الأحد، 30 يونيو 2019


- انشغلي بالجمال مااستطعتِ ، ودعي الأعاصير مادامت لن تجرفك .
- أعتقد أنني قادرة على النمو مجدداً، تماماً كتربة البراكين .
- رأيتِ كيف هي تراجيديا الحياة !
- كيف؟!
- البراكين...في قلبها حياة !
- اه ، نعم.... أنت تجيد الالتقاط .
- إلا قلب محدثتي، لم أحسن ذلك معه، التقـطه تسعٌ وتسعون ماراً، وتمرّد على واحد !
- إنه قلبٌ زائـف، لذا لن يجد روحاً يستقر فيها !
- ليس زائـفاً، لكنه كعملة أصحاب الكهف ، ضرِبت لغير زمانها !
...

بلغت الحزبية بالبعض، حد لوأن واحدًا منهم تطاول على كتاب الله، وافتأت عليه مالايليق بقدسيته وذات الله، تعاهدوه نصرًة وتأييدًا وتلييكا، وذادوا عنه بالراحتين والصدر، ثم لم يألوا جهدًا للنيل ممن عارض وأنكرَ بهتان ماأتوا وافتروا.
فعلاً، من لم يكن عبدًالله كان عبدًا لسواه. حزبًا كان أو امرأةً، منصبًا أو مالاً أو شهوة... أو وثنًا ممازينت أنفسهم وفي صدورهم عظُم.
والله، إن تمام الحرية في رهن العبودية لله وحده وحده. ثم أنه ماكان لذوي الأحزاب هؤلاء أن يتطاولوا في بنيانهم إلا لخنوع من حولهم؛ ملأوا الدنيا صراخًا بالتوحيد والسلفية والحاكمية، ثم حين الوطيس وحمأته تراهم جُلسًا خنسا.
ظلمات تؤزها ردة تستوي على سوقها جاهلية.

الجمعة، 28 يونيو 2019


قبل البدء : موضوعي هذا أبعد مايكون عن التعدد، ولن أسمح بأخذه إليه، لذا سأحذف أي تعليق حوله.
.
.
.
أعترف أن موضوع التعدد الذي كتبته قبل أيام، والذي حوله أثيرت ضجة كبيرة لم تنته حتى الان، وبسببه نالني ماالله به عليم من التسفيه والتقريع والإهانات، حد التشكيك في وجود رسالةٍ وشاكِية، وأنّ الأمر لايعدو عن كونه نفثًة شخصية أتخفف بها من لواعج الشوق وحرمان الوحدة. أقول: إن شيئًا من الانزعاج نالني، وأنني وللحظاتٍ متباعدات فكرت في حذفه، لكن... سبحان الله، شاء المولى أن يطلعني عبر هذا المشكِل على جوانب ألزمتني الوقوف الطويل أمامها، حيرًة وتأملا، عن ماهية الخلل ومكمنه وعلّته، أهو في الإسلام، أم في أهله، أم في فقهائه الذين يجهدون لإنقاذه !!
غنيّ عن القول أن جلّ الآراء التي تناولت هذا الموضوع، إنما أدلِي بها-من الجنسين - من بئر الهوى واتباعًا لحظوظ النفس. بيد أن تعليقًا واحدًا هو ماأثار انتباهي واستدعى تفحّصي، كانت صاحبته السيدة الفاضلة عابدة المؤيد، حفيدة الشيخ علي الطنطاوي، والذي دعت فيه إلى تعطيل آية التعدد، قياسًا على مافعله الفاروق حين عطل قطع يد السارق، وسهم المؤلفة قلوبهم. محتجة بعدم ملاءمته-أي التعدد- لهذا العصر، وبمفاسده التي تعلو على حسناته. وبالطبع قوبلت دعوتها بالتأييد القوي من جميع النسوة اللاتي شاركن موضوعي سلخًا ونتفا.
ماأن انتهيت من قراءة التعليق اياه، حتى تراءت لي حيرة ابن خلدون الذي كتب في مقدمته مقارِنًا بين حال المسلمين في صدر الإسلام الأول، وحالهم في زمانه، وكيف أنهم كانوا في الصدر الأول لايترددون عن إفساد دنياهم في سبيل إصلاح دينهم، بينما أصبحوا في زمنه يفعلون العكس، ثم ختم مترنما :
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا... فلا ديننا يبقى ولا مانرقّع .
هذا رأي ابن خلدون المنافق الوصولي، المشهور باختلاق الأعذار لانتهاز الفرص، الذي كان يخالف جمهور الفقهاء في محاولاتهم البائسة لإنقاذ الإسلام من غربته، والذي ألزمته واقعيته إلى التسليم قائلاً : " إن ماأعبّر عنه من سنن التاريخ يورث الغم، ولكن هذا هو شأن العالم "..تأمّل في مفردته(الغمّ) . نعم، هو الغم، هي الغربة التي لمسها عيانًا بيانًا، لكن ولأنه واقعي لم يحاول إنكارها. هذا المنافق الوصولي كان نزيهًا في نهاية الأمر، أبت نزاهته عليه أن يعمد لترقيع الدين كي يتواءم مع العصر . كان نهجه كما ذكر الدكتور الوردي معاكسًا تمامًا لنهج ابن تيمية (وابن تيميةبالمناسبة هو صاحب فتوى التترس التي أقسم لو أفتى بها بين النسوة اللاتي سلخنني من أجل موضوع التعدد، لقتلنه تقطيعًا ونهشا) الذي تصدّى للغربة وعظًا وكفاحًا ونصحا، في حين اكتفى ابن خلدون بالمسايرة والمضي مع التيار، متعللا بأنه من العبث على الفرد أن يناضل في سبيل إصلاحٍ اجتماعي أو سياسي على خلاف ماتقتضيه طبيعة المجتمع .
رغم ذلك نراه يهمس أخيرًا : إن الدعوة الدينية من غير عصبية لاتتم . والفرد الذي لاعصبية له تؤيده في محاولته الإصلاحية، يجب عليه أن يسير مع الناس أينما ساروا وينجرف مع تيارهم.
وعجيبٌ والله، أيّ مسلمٍ هذا الذي حين عجز عن اللحاق بابن تيمية يقينًا وكفاحا، لم يسعه حتى الاقتداء بابن خلدون؛ نأيًا عن تزويق الدين وترقيعه.
جوهر المشكلة ابتداءً هي أن المسلمين ليسوا مسلمين. إنهم يجهلون محور الارتكاز الذي حوله يقوم بنيان الإسلام؛ ألا وهو التحلل والتسليم. إنه الخروج الذي عبّر عنه أبو بكر حين قال لابن الدغنة : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله. في عرف الدنيويين، فقد أسلم أبوبكر نفسه للعراء... للشتات... للضياع . في عرف من ارتضى الإسلام دينًا، فهو لم يفعل أكثر من تحقيقه.
لا مجال للنفاق هنا، إما أن تتحمل تبعات ماارتضيته نهجًا ودينا، وإلا فلا تلومن من يضع الخروج المتتابع من دين الله في عنقك، وبسبب تلوّنك وعدة أصباغك.

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

استدعتني إحدى الصديقات عبر تعليق، إلى موضوعٍ لإحدى الكاتبات، التي سطرّت فيه رأيها بخصوص تفسير آيةٍ كريمة. ونقلتني أمواج التعليقات من رابطٍ لآخر، ومن صفحٍة لأختها، حتى وجدتني بين الزحام أمام رجٍل قاسي الملامح، حاد النظرات، عظيم السخط، تنطق ملامحه وعيدًا وثبورا، برز بين الجموع وهو يصيح بأحد رفاقه : فلان ابن فلان، تعال هنا، أنا لقيتك حاط لمنشور الست♥️، كنت حبلكك، بس قلت اسمع اللي عندك قبل التبليك. في ثوانٍ مثل السيد اللطيف ذو الملامح الوادعة بين يديه معتذرًا، متحججًا بتسرّعه في إرسال ذلك القلب اللعين قبل إتمام قراءة المقال. وبعد أن سمع السيّاف اعتذاره عاد لأرض المعركة صائلاً جائلاً بسيفه المتقاطر دمًا، كان يزأر بكل قوته، شاتمًا، مُهيّضًا، محرّضًا على الثأر والقصاص. دفعني الفضول لدخول صفحته لاستبيان نهجه وفكره... وكانت الدهشة المدهِشة !... إنه صديقٌ لصفحتي 😲😲 يامامي . ارتعدت فرائصي حينها أيّما ارتعاد، واصفرّ لساني، وازرقت أظافري ووجهي، وهبط قلبي أسفل قدمي. وخيّل إليّ آن النظر لعينيّ الرجل في صورته، تقدّمه صوبي مرسِلاً رمحه نحو صدري، ثم مجهِزًا عليً بحز عنقي، فازدردت ريقي هلعًا وخوفا، وهبطتُ بأصابعي المرتجفة نحو الأسفل، وبخفة أرنبٍة مذعورة اقتربت من علامة "صديق"... سرتُ على أطرفِ أطراف أصابعي، حبست حتى شهيقي وأنفاسي، كي لاأحدث جلبًة تسترعي انتباهه... دست زر الإلغاء، وهوباااا قفزت خارج صفحته .
وبعد أن وصلت داري، وهدأ روعي، وسكن خافقي، تأملت في حالي ومقامي، واستقر بي الرأي على صنع لافتٍة لدكاني، تزيل الشوَش، وتجلي الغبش، وتنبي عن مكنوني ومرادي، فاستعنت بالرحيم، وقست على الذائع الشهير، الذي جأر به يومًا ذاك الفصيح : البيت دا طاهر، وحيفضل طول عمره طاهر. فأومأت، وبالبسملة ابتدأت، وبتوفيقه خططت :
الصفحة دي مستقلة، وحتفضل طول عمرها مستقلة.

السبت، 22 يونيو 2019


في كلمة محشورة ف حلقي من يوم مذبحة نيوزيلاندا، ترددت كثيرًا في إخراجها، لكن عندما تذكرت هذه الحادثة التي حصلت أمام عينيّ، وجدت أنها قد تساعدني في توضيح الفكرة التي أريد إيصالها .
حدث ذلك منذ سنوات، حين كنت برفقة شقيقي الذي التقى بأحد أصدقائه في الطريق، وأخذا يتحدثان حول أمرٍ ما، في الوقت الذي وقفتُ فيه أنا على مقربةٍ منهما.
كان للفتى وجهًا راضيًا، رضا غيمٍة أظلّت راهبًا معتزلا، رشيقًا لا يحمل من اللحم مايرهقه، ولا من الفضول مايعكّر مزاجه، وبدا في حديثه وإنصاته وكأنه ليس على عجلةٍ من أمره، لسان حاله: لتمضْ الأمور على أعنّتها، فإنما الكون في راحتي! كان هو وأخي قد أعطيا للطريق ظهريهما في استغراقٍ تام لما يتناولانه، وفي الوقت الذي تناثر فيه المارة بين غادٍ ورائح، إذ بشاحنٍة ضخمة تنحرف عن مسارها، وتهوي على الأرض بحمولتها الحديديّة، محدثة صوتًا هائلاً مرعبًا، كأنما هو انطباق السماء على الأرض أو نفخ الصور ! وفي ومضةٍ كلمح البصر سجلتُ الأحداث التي رافقت سقوطها، حيث فزع كل من كان في الشارع كما فزعتْ، كان الناس مابين صارخٍ، ومنحنٍ على نفسه، وسادٍ لأذنيّه، ومطلٍق للريح ساقيه ! وفي الوقت الذي أبصرتُ فيه أخي يلتفت مذعوراً نحو مصدر الصوت، كان صديقه يكمل حديثه وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن هذا الصوت الذي روّع الجميع لم يتناه إليه، وكأنه محميّ داخل بلورةٍ لايناله ماينال البشر، ولا تعتريه عوارضهم ! حتى إذا ماانضمّ أخي إليّ بادرته بالسؤال :
- هل صاحبك هذا أصم؟
ليضحك متسائلاً  : بالطبع لا... لماذا تقولين ذلك  ؟
- لماذا أقول ذلك؟! لأنه رجلٌ غريب الأطوار  ،بل شاذ، لقد فزع كل من في الشارع لصوت ارتطام الشاحنة القويّ، وأيم الله لقد أحسست بقلبي قد تبعثر أجزاء. لقد كان الصوت هائلاً مرعبًا وكأنه صوت نهاية الدنيا وقيام الساعة، كيف لم يشعر بذلك، كيف لم يؤثر به ذلك، كيف لم يروّعه الصوت وقد....
قاطعني بحزم  :
ليس أصمّا ياهند... هو فقط مجاهد  !

مسلم اليوم البكّاء، يريد أن يحيا حياة الأوروبي ويموت ميتة الصحابي، وربما أخذته الحماسة فتخيّل نفسه وقد بعِث رفقة النبي الكريم دون أن تناله صعقة النشور. هكذا... بكل بساطة ودون جهد. لاتسل كيف وبأيّ نهجٍ تحقق له ذلك.. لاتفتش عن تضحياته، ولاتستفهم أكان دربًا طويلاً شاقًا ذاك الذي قطعه أم لا. هو حقًا من الذين حازوا الإيمان دون دفع ضريبة الافتتان... لله دره ! خرج منها معافى، فلا فتنة ولا ضر مسه. يكفيه من حلل الإيمان سمْـته، وشعار صفحته الفيسبوكية: لاأبرح حتى أبلغ، تمامًا كما تفعل زوجه المصون التي لاتفتر تردد: غايتي رضا ربي، ثم إن هي أحست مجرد إحساس أن بطلها الصنديد سال لعابه لغيرها، ألقت دينها وراء ظهرها، ونست وأنسته ربه.
لاياعزيزي، أنت لم تبلغ بعد،ولاأظنك تفعل. لأن البلوغ يقتضي الخروج من عوالق الدنيا، أن تكون عابر سبيل فيها، لابها وإليها. لاأن تقضي يومك بين هاتفك وأجهزتك، تدفع عربتك الملأى بمشترواتك، تكمل ليلك تداعب صغارك وزوجك، ثم تذكر قبيل نومك واجبك نحو أمتك؛ فترفع وأنت على سريرك كفيك داعيًا المولى أن يعز الإسلام والمسلمين !!
أنت مثلي، أنا التي تأتي لتستشرف عليّ أنت وزوجك المصون، فتلقون عليّ من المواعظ مايليق بتناقضكم وانفصامكم. على الأقل أنا أدرك كوني ملوثة، متمسحة بأعتاب الدين، غريبة على الإسلام. لكن لست وحدي الغريبة، كلنا هنا غرباء... لسنا الغرباء الذين قيل فيهم "طوبى لهم"... لا ياأحمق، نحن الغرباء الغثاء .
الآن... هل تريد أن تعرف من أنت؟ أنت ذاك الذي ذبِح في مسجد نيوزيلندا، ولم تكن له من حيلة إلا تصوير مصرعه، ليضمن بكائية تليق بمظلوميته . هل أخبرك إلى أين تمضي؟.. بهذه التربية القاسية المضنية لذاتك، مع جهود المشايخ المجددين، مخانيث مابعد السلفية، ستكون نسخة مطابقة لذاك البغدادي الذي امتثل لأمر الجندي المغولي، فظل واقفًا ريثما يعود الجندي بسكينٍ ليذبحه.

الله يرحمك ياست: انت فين والإسلام فين!


الخميس، 20 يونيو 2019


سبحان الله ، كنت حين أتجول في المولات ، وأمر بتلك المقاهي المتناثرة بين المحلات ، وتقع عيناي لاشعوريًا على مرتاديها الشاربين الآكلين، يداهمني انزعاج غريب، إحساس خفي يرغمني على إدارة رأسي سريعًا وحث الخطى لتجاوز ذلك المنظر . فإن أصرّت رفيقتي على تناول القهوة أو مشروبٍ ما، اقتدتها إلى مقهى مغلق في طرف المول. وبالأمس وجدت في أيام العرب ، أنهم كانوا يترفعون عن الأكل في الأسواق، ويعدونها من خوارم المروءة !!
بل حتى هذا النظام الغذائي المتبع اليوم، في تحديد عدد الوجبات، وفوارق الساعات بينها، وأن تناولْ إفطارك في الساعة الفلانية، ولا تؤخر عشاءك للساعة العلانية، واحرص على"السناك" بين الوجبة تلك وذيك.... كل هذا مماترفّع عنه العرب، متعللين: إنما الأنعام والماشية من لها أكلٌ في الصبح والغدي والعشي . لم يتبعوا رغباتهم أبدًا، كانوا كما قال عنهم المصطفى: لانأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لانشبع !
كل هذا وغيره (مثل الأكل وحيدًا بين قومٍ لايشاركونك طعامك) ضموه لخوارم المروءة . المروءة التي إن انتفت ابتداءًا انتفى الدين عن فاقدها. وهاهو الإمام البخاري يعدّها شرطًا لازمًا من شروط المحدّث . لله العرب ! والله ماخصهم الله برسالته، وهو القائل (الله أعلم حيث يجعل رسالته) إلا لتميّزهم بقوة عزيمة سمت بهم عن تعاطي الدنايا، والانصياع وراء شهوات النفس . مروءة وأنفة لاتكادان تذكران إلا عند استحضار العرب وأيامهم. ثم يأتيك قزم من هؤلاء الأقزام المنهزمين في دواخلهم، الذائبين بحضرة الرجل الأبيض كذوبان الملح في الماء، فينالون من العرب، ويشككون في أخلاقهم وتاريخهم وسيادتهم للدنيا. ابحث أيها المسخ عن العرق الذي نزعك، وحرك حقد أسلافك على من اصطفاهم الله لخاتم رسالاته.

قلتها، وسأكررها: الدنيا ليست إلا عرب وبقية أشياء. وقد تجد النفيس بين هذه الأشياء، لااعتراض، لن نظلمهم... وسأحرص على إيراد هذا في كتابي المستقبلي، الذي سأحاكي به هتلر، فأدعو لتقديس العرق العربي 😊

الخميس، 13 يونيو 2019


هذه رسالتي المابعد حدود العد، التي أبعثها إليك .
أتساءل بعد كل رسالة، ماالخطأ الذي ارتكبته هذه المرة . لماذا أظل عصيّة الفهم بالنسبة إليك . لماذا تصر على الاحتفاظ بذات الجمود ، بذات البرود.. بذات اللافعل ، والتمادي في البعد . ربما أنا لا أجيد ترتيب كلماتي بالشكل المناسب ، ربما لا أحسن صياغة مشاعري كما ينبغي !... كيف أوصِل إليك حقيقة أنني ماعدت أرى الدنيا إلا من خلالك ، وأن كل القصائد والأغاني بل وحتى العطور لابد أن تمر بباب جوازك ، حيث ذائقتك هي المعيار ، ومزاجك وحده السلطان . كيف أخبرك أن صوتك عالقٌ في جدار روحي كأول رائحٍة تلقفها وجداني ، وأن طيفك القادم نحوي في كل لقاءٍ سبقتك فيه إلى الموعد، ينبع لي من كل الأرجاء ، يشوّش خلوتي وسط الزحام ، يكدّر هدنة السلام بيني وبين الذكريات . كيف أفهِمك أنني أفتقدك... هكذا، بكل بساطة ودون جبال تزويق... أفتقدك، دون أن أعرف تحديدًا كيف يُروى ظمأ هذا الفقد. دون أن أحتاج خطة إصلاح ، واقتراحات حلول. إن حرارة جوعي إليك تجعلني أطمئن إلى الاكتفاء بلمس أطراف بنانك... لا أطلب أكثر من ذلك، صدقني. يكفيني هذه اللحظة، التزود بالدفء الذي تحمله شعيرات بنانك . برفقٍ وخفة أمدّني بك... امنحني شيئًا منك . تسلل إليّ وابقى قليلاً... ليس قليلاً جدًا . ابقى إلى أن أصدق أنني ظفرت بك.
في كل مرة ، تغادر على بُـعد قُبلة... تتركني لجنون الاحتمالات وأكوام الخيبة . لمعارك الكبرياء والحنين ، حيث وحدي الحَكم والسجان ، حيث أنا المدانة والمحامي والمدعي العام... وحين ينتصر الكبرياء، بكل بؤسٍ أعاود الاستئناف ، أتلمّس النقض والاسترحام.. أتلصص عليك من شقوق الكبرياء الذي استبحت . أنقب في الأناشيد عن جريحٍ يشبهني ، في الدواوين عن حكيمٍ يخلق لي عذرا ، في الجوامع عن شيخ يفتيني في التسامح والتطبيع ، في تسليم مفاتيح قلبي، وإعلان الاستسلام...
أنا الموعودة بجرحك من قبل الفِطام، لاطاقة لي بالوجع، ولارغبة عندي في الاستشفاء... اكتوي بك جبرًا، وادّعي الاختيار .

الثلاثاء، 11 يونيو 2019


أظن - ولاأظن أن ظني هنا إثم - أن العبارة مجهولة الانتساب، والتي نصها " حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق"... لم يوفق صاحبها فيها .
أهل الباطل لم يتوهموا أبدًا أنهم على حق... كلا ، إنهم يوقنون جيدًا أن ماهم عليه باطل... يعلم السارق حين يسرق أنه لص ، تمامًا كما تدرك العاهرة أن ما تأت به عارٌ وخزي.. في أعمق أعماقها توقن (الخنازير الوردية) ، أن فعلها قبٌح و انتكاس . وكل الصراخ الذي يواجهون به العالم إنما ليصمّوا أذانهم هم عن الأصوات التي تهمس في داخلهم ، لسان حالهم : اصرخ ثم اصرخ ثم واجه حتى تصدّق أنك على حق . ولن يصدقوا، ولن يتوهموا . وكل مايحدث أشبه بحقنة مخدر، أو رشفة خمر، أو نشوق هيروين ، يقطعون به شيئًا من عمر الوهم ، ثم يعودون لمواجهة حقيقتهم التي يخجلون منها . لذلك قيل : ودت الزانية لو أن كل النساء زنين . وبعيدًا عن كون هذا القول يؤكده قول المولى عز وجل ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ، فإن الواقع المعاش بعديد قصصه أثبت دومًا كيف أن الإنسان يأنس بمن يشاركه الاثم. ثم هو بعد ذلك يستقوي بتلك الشراكة التي أزالت عنه وحشة الجرم . وأذكر مشهدًا من فيلم لايحضرني اسمه، لشابين اقتحما منزل عائلة ، وكان أحدهما مهووسًا بالقتل ، بينما رغبة الآخر لم تتجاوز النهب، وبعد أن قام الشاب الأول بقتل فردين من العائلة ، ناول رفيقه السكين وهو يلح عليه لقتل الصبي المراهق قائلا : يجب أن تجرب هذا الشعور، إنه رائع . ظل لدقائق يلح بتهديدٍ خفي، كي يشاركه رفيقه القتل، إلى أن فعل.

ثم أن العبارة المغلوطة إياها، تعارض حقيقة عدل الله وإنصافه جلّ علاه . لأن توهّم أهل الباطل الحق فيما يفعلون، يقتضي بالضرورة عدم استحقاقهم للعقوبة ، استنادًا إلى الرحمة الإلهية الناصة على العفو عمن أخطأ أو نسي أو استكرِه على أمر . هل الخنازير الوردية التي تجاهر اليوم بما تقترف ، وتعلنها حربًا لاهوادة فيها على كل من يعارضها أو يصمها بالانتكاس، حد أن الأسوياء باتوا لايجرؤون على الاستنكار ولو بكلمة تقال أو حرٍف يُكتب ، وهاهي حلقة الشقيري عنهم تُحذف ، وهاهو كما غيره ممن عابهم يتعرض لسهامهم.. وهاهم يسوّقون لأنفسهم عبر كل منبر، ومن خلال كل موقع ، حتى بات الشاذ من ينكرهم، ثم لايكون مثلهم.... أقول ، هل هؤلاء واهمون ؟مخطئون؟جاهلون بحقيقتهم، وحقيقة العفن الذي هم عليه ؟.... كلا، وألف كلا ، إنهم تمامًا كما ذكر المولى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوّا ). إنها جرأة المعصية، التي استوجبوا بها سلب المعافاة ، إنه الكِبر الذي أخرج دليلهم من رحمة الله ، إنه الفجور الذي وجد في الطوية الخبيثة مرتعًا خصبًا، فباض وفرّخ وتكاثر . بيد أن الكثرة وحدها لم تكن يومًا معيار الحق ، وقد يأت النبي وليس معه إلا رجل أو رجلان، وقد يأت ومامعه أحد .
تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا.. فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا.. شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ.
قاعدة الكون التي عليها أنشيء ، ينطق بها الحجر قبل البشر : سيظل الباطل باطلاً مهما تدثر بالأردية وتزين بالألوان ، وسيظل الحق ، مهما حورب ونبِذ ، متعاليًا متجاوزًا، عصيًا على النيل ، مستحيل الفناء.

الجمعة، 7 يونيو 2019


" إني لأنظر إلى المرء فيعجبني، حتى إذا قيل أنه من أصحاب مدونات الجزيرة ، تراءت لي رجلا أبي حنيفة".. رواه البيدقي عن ذات الأطياف .

في تلك الفترة التي أعلنت فيها قناة الجزيرة عن منصتها الكتابية "المدونات"، وأطلقت نداء النفير لصاحب كل قلمٍ مؤثرٍ جميل بالانضمام لصفوفها ، كانت تصلني عديد الإشارات من أصدقاء قاموا بترشيح اسمي للقناة . كان الوضع حماسيًا ، تسابق فيه القوم لإبراز أصدقائهم ومعارفهم وكتّابهم المفضلين
. حتى أن البعض تعامل مع الأمر من منطلٍق وطني، فصار يهيب بعشيرته كي يرفعوا أسهم الكاتب الفلاني من أبناء بلده !
وبلغ من حماسة بعض الأصدقاء ، تقديم عرضٍ لإيصالي بالسيدة إحسان الفقيه 🙂.. وبمتنفذين في القناة للحصول على فُتات.. فضلة...موطئ قدم في هذه المنصة ، تشهرني وتلمّعني ، لأفوز فوزًا عظيما. لكن... تبًا لكلمات والدي التي مافتئت تنخر أذني : سوء الظن من حسن الفطن... سوء الظن من حسن الفطن.... سوء الظن من حسن الفطن . كنت أجلس أمام الشاشة، أتابع سيل الترشيحات التي تنهال من كل حدبٍ وصوب ، وأمامي يتراقص طيف أبي جعفر المنصور ، الذي حبك حبكته تلك حين أراد فرض الضرائب على شعبه ، فنادى بهم مغررا، أن هلموا وتوافدوا لنيل أعطيات الوالي ، حتى إذا ماأحصاهم عدا ، وفرزهم فردًا فردا... ضرب ضربته، وفرض ضريبته . حينها لم يتوقف السؤال عن نقر رأسي كما عصفور القراع على الشجر : لماذا تقوم قناة الجزيرة بهذا الفرز ؟ ماالفائدة التي ستجنيها من حشد ذوي الأقلام المؤثرة حولها؟ هل هو اصطفاء أم اصطياد ؟!

وتصديقًا لقول المغدور : ويأتيك بالأخبار من لم تزود . جاءتنا منى الحوا بالمستور المتوقع !
فتاة بالمقابيس المطلوبة قذة بقذة ؛ وجه حسن ، وطموحٌ مطلوب . فتاة مقبلة على الحياة ، تعشق السفر ، والأضواء ، ولاتمانع وضع الشعار الإسلامي (حي الله منديل على الرأس). أصولها الفلسطينية، إضافة لحماسها ولهفتها، يؤهلانها لاعتلاء الموجة التي تحسن الجزيرة العزف لها ؛ هموم الأمة وتاريخها التليد !! ولأن المرء يكذب ويكذب ويكذب حتى يصدّق كذبته ، فقد صدقت الفتاة المسكينة نفسها ، وتعامت جبرًا واستعباطًا عن مآرب حاضنتها وعرابة أحلامها ؛ الجزيرة .

هكذا يبدأ المشوار مع كل مؤسسة إعلامية، بصفة عامة ، ومع حاملة شعار "الرأي والرأي الآخر" بصفة خاصة . يحكمون وضع الطوق على رقبتك منذ اللحظة الأولى ، طوق بماركة عالمية زاهية الألوان ، تتحسسه ثم تقسم أنه ليس بطوق ، تخطو خطواتك الأولى بنفسك ، ثم تُسحب تلك الخطوات منك رغمًا عنك ، تترنح قليلاً وقد تدور لتبحث عن نفسك ، لكن ذلك لايستمر طويلاً . في النهاية لن تكترث لضياعها ، ذلك أنك ماعدت تدرك أصلا أنك فقدتها . الكلمات بخط بنانك ، بصوتك ، تنطلق من حنجرتك... بيد أنها ليست كلماتك . المثير للقرف والشفقة في الآن نفسه، أن الأمر لايتوقف عند هذا الحد ، بل هاأنتذا تنافح عمن كنت ضده ، وتتبنى ماكنت تنكر ، وتوافق ماكنت تعارض... ثم أنك أيها البائس تناقض نفسك في اليوم ألف مرة ، وتلعن اليوم من كنت بالأمس تمدح .
ومن دقق جيدًا في التوضيح الذي نشرته البائسة حوا عقب جدل الهولوكوست ، سيجد ماذكرت عيانًا بيانا . تذكر ياصديقي قبل أن تسلبك الحماسة مبادئك : أن من تحزّب تعلّب . وقبل أن تصبحي ياعزيزتي إحسان فقيه أخرى، انتبهي إلى أن كل من تقنون و تمأسس ( نسبًة إلى القنوات والمؤسسات) فهو دون أن يدري قد سُـيـّس !

لقد استدرجوك أيها البائس ، طوقوا عنقك، ثم فرضوا ضريبتهم عليك . وأنت اليوم تدفعها راضيًا خانعا مستبشرا .