الأربعاء، 30 يناير 2019


البارحة وصلني فيديو كرتوني من إحداهن، يحكي قصة رجل ثري دعى خدمه لوليمة عشاء فاخر، ثم بعد الانتهاء من العشاء وضع أمام كل واحدٍ منهم مصحفًا شريفًا وظرفًا معبأ بالنقود، وطلب منهم أن يختاروا دون خجل إحدى الهديتين ، وهكذا... حين اختار الحارس ظرف النقود برر اختياره بكونه أميّ لايحسن القراءة، والنقود ستكون أكثر نفعًا له ، أمّا البستاني فقد ذكر أن زوجته مريضة جدًا وهو في أمسّ الحاجة للنقود، لذلك اختارها بدلاً عن المصحف . في حين علل الطبّاخ اختياره لظرف النقود مع أنه محب للقراءة، بكونه دائم الانشغال بحيث لايكاد يجد وقتًا للمطالعة والتصفّح . وحين جاء دور سائس الخيول والذي كان شابًا فقيرًا جدًا يرتدي قميصًا مهلهلاً وحذاءً باليا ، بادره الرجل الثري قائلاً: أنا متأكد بأنك ستختار النقود لحاجتك الشديدة لها ، ليرد الفتى : صحيح أنني أتوق لشراء حذاءٍ جديد بدلاً عن حذائي المتهالك هذا ، وأتمنى ابتياع دجاجة أكلها مع أمي الحبيبة، لكن أمي قالت لي ذات يوم :كلمة الله مفيدة أكثر من الذهب، وطعمها أحلى من الشهد ، لذلك سأختار المصحف . وحين فتح المصحف وجد بين طياته ظرفين، ظرف به مبلغ نقود عشرة أضعاف مافي بقية الأظرف التي أخذها الطباخ والحارس والبستاني، وظرف به وثيقة تنص على أن الفتى سيرث بعض أملاك الرجل الثري بعد وفاته ..... تكبيرررر.

المصيبة أن المرسِلة سيدة متعلمة وتعمل معلّمة . لقد تخيلت برعب منظرها وهي تنشر مثل هذي القصص الوعظية المدمّرة بين الأطفال . تخيّل ماالذي سيُغرس في أذهان الصغار وهم يتلقون مثل هذي الخزعبلات ! إنها فن صناعة الدروشة ! إقصاء تام للتفكير المنطقي، الواعي ، الواقعي، وتعبئة للأرواح بالأمل الكاذب، والتعلّق بوهم الغيبيات . وهو مما يتعارض مع مبدأ الإسلام ذاته الذي أوصى " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ". هذا هو فقه الواقع، والوعي الناضج لمفهوم الكدح وثمرته ، وعدم الاعتماد على الغيب والمُنتظر والمُتوقع .
تخيّل الكم الهائل من الفوضى والتخبط التي سيحدثها هذا الفيديو في نفوس الصغار . إن تبريرات كلاً من الحارس والبستاني والطباخ كانت غاية في الواقعية ، فالأول أميّ لايقرأ ولا يكتب، والثاني لديه مريض بحاجة عاجلة للاستطباب ، والمسكين الثالث لايجد وقتًا شاغرًا لممارسة مايحب . وكان الأولى برب عملهم الحقير إن كان جادًا حقًا في مساعدتهم ، أن يوفر تعليمًا مجانيًا للراغب من موظفيه، وتأمينًا علاجيًا لهم ولعوائلهم ، وأن يعمل على تقليص ساعات كدحهم، ليجدوا وقتًا كافيًا لأنفسهم وحياتهم وعوائلهم . لكنه طبعًا، وكعادة الأثرياء فضّل أن يتسلى بهم، و" يطقطق على روسهم" . وبدلاً من تعليم أطفالنا التفكير الناقد ، بحيث يُذكر لهم أنه لابأس من اختيار النقود لسد الحاجة، ثم بالإمكان اقتطاع مبلغ صغير وابتياع مصحف من المكتبة، أو حتى التحصّل عليه من حيّ الله مسجد ، يُقدم لهم نموذج السائس الدرويش على أنه النموذج الصح . شاب بمنظر بائس مزعج ، يحلم بأن يُطعِم والدته دجاجة، يعزف عن النقود التي ستقضي حوائجه، وتبل ريقه ، وتفرح قلب أمه ، ليقتني مصحفًا بالإمكان الحصول عليه من أطرف جامِع . ثم هناك مسألة التسويغ الخفي لقضية قيام أحدهم باختبار مدى إيمانك وقوته ! مَن منح الثري الحقير صلاحية التوغل في باطن أرواح موظفيه لاستكشاف صدق إيمانهم، وفحص حسن التوكّل لديهم ؟! ثم ماهذه الدروس التي تُقدّم بطريقة مُذِلّة مستنزِفة للكرامة والعزة ، فبعد أن يعثر الفتى السائس على الظرفين، يُختم المشهد بتعليق للرجل الثري : إن من يُحسن الظن بالله فلن يخيب رجاؤه ! ثم تُلصَق حي الله آية للاستشهاد والاستدلال . وكأن حسن الظن بالله هو في اقتناء مصحفه والعزوف عن رزقه المادي !! لأ ياباشا ، الرسالة المقصودة هي أن تحسِنوا الظن في وليّ نعمتكم المُـطبِق على رقابكم، والذي يختبركم بمثل هذي الامتحانات المذِلة المُهينة . ماأصدق أبانواس حين أرسل : ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر . نعم ، كن مباشرًا في عطاياك، صريحًا في نواياك، صادقًا في عونك ودعمك ، لاتغلّف إحسانك باختبار، أوتستغل الدين لتبرير عطاياك التافهة ، وتمرير رسائلك اللئيمة .

#صناعة_الدراويش

السبت، 26 يناير 2019


حين وقع الاحتلال الأمريكي للعراق، راقب العرب السنة بذهول ماقدمه بعض شيعة العراق من تعاون مع المحتل في سبيل إسقاط صدام والخلاص منه، وتعالى الهمس المتسائل : أين الولاء للوطن، للأهل ، للحنين والتراب والذكريات. لقد آمنت الطائفة الشيعية أنه بوجود هذا الحاكم لن تقوم لهم قائمة، وتنامى الشعور لديهم بأنهم غرباء مُقصون داخل هذا الوطن الذي باتوا ينكرون الإحساس به كوطن . بعد ٢٠٠٣ انقلبت الآية ، وما شعرت به الطائفة الشيعية نحو أرض العراق من قبل، باتت الطائفة السنية تشعر به تمامًا. وحتى الأمس أرسل شاب سني عراقي يبوح بنكرانه لمفهوم الوطن الذي لم يجد فيه كرامته، ولا أبسط حقوقه حين كان يغسل صحون طعامه في ذات المكان الذي يقضي فيه حاجته .
في السوشال ميديا ، أتابع بعض السنابيات السعوديات اللاتي يعملن في التسويق السياحي ، وتحديدًا التسويق للسياحة التركية، باعتبار تركيا وجهة الشريحة الكبرى من المجتمع السعودي . ورغم التوتر المتصاعد بين الحكومتين السعودية والتركية ، حد التشكيك في ولاء أي سعودي يتجرأ ولو بكلمة ثناء لتركيا أو تلميح حنين للخلافة العثمانية ( وحدث أن قامت الدنيا ولم تقعد من أجل معرض هزيل أقامته إحدى المدارس الحكومية، تطرق لتاريخ اسطانبول وسحرها، تدخلت فيه وزارة الداخلية والمخابرات وحدثت ضجة كان لها أوّل ولم يُعرف لها حتى الان آخِر)... وبرغم أن هؤلاء السيدات يحملن الجواز السعودي ويتمتعن بمميزاته ، إلا أنهن يمضين وبكل حماس في التسويق الدائم والدعاية الملتهبة عن جمال تركيا ، وكرم أهلها، ورحابة صدورهم، ولين قلوبهم ، وروعة طعامهم وعاداتهم ولباسهم وصناعتهم.... الخ الخ . ومع أن جلّ السياح السعوديين ذوي الخبرة، يؤمنون بالبون الشاسع بين تواضع تركيا مقارنة بالجمال الأوروبي ، وفي مقدمتهم هؤلاء المسوّقات اللاتي يقضين فترات استجمامهن في المنتجعات الأوروبية، إلا أنهن يثابرن وبإخلاص على تقديم تركيا على أنها جنة الله في الأرض . كيف لا، وهي تكاد تكون اليوم محل إقامتهن الدائم !
حين تتأمل الوقوف على الأطلال الذي ازدحم به الشعر القديم ، وماصاحبه من توجّدٍ عظيم ارتبط بالحنين للأهل ، ومرابع الطفولة والصبا، وذكريات الحبيبة، وليالي الندماء و السمر ، ثم تقارنه بالصورة الحالية المُتخيّلة عن الوطن ، لن تجد بُدًا من الإقرار بأن فكرة الوطن أضحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعائد النفعي على الفرد . وهو تقريبًا ذات ماقرره الشنفري قبل ١٥٠٠ عام حين قال :
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى... وفيها لمن خاف القِلى  مُتعزّل !
فهو يرى أن الوطن كل أرضٍ سلمتَ فيها من الأذى  ، وحفِظت فيها كرامتك ! للوهلة الأولى ربما سيرفض أولئك الذين لايعرفون للمكان قيمة إلا حين يرتبط بالإنسان ، والذي يمثل امتداداً لهم - ذلك أنهم يرون أنهم يعيشون في الناس لا بينهم - قد يرفض هؤلاء فكرة الشنفري. لكن، وعلى الرغم أنه من الشاق على النفس فعلاً أن تحتمل البقاء في مكان لاتنعكس فيه خصائصها النفسية ، كبصمة الذكريات ، ولثغة اللهجة ، بل وحتى رائحة الطعام ، وسطوة الطقس ، إلا أن الملاحظ من عديد أحداث وخصوصًا في الآونة الأخيرة - كهروب وهجرة بعض شباب العرب إلى دول أوروبا، واحتفال رياضي بفوز الدولة التي احتضنته ومنحته الرعاية والاهتمام على منتخب بلاده التي ولد ونشأ فيها - أن مفهوم الوطن وبفعل سطوة الاحتياجات المستجدة مؤخرًا انحرف عن مفهومه العتيق. وقد لايكون من العدل عقد مقارنة بين مفهوم الوطن عند ذلك العربي القديم الذي كان يحمل بيته فوق ظهر ركوبته ، منتهى ترفه تناول لحم طريدةٍ لاحقها متريّضًا ومرفِها عن نفسه ، وبين إنسان اليوم الذي قد تتعطل أمور حياته كلها بسبب عدم وجود مودم نت ، والذي قد يبدو شاذًا ومتأخرًا كونه لايمتلك الموبايل الفلاني ، أو اللاب توب العلاني ، أو لايرتدي الحذاء الرياضي ذو العلامة إياها .
لقد أضحى العالم بالفعل قريةً صغيرة ، ليس لأجل الانفتاح و التواصل الإنساني الممتد ، بل على العكس ، بسبب طغيان النزعة الفردية التي قد تجعل ابن الصحراء يدين بالولاء لبلادٍ متجمّدة في الطرف الآخر من الأرض كونها منحته مبتغاه من الكرامة ، والحرية، ووفرة الخبز، والسرعة الأعلى من النت ، وجهاز تدفئةٍ ينسيه الغربة والبرد.

الخميس، 24 يناير 2019


في ذات الشارع الذي كنا نسكنه قبل سنوات ، جاورنا رجلٌ خمسيني اسمه " صويدر" . جميع من في الحيّ كان ساخطًا عليه، جرّاء الضرر الذي لحق بهم من وراء سياراته الأربع المعطلة والمصفوفة إلى جانب الرصيف، الأمر الذي ألجأ جيرانه لركن سياراتهم في مواقف لاتخصهم ، وبعيدة عن بيوتهم، مما أحدث الكثير من الفوضى والعديد من المشادات . ومهما حصل ، فالأكيد أن معاناة الجميع لاتعدو شيئا يُذكر أمام معاناة زوجته " كُـمّـل" التي فاض سطح بيتها و جوانب فنائه بالخردوات التي رفض زوجها رفضًا قاطعًا التخلي عنها . في نهاية المطاف تخلت هي عن الجلوس إلى ركنها المحبب في الفناء ، حدث ذلك تحديدًا بعد أن وضع زوجها كرسي المرحاض التالف في الزاوية اليمنى منه . وحين استفسرت منه عن جدوى الاحتفاظ به بعد أن كُسِر وغدا غير صالحٍ للاستخدام ، أجابها بأنه لابد وأن تأتي له حاجة في يومٍ من الأيام .
تذكر كُمّل جيدًا الثناء الذي ميّز به إخوتها زوجها حين تقدم لخطبتها : هذا رجلٌ لايُطلّق أبدًا ! لقد صبر على زوجته الأولى رغم عيوبها التي طالما اشتكى منها، حتى وافتها المنيّة . استغرق الأمر منها عدة سنوات ، لتكتشف أن زوجته المتوفاة كانت هي صاحبة الصبر الطويل . وكلما تعاظمت كومة الخردوات في بيتها ، ترددت في سمعها كلمات إخوتها : هذا رجلٌ لايُطلّق أبدًا . مؤخرًا لم تعد تصدق حجته المتكررة التي طالما برر بها كثرة ممارسته الجنس معها : أنا أحبكِ، لذلك أشتهيكِ كثيرًا . وكلما أدارت رأسها نحو زاوية الفناء اليمنى ، حدقت في الكرسي المكسور وهي تقرر في جزع، أن زوجها المخلص لن يتخلى أبدًا عن المُستوعب الذي يُفرغ فيه سوائله . لقد باءت كل محاولاتها للتخلّص منه بالفشل ، وبعد كل أذى وتعنيف ينالها منه كان يبادر لاسترضائها إما بمحبسٍ نحاسيّ جميل ادعى أنه ابتاعه من متجر أثريات بينما واقع الأمر أنه التقطه من كومة نفايات، أو بـعِدّة الشواء التي طالما أرادتها ، فاستجاب لعينيها وحملها من أمام منزل أصحابها الذين استغنوا عنها ، أو يرضيها بأحب الأمور وأقربها لقلبه؛ ممارسة الجنس.
مشكلة "صويدر" كما أسرّت ذات يوم لجارتها المقرّبة "سلمى" أنه لم يفهم نفسه ، لم ينكفيء داخل أعماقه ليسبر أغوارها تأمّلاً وتدقيقا . ولو أنه فعل لما استنكر عليّ قولي أن عاطفته نحوي ليست إلا امتدادًا لحبه العظيم لنفسه ، وأن مايظنه حبًا هو في حقيقته نزعة تملّك شديدة لايملك إزاءها مقاومًة ولا تغييرا . انتبهي ياسلمى إلى " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " ، لو أن زوجي المصون مارس هذه العبادة المنسيّة لجنّب نفسه وإياي ومن حوله الكثير من الأذى . لماذا كل هذي المشاكل و المآسي في الحياة؟... ببساطة لأن الناس لاتتوقف لممارسة التأمل .
كانت كُمّل قد اقتنعت بحلّها الأخير للخلاص من صويدر؛ الادعاء بأن قلبها مازال ينبض بحبٍ قديم لم تستطع منه فكاكا ، ومهما كانت لزوجها من مثالب فهو في نهاية الأمر رجلٌ شرقي، لن يقبل على نفسه الاحتفاظ بامرأة منحت قلبها لغيره . هذا مااطمأنت إليه كُمّل ، وهذا ماحدث . لقد أضحت في عينيه بعد اعترافها مجرد قذارة ، خردة بالية. بيد أن صويدر لايزهد في الخردوات ، ولا يقوى على التفريط فيها. لكل خردة مخبأ ومتسع ، هز رأسه موافقًا وهو يقف بباب مخدعها يتأملها وقد غطت في نومٍ عميق .

الأربعاء، 2 يناير 2019


كنت قد لاحظت منذ بداية العام الدراسي، أن دورة المياه الموجودة في ساحة الطابور الصباحي، والمجاورة لغرفة الإدارة قد أغلقت، فظننت أنها معطلة، وأن إغلاقها جارٍ ريثما يتم الانتهاء من إصلاحها. وفي يومٍ ما انتهبت أثناء إطلالتي على الساحة الداخلية، للمديرة وهي تلج دورة المياه إياها بعد أن عالجتها بمفتاحها. لم أتوقف عند الأمر كثيرًا ، وتوهمت أنها إنما دخلتها لتعيد ترتيب هندامها أمام مرآتها الضخمة . وقبل أسبوع ، وبينما كنا في ذات الساحة نحضر دورًة تدريبية عن المنصات التعليمية ، وقبيل انتهاء الدورة لاحظتُ سكرتيرة المديرة وهي تدير مفتاحًا في باب دورة المياه ذاتها ، ثم وبعد خروجها تعيد إحكام إغلاقها. عشر دقائق بعد ذلك وإذ بزميلتها في المكتب تلقم مفتاحًا في الباب الذي أوصدته بعد خروجها . اتضحت الرؤية لدي حينها ، وماأن انتهت المحاضرة حتى وقفت أخاطب الجمع ، وأحكي لهم بدهشة الذاهل مارأيت : ياإلهي ، إن دورة المياه ليست معطلة كما كنا نظن ، إن المديرة هي من أغلقتها عمدًا لتحول بيننا وبين استخدامها، ثم قامت بتوزيع مفتاحها على سكرتيرتها ورفيقتها... إنها تتصرف في المبنى وكأنه ملكٌ خاص بها... إنها تستغفلنا وتضرب بحقوقنا عرض الحائط . كان بدني يهتز وأنا أتحدث بحماسٍ واندفاع ، وفجأة.. انتبهت وأنا أدور بوجهي على الكل ، إلى الرؤوس التي طأطأت، والابتسامات الخجلى التي ارتسمت ، والعيون وقد غضت طرفها ، والشفاه وقد التصقت فلم تنبس ببنتٍ ولا ابنا :
- ياالله ، كنتوا عارفين بهالشيء من البداية ! كنتوا عارفين وساكتين !... ياالله.. ياالله شكثر انتوا مقززين ومقرفين، وتلومون العالم من يقولون عنكم نعاج وعبيد... طب ماأنتم فعلاً نعاج وعبيد ، قابلين على أنفسكم تبولون في سراويلكم على أنكم توقفون بوجهها وتطالبون بحقكم.
ركلت الكرسي بقدمي واستدرت قاصدًة غرفة المديرة ، لتعترضني إحداهن وتمسك بيدي : هند... هند ، اهدي شوي ، الأمر مو مستحق .
- شنو مو مستحق ، تتجاوز علينا وعلى حقوقنا ومو مستحق، أقسم بالله مافيكم حرة.
واندفعت بجسدي الذي كان يشتعل غيظًا وغضبا ، حد أنني ظننت النيران ستنطلق من فمي ماأن أفتحه ، وماأن توسطت غرفة القائدة التي عجت بجواريها حتى صحت أسألها : ممكن ياأستاذة تنوريني، المدرسة حقت أبو مين فيكم ؟
- خير أستاذة هند ، مشكلة جديدة بعد؟
- والله حنعرف هي مشكلة أو لا، بس تزوديني بصك تملكك للمبنى . منو أعطاك الحق تغلقين دورة المياه وتوزعين مفتاحها على سكرتيرتك وزميلتها .
- دورة المياه أنا صلحتها على حسابي، ودفعت فيها ألفين ريال .
- ان شاالله عشرة آلاف، هذي منشأة حكومية ملك للجميع ، كان بإمكانك مراسلة صيانة إدارة التعليم حتى يصلحوها ، حكاية زينة واكسسوارات وتهبيب ، هذا شي راجعلك ، مايعطيك أي ميزة ولا حق تملّك في المنشأة .
- لا حبيبتي، لي الحق دام دفعت فيها .
- اوك، قولي هالكلام لهيئة التحقيق اللي رح أستدعيها . وأدرت ظهري مغادرة ، لتطلق ورائي :
- أعلى ماف خيلك اركبيه .
أوشكت على السقوط على وجهي ، متعثرة بساقيّ اللتين التفّتا بشكلٍ مفاجيء ، كان قلبي يخفق بسرعةٍ أدهشتني، حين التقيت في الخارج إحدى الفضوليات تسأل : شنو قالت؟
- وشنو تتوقعين تقول بعد ماتركتوها تستولي على الفناء الخلفي وتحوله حضانة خاصة، عائدها المالي لها لوحدها . وبشنو ترد بعد ماخرجتوا صاغرين من الغرفة الممنوحة لكم من الحكومة وتركتوها لها، وانحشرتوا في كهف المكتبة . شنو تقول بعد ماسحبتْ منكم المُصلّى اللي دفعتوا فيه دم قلوبكم ، وحوّلته غرفة استقبال لضيوفها، وألجأتكم لزوايا مكاتبكم تصلون بيها . أكيد ماراح تعترف بخطأ بعد كل هذا . خلص، هي الان تشوف كل شي من حقها .
وإلى جوار الفضولية، وقفت معلمة الدين التي سارعت إلى التبرير : ياهند ، هذي قائدة المدرسة، يعني بمنزلة ولي الأمر، يحق لها تتصرف كماتريد ، ومو من حقك تعانديها ولا تعارضينها .
أوشكت أن أبصق في وجهها : شنو هالخنوع، شنو هالذل والمسكنة والخضوع. من كل عقلك انتي تتكلمين، أيّ دين اللي يقول هالكلام ؟... لترد أخرى كانت تجلس على المقعد المجاور لباب الفناء : الدين اللي وصانا " من حسن إسلام المرء تركه مالايعنيه" يختي عقولنا أكبر من انه نصغّرها لجل حمّام !
- انتِ بالذات ليتك كنتِ صريحة مع نفسك لجل ماتفقدي احترامك لها واحترامنا لك . ليتك بكل شفافية واجهتي نفسك وأعلنت بهدوء ، انك تداهنين المديرة لجل توصلين لوظيفة الإشراف اللي مقدمة عليها، صدقيني كنا حنتفهم حيادك وصمتك ، أفضل من سخريتك المزرية من موقف تعرفين زين إنه مو لجل حمّام ، وإنما للمبدأ .
كان الكل يغادر في تلك اللحظة ، وعبرت إحداهن بوابة الفناء الداخلي بعد أن ألقت عليّ : صحيح انك راعية مشاكل.
حال اصطكاك أسناني دون الرد عليها. وبيدين مرتجفتين ارتديت عباءتي . وحين وصلت إلى البوابة الخارجية ، مررت بمعلمة الدين الأقدم، تلك التي تضع طبقات كثيفة من الحجاب حد اقترابه من مايشبه الخيمة. أمسكتْ بذراعي، فيما تهيأتُ لعتابٍ جديد يخص حجابي الذي طالما انتقدته ، أمالت رأسها هامسة : هند، إذا طلبت التحقيق فسأشهد معك. هززت رأسي دون أن أتفوّه بكلمة، وماأن وصلت غرفتي حتى ارتميت على السرير، وأسلمتُ جسدي لمخالب الحمى التي انتهشته طيلة ثلاثة أيامٍ بلياليهن ، وفي إحدى نوبات الصحو، تناولت جهازي وبعثت بشكوى إلى الإدارة العليا في الرياض . في اليوم الرابع صحوت على جسدي غارقًا في بخار الحمى التي انسلت منه . بقيت دون حراك، أجيل بصري في سقف الغرفة وأنا أستعيد ماحدث : ياالله.. إنها مجرد مديرة هزيلة لمبنىً تعيس في بقعةٍ منسيّةٍ من الكون، وانظر كيف تعاظمت أطماعها حد التسلّط والبغي، وإذن لا لوم على كبار السادة حين زُيّن لهم أنهم مُلاّك الأرض ، وأن الشعب إنما مجرد عبيد يعملون بالسخرة لديهم ، ويجب أن يكونوا ممتنين لهؤلاء الأسياد على ماوهبوهم من مأوى تحت مسمى وطن، ليقتاتوا ويتناسلوا في ظله . ومباشرًة قفز إلى ذهني "نابوليون" خنزير جورج أورويل في مزرعة الحيوان . نعم، إنهم نعاج وعبيد. واستعدت وجه كل واحدةٍ منهن وقصتها؛ مع زوجٍ مستبد يستولى على راتب الأولى، و أم زوجٍ متسلّطة تتدخل في أدق شؤون الثانية، و شقيقٍ حجّارٍ متنمّر يسلب حقوق الثالثة. ورابعة تشكو ظلم الأهل ، وخامسة تبكي قهر أخت الزوج....الخ الخ . إنهم لايستحقون التعاطف الذي كنت أمنحهم، على العكس، إنهم يستحقون تمامًا مايعانون. إن ضعفهم وسلبيتهم هي سبب ألمهم ومايكابدون. ياالله، ماأصدقها من مقولة :" كما تكونوا يولّ عليكم" . إن طغاتنا منّا وفينا، إنهم صنيعة أيدينا ، إنهم بذورنا التي نبذر ، وزرعنا الذي نرعى، وأبناؤنا الذين نربي. هبط اليأس على فؤادي وأنا أتساءل في حيرة : إذن، مامن أمل؟ أهذا ماأراد أورويل إيصاله لنا من خلال رسالته مزرعة الحيوان؛ أن الظلم والقهر سيستمران طالما ينشق من ظهر كل عبدٍ خانع طاغية متجبّر ؟! يبدو أنها دورةٌ متواصلة مابقيت السماء والأرض ؛ عبدٌ خانع... طاغيةٌ مستبد.. ذلٌ وقهر. مامن فائدة، سيتوالد الطغاة دومًا . وفي ذات اللحظة التي أسلمتُ فيها روحي لظلام اليأس، ومضت شاشة جهازي، وإذ هي رسالة من الإدارة العليا في العاصمة : مرحبًا، نشكرك على تواصلك ، ويسعدنا تزويدك بهذا الرابط لمتابعة قضية شكواكم برقمها #&# . وابتل خاطري بندى سكينةٍ رقيقة الأنامل ، وكأنما فتِحت أبواب المدى أمامي، وهمست لنفسي : ياهند، إنها معركة لاتنتهي ، معركة مبتدأها قاعدة الهرم . مامن أسبابٍ توصلني لعتاة الطغاة وأكابر المجرمين. لكن.. بماأني على قيد الحياة، بماأني أسير في دروبها ، فسأحارب الطاغية الذي أتعثر به.