الاثنين، 25 فبراير 2019


أذكر أنني قرأت في كتاب سراج الملوك قصة لخليفة أمويّ -نسيت من هو  - كان حريصاً على كسب ود عبدالله ابن عمر ، وكثيراً ماسعى لنيله ولم يفلح ، فقال يوماً لوزيرٍ له  : من لي بعبدالله ابن عمر ، لطالما جهدت للتقرّب منه وأبى ، فقال له وزيره : ليس لك إلا أن تقتله !  فرد الخليفة : ويحك ، إن قتلته ، كنتُ أميراً على من ؟!
تذكرت هذه القصة اليوم ، وأنا أشاهد أحد الحكّام العرب ، وهو يحتفي بعويلم ليس له من الإنجازات إلا سحره لعقول الدهماء بكل تلك الحكايا الوعظية الساذجة التي يجذبهم بها ، والتي جعلتهم طوع بنانه ، ورهن إشارته ، يؤمّنون على قوله ، ويأتمرون بأمره ، والذي هو في الأصل أمر سيده الحاكم  !
أخذت أتأمل الفارق بين ذاك الخليفة وحكّام اليوم  ، لقد وعى الخليفة مقولة " عدو عاقل خيرٌ من صديقٍ مجنون "  ، أبت عليه رجولته أن يمسي حاكماً لحفنة رعاع ، أدرك أن مخالِـفه الذي رفض أن يكون تابعاً له ، ولم يقو على شرائه ، إنما هو في الواقع مرآة يستكشف بها عيوبه ونواقصه ، لم يسع لحصد الولاءات بالإكراه ، لأنه يعلم أنه سيكون حينها طاغية لا خليفة  !
أقزام اليوم لايعنيهم من يحكمون ، ماداموا يحكمون ، لايعنيهم أبداً كرامة من تحت إمرتهم ، أو إنسانيته ، أو حريته ، أو مدى وعيه  ، بل على العكس ، إنهم يعملون على إنتاج رعايا بمواصفات ملائمة لأن تظل خاضعة، محكومة ، يؤدلجونها ، يذلونها ، يسحقونها. تماماً كما وصف أورويل  : سوف تصبح أجوفاً ، سنعتصرك حتى الفراغ ، وبعد ذلك ينبغي أن نملأك بذواتنا !
نعم ، الحاكم الأجوف لايحتمل فكرة أن يكون ماتحته ممتلئاً بسواه ، إنه يرى في ذلك زوال عرشه ونهاية تسلّطه  !

الجمعة، 1 فبراير 2019


تحتاج لمن يثبّتك على الأرض وسط هذي الرياح العاتية . تحتاج لرفقة حكيمٍ حليم ، وإن مادت به الطريق حينًا، وتركته حيران دهِشا ، كان عونك في الأحايين الأخَر . تحتاج لصحبة ذوي الصبر الطويل والزهد الغني ، الذين نضجت قلوبهم جيدًا على لهيب الألم ، حملوا أكياس خيباتهم على ظهورهم المعلّمة بسياط الخديعة ومضوا يحايلون الأيام . تحتاج لهؤلاء الهادئين المتريثين ، يشاركونك أهم قرارات حياتك فيما تتعالى رغوة قهوتك في الركوة القائمة بينكم . أنت في جزعك اللامع لاتريد أكثر من تطمين ، لاتطمع إلا فيمن يخبرك بأن كل شيء سيغدو على مايرام ، يفعل ذلك وهو يراقب غرغرينة الخراب تمتد في أرجائك . تحتاج لسوء ظن المرتابين المتوجسين ، شكٌ لا عن طبعٍ دفين ، بيد أنه حذاقة المجرّب الخبير . تحتاج هؤلاء الموجوعين اللينين ، يمرّون مرّ السحاب، يعطون دون حساب ، يرقّعون للغائب ألف شِق، وينسجون من خيوط العشم قمصان العذر.
متعبٌ أنت للحد الذي يُرضي الشامتين . تحتاج هؤلاء المُتأمّلين الساخرين ، يقفون على ساقهم المتبقية، ثم ينفضون كف الرجاء من الانتظار . هؤلاء الذين ماعادت الدنيا تعرف لهم مفتاحًا ، ولا طريقًا تستدرجهم منه إليها. تُـقبِل فلا يُفسحون لها أبعد من باحة الدار ، وتدير لهم الظهر فلا يتبعونها أسفًا ولا نداء.