال، لأتفاجأ بنظرات إخوتي التي صوّبت نحوي كالسهام، وبرصاصٍ من التأنيب: يالكِ من عاقة، بدلاً من أن تقولي: بل نخدمكِ برموش أعيننا ! إن كنتِ متحجرّة القلب معدومة العاطفة، تأنفين من خدمة والدتنا، فإن ذلك غاية مُنـانا، إن يوم سعدنا يوم أن نغسل قدميها وننظف من تحتها، إنها طريق جنـتـنا أيتها البغيضة! وفي الوقت الذي اشتد هجومهم عليّ، اكتفت والدتي بالنظر في وجهي، نظرات فهمت منها، أنها وبرغم تأميني الصادم لكنه لا تنكِره ! هربت منهم وأنا أفكر في هذا الحب الغريب الذي يجعلك تسعد بعجز أحدهم وشقائه فقط لكونك ترجو عائداً من وراء تعاسته!
يالهذا الحب المغفل الذي لايبصر ولايسمع !أيّ حبٍ هو ذاك الذي يظل معصوب العينين، مسدود الأذنين، حتى إذا مااخـترِق بأوهن ثقب تجلّت العيوب وزال الهيام !! هذا ليس بحب، هذا خداع ومخاتلة. الحب هو أن تدرك عيوب من تحب، تلمس طينـيـته وتحس بها وتتعايش معها. تكره منه عيباًوترى فيه نقصاً، وتظل رغم ذلك مغرماً، منسجماً مع بشريته ونقائصه، ونزواته وتقلّباته  !
إن الحب الذي يقودك لتمني أن يظل الآخر رهين حاجتك رغم معرفتك بمدى صعوبة ذلك على كبريائه، فقط لكونك لاتقوى على فراقه، أو لأنك ترجو ثواباً أخروياً من وراء عجزه وبؤسه، الحب الأعمى الأصم الذي يرفض رؤية عيوب المحبوب والقبول بها، ليس في حقيقته إلا حباً لذاتك لا للآخر.

الأحد، 21 يوليو 2019


في أعالي جبال القوقاز، تقبع كنيسة الثالوث Gergeti العائد بنيانها للقرن الرابع عشر. إلى هناك قادني الفضول، لأجد نفسي بين جموع المؤمنين المسيح، من أصقاع الأرض قادمين تائقين لهفًة لتاريخهم ومعابدهم وصلواتهم، وبركات القس الذي اختال بينهم مزهوا بالرجاء الممتد من أعينهم، والتبجيل المنطرح من أفئدتهم. وقبيل انتصابه بينهم كان هذا الكلب-أجلّكم الله- يسير نابحًا بينهم، فلما أن وصلني رفعتُ رجلي ملوّحًة له بالابتعاد، فخنس وربض بالهيئة التي ترونها عند قدميّ. حتى إذا ماتراءى له شخص القس مستقبلاً التحايا، منتشيًا بالانحناءات، إذ به ودون سابق إنذار يتوجه إليه رافعًا صوته بنباحٍ متواصلٍ غاضب، تسمّر لعظيم جلبته الزائرون، وحدقت فيه وفي القس العيون، واحتارت له دهشًة العقول. بيد أن منتهى الدهشة فيما لاحقًا حدث، فبعد أن تمعّر وجه القس، واضطرب حيرًة وخجلا، وأسقِط في يديه حين أخفقت عديد محاولاته لقمع الكلب وإركاده، إذ به يتناول حصاةً ضخمة أقرب للصخرة، عاقدًا بها العزم على إسكات الكلب ولو بقتله. ووسط ذهول القوم ووجومهم أخذ القس يلوّح بالحصاة الضخمة التي رفعها عاليًا، ناهرًا الكلب، دافعًا إياه بعيدًا عن الجمع، في وقٍت تزاحمت فيه مشاعر الدهشة والخوف في صدري وأذهلتني عن توثيق الحادثة التي ألزمت الجميع الصمت والسكون. ويبدو أن أحدهم ممن أشفق على الكلب أو القس-لافرق- تدخل لإنهاء الوضع المربِك، واقتاد الكلب بعيدًا عن الحشد.
راقبته وهو يساق للطرف الآخر وتمتمت: الكلاب تعرف بعضها جيدًا. أوّاه لو أن لي بالشعر قوة، لخلدت هذا الكلب كما خُـلّد قبله حذاء الزيدي، وما كل حذاءٍ وكلب حقيقان بالتخليد. بيد أن المشية التي أقرها نبي الله لأبي دجانة، أنكرها هذا الكلب على من دونِه حين عرف قدره.

الأربعاء، 17 يوليو 2019


عثرت بالصدفة على أغنيةٍ خليجية، تقول كلماتها: وجع حب... وجع خوف.. وجع شوق... وجع ضيقة، على كيفك وهاك اختار، هذي سلة اوجاعي !

لاأستطيع أن أحصي عدد الخيبات التي كدستها ذكرياتي وامتلأت بها جيوب أيامي، حتى بات ردائي حِملاً ثقيلاً، إما خلعته وتركتني للريح والبرد، وإما أكملت المسير بهذا الثقل الذي يحول دوني ودون التحليق ! ربما كانت أول خيبة أُلقِـيتْ في وجه قلبي الغض، حين أرسلت صديقتي المقرّبة التي كانت ترافقني ذلك اليوم لاستلام نتائجنا من المدرسة، أمنيتها بحصول زميلة الفصل التي لاتربطها بها عظيم علاقة على المركز الأول، ليس لشيء إلا كي لا أحصل عليه أنا ! استلمنا النتائج، وكنتُ الأولى كما دوماً، وإنما هذه المرة بهديةٍ من الأيام لاتُـنسى !
أردت أن أصبح طبيبة، لكن ظروف عائلتي المادية، وتحفظهم الشديد، حال دوني ودون الانتقال للعاصمة، أردت أن أكون ابنةً بارةً ...ولم أفلح، أردت أن أحب...ولم أعرف ، أردت أن أرتحل...فتهت !
في كل مرة كنت أحدّق في الاتجاه الخاطيء، أنظر لعقارب الساعة المقلوبة، أمسك الخريطة بالوضع المعاكس. في كل مرة كنت أصل بعد الفوت، بعد ضياع الأثر وغياب الدليل !   كان الجمر يُـسلم ذاته للرماد لتشتعل في صدري نيران الندم ! تستطيع كل أشجار الطريق اليوم أن تميّزني برائحة الخزي التي معي. بإمكان كل الأنجم أن تهتدي بملامحي نحو الضياع، يوشك السراب أن يتخذني دليلاً للوهم !
أضرب اليوم كفيّ على ماضٍ عَبَـر كانطلاقة السهم، كانفلاتة الهفوة من لسان عجول، لم أشعر به إلا كما يخطف لصٌ ماليس له، ثم هو يقضي عقوبة ماسرق !
رحلةٌ غريبة أوشك معها أن أجحدني، أن أتهم ظلي باستلاب روحي، أن أبحث خلف المرايا عنّي، أن أركض نحو مالا أعرف علّني أجدني، أن أنادي : ياأنا.. أين أنا.... أين أنتِ.. كيف ضعتِ مني !

كل من خلّفوا بقلبي ندوبا
واجبٌ شكرهم عليّ وجوبا..
لاتطيق اللحون من محبس الناي
خروجا ، لو لم يجدن ثقوبا  !

الاثنين، 15 يوليو 2019


ذكرني تطبيق faceapp وصور الكهول المنتشرة بابنتي التي دخلت عليّ ذات يوم وجهاز الآي باد في يدها تسأل : ماما، تبين تشوفين نفسك وانت عجوز؟
- عجوز؟!.... شلون ؟!
- بس أصوّرك، وأحط الصورة بهالبرنامج، يطلع وجهك وانت عجوز .
بالطبع راقتني الفكرة، كانت رغبة قوية لاستباق السنين وإفساد مفاجأتها لنا، محاولة لتنغيص انتشائها بلحظة القصاص التي تسوقنا إليها. تموضعت بتركيز أمام عين العدسة، لحظات وكانت المفاجأة؛ صورة والدتي على الشاشة!!
- بنت... انت صورتي جدتك بهالجهاز؟!
- أبدًا ماما، أقسم بالله مايوم صورتها .
العجيب أنني لم أكن يومًا قريبة الشبه بوالدتي، وفي كل مرة قدّمنا أنا وأخواتي والدتي لصديقاتنا يُساق لنا ذات التعجب : والدتكن جميلة جدًا، أنتن لاتشبهنها. وحتى حين قال لي أحدهم قبل سنوات : تكبرين ياهند وتقتربين من والدتك شبهًا، اعتبرت ملاحظته نوعًا من المجاملة اللطيفة. لكن هاهو البرنامج الآن يواجهني بذات الحقيقة.
لاأنسى أبدًا تلك اللحظة التي تعالت فيها صيحات أخواتي دهشًة وعجبا، في الوقت الذي ظلت فيه والدتي تحدق بصمت في صورتي على الجهاز، التفتت إليّ بوهن قائلة : لكنكِ لاتشبهينني الآن !
- بالطبع ماما لاأشبهك الآن، لقد كنتِ فاتنة، لكن يبدو أن الدنيا ستعوضني قابل الأيام عما فاتني ! وأكملتُ في سري : إنها قصة حياتي؛ الفوت والوصول المتأخر. حتى وجهي سيمتلك ملامح عجوز كانت صبيةً حسناء، حيث لايلتقي الحسن وتقادم السنون ! فجأة.. همست والدتي وهي تنظر مجددًا للشاشة: ألا يوجد برنامج يريك كيف كنت تبدو في صباك؟.. ماج قلبي حيرًة وشفقة، جاوبتها وأنا أجاهد الدمعة كي لاتفر من عيني : لا ياحبيبتي، لايوجد حتى الان. كان أخي سامحه الله قد أتلف كل صورنا. وماخبأناه عنه لاحقًا مما أهداه لنا بعض أقاربنا، لم يكن من بينها أي صورة لوالدتي .
أبغضُ أعداء المرأة التقدم في العمر، إنه كابوس فظيع توشك أن تقدم له مايطلب من قرابين مقابل أن يظل بعيدًا عنها، لايهاجمها بسمّه الأبيض ونصال تجاعيده. والأمر أشد قسوةً حين تكون الأنثى حسناء، رفلت في شبابٍ صاخبٍ مثير. تحلّقت حولها العيون، ودارت لأجلها الرؤوس، وتعلّقت بها القلوب. هذه البقعة القاحلة المُثقلة بالصمت، والتي ستجد نفسها قد نبِذت إليها رغمًا عنها، لايمكنها بأي حال من الأحوال أن تتصالح معها أو تستوعبها، وكل مافي الأمر أنها ستسلّم بالقدر الذي لا مفر منه ! كنت أفكر في كل هذا، حين تناهى لسمعي صوت بكاء ابنتي، اقتربت منها لأجد الجهاز بين يديها، رفعت رأسها والدموع على خديها : ماما ماابيك تكبرين، ماابيك تصيرين عجوز وتموتين !

الأحد، 14 يوليو 2019


كل شيء يمكن أن يخالطه الرياء إلا الحب. إنه عبادة محضة، لأنه عبادة توافق هوىً ولا مجاهدة فيه.

كنت قد اخترت اسم " مسافات الصمت " كأول اسمٍ ظهرتُ به في عالم الأثير. مثّلـتْ المسافات لي عقدةً دائمة. كنت أراها أيقونة البؤس، بما ينجم عنها من اغترابٍ وارتحال، وسوء فهمٍ وخلافات، وحرمانٍ وعذابات. في صغري.. لم أكن قد تعرفت على المسافات الزمنية، كل ماآلمني هو البعد المكاني، حينها كان بطلي المفضل هو غراهام بيل الذي خفف وطأة التعاسة بحوامل الصوت. كبرت قليلاً لأدرك أن المسافة الزمنية أشد وطأة، وكبرت أكثر لأدرك أن كل ذلك وهم. الزمن ليس إلا وهماً، كوهم أن الفراغ لاشيء  ! وحين سمعت لأول مرة بقصة الأنفاق الدودية، تلك التي تدخل إليها من مكان لتخرجك إلى مكانٍ آخر في زمنٍ سابقٍ أو لاحق، تذكرت على الفور قصة جارتنا " غريسة " التي أحبت شاباً يصغرها بخمسة عشر عاماً، ثم لم تتزوجه خشية الملامة، وغدر السنين التي قد تعاجلها بالشيخوخة قبله ! كنت أتساءل : ماذا لو أن الخالة غريسة وجدت طريقاً لعبور إحدى تلك الأنفاق لتلتقي حبيبها في العمر المناسب ؟! ماذا لو أن قرين كل واحدٍ منـّا سافر إلى لحظة ولادة الآخر وماضيه، ليغيّره كيفما يريد، أويشكّل مستقبله كما يتمنى ! هاأنذا أخط كلماتي الآن، وماضييّ قابعٌ في مكانٍ ما، ومستقبلي مرسومةٌ خطاه في الاتجاه المعاكس، ولايفصلني عن كل ذلك سوى أنفاق دودية، تؤكد حقيقةً مفزعة؛ كل هذا وهم، كل ماأشعر به وأتخيله ليس إلا وهماً متحركا !
لطالما أحسست في قرارة نفسي أنني طيفٌ هائم يبحث عن مخرج، يرتحل منقبا عن بقعته التي غادرها منذ زمنٍ لايدركه، يظل يصغي لهمهمةٍ غير مبِـينة، توشك أن تفصِح : هناك.... هناك... هناك !
يقولون أن الثقوب السوداء تبتلع كل شيء، وأنه لاينجو من نهمها حتى الضوء، لذلك تظل سوداء، لكن العلم اليوم يؤكد أن مايبتلعه هذا الثقب لايتحطم، لايتلاشى تماماً، بل تبقى معلوماته على سطح الثقب، معلومات مطابقة له تماماً، بيد أنها على شكلٍ ثلاثي الأبعاد  ! وهكذا.. فقد نكون نحن أيضاً أطيافاً ثلاثية الأبعاد لأشباهٍ ثنائية البعد، تحوي ذاكرتنا، وأحلامنا، وتجاربنا، في مكانٍ آخر وزمنٍ آخرٍ، نحن ارتداده !
قد يكون ذلك تفسيراً معقولاً لما يـُسمّى بالحب من أول نظرة، والنفور من أحدهم منذ أول لقاء، وتلك الحميمية لمكانٍ نزوره لأول مرة، ولموقفٍ نشعر بعمق أننا قد مررنا به من قبل، وحلمٍ نراه فيقع، وإحساسٍ نشعر به فيتحقق. وأحداث متربّصة بنا لانقوى الخروج من قبضتها ولوحٍ قد يكون هو المحفوظ الذي خُطّت عليه أقدارنا !
.
.

السبت، 13 يوليو 2019


في رحلة بنائك لذاتك ستتعثر بالكثير من العقبات، ويتخلى عنك الكثير الكثير من الرفاق، سيتنكر لك الأحبة... وتعاني أقسى آلام المخاض. ستقطع أميالاً طويلة لوحدك، تنادمك الحيرة في أشد لياليك ظلمة، وتنهش روحك الوحشة حتى لا تجد نجمًة بها تأنس.
لربما أوصلك الهذيان في إحدى محطاتك للاعتقاد بأنك في الشتات، وأنك ستقضي العمر كله على حدود التيه، على الزلق من شفا الجرف الهار. بيد أن يدًا مربتًة واحدة كانت كافيةً لدس الطمأنينة بين طيات روحك. صوتًا حنونًا همس لك ذات مواساة : لابأس؛ عصفورة ضلت الطريق لعشها وستعود يومًا، كان جذوتك في البيداء الممتدة حلكة.
نفق الغربة بدا لك طويلاً، حتى خيّل إليك أنه نهاية المطاف، وأن آخر ماستقع عليه عيناك قبيل انطفائهما هو سقفه، وذلك الوجه الغريب ظل يراقب تخبطك ونبشك، لقد راهنك بقوة؛ عند رحيلك لن تعرف إلهًا سوى الموت.لن تنطق الشهادتين، ولن تؤمن سوى بالعبث. في أعماقك لم تكن تطلب سوى الوصول.
وهاأنت اليوم وصلت. بيقينٍ يفوق الجبال ثباتا، والنور وضوحًا وجلاء. وصلت بعوالق لابد منها، وأردانٍ حقيقةٍ ببشريتك ونضالك.وصلت بختم جراح، وعلاماتٍ فارقةٍ أبد الدهر تميّزك. مجهدٌ أنت للحد الذي يمنعك من الاحتفال باجتيازك، منتشٍ أنت للحد الذي يحول دونك ودون الالتفات لما خلّفته وراءك. مطمئنٌ أنت للرضا الذي أبرّ رجاءك: ردني إليك ردًا جميلا. شاكرٌ حامدٌ ممتن؛ للطف الخفيّ الذي لعشك أعادك.