الأحد، 29 ديسمبر 2019


في آخر زيارةٍ لي لأسطانبول، وبعد أن انتهيت من الحديث مع أحدهم، بادرني قائلاً: سيدة هند، مارأيك أن تمضي معي لقضاء أمسيةٍ ستنال إعجابك. عقدت حاجبيّ: أمسية؟! مع من؟
- أمسية شعرية لمجموعة من الشعراء، ستأنسين برفقتهم.
- اعذرني ياصديقي، اسطانبول ساحرة جدًا في الليل، ولا أريد هدر مسائها مع فئةٍ أوقن بعدم انسجامي معها.
- لكنك لم تلتقي بهم بعد.
- ومن قال أني أتحدث عنهم تحديدًا. أنا أتكلم عن معشر الشعراء إلا ماندر، والندرة هنا هي ماتبقى من ٩٩،٩٪ منهم. الشعراء باستثناء من رحم ربي، جمعٌ من الضعفاء المتملقين، مثيرون للشفقة والغثيان. يغارون من بعضهم غيرة النساء، ويلهثون خلف الثناء لهاث المقيم أبدًا في الحرمان. إن أُعـطُوا قَـبّلوا الأيدي بامتهان، وإن مُـنعوا قلبوا ظهر المجن وبطنه وسابع جدٍ له. ولاتقل لي ذلك فعل المتشاعرين لا الشعراء؛ قد سبقهم كبيرهم حين تذلل قائلاً: أَبا المسك هل في الكأس فضل أَناله.. فإني أُغني منذ حين وتشرب.
- لكن ماعددته من معايب، لايخصهم وحدهم. بل هو الطابع الغالب للأدباء والمثقفين.
- لن أنكر ذلك. لكنه في الشعراء أقوى وأحد.

قبل يومين، تفاجأت بشاعرٍ، وهو من الأصدقاء القدامى، يتملق أحد المتشاعرين التافهين، الذي لو وضعنا نظمه جنبًا إلى نظم جدتي غريسة، لطرحته أرضًا هو وخزعبلاته. هذا المتشيعر تملقه صديقي، كما يتملقه العديد، لكونه وجهًا إعلاميًا، وصاحب رباطية، عفوًا أعني رابطة دولية كونية إعجازية للفطاحلة الشعراء، الذين لايشق لهم غبار ولايُـطرق لهم باب... يوه، أقصد لايُغلق دونهم باب. العجيب أن هذا الصديق ليس بحاجة لتملق المتشيعر سالف الذكر، وفي غنىً عن تلميعه والتمسح برابطته. لكنه داء التزلّف، وعلة التلهوق، وعميق التصنع في نفوس جل الشعراء وكل المتشيعرين.

يقال أن بكّارة الهلالية استأذنت يومًا على معاوية بن أبي سفيان، وكانت قد كبرت وضعفت. وفي مجلسه يومئذٍ عمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص. فابتدأ عمرو : ياأمير المؤمنين هذه القائلة يوم صفين:
يازيد دونك فاحتفر من دارنا.. سيفًا حسامًا في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهةٍ.. فاليوم أبرَزَه الزمان مصونا.
ثم أتبعه مروان: هي والله القائلة ياأمير المؤمنين:
أترى ابن هندٍ للخلافة مالكاً.. هيهات ذاك_وإن أراد_ بعيد
منّتك نفسك في الخلاء ضلالًة.. أغراك عمرو للشقا وسعيد
ثم ختم سعيد بن العاص: وهي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى.. فوق المنابر من أميّة خاطبا
فالله أخّر مدتي فتطاولت.. حتى رأيت من الزمان عجائبا
في كل يومٍ للزمان خطيبهم.. بين الجميع لآل أحمد عائبا.
ثم سكتوا. فقالت بكّارة: نبحتني كلابك ياأمير المؤمنين واعتورتني. وأنا والله قائلٌة ماقالوا، لاأدفع ذلك بتكذيب. وماخفي عليك مني أكثر. فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين. فضحك معاوية، وقال: لايمنعنا ذلك من برّك.. اذكري حاجتك. قالت: أما الان فلا.

هذه امرأة مسنة، ضعيفة، محتاجة. قد منعتها عزة نفسها أن تريقها تذللاً وتملقًا ونفاقا. بينما متشاعري اليوم ومتشدقيه، وأشباه الرجال في كل بقعةٍ ومنافقيه ، يتمسحون لأجل الظهور والبروز، لأجل حفنة دراهم لاتخلّد عمرًا ولاتطيّب ذكرا. لاتعجب بعدها إن رأيتهم منبطحين للقائد والحاكم وإن كان أصهب أصفر ذا لسانٍ أعجميّ لايبين.

السبت، 28 ديسمبر 2019


قصة الفتاة نورهان نصر، تؤكد فكرة التفاني العظيم للمرأة من أجل قضيتها. أكثر أمر مثير للإعجاب في المرأة، هو إخلاصها وتفانيها لأجل ماتؤمن به. أنا ألحدت، إذن سأروج للإلحاد وأدعو له، وأنشره، وأتباهى به، وأمسي ناشطة في ركاب مؤسساته، ولن ألتفت لجعجعتكم: مؤسسات مشبوهة ومؤمرات وكل الذي منو... أنا تقية، والله لأحمل حتى السلاح في سبيل ماآمنت به، ولن تقدر قِوى الأرض وترساناتها وكل سلطاتها إزاحة ملليمتر من حجابي عن جسدي. أنا عشقت! سأقطع آلاف الأميال لأجل من أحببت، سأهِبه عمري ومالي ووقتي، بل وحتى جسدي إن أغرمت. سأكون له كما يريد، وفوق مايتمنى، وأبعد ممايتخيل. وإن قسوت، فليتل على كل ذاك السلام.
عاطفة المرأة لاتعرف التوسط؛ مثار إعجاب، وعلة مشاكل. مرغوبة، مرفوضة. محببَة مزعجة. لذيذة، مدمرة!

من جهة أخرى، تأمل كيف هي لعبة الأقدار، حين لاتمنح البعض فرصة التأمل والمراجعة. يعني مثلاً مصطفى محمود، من الإسلام للشك ثم اليقين، وغيره ربما كثر. في حين أمثال الفتاة أعلاه، إلحاد، وصخب ترويج، وهجوم على الإسلام، وأنا ناشطة..أنا بدرس... أنا بلندن.. وهب.. شهرين واتكتمت للأبد. لو لم يكن للإسلام من قاعدة سوى" لاإفراط ولاتفريط" لكفته عظمًة واكتمالا. قاعدة بسيطة موجزة، باتت أسس علوم الاجتماع والفيزياء والفلسفة، هي بمثابة المكابح التي تقيك الإنزلاق في الطريق الذي اخترت المضي فيه. العاقل لن ينكر عليك الشك والحيرة، وحتى الإنكار. فقط تذكر: لاإفراط ولاتفريط. تعامل مع الأمر بعقلية التاجر الذي يحسب كل شيء بميزان الربح والخسارة، ضع نصب عينيك جواب أحدهم على الملحد الذي سأله ساخرًا: وكيف سيكون حالك لو أنك مت فلم تجد إلهًا ولا بعثًا أوحسابا؟ فرد عليه: ليس بأسوأ من حالك حين تجد الله أمامك.
أنت متشكك، منكر، حائر... هس، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. امض في حيرتك وشكك بصمت، اقرأ كثيرًا وتأمل كثيرًا واسأل كثيرًا جدا، افعل ذلك برغبة صادقة في الوصول، وستصل.. صدقني. وإن لم تصل، واخترت الرضا بما أنت فيه، ولا تقل لي اقتناع، لأنه أقسم لك بكل ماهو مقدس لديك، أن ماأنت فيه ليس إلا الرضا الذي اخترت الركون إليه. مهو تكاليف الإسلام صعبة بصراحة، صعبة وقاسية ومرهقة لمن يراها وهو على الجانب الآخر؛ ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم) وقبلها استفتاح الفعل ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين).
إن بلغت يقين الإيمان فكن داعيًا له. وإن وصلت رضا الإنكار، فارض طريق الكتمان. زنها بعقلية الربح والخسارة. إما ذاك، أو لاتنكر على الموقن معاداتك ومحاربتك. ستبشّر ويبشّر، ستحرّض ويحرض، سترهبه وسيجز عنقك. ولاتضحك على نفسك بأنك لن ترهب أو تقتل، قالها من هو أوعى منك وأحكم:
أرى بين الرماد وميض جمرٍ.. وأحرى أن يكون له ضرام..
فإن النار بالعيدان تذكى.. وإن الحرب مبدؤها الكلام.


الأربعاء، 25 ديسمبر 2019


يخيّل إليّ أنني سأظل أرتكب الحماقات حتى بعد خروجي من هنا. تمتمت السيدة مِنان، بعد أن استشعرت ألم بحةٍ في حلقها.
لقد تحلق سكان هذي المقبرة حولي مرارًا. حملقوا منصتين لغرائب قصصي، وعجيب وقوفي الطويل بهذا السياج. أخبرتهم أن هناك خطأ ما، وأنني لايجب أن أكون هنا. لكن أحدهم، وهو قاتم البشرة طويل الساقين، يضع قبعًة بالغة الطول، أرسل عبر الجمع: إنه ذات ماكنت ترددينه حين كنتِ على الجانب الآخر.

في ليلة السبت الهادئة زار السيد معاذ الكائن في القبر التاسع إلى يمين قبر السيدة مِنان، وهو حلاقٌ ماهر، كان ينوي تحويل دكانه لمحلٍ كبيرٍ لأحدث القصات والتسريحات، بيد أن قذيفةً في الحرب الدائرة، اخترقت أمعاءه، بعد أن أخذت في طريقها رأس الزبون الذي كان يزيّن له شعره، لذا تراه لاينفك يحرك يديه وكأن مقصًا ومشطاً مازالا فيهما... المهم أنه توجه في تلك الليلة إلى قبر السيد رضوان، والذي أثار بلبلةً واسعة في الأمسية التي وفد فيها على المقبرة، لقد أثير جدٌل كبير حول العقوبة المستحقة بشأنه. لقد كان السيد رضوان على علاقةٍ غرامية بجارته الأرملة، وحسب القوانين المنصوص عليها في لوائح المقبرة، كان لابد من لطمه سبعين ألف لطمةٍ على وجهه، بأحذية سكانٍ من المقبرة، مرّ على موتهم ثمانون خريفًا، شرط أن يكون سبب موتهم مشينًا مخزيًا معيبا، و تكون أحذيتهم قد نقِـعت في قيّ مسؤولٍ سياسي مات ميتةً طبيعية. بيد أن القائمين على الأمر، لم يرق لهم إنفاذ العقوبة عليه إلا بعد تغيير اسمه، إرضاءً للـ..... في علاه، القائم بأعمال.. كح كح... تعلمون ماأعني...
وإذن، فقد زار السيد معاذ الأستاذ رضوان في تلك الليلة، ورغم الرائحة النتنة التي كانت تملأ قبره، إلا أن الكلام الذي في صدره تزاحم حتى سدّ عليه منافذه، فأبى إلا أن يُخرِجه. اقترب منه هامسًا : هل علمت بأمر السيدة مِنان ؟
- من مِنان ؟
- السيدة التي وفدت إلينا منذ أسبوع.
- أسبوع؟... مِنان ؟... هل هي جميلة... مكتنزة ؟
تأمّل السيد معاذ الكدمات التي على وجه السيد رضوان، وأسرّ في نفسه: الله ياخذك، انت المفروض يسحلوك مو بس يلطموك. السيدة مِنان، تلك المرأة غريبة الأطوار، تظل صامتة حتى إذا مانكِشت لاتتوقف عن الكلام...
- اه اه... تذكرتها ، تلك التي تترنم : اصفعني وخذ دينارًا
-نعم هي.
-مابها ؟
-المسكينة يبدو أنها تفقد الذاكرة باستمرار ، منذ قدومها وهي تقع في الأخطاء، لقد شرح لها الماجوي(الماجوي رتبة المسؤول القائم بشؤون الوافدين الجدد) أنه يحظر عليها الاقتراب من سياج المقبرة، بيد أنها كل ليلة تعاود الجلوس على السياج وتصيح منادية..
- منادية؟... تنادي من تلك البلهاء ؟
- نعم... هي بلهاء تمامًا، تصيح: أناديكم.. أشد على أياديكم... وينن وينن صار في سياج بيني وبينن...الشعب العربي وين.. وين. هكذا ظلت تفعل لثلاث ليالٍ متواليات، وفي الليلة الثالثة انضمت إليها السيدة وجنات، تلك التي تقيم في الزاوية الشرقية للمقبرة. ..
- نعم نعم، أعرفها، تلك التي تمتلك مؤخرةً مخروطية...
وفجأة فاح القبر برائحة نتنةٍ شنيعة، أخذ السيد معاذ بسببها يسعل ويسعل، ثم أشار على السيد رضوان بالخروج، وماأن أصبحا في الخارج حتى بادره السيد رضوان متسائلاً: ها.. أكمل، ماذا حدث للسيدة وجنات، هل اغتصبها أحدهم؟
- سيد رضوان...
- هس.. لاتنطق بهذا الاسم، لم يعد اسمي، أنا الآن السيد نون أربعة وعشرون..
وفجأة، التمعت عينا السيد معاذ فيما عبرت ذهنه فكرةٌ طرب لها. أومأ برأسه موافقًا.. أجل ،الأغوات. كيف لم يخطر ببال القائمين هذا الحل. اللطم لن يجدي نفعًا مع هذا الشبق المأفون، لابد من خصيه ليكون أول أغا في مقبرة عمون.
- حسنًا سيد نون أربعة وعشرون، نحن لسنا بصدد الحديث عن السيدة وجنات ومؤخرتها البيضاوية...
- بل المخروطية... المخروطية، هناك فرق بين المؤخرة البيضاوية والمخروطية من حيث الانحناءات، ومدى العلو وزاوية الارتكاز، وهي ذات الفوارق بين المؤخرة المربعة والمستديرة، ثم أن هناك...
كاد قلب السيد معاذ ينخلع من صدره فيما هو يركض بجنون. لم يعد يتذكر من حلّ أولاً، أهي الأحذية التي تساقطت كالحجارة، تلطم وجه السيد رضوان ذات اليمين وذات الشمال، أم هي مجموعة اللوقات(هيئة الضبط والآداب العامة) والتي بركت عليه كما تبرك السمينة على زوجٍ هزيلٍ باغتته ساعة نحس. مذهولاً أخذ يصيح: ياإلهي إنه لايتوب..لا يتوب! وماكاد ينهي عبارته، حتى تراءت له في البعيد السيدة مِنان تجلس كما المعتاد على حافة السياج، تهذر بذات الهراء وتكرر ذات النداء. تأملها وهمس: من قال أن الحمقى يتعلمون!

الاثنين، 23 ديسمبر 2019


كلمة كلمة... لما راح الهوى ويا الجراح!

كل بناء يحتاج جهدًا ووقتًا ومشقة، عكس الهدم الذي يتم في لحظات... وحده الحب، يعاند هذه القوانين؛ يُبنى في طرفة عين.. في لمحة بصر. يتسلل إليك دون أن تنتبه، يتربع داخلك فلا تشعر إلا وقد أسرك. هكذا على حين غرٍة منك والزمان تمسي عاشقًا متيّمًا. ثم تبدأ تجوية هذا الكيان، فتفوتة إثر فتفوتة؛ قسوة... برود... كلمة جارحة... هجر...،وأنت في تيه الحب، تتلذذ بسكرته، تتمطى في كيس غشاوته. تحت ظلال خدرته، وعلى سحب نعيمه، تضع نفسك رهن إشارته. قد جعل الحب منك مغفلاً بكامل فرحتك، ودون إرادتك.
ذات يوم، وبفعل جرعة قسوةٍ زائدة تفيق. تنظر لذاك الصرح الذي توهمته عظيمًا، وإذ بالتجوية أحالته خربةً تلهو بها الريح، وتنهشها أنياب البرد..
انتهى الحب فتفوتًة فتفوتة، تلاشى بعد صقيعٍ طويل، وترك لك قفر الحيرة؛ كم لبثتُ في غفلة الوهم عدد سنين!

الأحد، 22 ديسمبر 2019


شعارات التضامن الحالية مع الإيغور، ذكرتني بهبلي أيام ماوضعت شعار الأصابع الأربعة، وبعدها كنت قاب قوسين وأدنى من وضع شعار كيماوي الغوطة. بس الحمدلله فرملت شوية، لأنه كان فيه صوت في داخل أعماقي يهمس : طب وبعدين يختي!
العجيب إنه قوانين الكون تؤكد لنا يوميًا صحتها وأبديتها ووضوحها، واحنا مصرين نتعامى، ونستعبط، ونعمل أنفسنا موتى. والحق أننا فعلاً موتى؛ موتى همّـة.
القانون واضح اهو: إن لم تمارس الإرهاب، سيمارس عليك الإرهاب. بلاش من الإرهاب، الحيوانات بعثت لك تحياتها منذ دهر قائلة: إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب.
بعيدًا عن إسلام ودين وحقد دفين. المسألة مسألة تداااااافع. تدافع ومصالح. حكاية التحضر والتمدن ورقي البشرية هذه نتحدث بها في المؤتمرات والمحافل وأمام الشاشات ونحن نرتدي أجمل لباس. الحديث عنها حلو والله. أنا زمان كنت أتفيهق وأتكلم عن الإتسانية والمدنية والذي منو وأنا أشرب القهوة. بس الواقع أن هذا المتمدن الذي يرتدي تلك البدلة الفاخرة، والكارفتة المتنشية، والحذاء اللامع، يضع رجل على رجل بكل هدوء، غارق في بحرٍ من الاسترخاء والسمو، وهو يستمع لمعزوفة بيتهوفن أو شوبان. يخرج من تلك الأمسية وهو على أتم الاستعداد لبقر بطن أي معترض لطريقه، يهدده بانتزاع مايرفل فيه من نعم. الاختلاف فقط في رتب القوانين التي تمنحك حرية التحرك هذه. يعني فيه قوانين استباقية، وقوانين جزائية. إنت كفرد داخل مجتمع متمدن يأكل بالشوكة والسكين ويمارس الرياضة والرقص، غير مسموح لك سوى بتطبيق القانون الجزائي، عبر القنوات المختصة. احنا كحكومات الأمر مختلف، نحن مخولين لأجل الحفاظ على خيرات مجتمعنا المتمدن وملذاته... وسيبك من حكاية هوية ومنجز حضاري، لأن هذه رفاهيات زيها زي الكرافتة، رفاهيات لاحقة، يتم التشدق بها والبطون بارزة. الأمر بمنتهى البساطة: رغيف خبز. مع عدم نسيان طمع الإنسان المتأصل( لو أعطي واديان لطلب الثالث)... المهم احنا كحكومات لابد لنا من حكاية الخطوة الاستباقية، لقطع الطريق أمام أي خطر يتهدد مجتمعنا ولو قدر أنملة. وهو مايندرج تحت مصطلح " الإعداد" الذي ذكره لك دستورك القرآن. ووضح مفهومه وآليته وأدواته، والتي ليس من بينها، أو على الأقل ليس من ضمن مراحلها الأولية العاجلة الحاسمة الرادعة، وضع شعار.

السبت، 21 ديسمبر 2019


لدي مشكلة مع مثل هذه التسجيلات، التي تندرج تحت: التحدي، الشجاعة، الضربة التي لاتقتلك مدري شتسوي بيك.. ليس لاعتراضي على المعاني المدرجة بحد ذاتها، ولكن لأن غالب من يتفوهون بها ويسوّقون لها مزيّفون أدعياء، أو يناقضون أنفسهم من حيث لايشعرون، بمعنى أنهم لم يفهموا أنفسهم ولا الحياة، وغير واعين تمامًا للمأزق الذي هم فيه. بحيث يتملكني إحساس قوي بأن المسألة ليست إلا بثًا وترويجًا لأفكارٍ مدسوسة!
الفتاة متناقضة؛ تزعم أنها ذات قرار وصاحبة اختيار. اختارت الاستمرار والتحدي، بينما حين تدقق في كلامها تجدها من النوع المغاير تمامًا؛ فهي تحمّل والدها مسؤولية تزويجها، ثم تحمّل الآخرين الذين حاولوا مساعدتها أمر إتلاف عامودها الفقري، طبعًا أنا لا أستبعد ذلك، لكن طريقة عرضها له لم تكن مناسبة. وكان الأمثل أن تورد امتنانها ثم تتبع ذلك بنصيحة أن ياقوم، لاتقوموا بسحب إنسان تعرض لحادث، ودعوا ذلك للمسعفين المختصين. رغم أننا لانعلم الظروف التي دعت الناس لسحبها، ربما كان الوضع سيئًا لايحتمل التأخير. ثم أن العجب العجاب أنها لامت زوجها لأنه خرج من السيارة وتركها، ثم لامت الناس(ضمنيًا) لأنهم سحبوها وأتلفوا حبلها الشوكي!!!
أبي أراد تزويجي... زوجي كان نائمًا وسقطنا في حفرة... الناس سحبوني وأتلفوا حبلي الشوكي... حتى الأطباء لم يسلموا من نقدها؛ قال لي لن تصبحي فنانة..قال لي الطبيب الآخر لن تستطيعي الإنجاب....، طب الجماعة لايريدون خداعك، وظيفتهم تقتضي إعلامك بوضعك ومستجداته. ستقولون أنها كانت في وضع نفسي بشع.. نعم، لكن الأمر مرّ عليه تسع سنوات، والطبيعي أنها تقبلت الآن مصارحتهم ومكاشفتهم لها بوضعها المستقبلي. ثم نأتي للتناقض الصارخ: لم يكن زواجًا سعيدًا... وبعدها تقول: كانت أعظم مخاوفي الطلاق!!!
شلون أبوك اللي زوجك، وأنتِ تزوجت فقط لإسعاد والدك، والزواج لم يكن سعيدًا. ثم بعد ذلك كله تكون أعظم مخاوفك الطلاق!!! مهو زواج فاشل، والولد نذل لأنه أنقذ نفسه وتركك في السيارة، فطبيعي أنه لن يستمر معك وسيتزوج بأخرى! وطبعًا الله أعلم لماذا أراد والدك تزويجك منه، ممكن الولد ميسور الحال، وأنت جميلة، والوالد الذي تحاولين تشويه صورته وجدها فرصة جيدة لك. أنا بس قاعدة أتخيل وضع هالأب، وهو يستمع لابنته تتحدث للعالم، وتقول والدي أراد تزويجي، وتزوجت فقط لأجل إسعاده، والزواج لم يكن ناجحًا، وزوجي نام وسقطنا في حفرة، وخرج وتركني..... الخلاصة وكأنها تقول لوالدها أنت السبب في كوني مشلولة. ثم تحدثنا عن الشجاعة والتقبّل والتجاوز!
ثم أين الإنجاز في الموضوع؟!... حين قالت: الطبيب قال لي، سمعت أنك تريدين أن تكوني فنانة، لكن يدك تشوهت وستبقين ربة منزل(وكأنه ربة المنزل من سقط المتاع)... المهم أنني تخيلت أنها ستتحدث عن إنجازها في عمل معرض فني، أو كتابة رواية، وكيف أنها نجحت في ذلك نجاحًا باهرًا. وإذ بها تتحدث عن ظهورها أمام الناس في برامج سخيفة، تغني وتعرض أزياء( مو عارفة عرض أزياء شنو) وسفيرة نوايا مدري ايش... وناطقة باسم حقوق النساء( وأنا كلمة حقوق ومعاها نساء تسببلي حكة في الركب)... واختِرت ضمن مدري كم مئة امرأة، وأبرز ثلاثين امرأة تحت سن الثلاثين في إحصائيات فوربس... وربك أعلم بفوربس دي ومين وراها... الخلاصة كما قالت، أن قرار التحدي لها هو الظهور أكثر أمام الناس. هذا هو الإنجاز الذي تميزت به عن ربة المنزل!!! وكم من ربة منزل، قابعة في بيتها، عازفة عن الظهور والاستعراض أمام الناس، أعدت رجالاً ونساءً كانوا علامةً فارقةً لأمتهم والزمان.

الفتاة تبحث عن التقبل، يؤرقها هذا الأمر. لذلك انطلقت هائمة على غير هدى، تقفز من منصة لأخرى، رسم... عرض أزياء... مذيعة... ضيفة... ناطقة، كل ذلك لتبحث عن ذاتها في أعين الناس، وهو مايناقض كلامها "لن أكون مثالية لأجل أحد، سأكون مثالية لأجل نفسي". جميعنا نبحث عن التقبل وإثبات الذات، هذا أمر هام جدًا جدا. لكن أولى خطوات النضج هي القناعة والاكتفاء بمن يهمك تقبلهم لك. لا اللهث المحموم، الساعي لتقبل من هب ودب لك. هذا عبث، وتشتت، وتبعثر للذات؛ أن تجرها وراءك يائسا باحثًا عن رضا ذاك وذاك وتلك. لا أدري لم تذكرت مقولة سيدنا أبو بكر: اطلبوا الموت توهب لكم الحياة. ذاك الرجل البسيط الزاهد، الذي لم يشغله سوى تحقيق إيمانه واكتماله، هانحن ذا نذكره بعد ألف عام وأربعة قرون. سبحان الله، لم يسع وراء الذكر، فمنِح الخلود!

من يدقق في الفيديو، سيلتقط رسائله الخفية، ومن بينها السعي وراء الظهور. آفة العصر وبلواه. الكل يريد أن يظهر، الكل يريد أن يشتهر، متشيعرون شوهوا ذائقتنا بركاكة مايقدمون. متفيهقون أدعياء أغثوا حتى الأموات بما يكتبون ويطبعون. سمّج حمقى ينشرون صورهم وهم يأكلون، يدخنون، يستحمون... يغازلون... يركضون... يضحكون....، معاتيه تافهين لم يتوقفوا لحظًة واحدة ليسألوا أنفسهم من يريد أن يراهم؟ من يهتم بهم؟ ماالعائد على البشرية من وراء نشر يومياتهم التافهة تفاهة عقولهم الجوفاء. ياالله كم شعرت بالشفقة على الفتاة وهي تفتح فمها على المسرح بين جمع الواقفين. أنا لا أعني أن ينزوي الإنسان ويدفن أيامه. لكن المرء حيث يضع نفسه. هؤلاء الذين تتماوتين للظهور أمامهم، لو دخلت حسناء على قدميها لأداروا رؤوسهم نحوها وتجاهلوك تمامًا. تخيلتها بعد أن عادت لمنزلها بعد فتحة الفم تلك... ثم ماذا؟! أين تحقيق الذات؟ أين الإنجاز؟ هل كنتِ مغنية عالمية، رسامة ذائعة الصيت، فنانة موهوبة( هذا إذا سلمنا تنزلاً بكونها إنجازات في حد ذاتها)... متى أمسى مجرد الظهور إنجاز؟! لماذا لايكون رضاك بوضعك، وتقبلك له، واكتفاؤك بعائلتك، وعملك في صمت وإخلاص، وسعيك للعطاء الدائم غير المعلن؛ إنجازات كفيلة بأن توصلك للرضا والتصالح.
لكن لاتثريب... إنه زمن السلفي والفلاتر، وليكللي وأليكلك، وتابعني وأتابعك، وأتعرى وصورني، وأتمسخر واشهِرني...

أنبوبة أكسجين ياجماعة بليز.

الخميس، 19 ديسمبر 2019


أيام دراستي الجامعية كنت أخرج من الامتحان السيء بذات الهدوء الذي أخرج به من الامتحان الهين. مهما بلغ غموض الاختبار وتعقيده، لم أكن لأقابله بالتسخط الناقم الذي تثيره بقية الطالبات. كانت لدي قناعة مُـطَمئِنَـة بأنه مادمت قد بذلت كامل جهدي، ولم أقصّر في جانبٍ ما، فإن الأمور ستسير على مايرام. وأذكر أن إحدى الصديقات اقتربت مني، حين ابتعدت عن صخبهن الحانق، بعد خروجنا من اختبار دكتورٍ سافٍل معقد، وأخذتُ أجمع حاجياتي في الحقيبة استعدادًا للمغادرة:
- شنو... مبيّـن حليتي ماشاء الله!
- أبدًا، وشلون تنحل الطلاسم اللي جايبها هالمعتوه!
- لعد ليش كل هالبرود !
- شوفي منال، أهم شي عندي انه ضميري مرتاح... أنا سويت اللي عليّ، قدّمت كل اللي عندي... وخلص، دام ماقصرت، فمتقبلة كل شي يصير. تدرين متى ممكن أنهار وأتألم؟... لو ندمت؛ ندمت على تقصير، ندمت على شي كان ممكن أقدمه وماقدمته، أمر كان ممكن أتلافاه وماانتبهتله. ساعتها رح يقتلني الندم.

بعدها بفترة، تحديدًا في السنة التي سبقت سنة التخرج، كانت المادة التي أحضّر لاختبارها عبارة عن ملزمة ورقية مرتبة في ملٍف ضخم، حيث الأوراق مخرّمة وموضوعة فيه. وفيما كنا ندخل القاعة، سألتني إحداهن عن قانونٍ ما، وحين عقدتُ حاجبيّ مستفهمة، ردت مرتبكة: ايش بك... هذا القانون اللي بالمحاضرة الفلانية، اللي نبّه الدكتور عليه.
انتهى الكلام. وساد الصمت مع بدء توزيع أوراق الاختبار، لأتفاجأ بأن مايتجاوز نصفه لاأعرف له جوابا. خرجت من القاعة ترافقني صدمتي الذاهلة، وأنا أستمع لمناقشة الفتيات حول الأجوبة. وماأن وصلت غرفتي حتى قلبتها رأسًا على عقب، لأجد بين أرفف المكتبة مجموعة أوراق انسلت من الملف إياه. كانت مذيّلة بالأرقام حسب ترتيبها التسلسلي، ولو أنني ركزت في أرقام الصفحات، لانتبهت للفجوة المخِلّة. ولو أنني ألزمت نفسي متابعة الدكتور المُطِـل علينا عبر الشاشة، ولم أنشغل بقراءة الروايات، لتذكرت تلك القوانين التي أوردها... لو أنني حرصت... لو أنني سألت.... لو أنني... لو أنني.... . لقد نالت مني حرقة الندم، وكوتني بذكراها المقيتة، حد أني لم أنس حتى اليوم شكل ذاك الملف، ولونه، والأوراق المنسلة منه.

لاحقًا، مع مرور السنوات، اكتشفت أن ذلك السيناريو كان ديدني مع كل المقربين الذين عبروا حياتي، ولم أتخيلهم مجرد عابرين. تلك الأوجه المحببة، بابتساماتها الوادعة، وأعينها البراقة، ودفئها القديم، الذي ظننت أنه سيكون ملاذي في برد المشيب، أوصلتهم حتى الباب، وأغلقته بهدوء...ودّعتهم دون صخب، أو ولولة ناقمة. إنها ذات القناعة المُطمئِنة؛ طمأنينة من قدّم وبذل، ومنح مافي وسع الوسع، ولم يترك للندم خرم إبرة... لم يستمع لقوانين العطاء المقنن، ولا لصنعة الثقل، وحبكة المسافات... كان قلبًا بِـدائيًا بريّاً، على سجية الحفاة الفِطريين. يحب بأقصاه، ويأتي بكلّه. يذوب عشقًا، ويفنى عطاءًا، ويذوي إخلاصًا. يستمد قوته من ضعفه، وتتوهج نضارته بتقادم أيامه. مدار اهتمامه إرضاء ضميره، وسد منافذ روحه دون الندم؛ ندم التقصير، والأذية، والتخليّ. لذلك لم يلتفت يومًا لمن ودّع، ولم يقف طويلاً معددًا خسائره، ونائحًا متشكيا. توجّع.. حتمًا، لكن ضميره الراضي كان يطوي سجل الراحلين دون إبطاءٍ أو ضغينة. لقد آثر الخذلان على أن يكتوي بنار الندم، رضي بأن يبات مظلومًا على أن يمسي ظالمًا.

السبت، 14 ديسمبر 2019


أنهيت صلاة العصر، ومباشرًة توجهت للصالة، حيث ابني الصغير، بالصف الثالث ابتدائي، يكتب دروسه...
- خلاص ماما، خلصت واجب لغتي.
- هات وريني شنو كتبت..
كان موضوع الدرس عن الإيثار، معناه، وشاهدٌ له؛ قصة جرحى معركة اليرموك الثلاثة(عكرمة والحارث ابن هشام وضرار ابن الأزور) الذين تدافعوا الماء كلٌ إلى صاحبه، حتى هلكوا جميعًا.. طبعًا القصة ذكِرت دون أسماء، فقط أشارت للصحابة باسم الجريح الأول والثاني والثالث... المهم، أخذت أراجع أجوبة ابني على الأسئلة :
من اصطحب فواز إلى المكتبة؟ والده... برافو.
ماالخُلُـق الذي تحلى به الجرحى؟ الإيثار.. صح.
مارأيك في تصرف الجرحى؟ رائع... صح،
ماذا يحدث لو أن الناس جميعهم اتصفوا بخُلق الإيثار؟... يموتون 😲😲

بعد أن انتهيت من نوبة الضحك المجنونة، صححت جواب ابني، محاولًة تبسيط المعنى له كي يسهل عليه استيعابه. أكملت شرب الشاي أحدث نفسي؛ سبحان الله حتى الفطرة النقية، فطرة الأطفال لم تستوعب هذا الفعل الخارق.. ذلك أن الإنسان مفطور بطبعه على الأنانية وحب الحياة. انظر لفعل قوة الإيمان !.. سَـمَت بأولئك الرجال حتى جاوزت بهم الإنسانية لتلحقهم بالملائكة.. أكاد أقسم أن الملائكة غبطتهم على مابلغوه. تظل الملائكة ملائكة، كما تظل الشياطين شياطين. وحده الإنسان ينتكس ليمسي بهيمًة... مسخا، أو يسمو ليحلق في سماء الملائكة الأبرار.

الخميس، 12 ديسمبر 2019


أجمل مافي التقدم في العمر هو هذا الاسترخاء الساخر.
كنت أنتقل من سوبرماركت لآخر، بحثًا عن نوعٍ جيد من الفستق غير المملح لاستخدامه في صنع الكنافة، من أجل صديقتيّ اللتين ستزوراني في الغد. وحين لم أجده في السوبرماركت الثالث، بدأت غيوم القلق تتكاثف في صدري، وسريعًا ودون تردد كنستها بعيدًا؛ وإن لم تجدي الفستق ياهند... لابأس؛ ستعدين الحلوى المغربية، وإن لم يكن السميد كافيًا اعملي بسبوسة.. مامن مشكلة.
قبل سنتين وربما أقل، كنت سأقلب المدينة رأسًا على عقب كي أحصل على هذا الفستق، وستكون رحلة البحث تلك مكللة بشتى صنوف الشتائم وجيوش اللعنات؛ على الحظ، والجغرافيا، والسياسة، والحكام، وعلى جشع التجار، ومزارع الفستق، وابن الكلب اللي اخترع حلويات الفستق. وفي النهاية سأصنع الحلوى وأقدمها لجمعٍ من النسوة لايكترثن لأمري، وقبل أن يتبخر عرق جسدي الذي نزّ بفعل حرارة الفرن وتشنج الأعصاب، ستكون تلك النسوة الغريبات قد وجدن ألف عيبٍ في الحلوى !!
يااااه، ماأصدقها مقولة: "في المدارس نتعلم الدروس ثم نخضع للاختبار، بينما في الحياة نمر بالاختبارات ثم نتعلم الدروس". ظالمٌة هذه الحياة!
عمومًا، توقفت منذ زمن عن التعلّق المفرِط بالناس والأشياء. التقدم في العمر يمنحك الخريطة بالمجان. بت تعرف كل المخارج والمآلات. أنت ترى السيناريو المتوقع لكل قصة سلفًا، وتكاد تردد حتى الحوار. ستغادرك الأشياء، والحكايات، والناس، دون أن تنفق ساعًة من العمر الثمين في التساؤلات؛ لماذا، وكيف، وحتى متى... كل شيء سيتسرب بيسر ودون ضغينة، تدرك تمامًا أن كل مامضى وحدث ليس في حقيقته إلا مجرد أيام. إن أمعنا النظر، فلابد أن نقر بإنصاف الحياة؛ ففي الوقت الذي تسلبك فيه النضارة وقوة البدن، تمنحك الاسترخاء والحكمة، ولا قوة كالحكمة.

كنت أنتظر دوري في المختبر للحصول على نتيجة التحاليل، وإذ برجلٍ يتقدم، يسبقه صدره المنفوخ زهواً : وين غرفة سحب العينات؟ حتى صباح الخير حبسها في جوفه. وحين لم يرد عليه أحد، رفع صوته: الظاهر سألت ومحد جاوب!... ليبادر أحدهم: آخر الممر ولف يمين. تبعته بنظراتي وأنا أستعيد قصص الأشخاص الأنانيين الذين التقيتهم في حياتي. لا أذكر أن نهاية أحدهم كانت سعيدة! هؤلاء البغيضون الشحيحون تصفعهم الحياة على حين غرة؛ ليقضوا آخر أيامهم منبوذين وحيدين. بقدر ماتعطي ستمنحك الحياة، ستمنحك حتى وأنت في قبرك. كنت أتحدث مع صديقتي عن ذلك الرجل الذي وجِد ميتًا في بيته بعد مرور عدة أيام على وفاته: انظري لهشاشة الحياة، بمنتهى السهولة القاسية تنتقل من هذه الدار، دون أن يكترث لأمرك أحد، دون أن يفتقدك أحد... من سيفتقدك! في أفضل الأحوال، إن كنت محظوظًا وفجعت قلب والديك، وحدهما من سيملآن دارك الأخرى نورًا وهدايا ودعوات.
- ليس بالضرورة ياهند، ماتت عمتي العجوز قبل سنتين، وأقسم لك حتى آخر أيامها ظلت تتصدق عن جارٍة قديمة لوالدتها، وحين سألناها عن سر ذلك، أجابت: في كل مرة كنت أزور بيتها مرسولًة من أمي كانت تعطيني حبة حلوى. لم أنس أبدًا قِـطع السعادة تلك التي ملأت بها قلبي الصغير.
ذكريات العطايا الممنوحة بحب، جواز سفرٍ بلا تاريخ انتهاء،بلا قيدٍ على مكان. تدس امتنانها حتى مع الرفات.
من الجيد أنني حصلت على ذلك الفستق غير المملح.

الجمعة، 8 نوفمبر 2019


استوقفتني المديرة برفقة إحدى جواريها في الممر معاتبة: أبلا هند، قاعة الرياضيات مو نظيفة. فإذا حضرتك مو مستعدة تدفعي للعاملة مثل بقية زميلاتك لجل تنظيف القاعات، فأقلها اطلبي من طالباتك ينظفوهالك.
-عفواً، لو تنطبق السما على الأرض ماحطلب من بناتي ينظفوا، ودفع ماراح أدفع ريال واحد. وقبل ماتبدأي حضرتك سرد الفوائد التربوية من وراء تعويد الطلبة على النظافة، حابه أذكرك بأن الميزانية الحكومية المخصصة للنظافة، لمبنى بهذا الحجم، وهذا العدد الضخم من الطلبة تفوق ال ٢٥ ألف ريال. ف وين تروح هالميزانية؟؟؟!!
دقائق بعد دخولي غرفة المعلمات، إذ بالجارية... أقصد المعلمة المرافقة تلحق بي صائحة: هند، تدرين إن جدي طلع يعرف جدك !
-والله؟
- ايه.. يوم اتكلم عنه تذكرتك... يقول كان عنيد ودايمًا معارض... لحظة خل أفتكر بشنو وصفه... ايه، تذكرت... قال عنه"راعي مشاكل"!!
حملقت فيها لبرهة، ثم رددت: مبيّن جدك كان مواطن صالح زيك، لذلك ماكان بقاموسه مصطلح مثل"راعي حق".

تمعن في المصطلحات التي يصمون بها الثائرين في كل مكانٍ وزمان: مشكلجية.. معارضون... مفسدون.. إرهابيون... خونة... مدعومون. هذه الألفاظ المنتقاة بعناية ليست إلا إحدى وسائل التحطيم النفسي للمعارض، الذي تُـخلَق حوله أنواع البلبلة، للتشكيك في نزاهته ومصداقيته، وبالتالي شيطنته للتنفير منه. إنه ذات مااتبِـع مع الرسل والمصلحين والثوار على مر الزمان؛ شيطنتهم.. الاستهزاء بهم.. التقليل من شأنهم.. التشكيك في نواياهم، وأخيرًا التآمر عليهم بالنفي أو القتل أو السجن. وماالقرار الجديد الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام، والذي ينص على منح المدير المباشر للموظف الصلاحية بإحالته للتقاعد المبكر، إلا وسيلة ضغٍط جديدة لإذلال الإنسان العربي، والعمل على تجفيف أي قطرة كبرياءٍ في دمه تسوّل له التفوّه ب لأ، ومحو أي أثرٍ لكرامٍة في روحه تحرضه على العصيان، و شلّ كل محاولٍة منه للتنقيب وراء المُمسك بزمام أمره ولقمة عيشه. عش عبدًا ومت أخرسًا. هذا هو المطلوب.
في نظام الحكم الغربي، وجود الحزب المعارض يُعد ركيزًة أساسيةً للسلطة الحق، المؤسِسة للعدل، الساعية للتطور، الباحثة عن الصدع لسده، والعوج لتقويمه، والنقص لإكماله. وهو ذات الأصل الذي أسس الإسلام عليه الحُكم؛ "وأمرهم شورى بينهم". بل إن الإسلام عظّمه ابتداءً في داخل الفرد، حين أقسم بالنفس اللوامة، التي تراجع أخطاءها وتعيد حساباتها، فتندم وتلوم، وتصحح وتتوب، وتمحو وتحسِن. والشاعر الذي ترنم قائلاً: ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا .. وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ. أشار بفطريّةٍ صافية إلى سر توازن الوجود وانسجامه، بل واكتماله. فالفعل لايكمل-مع استحالة الكمال- إلا بصوتٍ معارض، وعينٍ ناقدة، وذهنٍ مُصوّب، يجتمعون في روحٍ مخلصةٍ ناصحة؛ ترى الخلل فتشير إليه،وتتحسس الخطر فتنبه لتفاديه، وتشعر بالنقص فترجو مداراته. بيد أن الخونة الذين يحكموننا، ينفذون أجندة الاحتلال المعاصر حرفًا حرفا، وقهرًا قهرا. غاية هؤلاء وأذنابهم إنشاء إنسانٍ بلا لسان، لايبغي إلا ظل الحيطان، ولايعرف إلا سلمية الهوان. يضيقون عليه رزقه وأرضه وسماءه، فلايدعونه إلا وقد ختموا على جبينه: لاأريكم إلا ماأرى.
إن أهم خطوة لنهب الأوطان هي إذلال المرء أمام نفسه، بتقزيم تاريخه و بطولات أجداده، بالتشكيك في ثوابته، وتذويب هويته. انتزاع أخص مايميز أمته؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أن يستقر في أعماقه أن الثائر في وجه السلطان الجائر ليس إلا "راعي مشاكل" لا مجاهد.

الأربعاء، 30 أكتوبر 2019


هل تساءلت يومًا لماذا كل محاولات إرضاء الطرف الآخر وكسب قلبه هي من مبادرات النساء وحدهن!! كيف تحافظين على زوجك؟.. كيف تنالين رضا زوجك؟... كيف تسعدين زوجك؟... أقصر طريق لقلب الرجل هو البتاع... أهم مايريده الرجل من زوجه هو الهباب... انتبهي من فعل كذا... واحرصي على عدم فعل ذاك!!
في المقابل تجد الرجل "مكبّر دماغه" تمامًا عن هذي الأمور. لا يحاول إشغال نفسه بمحاولة فهم المرأة أو تحري سبل إسعادها. لايوجد في قاموس حياته لاعشر طرق ولا عشرين ولاحتى خمسين لكسب قلب المرأة. هو غير مستعد لتضييع ثانية واحدة من وقته في البحث عن أقصر أو أطول طريق لنيل رضاها. في أحسن الأحوال، هو يأخذ الأمر بالبركة؛ إن وجد طريقة لإسعادها حلوو وعال العال، وإن لم يجد فالقيامة لن تقوم بسبب ذلك. وحتى وإن أقامتها رفيقته، ف "ماتش كورة" أو لعبة"بابجي" أو حي الله مقهى، كفيل بأن ينسيه أهوال تلك القيامة.
لماذا.. لماذا لايماثل سعي الرجل سعي المرأة؟ الجواب ببساطة: لأن المرأة كائنٌ زئبقي يستحيل فهمه. هي نفسها لاتفهم في أحايين كثيرة ماالذي تريده تحديدًا، وماالذي يسعدها حقًا. ربما لكونها عاشت في خوفٍ عتيق، خلِق مع وجودها. خوف من عارها،من مسؤوليتها. خوف من تعليمها، ثم من تجهيلها. خوف من أسرِها، ثم من انطلاقها. يصفونها بأصل الحياة وامتدادها، ثم ينسبونها لضلعٍ أعوج. يقولون أنها عِلّة القصائد والأغاني والحكايات، ثم يرمونها بنقص العقل والدين. هي جنة الرجل على الأرض، لكن لأجلها أريق أول دمٍ على هذي الأرض.
مطاردةٌ هي بالرغبةِ واللعنة. محاطة بأعين الغزل وألسن النقد. مأكولةٌ مذمومة. ضعيفةٌ كائدة. أين تذهب بكل هذي الكلاليب، ومن أين لها أن تستقر وماعرِف لها ماءٌ ولاأصل. نهرٌ مجنون أشبه ماتكون. نفِـثت حوله الشائعات، منهم من يقول: لبنٌ مصفّى هو، ومنهم من يهمس: بل السم في الكعك.

الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019


" لا أحد يا عزيزي ، هل تُراني سأتصل بكم في السادسة صباحًا ، لو أن هناك أحدًا في حياتي أستطيع أن أوجه له تحية ؟!
هكذا أجاب المتصل على سؤال المذيع : عزيزي المتصل لمن توجه تحيتك ؟!*

المشهد الآخر:

" إذاعة نداء الإسلام من مكة المكرمة "...
كثيرًا ماتردد هذا الصوت على سمعي، في الصباحات التي كنت أتوجه فيها لعملي. وحيث أن المحتوى هزيلٌ مثيرٌ للشفقة، لا يليق مستواه بطفلٍ في العاشرةِ من عمره، فلم ألق بالاً لبرامج تلك الإذاعة. وحدث في إحدى نوبات يقظتي أن التقطتُ صوت المذيع وهو يرحب بمتصلٍ وصفه بالصديق الدائم للبرنامج. كان صوت المتصل ذا بحةٍ مميزة، لاتخطئها الأذن المدققة. ولأيامٍ لاحقةٍ عديدة استقر صوت ذلك الرجل في أذني حتى حفظته عن ظهر قلب. وبينما كنت متوجهة لعملي في إحدى صباحات الشتاء الهادئة، إذ بأحد البرامج المكرورة القديمةِ قِدم الزمان وأهله يبدأ وصلته التقديمية، حيث الصوت المسبّح المُهلل المرتل؛ تماوجت أعماقي وتقطب جبيني واستحلتُ أذنًا مصيخة السمع لذلك الصوت الذي لم أخطئه. نعم... إنه صوت صديق البرنامج!... صديق البرنامج الوحيد، والذي اتضح أنه ليس إلا موظف في تلك الإذاعة التعيسة!
الوحدة تفعل الأعاجيب. الإقصاء يجبرك على أفعال لم تتخيل يومًا أنك ستقدِم عليها. النبذ قاسٍ قسوة صقيعٍ سيبيري.

متصل السادسة صباحًا، لم يكن اتصاله إلا استغاثة يخبر الكون عبرها كم هو وحيد، كم هو بحاجةِ رفيقٍ يبدد وحشته. إنها الحاجة لنديمٍ تقاسمه قهوة الصباح ونشوة أغاريد العصافير. تفك معه أحجية الندى وانحناء الغصون. يلتقط من فيك ماالتمع في عينيك من توثب الحروف. وترتعش أنامله لنبض قلبك الذي استفزه تماهٍ لم تجده إلا معه. الحاجة لشريكٍ يُلوّن يومك بماتشتهيه نفسك. تكون إطلالته نافذة الضياء، وصوته هودج الطمأنينة، وتربيتته وداعيّة الأحزان. رفيق لايخطيء فهم مقصودك، ولايبحث فيماوراء ظنونك. بل هو القريب الذي وإن أساء الظن وجدت ألف عذرٍ له، ثم غفرت، ثم قلبت السيئة حسنة، وأحببته فوق الحب حبا. كيانٌ يكفيك منه وجوده، وروحٌ يؤنسك مجرد تردد أنفاسها. يلوم فلا يكون اللوم إلا حرصا، ويعتب فلا يثمر العتاب إلا ودا. يغضب فإذا هي فرصة القلوب لتجديد العهد. ويشتم فتترجم أذن المحِب الشتائم كلمات عشق. من حلكة الأسى يكون وحده نقطة الضياء التي تبدد الظلام. يأخذك من كفيك...من ذراعيك.. من خاصرتك، ينتشلك من محيط الوجع، يحلّق بك في سماوات الطمأنينة الوادعة واللذة التي لاتشابهها لذة، ولاتدانيها أمَـنة. يهبط بك حيث لا كدر ولانفاق، حيث لسان الصدق، وقلب الصدق، وتحية الصدق. سلامٌ هي حتى تضع الأرض أثقالها ومابعد.. ومابعد.

الخميس، 17 أكتوبر 2019


قبل مايقارب خمسة وعشرون عامًا، تزوج أحد معارفنا بفتاة من أقاربنا، درويشة، محدودة التفكير، غير متزنة تمامًا في أفعالها. من البداية عافتها نفسه، فقام بإرجاعها لبيت والدها الذي ألح عليه أن يمسك زوجته ويصبر عليها، وستتكفل الأيام-كما ادعى- بإصلاحها وتجميلها في عينه. في كل مرة يعيد الرجل الفتاة لبيت أهلها، يعود الأب ليلصِقها به، ويقسم عليه أن يتحملها ويصبر عليها. أظن أن الرجل توقف عن محاولات الخلاص منها بعد إنجابها. لقد أنجبت ثلاثة أبناء، وهو عدد قليل جدًا، بالمقارنة مع الوضع الاجتماعي لهما، حيث يتنافس أفراد عائلتيهما في إنجاب أكبر عددٍ من الأبناء. قبل خمس سنوات تزوجت ابنته البكر، ثم انتقلت الأسرة بعدها للبيت الذي أتم بناءه خلال عشر سنوات، نظرًا لقدرته المادية المحدودة. وفي السنة الماضية زفّ ابنته الصغرى لزوجها، ولم يتبقى لديه إلا الصبي ذو السبعة عشر عامًا.
مباشرةً بعد زواج ابنته الصغرى، انتقل الرجل إلى الدور السفلي حيث الشقة التي رفض سابقًا أن يؤجرها رغم حاجته. وظلت المرأة في بيتها لم يتغير عليها شيء من أمور النفقة والرعاية، حتى صعِـقت بابنها ينقل إليها رسالة والده بأنه قد طلقها صبيحة زواج ابنتهما.
حين سمعتُ بأمر تطليقه لزوجه، قفزتْ إلى ذهني مباشرًة كلمات عادل إمام في فيلم المنسي: حلو أوي لما الواحد يزهق يقدر يمشي. أنا أحيانًا بزهق، بس مقدرش أمشي. لو مشيت ممكن أتسجن. في ناس كتير زيي، تزهق بس ماتقدرش تمشي... تموت وهي زهقانة.
بالطبع كانت غلطة الرجل من البداية، مسايرته للمجاملات العائلية والأعراف القبلية، وحكايا العيب والشرهة، على حساب نفسه ومشاعره. لكن الواضح أنه خطط مبكرًا للخلاص من هذه الورطة، يبدو ذلك جليًا من عدد الأبناء القليل، وحرصه على تزويج ابنتيه دون تأخير، ثم امتناعه عن تأجير شقته اليتيمة. نعم. هو الآن على مشارف الخمسين، وربما وضع رجله على أولى عتباتها. لكن بعض القيود تبلغ من الثقل حد أنك ترجو الخلاص منها ولو لم يتبقى في حصّالة عمرك إلا يوم واحد. يوم واحد ستتنفسه بملء رئتيك، تتلذذ بثواني الحرية المتشبعة بها جزيئاته. يوم واحد يشعرك أنك ملك نفسك، وأنّ الـ "لاء" التي جالت عمرًا في سماء صدرك استحالت واقعًا بأمرك وحكمك وقرارك. يوم واحد تعيشه كما تريد أنت، لا كما يمليه الواجب والعرفان. يوم تكون فيه أنت،ولو بندوب الخيبات والحرمان. أنت راضٍ بها رضى "آندي" بالقاذورات التي علِـقت به وهو يقطع أنابيب المجاري زحفًا لبلوغ الحرية.
يكفيك أنك لن تموت وأنت "زهقان".

الجمعة، 4 أكتوبر 2019



وبعيدًا عن كون هذه الشريعة السامية توافق المروءة الأصيلة، لذا شددت على عدم الخوض في الأعراض، أو التطرق لمعايب الميت ومخازيه، إلا أن يكون بادي العداوة للإسلام، معلوم النفاق ظاهر الأذى. وبغض النظر عما ذكره النووي من كون هذه الشهادة بالخير للميت لن تنفعه مالم تقتضي أعماله ذلك. فإن الأكيد الأكيد أن المعنيين في قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: أنتم شهداء الله في أرضه، ليسوا رعاع اليوم من أشباه الرجال وأرباع النساء. الخراف الذين رضعوا الذل ومابلغوا الفطام. المتهارشين على الفتات، القانعين بحكم الأوغاد؛ يثورون نزقًا وخِفة، ويرضون يأسًا وخنوعا. شهداء الله في أرضه الذين وصفهم خالقهم(أشداء على الكفار رحماء بينهم) هم على الطرف النقيض من شهداء اليوم أشحة الخير، أجاويد الشر، يسلقون بعضهم البعض بالألسنة الحداد، وأمام الأعادي تخجل من وجيب قلوبهم الأرانب. الشهداء الذين كانت حياتهم تطبيقًا عمليًا لنواهي القرآن وأوامره، ليسوا ذاتهم شهداء اليوم متتبعي الرخص، متصيدي مافي الماء العكر. المتفيهقين ؛ في الحجاب والتعدد وماهية الحياء. مرقّعي الخيانة، مفلسفي الولاء والبراء، مؤوّلي الجهاد ،منظّري الإرهاب.
شهداء اليوم الذين شعارهم: إن كان لك عند الكلب حاجة قله ياسيدي، محالٌ أن يكونوا خلفًا لسلف الشهداء الذين قال سيدهم: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.
شهداء الله الذين كان ديدنهم"سمعنا وأطعنا" ليسوا شهداء اليوم أهل السياق والمناسبة، والتشكيك والاجتهاد الشخصي، وأنتم أعلم بأمور دنياكم؛ دنياهم التي باتت غثاء كهممهم، عفِـنةً كنواياهم، سوداء كقلوبهم التي يتشدقون باستفتائها!!
شهداء الله الذي أبى أحدهم رد السلام على ابن عمه وقد تسوّر حائطه التزامًا بالنهي الرباني، لن يكون امتدادًا لهم شهداء اليوم، أهل التقارب والتحاور والتسامح، والحرية الشخصية، والدين في القلب مش بالمظاهر. لينزوي دينهم قريبًا في ركنٍ قصي من المساجد. شهداء الله الذين قتلوا آباءهم وإخوانهم وأبناء عمومتهم لأجل الله، براء منكم ومما به تشهدون.

الأحد، 29 سبتمبر 2019


في فيلم cast away لتوم هانكس، والذي جسّد فيه شخصية موظفٍ مهووسٍ بالوقت، وحساب الوقت والتسابق مع الوقت؛ تراه راكضًا في كل الأنحاء حاملاً معه مؤقته، محصيًا أسرع عملية فرزٍ يقوم بها طاقمه، مستنفرًا الجميع بصوته العالي، وكلماته السريعة اللاهثة، لبذل المزيد من السرعة، وتحطيم الرقم القياسي في كل مرة. وهو لاينسى مع كل هذا الصخب أن يحتفظ في حقيبته بهديةٍ ما يقدمها للصبي المنضم حديثًا للفريق، كي يضمن ديمومة اتقاد حماسه. وفجأة.يتوقف كل هذا. يختفي اللهاث المحموم ليحل الصمت الثقيل محله، حين تتحطم طائرته وتلقيه الأقدار في جزيرةٍ نائيةٍ لمدة أربع سنوات. أربع سنوات قُضِـمت من عمره بقسوة الأقدار التي لاتداهن على حساب سيرورة الكون وقوانينه. ترغمه هذه العزلة القسرية على الاستسلام لعقارب الساعة المتوقفة. لينكفيء على ذاته تأملاً وتنقيبا، ثم يرفع ناظريه تفحصًا وتدقيقا؛ في الكون والنواميس، والأشياء والناس. توقّـف كان لابد منه، لتنضبط معايير الأمور لديه، ويعاود اتزانه النفسي الذي انفلت منه مع سعار اللهث خلف الوقت.
كل هذا استعدته وأنا أقرأ كلمات الرافعي على لسان الراهب (شطا) حين أجاب مارية عن استفسارها عن(الله أكبر) :
إنها كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقتٍ ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يديّ من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعةً أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا ترين هذه الكلمة قد سحرتهم سحرًا فهم لايلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ قد شملتهم السكينة ورجعوا غير ماكانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم! .. انتهى.

حين تعود لشخصية شاك في الفيلم أعلاه، تجده قد اتخذ في عزلته إلهًا(كرة رسم لها ملامحًا ووضع عليها شَعرًا وأطلق عليها اسمًا) أخذ يناجيه في وحدته استئناسًا ، ويتفاءل بمطلعه استجداءً لطلب المعونة؛ في إشعال النار، وطلب الثمار، ومعرفة اتجاه الرياح... فطرة الإنسان الذي إن لم يكن عبدًا لله، كان عبدًا لغيره؛ وقتًا أو صنمًا من صنع يديه. الإنسان الذي لايعلم مفاتيح اتزانه إلا من خلقه ونفخ فيه من روحه؛ كان وسطًا بين طينٍ أرضي ونفخٍة سماوية، لم تكن لتستقيم حياته دون هذا النهج الوسطيّ المتمثل في دين الإسلام؛ عقيدته وشرائعه، عباداته وضوابطه. كل ذلك ضمن بناء هندسي دقيق، يعاير أدق حركات الإنسان وسكناته،فلا يشطط ولايخور، لايُفرط ولايفرّط، لايغالي ولا يزهد. يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا.
والذي حثّك على غرس الفسيلة والساعةُ قائمةٌ عليك، ذاته من قال لك:صلّ صلاة مودّعٍ حين تمثل بين يديّه.

الجمعة، 27 سبتمبر 2019

كنت أظن خريف العمر تعبيرّ يرمز للمشيب و التقدم في السن. وحين مضت بي السنون، واقتادتني رغمًا عني في دروبها، أدركت أن الخريف المعني إنما تساقط البشر من حولي وعيني وقلبي؛ الرفاق والإخوة، الأهل والأصدقاء، الخلان والندماء... وكل من تعلّق بهم يومًا هدب قلبي، وتوهمت سذاجًة أنني سأشيب برفقتهم.
توغل في ممر العمر بينما يتساقط هؤلاء من شجرة ذاكرتك وعرفانك، يتبخرون مع أحلامٍ آمنت بتحققها، وحدودٍ أقسمت ألا تتجاوزها. يتلاشون مع العشم والدهشة، مع خيط النداء الذي بح صوتك. يذوبون مع الضحكات العتيقة. تلك التي ماعدت تدري أهي من تاهت فضيعتك، أم أنت من فقد الدليل إليها زهدًا ويأسا.
صوت اليباس في أوراق الخريف المتساقطة، شاهد حكمتك التي جناها تغضّن جبينك. والخريف الذي يحوّطك خديعتك لذاتك، جفناك اللذان أغمضتهما تجاهلاً وتعاميا، أملاً كاذبًا، وأمانيّ غرّت فأضلّت.

قبل عدة شهور كنت خارج البلاد، وحين عدت وجدتهم قد أحدثوا ترتيبات جديدة في مكان العمل، وغيروا في مواقع المكاتب والغرف. كان مكتبي الجديد قد وضِع خلافًا لما اعتدت عليه؛ بعيدًا عن الأركان، مستقبلاً لجهاز التكييف. وخلال الثلاثة أسابيع اللاحقة ظللت أتذمر وأتسخط، وأولول وأتضجر من التغيير الجديد الذي أثّر على صحتي، حيث أصبت بالحمى المتكررة جراء تعرضي المباشر لهواء التكييف. هسسسسس... لامجيب لنداءاتك ياهنيد. في النهاية ثبتت الرؤية، وتأكد لي أنه لامناص من الثورة لنيل الحقوق. قمت بمساعدة إحدى طالباتي ومستخدمة رشوتها بمبلغٍ من المال، بدفع مكتبي إلى مكانه القديم الذي حولته المديرة إلى قاعة اجتماعات زينتها بورق الجدران، والباركييه، والنجف، والتحف، وكل مايبرِق ويبهِج. بالطبع وصل أمر التمرد إلى مسامع السيدة المديرة في لمح البصر، فثارت ثائرتها وجُن وجنونها. وكونها تتجنب الاصطدام بي اتقاءً لسلاطة لساني وحفاظًا على برستيجها ومقامها السامي، فقد سلّطت عليّ زبانيتها وعبيدها الذين توافدوا إليّ تِباعا؛ بين متقنّعٍ باللين والابتسام مُدعٍ الصلح لوجه الواحد القهار، وبين محذّرٍ منـبّه يقسم أضغث الأيمان أنه لايرجو سوى تجنيبي الضرر والملام، وآخرين تزيّوا لباس الجدية والحياد، لسان حالهم : ليس على الرسل إلا البلاغ. ومع صنوف الوفود والطوابير كان ردي الأوحد : لا أريد سوى حقي. حقي في أن أمارس عملي في بيئةٍ مناسبة تعينني على ذلك،طوال سنوات عملي ومكتبي يقبع في الركن الذي لايواجه التكييف، ولن أبرح مكاني هذا حتى أستعيد حقي، ولو اضطررت لسحب مكتبي إلى هنا مع كل يومٍ جديد.
أقل من ساعة، وأخلت معلمة الدِين التي تقبع في الركن المعنيّ مكانها. ودخلتُ بعد انقضاء حصتي القاعة دخول الفاتحين المنتصرين، لأجد مكتبي في انتظاري في المكان الذي أريد، بينما حلّت معلمة الدين مكاني في مواجهة تيار التكييف. استويتُ على مقعدي بهدوء دون أن ألتفت لأحد، وسط صمتٍ ثقيل لم تغب عني علّته. في اليوم التالي اقتربت مني زميلة تكِن لي ودّاً ملحوظا : هند ليه كذا؟
- ليه شنو؟
- ليه ماشكرتي معلمة الدين الفاضلة اللي تخلت عن مكانها لأجلك.
- مو لأجلي... هي عملت هالشي لجل تكسب رضا المديرة. ظليت ٣ أسابيع تحت وطأة الحمى، وكلكم شايفين وعارفين وضعي ورغبتي، وماتحركتْ إلا بعد استنفار المديرة وأوامرها بإبعادي عن قاعة الاجتماعات. هل أرغمها أحد على التخلي عن مكانها؟
- لا، هي تبرعت بذلك لجل تنهي الخلاف. هي إنسانة متدينة وطيبة، ماحبت تتفاقم المشكلة بينك وبين الإدارة، وتنازلت عن مكانها بطيب خاطر لوجه الله.
-إذا لوجه الله فعلاً فهي لن تنتظر مني شكرًا. قفلي على هالموضوع رجاءً.

معلمة الدين امرأة جميلة، بيضاء البشرة دقيقة الملامح، موسومة بين الجميع بالصبر والطيبة. زوجها الدميم حالك السمرة، تزوج عليها قديمًا، ثم حين طلق زوجته، أرغمها على استقبال ابنتيه في بيتها المملوك لها، فأحسنت استقبالهما، كما أحسنت الصبر على بخل زوجها، وسلبه مالها، وإساءاته إليها طوال سنوات عشرتهما. وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يثني على خُلقها و صبرها واحتسابها الأجر. كنت أتأملها في بعض الأوقات وأتساءل في سري: لماذا تفعل ذلك؟ لماذا تقبل الاضطهاد بكل هذا الخنوع؟ لماذا لاتتحرك ضد هذا الرجل الغنية عنه بمالها وجمالها!.. ولأني أوقن أن مابين الرجل وزوجه شأنٌ لايمكن الوصول لحقيقته، لم أتوقف طويلاً عند شكوى هذه المرأة وادعاءاتها.
ومنذ أن وفدت إلينا هذه المديرة البغيضة المتسلطة قبل أربع سنوات، والمدرسة تستقبل مع بداية كل عامٍ دراسي وجوهًا جديدة، بديلاً عن تلك التي استقالت أو تقاعدت أو هربت بطلب النقل. وقبل أسبوعين انضمت إلى كادر المعلمات معلمة جديدة، اتضح أنهاصديقة قديمة للمديرة، سعت في ضمها إلى فريق العمل لتكون ردءًا لها تعينها وتنصرها. وصباح الأمس بينما كنت أرتشف قهوتي، انتبهت إلى معلمة الدين إياها تدور على المتواجدات، وتنحني بكامل جسدها لتصل إلى أذانهن، فترسل همسًا ماتلبث إحداهن أن تقابله بعينين شاخصتين ذاهلتين، ثم تتبع ذلك بهز رأسها بالنفي. تكرر ذلك مع الغالبية، مع حرصٍ على عدم الاقتراب مني، أو وصول الأمر لمسامعي. توجهت بعد قرع الجرس لحصتي دون أي محاولة لتقصي الأمر. وبعيد انتهاء الحصة، وبينما كنت أسير في الممر اقتربت مني إحداهن تسأل: ايش رايك بالمهزلة الجديدة، أكيد رفضتي.
-شنو القصة؟
- معلمة الدين ماقالتلك؟!
- لأ... شفتها تدور على بعض الزميلات وتوشوش لهن... بس ماأعرف ايش الهرجة!
-ههههههه، أكيد خافت منك، لجل كذا ماحكتلك.
رفعت حاجبيّ متسائلة، فبادرت :
- معلمة الدين تدور على الكل، تطلب المساهمة بمبلغ مالي لجل الاحتفال بالمعلمة الجديدة صديقة المديرة. ياأختي من متى حنا نحتفل بالمعلمات الجدد... والله بعمرها ماصارت!!
كنت قد وصلت إلى مكتبي في ذات اللحظة التي انتصبت فيها معلمة الدين من انحناءها نحو تلك الزميلة التي عاتبتني ذلك اليوم على عدم شكرها. تأملتها وهي ذاهلة قد تسمّرت عيناها في وجه معلمة الدين. ثم انزلقت نظراتها نحوي، فأومأتُ لها بابتسامةٍ واهنة، وطيف زوج معلمة الدين ماثلٌ أمامي.
نعم، لن يركب ظهرك إلا من سمحت له بذلك. لن يضطهدك إلا من وصلته رسائلك بخنوعك واستسلامك. الهزيمة لاتحدث على غفلةٍ منا، والعبيد لايظهرون من العدم. هم فقط يحتاجون طاغيًة يخلق بيئةً لتكاثرهم، وظهور العبد الكامن في أعماقهم. ربما تكون إحدى حسنات الطغاة هو كشف الغطاء عن هؤلاء الأذلاء المقززين. ليكون جيل الثورة الحقيقية جيلٌ يُـعد من الصغر على الأنفة، والعزة، والكبرياء، يُربى منذ نعومة أظافره على نيل الحقوق صاعًا بصاع ونِدا بند كما أداء الواجبات. يكبر وقد وقر في صدره وحُـفِر في وجدانه، وتردد كما الصدى الأزلي في سمعه؛ مقولة سيدنا الفاروق : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار !

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019


-الحب يليق بك أيتها الانيقة وان كان حباً فطيما،
-يليق بي أن أحِب  أم أحَب؟
-الاثنان... لكن اتحدث عن الواجب وهو بفتح الحاء، والباقي نافلة لك، عسى ان تعيشي عمرًا محمودا.

الأحد، 15 سبتمبر 2019


اعتراف صريح من أحد الأزواج: زوجتي هي مصدر قوّتي. أما باقي النساء فهن نقطة ضعفي!!
وصلتني الرسالة أعلاه عبر الواتس اب على أنها نكتة، فضحكت كونها كذلك، ثم مالبثت أن غرقت في التفكير؛ متخيلة حال أي امرأة توضع أمام هذا الخيار: هل تفضلين أن تكوني مصدر قوة لزوجك أم نقطة ضعف عنده! الأمر لايحتاج طول تفكير. وكوني امرأة، أجزم أن جلّ النساء ستختار أن تكون نقطة الضعف لدى رجلها. علة ذلك بكل بساطة: الفطرة.
فطرة المرأة التي خلِقت عليها؛ أن تكون محل اهتمام الرجل وعنايته، وملاحقته وتدليله لها. أن تظل مثار إعجابه ولذته ورغبته، في الوقت الذي يكون هو فيه مصدر قوتها وسندها واعتمادها، وركنها الذي تأوي إليه حين تهاجمها صروف الدهر ودواهي الأيام. والرجل يتقبل هذا الدور دون احتجاج، كونه مستعد له استعدادًا فطرياً ربانياً استنادًا إلى مسؤولية (القوامة) التي حمّله الله إياها ابتداءًا.
نعم، المرأة الأصيلة لن تتخلى عن رجلها حين يحتاج إليها. ستسخّر كل طاقاتها من أجله. ستوفر له أقصى مالديها من عونٍ مادي ومعنوي. وإن جاز أن نستأنس بقصة زوج سيدنا أيوب عليه السلام في هذا المقام، فلا يمكن اعتبارها قاعدة أصيلة. فبعيدًا عن كون سيدنا أيوب نبي مرسل ورجل مؤمنٌ صالح ، وزوجه كذلك، فإن فعل زوجه - المستند بدايةً إلى الإيمان- يصب في خانة الوفاء وجزاء الإحسان بالإحسان، لِما رفلت فيه من نعيمٍ سابق مع هذا الزوج أول حياتها. فالأمر، وأعني أن تكون الزوجة مصدر قوةٍ مادية، لم يكن هو الأصل ولا القاعدة، إنما جاء استثناءً لوضعٍ طاريء، وامتحانٍ رباني علم صاحبيه يقينًا أنه كذلك. وإلا فإن مقولة ابنة سيدنا شعيب " إن خير من استأجرت القويّ الأمين" تحمل الدلالة الأكيدة على ماتنشده المرأة من قوة واعتماد على الرجل.
لن تكون المرأة مصدر قوة للرجل إلا من ذات نقطة الضعف الذي تمثله. بمعنى أن تكون أنثى حقيقية مستوفية لمقتضى فطرتها. يستمد من رقتها قوته، ومن شغفها وخضوعها ثقته، ومن حنانها وحرصها على مملكتها استقراره، ومن عفتها وحكمتها ثباته، ومن احتياجها له معنى وجوده. فهي مصدر قوته من نقطة ضعفه فيما أكّـد عليه الشرع؛ تعينه على غض بصره، وحفظ فرجه، وصون عرضه. ثلاث هنّ مدار اهتمامه، ومنهن يُـؤتى ويُـفتن ويجني بهن على نفسه وغيره؛ لقوة سطوة الغريزة التي وضِعت فيه نحو الأنثى. كل مايخرج عن هذا الإطار في معنى الاحتياج والقوة والضعف، هو معنىً شاذ أو حالة استثناء. ومايستدل به بعض المتفيهقين (للاحتجاج بوجوب تحجب الرجل كما المرأة) من كون خديجة رضي الله عنها قد فتِنت بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، هو مردودٌ عليهم، مؤكِدٌ لما جاء في هذه الأسطر؛ حين رغبت السيدة خديجة في زوجٍ قويّ تعتمد عليه، يحفظ مالها وتجارتها، ويخلصها من أطماع الطامعين، فكان أن اجتمعت في سيدنا محمد قوة الشباب والدين، والخُلق والحسب والنسب.
بمقتضى الفطرة، الرجل مصدر قوةٍ للمرأة. قد تكتمل أركان هذه القوة جسدياً ومادياً، وخُلقاً ودينًا. وقد تقصر ويظل رغم ذلك، بمسؤولية القوامة مصدر الدعم والعون والقوة. والمرأة المخلوقة من ضلعه هي مصدر قوته من كونها نقطة ضعفه. بها تقويّه ومنها تستدرجه لتستقوي. لايمكن أن تقبل المرأة أن تكون مصدر قوة بغير هذه الصورة، إلا فيما يمكن إدراجه في خانة " حالة خاصة" تستدعيها طواريء الأوضاع واستثناء الأحداث، من حربٍ وتهجير، وبطالةٍ وتفقير، وتآمر أعداء علموا علة الاستقرار والنهوض، من مراعاةٍ لخصوصية المرأة والرجل، والوضع الفطري الرباني للعلاقة بينهما، فعمدوا إلى كل مامن شأنه أن يشوّه هذه الخصوصية، وينتكس بها إلى أسفل السافلين.

الجمعة، 13 سبتمبر 2019


كنت أقرأ في سيرة المفكر الإسلامي محمد عمارة، والعوامل العديدة التي أثّرت في تكوين شخصيته العلمية، ومن ضمنها العوامل الثقافية. فكان أن ذكر المؤلف مكتبة خاصة امتلكها الدكتور عمارة في مقتبل عمره، أثّرت عظيم الأثر في تكوينه الثقافي. العجيب أن مالك المكتبة الأصلي فتىً من ذات القرية من خريجي الأزهر، كان شابًا أديبًا وقارئاً مثقفًا، حوت مكتبته أربعة آلاف كتاب في فروع متعددة: أدب وتاريخ، فلسفة واجتماع، فقه ونحو..... والعديد من المجلات العربية منها النسخة الأصلية من مجلة العروة الوثقى... هوب، ومات الفتى! فما كان من ورثته إلا أن سارعوا ببيع مكتبته، لتكون من نصيب محمد عمارة!!
لم أقو على مجاوزة الصفحة تلك الليلة. ظللت لساعات أتخيل مسار الحكاية. منظر الوالدين المفجوعين بابنهما الفتيّ، عائلته...إخوته المحزونين... وربما زوجة شابة، وصبي أو طفلة صغيرة... كل أولئك يذرفون الدموع الحارة على الفقيد الغالي. والدته المكلومة في ركنٍ مظلم قد همست في ذهول : ليه...ليه... اشمعنى ابني؟!
والجواب ببساطة : عشان المكتبة!
نعم، كان يجب أن يموت الفتى لتنتقل المكتبة إلى شابٍ آخر اسمه محمد عمارة، كان لابد وأن يحظى عمارة بالمكتبة لتكون ردفًا وداعمًا له مع بقية عوامل تثريه وتنمّيه وتهيؤه للدور الذي سيشغله. مسطورٌ في مسيرة تلك المكتبة أن تستقر في صدر ذلك الرجل الذي ستمتليء أرفف المكتبات بمؤلفاتٍ يذود فيها عن الإسلام ضد الغلاة والحاقدين ودعاة التغريب. رجل يحمل في راحتيه مشروعًا نهضويًا لأمته.
فقط تأمل في هذه الأقدار الخفيّة الدقيقة؛ كيف تتسلل عبر شقوق الحياة، من تحت أبواب الدور، خلال شروخ الأيام، لتستقر في مكانها الصحيح... الصحيح جدًا، برؤية مهندس الكون الذي أتقن كل شيء صنعا.
إنه تدبير من يرى الصورة الكاملة؛ قطع البازل التي تتراءى أحجيةً محيّرة ناقصة، وربما خاطئة، يتضح معناها للبعض قبل اكتمال رصها، فيما لايدرك البعض الآخر المغزى منها إلا بعد الانتهاء من تركيبها... كمالٌ لايتأتى في هذي الحياة الفانية.
ربما لم تهمس والدة الفتى الأزهري بالسؤال المعترِض. ربما امتلكت ذلك اليقين الراسخ الذي به رأت ابنها لبِنة في بناءٍ متكاملٍ متقن التشييد، أدّى دوره على خير مايرجو، حتى إذا مااستوفت أيامه عدتها على الأرض، سلّم الراية لمن خلفه ليكمل المسير... وتعود هي بحصة الرضا، رضا " ومنهم من ينتظر". إذ في عرف الموقنين ليس الوصول هو الغاية، إنما الموت على الطريق. وإرشادات الطريق تومض لك بطرفٍ خفيّ : وإن غاب عنك المغزى أمسِكْ عليك يقينك. إن لم تدرك الحكمة من التدبير، فثق بصاحب التدبير. اعتمد على من "كل شيء عنده بمقدار"

الجمعة، 30 أغسطس 2019


عندما يتطلع الإنسان إلى نفسه في مرايا الزجاج لايلحظ تغييرًا أو تبديلا، ولكن عندما يتطلع إلى نفسه في وجوه الناس يعرف أنه تغير. تذهله التجاعيد التي هي إمضاءات الزمن. تدهشه الشعرات البيضاء التي تشبه الأكشاك الصغيرة التي يجلس فيها "المحولجي" في طريق السكة الحديد، والتي تعلن أننا اقتربنا من محطة الوصول! السعداء هم الذين تنبت الشعرات البيضاء في رؤوسهم، وتظهر التجاعيد على وجوههم لا على قلوبهم! *
مصطفى أمين.

لمعت أول شعرةٍ بيضاء في كثبان شعري حين كنت في السابعة عشر من عمري. أذكر ذلك جيدًا. كانت ناصية رأسي تغلي كالبركان فيما أصابع يدي تشد خصل الشعر تلك، عيناي تشخصان في ذهول، وقلبي يُسحق تحت وطأة ألمٍ عظيم، فيما لساني المخدّر يردد: لا... لا.. لايمكن أن يحدث هذا. اتضح لاحقًا أن "هذا" الذي حدث، تافهٌ وسخيف بدليل أني لا أذكره. وماعلِق في ذاكرتي من كل تلك التراجيديا التي طالما برعت فيها، الوميض الذي بَرق لي في صباح اليوم التالي وأنا أسرّح شعري أمام المرآة.
تذكرتُ وصف مصطفى أمين والشيبة البِكر في ناصيتي وأنا أتأمل ضيفتين جديدتين تتدليان بخفة نحو أذني، وكأنهما تهمسان بتأكيد: هانحن ذا قد اقتربنا. الغريب في الأمر أنني أستقبل طلائع الوفود البارقة برحابة أنوثةٍ لاأملك نحو تماديها أدنى سلطان. أنا الثائرة التي ضغطت بأقصى جموح دوّاسة البنزين وهي في الخامسة عشر من عمرها، صاحت بأقوى تمرد تطالب بالحرية والانطلاق وقيادة السيارة، أستكين اليوم وادعة خاضعة لإغراءات الأنوثة التي تهمس : انتبهي قد تخشوشن قدماك من أثر الدعس على الدواسة... قد ينكسر ظفرك وأنتِ تديرين المقود!! وحين تحملق العيون الداهشة مستفسرة باستنكار : ألم تقودي حتى الآن؟ تأخذني العزة بماضي النضال، وأعاود القيادة سعيًا وراء امتلاك الرخصة. يوم يومان... أسبوع ثلاثة... لأصطدم في النهاية بالحقيقة المفاجئة؛ لست متحمسة لهذه الخطوة! بمعنى أدق: لا أريد الالتزام بها. لاأتخيل نفسي بعد شراء عطري وأدوات ماكياجي أتوقف في إحدى ورش الصيانةلنفخ عجلات السيارة، لا أتصور أنني بعد جلسة دلع، أدلل بها أطرافي بالبديكير والمنيكير، أمرّ ببنشريّ ليغير زيت السيارة ويشيّك عليها! الأمر لايستقيم؛ إن الوضعين متناقضان. ثم كيف سأستمر بلعق الآيس كريم حين أذهب لمدرج الطائرات أتأمل هبوطها وانطلاقها بينما أنا مشغولة بالقيادة؟!..شاهدت ذلك اليوم فتاة تنحت جانبًا على الرصيف في انتظار وصول شرطة المرور، بعد تعرضها لحادث اصطدام بسيارةٍ أخرى، كانت الساعة الثانية جحيمًا. ياإلهى، هل من الممكن أن يحدث ذلك معي!!! هززت رأسي بقوة، أطرد تلك الصورة البغيضة لقطرات العرق، بل لسيول العرق وهي تنساب على جسدي الشريف.
ماهذه التفاهة؟... توقفت مع نفسي أخاطبها: ماهذا الهراء عن البديكير والآيس كريم وقطرات العرق؟ أيّ تفكيرٍ سطحي قادني للتفوّه بهذي السخافات! كيف أضع الحرية، وامتلاك زمام المبادرة، وتحمّل المسئولية، والثقة بالنفس، في كفةٍ مقابلة لعقد مفاضلة بينها وبين البديكير ولعق الآيس كريم وتدليل الحواس! هذا لايليق بك ياهند. لايليق بجديتك، وشخصيتك الاستقلالية، وماضيك الثوري. إن صورتك تبدو الآن أقرب للمرأة التقليدية البسيطة، فقيرة الطموح، محدودة التفكير والمطالب. وهو مما يتعارض مع روح هذا العصر؛ النسويّ المتحرر الواعد. ويسيء لشخصكِ، خصوصًا مع بوادر هذي البيارق التي تلمع في صدغيّك. سيبدو للناس أنكِ امرأة قديمة " مغبرّة" عفى عليها الزمن. لايمكن أن ترتضي لنفسك هذا الدور ياهند.
الدهشةُ المدهشة الداهشة أنني قابلت هذا الاستهجان بابتسامة القانع الراضي بدوره. وظهر لي في لحظة تجلٍ كاشفة أن سحر الأنوثة كعروش الحكم؛ لايُقاوم سلطانها، ولايُهزم إغراءها. نعم تغيرت... ربما غرت في أعماقي بعيدًا، وحين عدت للسطح نفثت ماالتقطته في وجوه الآخرين، لتسطع نور الحقيقة في وجداني قبل صدغيّ؛ لقد مكثت في الخارج مايكفي للزهد فيه.. اكتفيت من مزالق الطريق ومخاطره. والنضال المستعدة لخوضه اليوم حتى النهاية، هو النضال في سبيل الحفاظ على أنوثتي.. هذه هي الحقيقة. حقيقة أطمئن لها إلى الحد الذي يجعلني مستعدة لتقبيل يديّ الرجل الذي يعدني بالحفاظ على باطن قدميّ ناعمتين ورديتين.

الخميس، 25 يوليو 2019


الترجمة... الترجمة... الترجمة...
ياليت لي من الأمر من شيء، إذن لوضعت شرطًا إلزاميا لكل من رام الترجمة؛ أن يكون في مقامه الأول، وقبل إجادة اللغات والإلمام بقواعدها، صاحب روحٍ جوّابٍة شفافة، وشعورٍ مرهفٍ ندي، وذكاءٍ متقدٍ نابه؛ يتلبّس الشخوص إحساسا، والمكان استيعابا، واللغة انسجاما، فيترجم المقال بما يلائم المقام؛ بيئـةً وحالا، لغًة وثقافة.
بالأمس انتهيت من رواية" آلام فارتر" بترجمة الأستاذ أحمد الزيات، وقبل الطرق إلى معايب ترجمتها، أحرر رأيي في هذه الرواية التافهة.. نعم تافهة؛ لاتحمل من الأفكار أثمن مما يموج به ذهن مراهقٍ مضطرب، ولا من السمو مايرقي ب"كاوبوي" لتقليم أظافره، ولا من الوعي مايستنير به طبيب عيون عن مخاطر نقعهما في الليمون. وخير مافيها تصديقها لعته صاحبها وقومه، ممن يمتهنون الفلسفة ويتعاطونها. وإني لأعجب والله، حد الريبة في النوايا؛ كيف لمثل هذي السامجة الجوفاء نيل الشهرة الواسعة والتمجيد المدوي! ثم يزداد عجبي وتتعاظم دهشتي، حين أقرأ تقديم الدكتور طه حسين لهذا العمل، إذ هو يقول " وخصلة أخرى قضت لهذا الكتاب بالبقاء والخلود، هي أنه لم يقف عند تمثيل الحياة النفسية للشباب في طورٍ من أطوارها، وإنما وضع للإنسانية مثالاً على الفضيلة تُحس كل نفسٍ الميل إليه، وتود لو بلغته أو دنت منه، فهو يمثّـل الإيثار والتضحية أحسن تمثيل، ويصور الولاء للأصدقاء والوفاء للأحباء أجل تصوير " !!
ولا أدري كيف غاب عن الدكتور الفاضل قِصر المدة الزمنية التي جمعت الشخوص، فإنّ مابين التقاء فارتر ب شرلوت وانتحاره أقل من السنة والنصف، وإذا مااستثنينا المدة التي ارتحل فيها فارتر عن البلدة، سنجد أن ماجمعهم هي تلك الفترة التي كانت فيها شرلوت مخطوبة فعلا لألبير الذي أحبت، ثم هي بعد ذلك عروس؛ منصرفة لمشاغل الزواج ولذائذ أيامه الأول... وبالرغم من هذا كله، نجدها حين غاب عريسها بضع ليالٍ استشعرت فيها الوحدة، تستقبل فارتر الذي مافتيء يحوم حولها ويترصد خلواتها، فتتهاون في إلقاء نفسها بين يديه، ليحتضنها ويلثم خديها وشفتيها قبلا! هذا ولمّا يمض على التعارف غير شهور، فكيف إذا سار المطي بالجمع دهور؟! فأين هي الفضيلة ووفاء الأصدقاء التي إليها يشير الدكتور ؟؟!!
وأما التضحية والإيثار التي أشاد بها، فسحقًا وتعسًا لها من تضحية؛ تلك التي لاتكون إلا بقتل صاحبها نفسه، بتلك الطريقة الرعناء المؤلمة، التي جعلته يكابد صروف العذاب وألوان الغصص من الساعة الثانية عشر ليلاً وحتى ضحى اليوم الثاني" تارةً ينسم نسم الريح الضعيفة، وتارةً يشهق شهيقًا عاليا، والناس من حوله ينتظرون أن يسكن نسيسه في كل لحظة"... لعائن الله تترى على تضحيةٍ كهذه، وعلى كل من يروّج لها أو يشيد بها. سمّوا الأمور بمسمياتها، لاتبهرجوا المعاني بسحر البيان؛ الرجل معتوهٌ مريض، وفِعله حُـمقٌ صرف، وبلاهةُ عجز، وسوء منقلبٍ لايستسيغه عقلٌ ولا ذوق.
وأما قابعة الزيات التي كرُبت بي الانصراف عن القراءة مراتٍ ومرات، فكانت العبث المُـربك والإرباك العابث. القصة لفتىً ألماني يدعى فارتر يهيم عشقًا بفتاته شرلوت في أحد أرياف أوروبا، حيث الجداول والأشجار، والفراشات والأنهار، وألوان الفواكه والثمار... بيد أن حروف الزيات لاتخبرك بذلك، إنه يواظب باستمرار على انتشالك من تلك الحقيقة، ليضعك رغمًا عن أنف الكاتب أمام فارسٍ عربي يتغزل بمحبوبته داعجة العينين في بيدٍ دونها بيدُ، حيث مرابع القوم ومنازع القوس والكأس الدهاقا. وهاهو يقص على شرلوت ماكان من أمره وصديقته الآنسة ب. فيقول : وقد كان ذكرك ياشرلوت ريحانة المجلس وروح الحديث. آه! كم مرة أجبرتها على إكبارك وإجلالك! أستغفر الله ماأجبرتها ولا أكرهتها؛ إنما تجلك من ذات نفسها عن طوعٍ وإيثار !!! ثم هو يسترضيها قائلاً: نعم ياشرلوت ونعام عين! سأصدقك السعي فيما كلفتني، وأكفيك من حاجتك مااستكفيتني. فلا تخشي أن تحمليني من أمورك غير هذا فإني خفيفٌ إلى مبتغاك سريعٌ إلى رضاك".
بالله عليك، هل تخيلت من تفوّه بأعلاه فتىً أصهب أشقر، بعينين خضراوين زرقاوين، وسط تلالٍ غطتها أشجار الزيزفون!!!
هذا ولم تفتر همة الزيات عن إذعان شخوص الرواية للروح العربية رغم الرفض والإباء، فهاهو يُقوّل ألبير "... ثم غرمت ثمن العلاج للجرّاح فكان ضغثًا على أبالة. فعاهدت الله ألا أدع في بيتي سلاحا..." ثم يعود للمعتوه فارتر فيطلق لسانه مستعطِفًا محبوبته " بَـرّدي حشاي بلفظة ودّعي الظاعن بكلمة. حنانيك لاأطلب إلا ذاك"! ثم يأت-غفر الله له- بأمّ الدواهي وأس العجائب حين يُرسل الشعر العربي الفصيح بلسان الجرماني فارتر: وكان حالهما في الحكم واحدة.. لو احتكما من الدنيا إلى حكم !!!
وهاهو ذا النشمي فارتر يهنيء الزوجين ألبير وشرلوت قائلاً : بالرفاه والبنين ياعزيزيّ! بارك الله عليكما ومتعكما بما حرمني إياه من العيش الرغيد!!!!!!!... ولا ألف عصا تعجّب تفي بإيضاح كمّ العجب!
امض واقطف ماشئت :" عن الأرض لم يطمثها من قبل إنسٌ ولا جن... سبحانك اللهم لو كنت أعددت لي.... عجوزٌ لاتألف ولاتؤلف... الحزن الذي أنقض ظهري... وداعاً ياصديقي الأعز وسلام الله عليك وبركاته... لو تخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكانٍ سحيق"!!!
بل أنت ياأستاذ الزيّات من تخطفت الرواية من عالمها لتدحجها دحجًا في صحارينا ومرابعنا، وأذهلتنا حتى إلى مايقارب الفصام أوصلتنا؛ نقرأ عن أعاجم حمرٌ صفر في جناتهم الخضر، ثم يبرق لنا بارقٌ يصوّر الروميّ وقد وضع العمامة، وارتدى العباءة، وورِد الماء بحثًا عن كحيلة العينين عظيمة الردفين عريبة الجدين!!
لله أنت ومابه أتيت، وعلى الترجمة تجنيت.

الأربعاء، 24 يوليو 2019


في سبتمبر الماضي، كنت في زيارةٍ لاسطانبول، وكنت قد صعدت المترو من ترابيا قاصدة حي فلوريا، وهي مسافة بعيدة لمن يعرفها. وعند نقطةٍ معينة شعرت بحدوث خطأ، إذ ارتفع الصوت معلنًا التوجه لحديقة جولهانة. احترت حينها في أمري، وأخذت أحك رأسي وأمعن التحديق في الخارطة الممدوة أمامي، ثم أجيل النظر خلال النافذة أستكشف مسار المركبة. وبعد أن قرأت الرسالة التي وصلني إشعارها على الهاتف، أغلقته معاودةً التنقيب في الخارطة إياها، ليقاطعني الصوت : انت وين بدك تروحي؟.. التفتُ برجاء الغريق : فلوريا .
- انت بعيدة، شو جابك ع هون.
-ايه... واضح انه في محطة فاتتني.
-شوفي.. بس نوقف بدك تروحي ع المسار التاني، تاخدي الترام المتجه ل(...) توصلي لمنطقة(....) ومن هناك تاخدي باص رقم(...). من المؤكد أن تعابير وجهي كانت تشي بضياعي التام، لذلك توقف الفتى عن الاسترسال : خلص.. رح انزل معك وأوصلك لمكان الباصات.
في خلال دقائق الانتظار، تحدث صاحب العينين الأشد حزنًا التي التقيتهما في حياتي؛ عن والدته البعيدة في الداخل، انقطاعه عن جميع أهله، عن الحرب والغوطة والدمار.. كنت في تلك الفترة أعاني انخساف أجزاءٍ من عالمي، مثقلة بأوجاعٍ أتجلّد لها بمايفوق طاقتي. فلما أن غاص بي الفتى في عوالم الذهول والقسوةِ والتعاسة، أطبقتِ المدينة ببناياتها وأناسها ومركباتها على صدري حتى ماعدت أجد سم خياطٍ لأنفاسي. صحت واثبة: الباص هذا مبيّن حيتأخر، رح اخذ تاكسي. وما أن استويت على المقعد حتى انحل عقد الدمع، وانهل انهلال القطر.

وبالأمس، حين كنت أتصفح أخبار السوريين الذين تم القبض عليهم في تركيا لترحيلهم للداخل، إذ بصاحب الوجه الحزين أمامي، بذات الحاجبين المعقودين، والجبين المتغضن، وسحائب الألم الجون التي ظللت أرجاءه. ياالله إنه هو، مقيدٌ بذنب عروبته، مساقٌ لوطن غربته، مدانٌ بنداء حريته. وجدتني أهمس: فعلاً، مِن خرج من داره قلّ مقداره. وأفقت على لسعة دهشتي: ماهذا الهراء الذي تفوّهتُ به؟! أيّ دارٍ وأيّ مقدار؟.. هل هذه المستعمرات التي يحكمها هؤلاء الخونة يصح فيها وصف دارٍ ومقام؟! ياإلهي، انظر ماذا فعلوا بنا ولأيّ دركٍ أوصلونا ! ضيّقوا علينا الخناق؛ أحاطونا بمؤامراتهم وقهرهم من كل صوب، زلزلوا الأرض من تحت أقدامنا؛ تزويرًا وتسفيهًا للدين والهوية والتاريخ، جاؤونا من فوقنا ومن تحتنا وعن يميننا وشمالنا؛ تطبيعًا وتمييعاً وتغريبا، غربلوا تراثنا سخريةً وتقزيمًا وتشنيعا، صاحوا تسامحًا واستيعابًا واحتواءا؛ لكل مذهبٍ وملةٍ عدانا... ثم إذا مارفعنا الصوت ننشد سلامةً لبنياننا الذي عمدوا تهويشه ونسفه؛ جُن جنونهم وثارت حفيظتهم وانقشع غطاء الزيف عن عميق حقدهم.
وهانحن ذا نتماهى مازلنا مع خديعتهم، فنتأوّه حسرًة على مانظنه وطن حقيقٌ بالرثاء والحنين. لا والله، قول العقل وسنة الكون تقضيان؛ زوالاً ثم إحلال؛ هو مايليق بهذي الخرائب التي ماوجِدت إلا لتغييبنا وتغريبنا وتعليبنا.

الاثنين، 22 يوليو 2019


كانت عمتي رحمها الله كثيراً ماتدعو: يارب شيلة بـ ليلة.. من الأرض لجوتها يارب، والأمر ليس لأنها صاحبة كبرياء فقط، لكن لكونها أمضت أكثر من عشرين عاماً مع زوجٍ مشلول لايبرح مكانه أبداً. لاأدري تحديداً كم سنة مرت على مرضه حين أوكلت أمر عنايته لابنها الأكبر الذي يسكن في الدور العلوي، كانت عمتي امرأة طيبة وجميلة، رهيفة الشعور مفتونة بالحب والحياة، الأمر الذي لم تقو عليه أبداً هو تنظيف زوجها من فضلاته. وفي تلك الليلة الماطرة صعدت لغرفته ووقفت بالنافذة، رفعت يديها للسماء، وبدموعٍ منهمرة انتقلت بعينيها بين زوجها والسماء، وهي تتمتم : شيلة ب ليلة.. شيلة ب ليلة يارب ! أسبوع وتوفت عمتي بهدوءٍ شديد ودون أدنى معاناة، ودون أن يعلم زوجها الذي دخل في غيبوبة مفاجئة بموتها، ليلحق بها بعد عشرة أيام   !
منذ فترة أصبحت والدتي تدعو بدعاء عمتي بين وقتٍ وآخر، وحين اجتمعنا أنا وإخوتي بها ذلك المساء أرسلت: يارب لاتطرحني عند أحد، ولاتطرح عندي أحد، لايتعبني أحد، ولا اتعّب أحد... شيلة ب ليلة يارب ! فأمّنتُ بصوتٍ عال، لأتفاجأ بنظرات إخوتي التي صوّبت نحوي كالسهام، وبرصاصٍ من التأنيب: يالكِ من عاقة، بدلاً من أن تقولي: بل نخدمكِ برموش أعيننا ! إن كنتِ متحجرّة القلب معدومة العاطفة، تأنفين من خدمة والدتنا، فإن ذلك غاية مُنـانا، إن يوم سعدنا يوم أن نغسل قدميها وننظف من تحتها، إنها طريق جنـتـنا أيتها البغيضة! وفي الوقت الذي اشتد هجومهم عليّ، اكتفت والدتي بالنظر في وجهي، نظرات فهمت منها، أنها وبرغم تأميني الصادم لكنه لا تنكِره ! هربت منهم وأنا أفكر في هذا الحب الغريب الذي يجعلك تسعد بعجز أحدهم وشقائه فقط لكونك ترجو عائداً من وراء تعاسته!
يالهذا الحب المغفل الذي لايبصر ولايسمع !أيّ حبٍ هو ذاك الذي يظل معصوب العينين، مسدود الأذنين، حتى إذا مااخـترِق بأوهن ثقب تجلّت العيوب وزال الهيام !! هذا ليس بحب، هذا خداع ومخاتلة. الحب هو أن تدرك عيوب من تحب، تلمس طينـيـته وتحس بها وتتعايش معها. تكره منه عيباًوترى فيه نقصاً، وتظل رغم ذلك مغرماً، منسجماً مع بشريته ونقائصه، ونزواته وتقلّباته  !
إن الحب الذي يقودك لتمني أن يظل الآخر رهين حاجتك رغم معرفتك بمدى صعوبة ذلك على كبريائه، فقط لكونك لاتقوى على فراقه، أو لأنك ترجو ثواباً أخروياً من وراء عجزه وبؤسه، الحب الأعمى الأصم الذي يرفض رؤية عيوب المحبوب والقبول بها، ليس في حقيقته إلا حباً لذاتك لا للآخر.

الأحد، 21 يوليو 2019


في أعالي جبال القوقاز، تقبع كنيسة الثالوث Gergeti العائد بنيانها للقرن الرابع عشر. إلى هناك قادني الفضول، لأجد نفسي بين جموع المؤمنين المسيح، من أصقاع الأرض قادمين تائقين لهفًة لتاريخهم ومعابدهم وصلواتهم، وبركات القس الذي اختال بينهم مزهوا بالرجاء الممتد من أعينهم، والتبجيل المنطرح من أفئدتهم. وقبيل انتصابه بينهم كان هذا الكلب-أجلّكم الله- يسير نابحًا بينهم، فلما أن وصلني رفعتُ رجلي ملوّحًة له بالابتعاد، فخنس وربض بالهيئة التي ترونها عند قدميّ. حتى إذا ماتراءى له شخص القس مستقبلاً التحايا، منتشيًا بالانحناءات، إذ به ودون سابق إنذار يتوجه إليه رافعًا صوته بنباحٍ متواصلٍ غاضب، تسمّر لعظيم جلبته الزائرون، وحدقت فيه وفي القس العيون، واحتارت له دهشًة العقول. بيد أن منتهى الدهشة فيما لاحقًا حدث، فبعد أن تمعّر وجه القس، واضطرب حيرًة وخجلا، وأسقِط في يديه حين أخفقت عديد محاولاته لقمع الكلب وإركاده، إذ به يتناول حصاةً ضخمة أقرب للصخرة، عاقدًا بها العزم على إسكات الكلب ولو بقتله. ووسط ذهول القوم ووجومهم أخذ القس يلوّح بالحصاة الضخمة التي رفعها عاليًا، ناهرًا الكلب، دافعًا إياه بعيدًا عن الجمع، في وقٍت تزاحمت فيه مشاعر الدهشة والخوف في صدري وأذهلتني عن توثيق الحادثة التي ألزمت الجميع الصمت والسكون. ويبدو أن أحدهم ممن أشفق على الكلب أو القس-لافرق- تدخل لإنهاء الوضع المربِك، واقتاد الكلب بعيدًا عن الحشد.
راقبته وهو يساق للطرف الآخر وتمتمت: الكلاب تعرف بعضها جيدًا. أوّاه لو أن لي بالشعر قوة، لخلدت هذا الكلب كما خُـلّد قبله حذاء الزيدي، وما كل حذاءٍ وكلب حقيقان بالتخليد. بيد أن المشية التي أقرها نبي الله لأبي دجانة، أنكرها هذا الكلب على من دونِه حين عرف قدره.

الأربعاء، 17 يوليو 2019


عثرت بالصدفة على أغنيةٍ خليجية، تقول كلماتها: وجع حب... وجع خوف.. وجع شوق... وجع ضيقة، على كيفك وهاك اختار، هذي سلة اوجاعي !

لاأستطيع أن أحصي عدد الخيبات التي كدستها ذكرياتي وامتلأت بها جيوب أيامي، حتى بات ردائي حِملاً ثقيلاً، إما خلعته وتركتني للريح والبرد، وإما أكملت المسير بهذا الثقل الذي يحول دوني ودون التحليق ! ربما كانت أول خيبة أُلقِـيتْ في وجه قلبي الغض، حين أرسلت صديقتي المقرّبة التي كانت ترافقني ذلك اليوم لاستلام نتائجنا من المدرسة، أمنيتها بحصول زميلة الفصل التي لاتربطها بها عظيم علاقة على المركز الأول، ليس لشيء إلا كي لا أحصل عليه أنا ! استلمنا النتائج، وكنتُ الأولى كما دوماً، وإنما هذه المرة بهديةٍ من الأيام لاتُـنسى !
أردت أن أصبح طبيبة، لكن ظروف عائلتي المادية، وتحفظهم الشديد، حال دوني ودون الانتقال للعاصمة، أردت أن أكون ابنةً بارةً ...ولم أفلح، أردت أن أحب...ولم أعرف ، أردت أن أرتحل...فتهت !
في كل مرة كنت أحدّق في الاتجاه الخاطيء، أنظر لعقارب الساعة المقلوبة، أمسك الخريطة بالوضع المعاكس. في كل مرة كنت أصل بعد الفوت، بعد ضياع الأثر وغياب الدليل !   كان الجمر يُـسلم ذاته للرماد لتشتعل في صدري نيران الندم ! تستطيع كل أشجار الطريق اليوم أن تميّزني برائحة الخزي التي معي. بإمكان كل الأنجم أن تهتدي بملامحي نحو الضياع، يوشك السراب أن يتخذني دليلاً للوهم !
أضرب اليوم كفيّ على ماضٍ عَبَـر كانطلاقة السهم، كانفلاتة الهفوة من لسان عجول، لم أشعر به إلا كما يخطف لصٌ ماليس له، ثم هو يقضي عقوبة ماسرق !
رحلةٌ غريبة أوشك معها أن أجحدني، أن أتهم ظلي باستلاب روحي، أن أبحث خلف المرايا عنّي، أن أركض نحو مالا أعرف علّني أجدني، أن أنادي : ياأنا.. أين أنا.... أين أنتِ.. كيف ضعتِ مني !

كل من خلّفوا بقلبي ندوبا
واجبٌ شكرهم عليّ وجوبا..
لاتطيق اللحون من محبس الناي
خروجا ، لو لم يجدن ثقوبا  !

الاثنين، 15 يوليو 2019


ذكرني تطبيق faceapp وصور الكهول المنتشرة بابنتي التي دخلت عليّ ذات يوم وجهاز الآي باد في يدها تسأل : ماما، تبين تشوفين نفسك وانت عجوز؟
- عجوز؟!.... شلون ؟!
- بس أصوّرك، وأحط الصورة بهالبرنامج، يطلع وجهك وانت عجوز .
بالطبع راقتني الفكرة، كانت رغبة قوية لاستباق السنين وإفساد مفاجأتها لنا، محاولة لتنغيص انتشائها بلحظة القصاص التي تسوقنا إليها. تموضعت بتركيز أمام عين العدسة، لحظات وكانت المفاجأة؛ صورة والدتي على الشاشة!!
- بنت... انت صورتي جدتك بهالجهاز؟!
- أبدًا ماما، أقسم بالله مايوم صورتها .
العجيب أنني لم أكن يومًا قريبة الشبه بوالدتي، وفي كل مرة قدّمنا أنا وأخواتي والدتي لصديقاتنا يُساق لنا ذات التعجب : والدتكن جميلة جدًا، أنتن لاتشبهنها. وحتى حين قال لي أحدهم قبل سنوات : تكبرين ياهند وتقتربين من والدتك شبهًا، اعتبرت ملاحظته نوعًا من المجاملة اللطيفة. لكن هاهو البرنامج الآن يواجهني بذات الحقيقة.
لاأنسى أبدًا تلك اللحظة التي تعالت فيها صيحات أخواتي دهشًة وعجبا، في الوقت الذي ظلت فيه والدتي تحدق بصمت في صورتي على الجهاز، التفتت إليّ بوهن قائلة : لكنكِ لاتشبهينني الآن !
- بالطبع ماما لاأشبهك الآن، لقد كنتِ فاتنة، لكن يبدو أن الدنيا ستعوضني قابل الأيام عما فاتني ! وأكملتُ في سري : إنها قصة حياتي؛ الفوت والوصول المتأخر. حتى وجهي سيمتلك ملامح عجوز كانت صبيةً حسناء، حيث لايلتقي الحسن وتقادم السنون ! فجأة.. همست والدتي وهي تنظر مجددًا للشاشة: ألا يوجد برنامج يريك كيف كنت تبدو في صباك؟.. ماج قلبي حيرًة وشفقة، جاوبتها وأنا أجاهد الدمعة كي لاتفر من عيني : لا ياحبيبتي، لايوجد حتى الان. كان أخي سامحه الله قد أتلف كل صورنا. وماخبأناه عنه لاحقًا مما أهداه لنا بعض أقاربنا، لم يكن من بينها أي صورة لوالدتي .
أبغضُ أعداء المرأة التقدم في العمر، إنه كابوس فظيع توشك أن تقدم له مايطلب من قرابين مقابل أن يظل بعيدًا عنها، لايهاجمها بسمّه الأبيض ونصال تجاعيده. والأمر أشد قسوةً حين تكون الأنثى حسناء، رفلت في شبابٍ صاخبٍ مثير. تحلّقت حولها العيون، ودارت لأجلها الرؤوس، وتعلّقت بها القلوب. هذه البقعة القاحلة المُثقلة بالصمت، والتي ستجد نفسها قد نبِذت إليها رغمًا عنها، لايمكنها بأي حال من الأحوال أن تتصالح معها أو تستوعبها، وكل مافي الأمر أنها ستسلّم بالقدر الذي لا مفر منه ! كنت أفكر في كل هذا، حين تناهى لسمعي صوت بكاء ابنتي، اقتربت منها لأجد الجهاز بين يديها، رفعت رأسها والدموع على خديها : ماما ماابيك تكبرين، ماابيك تصيرين عجوز وتموتين !

الأحد، 14 يوليو 2019


كل شيء يمكن أن يخالطه الرياء إلا الحب. إنه عبادة محضة، لأنه عبادة توافق هوىً ولا مجاهدة فيه.

كنت قد اخترت اسم " مسافات الصمت " كأول اسمٍ ظهرتُ به في عالم الأثير. مثّلـتْ المسافات لي عقدةً دائمة. كنت أراها أيقونة البؤس، بما ينجم عنها من اغترابٍ وارتحال، وسوء فهمٍ وخلافات، وحرمانٍ وعذابات. في صغري.. لم أكن قد تعرفت على المسافات الزمنية، كل ماآلمني هو البعد المكاني، حينها كان بطلي المفضل هو غراهام بيل الذي خفف وطأة التعاسة بحوامل الصوت. كبرت قليلاً لأدرك أن المسافة الزمنية أشد وطأة، وكبرت أكثر لأدرك أن كل ذلك وهم. الزمن ليس إلا وهماً، كوهم أن الفراغ لاشيء  ! وحين سمعت لأول مرة بقصة الأنفاق الدودية، تلك التي تدخل إليها من مكان لتخرجك إلى مكانٍ آخر في زمنٍ سابقٍ أو لاحق، تذكرت على الفور قصة جارتنا " غريسة " التي أحبت شاباً يصغرها بخمسة عشر عاماً، ثم لم تتزوجه خشية الملامة، وغدر السنين التي قد تعاجلها بالشيخوخة قبله ! كنت أتساءل : ماذا لو أن الخالة غريسة وجدت طريقاً لعبور إحدى تلك الأنفاق لتلتقي حبيبها في العمر المناسب ؟! ماذا لو أن قرين كل واحدٍ منـّا سافر إلى لحظة ولادة الآخر وماضيه، ليغيّره كيفما يريد، أويشكّل مستقبله كما يتمنى ! هاأنذا أخط كلماتي الآن، وماضييّ قابعٌ في مكانٍ ما، ومستقبلي مرسومةٌ خطاه في الاتجاه المعاكس، ولايفصلني عن كل ذلك سوى أنفاق دودية، تؤكد حقيقةً مفزعة؛ كل هذا وهم، كل ماأشعر به وأتخيله ليس إلا وهماً متحركا !
لطالما أحسست في قرارة نفسي أنني طيفٌ هائم يبحث عن مخرج، يرتحل منقبا عن بقعته التي غادرها منذ زمنٍ لايدركه، يظل يصغي لهمهمةٍ غير مبِـينة، توشك أن تفصِح : هناك.... هناك... هناك !
يقولون أن الثقوب السوداء تبتلع كل شيء، وأنه لاينجو من نهمها حتى الضوء، لذلك تظل سوداء، لكن العلم اليوم يؤكد أن مايبتلعه هذا الثقب لايتحطم، لايتلاشى تماماً، بل تبقى معلوماته على سطح الثقب، معلومات مطابقة له تماماً، بيد أنها على شكلٍ ثلاثي الأبعاد  ! وهكذا.. فقد نكون نحن أيضاً أطيافاً ثلاثية الأبعاد لأشباهٍ ثنائية البعد، تحوي ذاكرتنا، وأحلامنا، وتجاربنا، في مكانٍ آخر وزمنٍ آخرٍ، نحن ارتداده !
قد يكون ذلك تفسيراً معقولاً لما يـُسمّى بالحب من أول نظرة، والنفور من أحدهم منذ أول لقاء، وتلك الحميمية لمكانٍ نزوره لأول مرة، ولموقفٍ نشعر بعمق أننا قد مررنا به من قبل، وحلمٍ نراه فيقع، وإحساسٍ نشعر به فيتحقق. وأحداث متربّصة بنا لانقوى الخروج من قبضتها ولوحٍ قد يكون هو المحفوظ الذي خُطّت عليه أقدارنا !
.
.

السبت، 13 يوليو 2019


في رحلة بنائك لذاتك ستتعثر بالكثير من العقبات، ويتخلى عنك الكثير الكثير من الرفاق، سيتنكر لك الأحبة... وتعاني أقسى آلام المخاض. ستقطع أميالاً طويلة لوحدك، تنادمك الحيرة في أشد لياليك ظلمة، وتنهش روحك الوحشة حتى لا تجد نجمًة بها تأنس.
لربما أوصلك الهذيان في إحدى محطاتك للاعتقاد بأنك في الشتات، وأنك ستقضي العمر كله على حدود التيه، على الزلق من شفا الجرف الهار. بيد أن يدًا مربتًة واحدة كانت كافيةً لدس الطمأنينة بين طيات روحك. صوتًا حنونًا همس لك ذات مواساة : لابأس؛ عصفورة ضلت الطريق لعشها وستعود يومًا، كان جذوتك في البيداء الممتدة حلكة.
نفق الغربة بدا لك طويلاً، حتى خيّل إليك أنه نهاية المطاف، وأن آخر ماستقع عليه عيناك قبيل انطفائهما هو سقفه، وذلك الوجه الغريب ظل يراقب تخبطك ونبشك، لقد راهنك بقوة؛ عند رحيلك لن تعرف إلهًا سوى الموت.لن تنطق الشهادتين، ولن تؤمن سوى بالعبث. في أعماقك لم تكن تطلب سوى الوصول.
وهاأنت اليوم وصلت. بيقينٍ يفوق الجبال ثباتا، والنور وضوحًا وجلاء. وصلت بعوالق لابد منها، وأردانٍ حقيقةٍ ببشريتك ونضالك.وصلت بختم جراح، وعلاماتٍ فارقةٍ أبد الدهر تميّزك. مجهدٌ أنت للحد الذي يمنعك من الاحتفال باجتيازك، منتشٍ أنت للحد الذي يحول دونك ودون الالتفات لما خلّفته وراءك. مطمئنٌ أنت للرضا الذي أبرّ رجاءك: ردني إليك ردًا جميلا. شاكرٌ حامدٌ ممتن؛ للطف الخفيّ الذي لعشك أعادك.

الأحد، 30 يونيو 2019


- انشغلي بالجمال مااستطعتِ ، ودعي الأعاصير مادامت لن تجرفك .
- أعتقد أنني قادرة على النمو مجدداً، تماماً كتربة البراكين .
- رأيتِ كيف هي تراجيديا الحياة !
- كيف؟!
- البراكين...في قلبها حياة !
- اه ، نعم.... أنت تجيد الالتقاط .
- إلا قلب محدثتي، لم أحسن ذلك معه، التقـطه تسعٌ وتسعون ماراً، وتمرّد على واحد !
- إنه قلبٌ زائـف، لذا لن يجد روحاً يستقر فيها !
- ليس زائـفاً، لكنه كعملة أصحاب الكهف ، ضرِبت لغير زمانها !
...

بلغت الحزبية بالبعض، حد لوأن واحدًا منهم تطاول على كتاب الله، وافتأت عليه مالايليق بقدسيته وذات الله، تعاهدوه نصرًة وتأييدًا وتلييكا، وذادوا عنه بالراحتين والصدر، ثم لم يألوا جهدًا للنيل ممن عارض وأنكرَ بهتان ماأتوا وافتروا.
فعلاً، من لم يكن عبدًالله كان عبدًا لسواه. حزبًا كان أو امرأةً، منصبًا أو مالاً أو شهوة... أو وثنًا ممازينت أنفسهم وفي صدورهم عظُم.
والله، إن تمام الحرية في رهن العبودية لله وحده وحده. ثم أنه ماكان لذوي الأحزاب هؤلاء أن يتطاولوا في بنيانهم إلا لخنوع من حولهم؛ ملأوا الدنيا صراخًا بالتوحيد والسلفية والحاكمية، ثم حين الوطيس وحمأته تراهم جُلسًا خنسا.
ظلمات تؤزها ردة تستوي على سوقها جاهلية.

الجمعة، 28 يونيو 2019


قبل البدء : موضوعي هذا أبعد مايكون عن التعدد، ولن أسمح بأخذه إليه، لذا سأحذف أي تعليق حوله.
.
.
.
أعترف أن موضوع التعدد الذي كتبته قبل أيام، والذي حوله أثيرت ضجة كبيرة لم تنته حتى الان، وبسببه نالني ماالله به عليم من التسفيه والتقريع والإهانات، حد التشكيك في وجود رسالةٍ وشاكِية، وأنّ الأمر لايعدو عن كونه نفثًة شخصية أتخفف بها من لواعج الشوق وحرمان الوحدة. أقول: إن شيئًا من الانزعاج نالني، وأنني وللحظاتٍ متباعدات فكرت في حذفه، لكن... سبحان الله، شاء المولى أن يطلعني عبر هذا المشكِل على جوانب ألزمتني الوقوف الطويل أمامها، حيرًة وتأملا، عن ماهية الخلل ومكمنه وعلّته، أهو في الإسلام، أم في أهله، أم في فقهائه الذين يجهدون لإنقاذه !!
غنيّ عن القول أن جلّ الآراء التي تناولت هذا الموضوع، إنما أدلِي بها-من الجنسين - من بئر الهوى واتباعًا لحظوظ النفس. بيد أن تعليقًا واحدًا هو ماأثار انتباهي واستدعى تفحّصي، كانت صاحبته السيدة الفاضلة عابدة المؤيد، حفيدة الشيخ علي الطنطاوي، والذي دعت فيه إلى تعطيل آية التعدد، قياسًا على مافعله الفاروق حين عطل قطع يد السارق، وسهم المؤلفة قلوبهم. محتجة بعدم ملاءمته-أي التعدد- لهذا العصر، وبمفاسده التي تعلو على حسناته. وبالطبع قوبلت دعوتها بالتأييد القوي من جميع النسوة اللاتي شاركن موضوعي سلخًا ونتفا.
ماأن انتهيت من قراءة التعليق اياه، حتى تراءت لي حيرة ابن خلدون الذي كتب في مقدمته مقارِنًا بين حال المسلمين في صدر الإسلام الأول، وحالهم في زمانه، وكيف أنهم كانوا في الصدر الأول لايترددون عن إفساد دنياهم في سبيل إصلاح دينهم، بينما أصبحوا في زمنه يفعلون العكس، ثم ختم مترنما :
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا... فلا ديننا يبقى ولا مانرقّع .
هذا رأي ابن خلدون المنافق الوصولي، المشهور باختلاق الأعذار لانتهاز الفرص، الذي كان يخالف جمهور الفقهاء في محاولاتهم البائسة لإنقاذ الإسلام من غربته، والذي ألزمته واقعيته إلى التسليم قائلاً : " إن ماأعبّر عنه من سنن التاريخ يورث الغم، ولكن هذا هو شأن العالم "..تأمّل في مفردته(الغمّ) . نعم، هو الغم، هي الغربة التي لمسها عيانًا بيانًا، لكن ولأنه واقعي لم يحاول إنكارها. هذا المنافق الوصولي كان نزيهًا في نهاية الأمر، أبت نزاهته عليه أن يعمد لترقيع الدين كي يتواءم مع العصر . كان نهجه كما ذكر الدكتور الوردي معاكسًا تمامًا لنهج ابن تيمية (وابن تيميةبالمناسبة هو صاحب فتوى التترس التي أقسم لو أفتى بها بين النسوة اللاتي سلخنني من أجل موضوع التعدد، لقتلنه تقطيعًا ونهشا) الذي تصدّى للغربة وعظًا وكفاحًا ونصحا، في حين اكتفى ابن خلدون بالمسايرة والمضي مع التيار، متعللا بأنه من العبث على الفرد أن يناضل في سبيل إصلاحٍ اجتماعي أو سياسي على خلاف ماتقتضيه طبيعة المجتمع .
رغم ذلك نراه يهمس أخيرًا : إن الدعوة الدينية من غير عصبية لاتتم . والفرد الذي لاعصبية له تؤيده في محاولته الإصلاحية، يجب عليه أن يسير مع الناس أينما ساروا وينجرف مع تيارهم.
وعجيبٌ والله، أيّ مسلمٍ هذا الذي حين عجز عن اللحاق بابن تيمية يقينًا وكفاحا، لم يسعه حتى الاقتداء بابن خلدون؛ نأيًا عن تزويق الدين وترقيعه.
جوهر المشكلة ابتداءً هي أن المسلمين ليسوا مسلمين. إنهم يجهلون محور الارتكاز الذي حوله يقوم بنيان الإسلام؛ ألا وهو التحلل والتسليم. إنه الخروج الذي عبّر عنه أبو بكر حين قال لابن الدغنة : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله. في عرف الدنيويين، فقد أسلم أبوبكر نفسه للعراء... للشتات... للضياع . في عرف من ارتضى الإسلام دينًا، فهو لم يفعل أكثر من تحقيقه.
لا مجال للنفاق هنا، إما أن تتحمل تبعات ماارتضيته نهجًا ودينا، وإلا فلا تلومن من يضع الخروج المتتابع من دين الله في عنقك، وبسبب تلوّنك وعدة أصباغك.

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

استدعتني إحدى الصديقات عبر تعليق، إلى موضوعٍ لإحدى الكاتبات، التي سطرّت فيه رأيها بخصوص تفسير آيةٍ كريمة. ونقلتني أمواج التعليقات من رابطٍ لآخر، ومن صفحٍة لأختها، حتى وجدتني بين الزحام أمام رجٍل قاسي الملامح، حاد النظرات، عظيم السخط، تنطق ملامحه وعيدًا وثبورا، برز بين الجموع وهو يصيح بأحد رفاقه : فلان ابن فلان، تعال هنا، أنا لقيتك حاط لمنشور الست♥️، كنت حبلكك، بس قلت اسمع اللي عندك قبل التبليك. في ثوانٍ مثل السيد اللطيف ذو الملامح الوادعة بين يديه معتذرًا، متحججًا بتسرّعه في إرسال ذلك القلب اللعين قبل إتمام قراءة المقال. وبعد أن سمع السيّاف اعتذاره عاد لأرض المعركة صائلاً جائلاً بسيفه المتقاطر دمًا، كان يزأر بكل قوته، شاتمًا، مُهيّضًا، محرّضًا على الثأر والقصاص. دفعني الفضول لدخول صفحته لاستبيان نهجه وفكره... وكانت الدهشة المدهِشة !... إنه صديقٌ لصفحتي 😲😲 يامامي . ارتعدت فرائصي حينها أيّما ارتعاد، واصفرّ لساني، وازرقت أظافري ووجهي، وهبط قلبي أسفل قدمي. وخيّل إليّ آن النظر لعينيّ الرجل في صورته، تقدّمه صوبي مرسِلاً رمحه نحو صدري، ثم مجهِزًا عليً بحز عنقي، فازدردت ريقي هلعًا وخوفا، وهبطتُ بأصابعي المرتجفة نحو الأسفل، وبخفة أرنبٍة مذعورة اقتربت من علامة "صديق"... سرتُ على أطرفِ أطراف أصابعي، حبست حتى شهيقي وأنفاسي، كي لاأحدث جلبًة تسترعي انتباهه... دست زر الإلغاء، وهوباااا قفزت خارج صفحته .
وبعد أن وصلت داري، وهدأ روعي، وسكن خافقي، تأملت في حالي ومقامي، واستقر بي الرأي على صنع لافتٍة لدكاني، تزيل الشوَش، وتجلي الغبش، وتنبي عن مكنوني ومرادي، فاستعنت بالرحيم، وقست على الذائع الشهير، الذي جأر به يومًا ذاك الفصيح : البيت دا طاهر، وحيفضل طول عمره طاهر. فأومأت، وبالبسملة ابتدأت، وبتوفيقه خططت :
الصفحة دي مستقلة، وحتفضل طول عمرها مستقلة.

السبت، 22 يونيو 2019


في كلمة محشورة ف حلقي من يوم مذبحة نيوزيلاندا، ترددت كثيرًا في إخراجها، لكن عندما تذكرت هذه الحادثة التي حصلت أمام عينيّ، وجدت أنها قد تساعدني في توضيح الفكرة التي أريد إيصالها .
حدث ذلك منذ سنوات، حين كنت برفقة شقيقي الذي التقى بأحد أصدقائه في الطريق، وأخذا يتحدثان حول أمرٍ ما، في الوقت الذي وقفتُ فيه أنا على مقربةٍ منهما.
كان للفتى وجهًا راضيًا، رضا غيمٍة أظلّت راهبًا معتزلا، رشيقًا لا يحمل من اللحم مايرهقه، ولا من الفضول مايعكّر مزاجه، وبدا في حديثه وإنصاته وكأنه ليس على عجلةٍ من أمره، لسان حاله: لتمضْ الأمور على أعنّتها، فإنما الكون في راحتي! كان هو وأخي قد أعطيا للطريق ظهريهما في استغراقٍ تام لما يتناولانه، وفي الوقت الذي تناثر فيه المارة بين غادٍ ورائح، إذ بشاحنٍة ضخمة تنحرف عن مسارها، وتهوي على الأرض بحمولتها الحديديّة، محدثة صوتًا هائلاً مرعبًا، كأنما هو انطباق السماء على الأرض أو نفخ الصور ! وفي ومضةٍ كلمح البصر سجلتُ الأحداث التي رافقت سقوطها، حيث فزع كل من كان في الشارع كما فزعتْ، كان الناس مابين صارخٍ، ومنحنٍ على نفسه، وسادٍ لأذنيّه، ومطلٍق للريح ساقيه ! وفي الوقت الذي أبصرتُ فيه أخي يلتفت مذعوراً نحو مصدر الصوت، كان صديقه يكمل حديثه وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن هذا الصوت الذي روّع الجميع لم يتناه إليه، وكأنه محميّ داخل بلورةٍ لايناله ماينال البشر، ولا تعتريه عوارضهم ! حتى إذا ماانضمّ أخي إليّ بادرته بالسؤال :
- هل صاحبك هذا أصم؟
ليضحك متسائلاً  : بالطبع لا... لماذا تقولين ذلك  ؟
- لماذا أقول ذلك؟! لأنه رجلٌ غريب الأطوار  ،بل شاذ، لقد فزع كل من في الشارع لصوت ارتطام الشاحنة القويّ، وأيم الله لقد أحسست بقلبي قد تبعثر أجزاء. لقد كان الصوت هائلاً مرعبًا وكأنه صوت نهاية الدنيا وقيام الساعة، كيف لم يشعر بذلك، كيف لم يؤثر به ذلك، كيف لم يروّعه الصوت وقد....
قاطعني بحزم  :
ليس أصمّا ياهند... هو فقط مجاهد  !

مسلم اليوم البكّاء، يريد أن يحيا حياة الأوروبي ويموت ميتة الصحابي، وربما أخذته الحماسة فتخيّل نفسه وقد بعِث رفقة النبي الكريم دون أن تناله صعقة النشور. هكذا... بكل بساطة ودون جهد. لاتسل كيف وبأيّ نهجٍ تحقق له ذلك.. لاتفتش عن تضحياته، ولاتستفهم أكان دربًا طويلاً شاقًا ذاك الذي قطعه أم لا. هو حقًا من الذين حازوا الإيمان دون دفع ضريبة الافتتان... لله دره ! خرج منها معافى، فلا فتنة ولا ضر مسه. يكفيه من حلل الإيمان سمْـته، وشعار صفحته الفيسبوكية: لاأبرح حتى أبلغ، تمامًا كما تفعل زوجه المصون التي لاتفتر تردد: غايتي رضا ربي، ثم إن هي أحست مجرد إحساس أن بطلها الصنديد سال لعابه لغيرها، ألقت دينها وراء ظهرها، ونست وأنسته ربه.
لاياعزيزي، أنت لم تبلغ بعد،ولاأظنك تفعل. لأن البلوغ يقتضي الخروج من عوالق الدنيا، أن تكون عابر سبيل فيها، لابها وإليها. لاأن تقضي يومك بين هاتفك وأجهزتك، تدفع عربتك الملأى بمشترواتك، تكمل ليلك تداعب صغارك وزوجك، ثم تذكر قبيل نومك واجبك نحو أمتك؛ فترفع وأنت على سريرك كفيك داعيًا المولى أن يعز الإسلام والمسلمين !!
أنت مثلي، أنا التي تأتي لتستشرف عليّ أنت وزوجك المصون، فتلقون عليّ من المواعظ مايليق بتناقضكم وانفصامكم. على الأقل أنا أدرك كوني ملوثة، متمسحة بأعتاب الدين، غريبة على الإسلام. لكن لست وحدي الغريبة، كلنا هنا غرباء... لسنا الغرباء الذين قيل فيهم "طوبى لهم"... لا ياأحمق، نحن الغرباء الغثاء .
الآن... هل تريد أن تعرف من أنت؟ أنت ذاك الذي ذبِح في مسجد نيوزيلندا، ولم تكن له من حيلة إلا تصوير مصرعه، ليضمن بكائية تليق بمظلوميته . هل أخبرك إلى أين تمضي؟.. بهذه التربية القاسية المضنية لذاتك، مع جهود المشايخ المجددين، مخانيث مابعد السلفية، ستكون نسخة مطابقة لذاك البغدادي الذي امتثل لأمر الجندي المغولي، فظل واقفًا ريثما يعود الجندي بسكينٍ ليذبحه.

الله يرحمك ياست: انت فين والإسلام فين!


الخميس، 20 يونيو 2019


سبحان الله ، كنت حين أتجول في المولات ، وأمر بتلك المقاهي المتناثرة بين المحلات ، وتقع عيناي لاشعوريًا على مرتاديها الشاربين الآكلين، يداهمني انزعاج غريب، إحساس خفي يرغمني على إدارة رأسي سريعًا وحث الخطى لتجاوز ذلك المنظر . فإن أصرّت رفيقتي على تناول القهوة أو مشروبٍ ما، اقتدتها إلى مقهى مغلق في طرف المول. وبالأمس وجدت في أيام العرب ، أنهم كانوا يترفعون عن الأكل في الأسواق، ويعدونها من خوارم المروءة !!
بل حتى هذا النظام الغذائي المتبع اليوم، في تحديد عدد الوجبات، وفوارق الساعات بينها، وأن تناولْ إفطارك في الساعة الفلانية، ولا تؤخر عشاءك للساعة العلانية، واحرص على"السناك" بين الوجبة تلك وذيك.... كل هذا مماترفّع عنه العرب، متعللين: إنما الأنعام والماشية من لها أكلٌ في الصبح والغدي والعشي . لم يتبعوا رغباتهم أبدًا، كانوا كما قال عنهم المصطفى: لانأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لانشبع !
كل هذا وغيره (مثل الأكل وحيدًا بين قومٍ لايشاركونك طعامك) ضموه لخوارم المروءة . المروءة التي إن انتفت ابتداءًا انتفى الدين عن فاقدها. وهاهو الإمام البخاري يعدّها شرطًا لازمًا من شروط المحدّث . لله العرب ! والله ماخصهم الله برسالته، وهو القائل (الله أعلم حيث يجعل رسالته) إلا لتميّزهم بقوة عزيمة سمت بهم عن تعاطي الدنايا، والانصياع وراء شهوات النفس . مروءة وأنفة لاتكادان تذكران إلا عند استحضار العرب وأيامهم. ثم يأتيك قزم من هؤلاء الأقزام المنهزمين في دواخلهم، الذائبين بحضرة الرجل الأبيض كذوبان الملح في الماء، فينالون من العرب، ويشككون في أخلاقهم وتاريخهم وسيادتهم للدنيا. ابحث أيها المسخ عن العرق الذي نزعك، وحرك حقد أسلافك على من اصطفاهم الله لخاتم رسالاته.

قلتها، وسأكررها: الدنيا ليست إلا عرب وبقية أشياء. وقد تجد النفيس بين هذه الأشياء، لااعتراض، لن نظلمهم... وسأحرص على إيراد هذا في كتابي المستقبلي، الذي سأحاكي به هتلر، فأدعو لتقديس العرق العربي 😊

الخميس، 13 يونيو 2019


هذه رسالتي المابعد حدود العد، التي أبعثها إليك .
أتساءل بعد كل رسالة، ماالخطأ الذي ارتكبته هذه المرة . لماذا أظل عصيّة الفهم بالنسبة إليك . لماذا تصر على الاحتفاظ بذات الجمود ، بذات البرود.. بذات اللافعل ، والتمادي في البعد . ربما أنا لا أجيد ترتيب كلماتي بالشكل المناسب ، ربما لا أحسن صياغة مشاعري كما ينبغي !... كيف أوصِل إليك حقيقة أنني ماعدت أرى الدنيا إلا من خلالك ، وأن كل القصائد والأغاني بل وحتى العطور لابد أن تمر بباب جوازك ، حيث ذائقتك هي المعيار ، ومزاجك وحده السلطان . كيف أخبرك أن صوتك عالقٌ في جدار روحي كأول رائحٍة تلقفها وجداني ، وأن طيفك القادم نحوي في كل لقاءٍ سبقتك فيه إلى الموعد، ينبع لي من كل الأرجاء ، يشوّش خلوتي وسط الزحام ، يكدّر هدنة السلام بيني وبين الذكريات . كيف أفهِمك أنني أفتقدك... هكذا، بكل بساطة ودون جبال تزويق... أفتقدك، دون أن أعرف تحديدًا كيف يُروى ظمأ هذا الفقد. دون أن أحتاج خطة إصلاح ، واقتراحات حلول. إن حرارة جوعي إليك تجعلني أطمئن إلى الاكتفاء بلمس أطراف بنانك... لا أطلب أكثر من ذلك، صدقني. يكفيني هذه اللحظة، التزود بالدفء الذي تحمله شعيرات بنانك . برفقٍ وخفة أمدّني بك... امنحني شيئًا منك . تسلل إليّ وابقى قليلاً... ليس قليلاً جدًا . ابقى إلى أن أصدق أنني ظفرت بك.
في كل مرة ، تغادر على بُـعد قُبلة... تتركني لجنون الاحتمالات وأكوام الخيبة . لمعارك الكبرياء والحنين ، حيث وحدي الحَكم والسجان ، حيث أنا المدانة والمحامي والمدعي العام... وحين ينتصر الكبرياء، بكل بؤسٍ أعاود الاستئناف ، أتلمّس النقض والاسترحام.. أتلصص عليك من شقوق الكبرياء الذي استبحت . أنقب في الأناشيد عن جريحٍ يشبهني ، في الدواوين عن حكيمٍ يخلق لي عذرا ، في الجوامع عن شيخ يفتيني في التسامح والتطبيع ، في تسليم مفاتيح قلبي، وإعلان الاستسلام...
أنا الموعودة بجرحك من قبل الفِطام، لاطاقة لي بالوجع، ولارغبة عندي في الاستشفاء... اكتوي بك جبرًا، وادّعي الاختيار .

الثلاثاء، 11 يونيو 2019


أظن - ولاأظن أن ظني هنا إثم - أن العبارة مجهولة الانتساب، والتي نصها " حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق"... لم يوفق صاحبها فيها .
أهل الباطل لم يتوهموا أبدًا أنهم على حق... كلا ، إنهم يوقنون جيدًا أن ماهم عليه باطل... يعلم السارق حين يسرق أنه لص ، تمامًا كما تدرك العاهرة أن ما تأت به عارٌ وخزي.. في أعمق أعماقها توقن (الخنازير الوردية) ، أن فعلها قبٌح و انتكاس . وكل الصراخ الذي يواجهون به العالم إنما ليصمّوا أذانهم هم عن الأصوات التي تهمس في داخلهم ، لسان حالهم : اصرخ ثم اصرخ ثم واجه حتى تصدّق أنك على حق . ولن يصدقوا، ولن يتوهموا . وكل مايحدث أشبه بحقنة مخدر، أو رشفة خمر، أو نشوق هيروين ، يقطعون به شيئًا من عمر الوهم ، ثم يعودون لمواجهة حقيقتهم التي يخجلون منها . لذلك قيل : ودت الزانية لو أن كل النساء زنين . وبعيدًا عن كون هذا القول يؤكده قول المولى عز وجل ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ، فإن الواقع المعاش بعديد قصصه أثبت دومًا كيف أن الإنسان يأنس بمن يشاركه الاثم. ثم هو بعد ذلك يستقوي بتلك الشراكة التي أزالت عنه وحشة الجرم . وأذكر مشهدًا من فيلم لايحضرني اسمه، لشابين اقتحما منزل عائلة ، وكان أحدهما مهووسًا بالقتل ، بينما رغبة الآخر لم تتجاوز النهب، وبعد أن قام الشاب الأول بقتل فردين من العائلة ، ناول رفيقه السكين وهو يلح عليه لقتل الصبي المراهق قائلا : يجب أن تجرب هذا الشعور، إنه رائع . ظل لدقائق يلح بتهديدٍ خفي، كي يشاركه رفيقه القتل، إلى أن فعل.

ثم أن العبارة المغلوطة إياها، تعارض حقيقة عدل الله وإنصافه جلّ علاه . لأن توهّم أهل الباطل الحق فيما يفعلون، يقتضي بالضرورة عدم استحقاقهم للعقوبة ، استنادًا إلى الرحمة الإلهية الناصة على العفو عمن أخطأ أو نسي أو استكرِه على أمر . هل الخنازير الوردية التي تجاهر اليوم بما تقترف ، وتعلنها حربًا لاهوادة فيها على كل من يعارضها أو يصمها بالانتكاس، حد أن الأسوياء باتوا لايجرؤون على الاستنكار ولو بكلمة تقال أو حرٍف يُكتب ، وهاهي حلقة الشقيري عنهم تُحذف ، وهاهو كما غيره ممن عابهم يتعرض لسهامهم.. وهاهم يسوّقون لأنفسهم عبر كل منبر، ومن خلال كل موقع ، حتى بات الشاذ من ينكرهم، ثم لايكون مثلهم.... أقول ، هل هؤلاء واهمون ؟مخطئون؟جاهلون بحقيقتهم، وحقيقة العفن الذي هم عليه ؟.... كلا، وألف كلا ، إنهم تمامًا كما ذكر المولى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوّا ). إنها جرأة المعصية، التي استوجبوا بها سلب المعافاة ، إنه الكِبر الذي أخرج دليلهم من رحمة الله ، إنه الفجور الذي وجد في الطوية الخبيثة مرتعًا خصبًا، فباض وفرّخ وتكاثر . بيد أن الكثرة وحدها لم تكن يومًا معيار الحق ، وقد يأت النبي وليس معه إلا رجل أو رجلان، وقد يأت ومامعه أحد .
تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا.. فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما قَلَّ مَن كانَت بَقاياهُ مِثلَنا.. شَبابٌ تَسامى لِلعُلى وَكُهولُ.
قاعدة الكون التي عليها أنشيء ، ينطق بها الحجر قبل البشر : سيظل الباطل باطلاً مهما تدثر بالأردية وتزين بالألوان ، وسيظل الحق ، مهما حورب ونبِذ ، متعاليًا متجاوزًا، عصيًا على النيل ، مستحيل الفناء.

الجمعة، 7 يونيو 2019


" إني لأنظر إلى المرء فيعجبني، حتى إذا قيل أنه من أصحاب مدونات الجزيرة ، تراءت لي رجلا أبي حنيفة".. رواه البيدقي عن ذات الأطياف .

في تلك الفترة التي أعلنت فيها قناة الجزيرة عن منصتها الكتابية "المدونات"، وأطلقت نداء النفير لصاحب كل قلمٍ مؤثرٍ جميل بالانضمام لصفوفها ، كانت تصلني عديد الإشارات من أصدقاء قاموا بترشيح اسمي للقناة . كان الوضع حماسيًا ، تسابق فيه القوم لإبراز أصدقائهم ومعارفهم وكتّابهم المفضلين
. حتى أن البعض تعامل مع الأمر من منطلٍق وطني، فصار يهيب بعشيرته كي يرفعوا أسهم الكاتب الفلاني من أبناء بلده !
وبلغ من حماسة بعض الأصدقاء ، تقديم عرضٍ لإيصالي بالسيدة إحسان الفقيه 🙂.. وبمتنفذين في القناة للحصول على فُتات.. فضلة...موطئ قدم في هذه المنصة ، تشهرني وتلمّعني ، لأفوز فوزًا عظيما. لكن... تبًا لكلمات والدي التي مافتئت تنخر أذني : سوء الظن من حسن الفطن... سوء الظن من حسن الفطن.... سوء الظن من حسن الفطن . كنت أجلس أمام الشاشة، أتابع سيل الترشيحات التي تنهال من كل حدبٍ وصوب ، وأمامي يتراقص طيف أبي جعفر المنصور ، الذي حبك حبكته تلك حين أراد فرض الضرائب على شعبه ، فنادى بهم مغررا، أن هلموا وتوافدوا لنيل أعطيات الوالي ، حتى إذا ماأحصاهم عدا ، وفرزهم فردًا فردا... ضرب ضربته، وفرض ضريبته . حينها لم يتوقف السؤال عن نقر رأسي كما عصفور القراع على الشجر : لماذا تقوم قناة الجزيرة بهذا الفرز ؟ ماالفائدة التي ستجنيها من حشد ذوي الأقلام المؤثرة حولها؟ هل هو اصطفاء أم اصطياد ؟!

وتصديقًا لقول المغدور : ويأتيك بالأخبار من لم تزود . جاءتنا منى الحوا بالمستور المتوقع !
فتاة بالمقابيس المطلوبة قذة بقذة ؛ وجه حسن ، وطموحٌ مطلوب . فتاة مقبلة على الحياة ، تعشق السفر ، والأضواء ، ولاتمانع وضع الشعار الإسلامي (حي الله منديل على الرأس). أصولها الفلسطينية، إضافة لحماسها ولهفتها، يؤهلانها لاعتلاء الموجة التي تحسن الجزيرة العزف لها ؛ هموم الأمة وتاريخها التليد !! ولأن المرء يكذب ويكذب ويكذب حتى يصدّق كذبته ، فقد صدقت الفتاة المسكينة نفسها ، وتعامت جبرًا واستعباطًا عن مآرب حاضنتها وعرابة أحلامها ؛ الجزيرة .

هكذا يبدأ المشوار مع كل مؤسسة إعلامية، بصفة عامة ، ومع حاملة شعار "الرأي والرأي الآخر" بصفة خاصة . يحكمون وضع الطوق على رقبتك منذ اللحظة الأولى ، طوق بماركة عالمية زاهية الألوان ، تتحسسه ثم تقسم أنه ليس بطوق ، تخطو خطواتك الأولى بنفسك ، ثم تُسحب تلك الخطوات منك رغمًا عنك ، تترنح قليلاً وقد تدور لتبحث عن نفسك ، لكن ذلك لايستمر طويلاً . في النهاية لن تكترث لضياعها ، ذلك أنك ماعدت تدرك أصلا أنك فقدتها . الكلمات بخط بنانك ، بصوتك ، تنطلق من حنجرتك... بيد أنها ليست كلماتك . المثير للقرف والشفقة في الآن نفسه، أن الأمر لايتوقف عند هذا الحد ، بل هاأنتذا تنافح عمن كنت ضده ، وتتبنى ماكنت تنكر ، وتوافق ماكنت تعارض... ثم أنك أيها البائس تناقض نفسك في اليوم ألف مرة ، وتلعن اليوم من كنت بالأمس تمدح .
ومن دقق جيدًا في التوضيح الذي نشرته البائسة حوا عقب جدل الهولوكوست ، سيجد ماذكرت عيانًا بيانا . تذكر ياصديقي قبل أن تسلبك الحماسة مبادئك : أن من تحزّب تعلّب . وقبل أن تصبحي ياعزيزتي إحسان فقيه أخرى، انتبهي إلى أن كل من تقنون و تمأسس ( نسبًة إلى القنوات والمؤسسات) فهو دون أن يدري قد سُـيـّس !

لقد استدرجوك أيها البائس ، طوقوا عنقك، ثم فرضوا ضريبتهم عليك . وأنت اليوم تدفعها راضيًا خانعا مستبشرا .

السبت، 25 مايو 2019


إدارة الفيس بوك حذفت منشوري الأخير، بحجة أنه يحث على الكراهية !!
إي نعم... لن أنكر ، هو يحث وبشدة على كراهية وعقاب من ذكرتهم في السطر الأول ، والذين أجزم بأنهم وراء التبليغ عن المنشور ؛ الزناة، والسحاقيات، واللوطيين... .
حسنًا، لنسمي الأمور بمسمياتها ياقوم . أنا لاأعرف مسمى آخر لما ترتكبون ، ولا وصفًا مغايرًا لما تفعلون . والأمر المزعج أكثر مما تقترفون ، هو محاولة التشويش عليه، وإلباسه غير لبوسه .
يذكر أحدهم - والعهدة على الراوي - أن إحدى الراقصات كانت يومًا تقطع الشارع بمركبتها، حين مرت بالكاتب نجيب محفوظ يسير على قدميه ، فصرخت به ساخرة : شفت يانجيب الفرق بين الأدب و قلة الأدب . صدقًا مثل هذي السيدة المتصالحة مع آثامها، أشرف مليون مرة من أمثالكم . خالفوا ماتعارف عليه البشر.. لابأس ، لكن تحملوا نتائج فعلكم ، كونوا بشجاعة الشاعر الصارخ : ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر ... أنتم شواذ... هذه هي حقيقتكم... واجهوها... تقبلوا أنفسكم قبل إجبارنا على تقبلكم ، من خلال محاولاتكم البائسة في مكيجة وجوهكم القبيحة ، والتمويه بمسميات بعيدة عن جوهر ماتقترفون.
ربما أنتم ، ربما عصابة المتاجرين بالأطفال، من ساءهم مانشِر بحقهم... المهم، كلكم في العفن سواء .

صنفان لو أن لي عليهما سلطانا، لقتلتهما حرقًا، بعد تعذيبهما بتقطيع الأجساد قطعًة قطعة : الشواذ ، والمتاجرون بالأطفال .
هذا البرنامج المقزز، المسمى " نكشات أبو رعد" ، والذي يتناول في طرحه أفكار منحرفة ، تتضمن إيحاءات جنسية مقرفة، وقضايا أخلاقية غاية في الخطورة، يقوم بتجسيد أدوارها عدد من الأطفال تتراوح أعمارهم مابين الخامسة إلى الثامنة . في مجملها تدور حول العلاقة الثنائية بين الرجل والمرأة ، ومايتعلق بهما من غزل وجنس وخيانة . تحديدا هذه هي المحاور الثلاثة التي يتناولها هذا البرنامج الساقط والمريب.. مريب كون المونتاج الخاص به على مستوى عالٍ جدًا ، يؤكد أن القائمين عليه ذوي توجهات تدميرية وأهداف تخريبية ، تسعى لنشر الرذيلة وتقويض أسس المجتمع .
والمصيبة العظمى أن الناس تتداول هذه المقاطع بدون إبداء أي استنكار ، سواء للمحتوى، أو لاستخدام الأطفال في هكذا محتوى . بل على العكس يتداولونه للطرفة والاستئناس .!!
ياإلهي... هل مسِخت أرواحنا إلى هذا الحد !! إن هذا ليثبت دون أي مجال للشك أن الهدف المرجو من مثل هذي البرامج تحقق، وأن ثمرتها قد أتت أكلها . وهانحن ذا قد تخنزرنا وتبخر الحياء من أنسجتنا ، فما عدنا نتقزز لذكر خيانة ، ولانشمئز لحادثة زنا ، ولاتأنف أرواحنا عن المرور بالخنا.
أنا لا أحاول إلقاء محاضرة أخلاقية هنا، أو الترويج لمثاليات لامكان لها من الإعراب . أنا فقط أتمنى مخلصة أن نحافظ على بقايا الإنسانية في دواخلنا ، أن نتمسك بالمروءة والحياء اللذان إن ضاعا ، ضاع معهما ركيزة الخير وظل الأمان .
أيّ فعل يُخرِج الطفولة من إهابها، لابد وأن يعاقب بقسوة . وأدنى العقاب مقاطعة هذي البرامج الهابطة البشعة ، وفضح فسادها و خبثها .

الأربعاء، 22 مايو 2019


الوزيران اللذان ظلا حتى آخر لحظة وفيّان للشعب في صراع العروش، هما ڤاليس وتيرون لانستر !
أحدهما مخصيّ والآخر قزم . كلاهما عانى الإقصاء... ذاق مرارة الإبعاد والنفور والسخرية... كلاهما حرِم الزواج والإنجاب ، بل وحتى لذة الحب ، كلاهما امتلك الحكمة، والذكاء المتقد ، لكنه عاش بقلبٍ موجوعٍ هش ، قادٍر في صخب حفلٍ ملكيّ ، التقاط بكاء طفلٍ من أقصى المدينة يتضور جوعا ! في المقابل نجد الوزير بيليش ، صاحب المظهر الحسن والقبول الإجتماعي ، والتجارة القذرة ، وزيرًا متوحشًا قاسيًا ، لايرعوي عن إثارة الفتن والحروب ، وتمزيق الشعوب، في سبيل أن يتربع على العرش ويجد طريقًا إليه !
لربما هي رسالة للشعوب في قابل أيامها، عندما تحين ثورتها البيضاء - التي لن يزيغ عنها إلا خائنٌ أو منافق - أن يتخيّروا وزراءهم من ذوي الوجع المعتّق .الحكمة وحدها لاتكفي للحكم . وقد يكون أحد شروط البطانة الصالحة المدعوّ بها لولي الأمر، هو امتلاك ذاك القلب الموجوع الهش !
وفي الآية الكريمة ( محمدٌ رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إشارة خفيّة - كما أظن - إلى نهجيّ حكميّ الداخل والخارج . والملاحظ في الآية ، هذا الربط المباشر الصريح بينهما ، أشداء على الكفار رحماء بينهم... هكذا، مباشرًة وسريعًا ودون أيّ إبطاء ، حتى لكأنهما شرطان متلازمان لاينفصلان ، فالشدة على العدو ينبغي ألا تمتد لقومك ، والرحمة بقومك تصونها الغلظة مع عدوهم وعدوك . إما هذا أو أنك منافقٌ خبيثٌ دعيّ . وحين تنتفي الرحمة ، لن يصبح لديك إلا شعب مسحوق منهك ، يطحن بعضه بعضا ، حتى يغدو لقمًة سائغة لعدو الخارج . هي بالضبط هذي المعادلة .

وفي سياقٍ متصل بالمخصيّ والقزم . جانٌب طالما أضج الملحدون أسماعنا به ، في تساؤلاتهم عن العلة من وجود المعاقين ، والمحرومين، والمشوّهين... وأين الله عنهم وعن عذاباتهم ونداءاتهم... إلى آخر هذه الأسئلة العبثية ، التي غيّـبوا بها الشِق المكمّل لهذي الحياة ، واللازم لاستمرارها وتطورها. فلولا الحاجة ماكانت الاختراعات ، ولولا الألم ماكانت الاستطبابات ، ولولا الحرمان مما في أيدي الطين ، ماكان الحادي والناي، وبيت القصيد . ولقد جلست قبيل غروب ذاك اليوم على مضيق البوسفور ، وحولي مترفو السياح من الأوروبيين ، أتأمل أمواج المياه والحياة ، ورحلة الأيام . ومابين الغيم وسطح الماء، ووجوه العابرين كنت أغور وأفيق ، تارًة في الماضي ، وأخَر بين ممرات الشتات. حتى سرى فجأةً في الأثير صوت ذاك القانون ، من خلفي تمامًا اندفعت خيوط أنغامه ، لتحملني بعيدًا عبر الماء... إلى التلة المقابلة... إلى ماوراء الأفق.. وانسلت مني رغمًا عني روحي ، وحملني حنيني إلى حيث لاأدري ، من غيمٍة لأختها، كنت أقفز بين الماضي ، والحاضر ، ونداءات الأماني.. وشعرت بالوجود يحشد جنود جماله تطييبًا لخاطري.. كان مشهدًا غارقًا في الروعة ، هدية خالدة للذكرى ، سجلتها أنامل شابٍ يبحث عن حفنة دراهم . نعم ، العوز وحده من دفع هذا البائس لتوزيع وجبة ترفٍ على المقتدرين . تساءلت وأنا أضع النقود في قبعته الملقاة على الأرض ، ماذا لو كان الكل ثريًا مكتفيا... أكنّـا سنحظى بمثل هذي اللحظات اللذيذة ! أكان أحد هؤلاء المترفين سيتنازل كي يعزف لنا ونحن ندير ظهورنا له ؟!.... إنه التدافع الفطري ، والنقص المُكمِّل . أقدار تسوق بعضها بعضا ، في حكمةٍ و لطفٍ خفي .




الجمعة، 17 مايو 2019


بالأمس راسلتني سيدة فاضلة متنكرة بمعرّف رجل ، أخبرتني أنها تستخدم هذا المعرّف لأن زوجها شرقي معتّق ويغار حتى من اللايك الممنوح لنصٍ يخص رجلاً ما ، ثم أكملت قائلة : أنا ماينخاف عليّ ، لكن زوجي شديد الغيرة، وأنا أجاريه ، ماأريد أكسر ماتبقى له من هيبة . وحين لاحظتْ حيرتي أرسلت : هنا تم غبن مكوّن كامل، رجاله من الفئة المحافظة جدًا ، ولهم كبرياؤهم و هيبتهم، لذلك انكسر في داخل رجالنا شيء وقتِلوا وهم أحياء .
كانت جملتها الأخيرة، بمثابة طعنة خنجر استقرت في صدري ، ذلك أنني أعي تمامًا ماتقصد ، عاينت ذلك في عينيّ شقيقي ، وبعض أفراد عائلتي وأحبتي . هذه المستعمرات التي نندس في وحلها، تحت حكم عملاء مأجورين ، ماانفكت تسلخنا أحياء ، تنزع جلودنا، أظافرنا، هويتنا، كرامتنا ، ولن تتوقف حتى تطحن عظامنا، وتحيلها رماد . حتى رائحة هذا الرماد ستطارده إلى الأقاصي، إنها تخشى من أثر الفراشة، التي قد يحمل ذكريات هؤلاء القوم. تحديدًا هؤلاء القوم ، الذين لايريدون أكثر من أن يُتركوا ودينهم ، يحيوا به وعليه يموتوا .
مررت بأحدهم وقد كتب على جداره " إن لله عبادًا كأنهم لفرط يقينهم عاينوا الآخرة، فهي مبتدأ قصدهم، وميزان فعلهم، تغشاهم الفتن فإذا هم كالجبال؛ يثبتون ويثبت الناس بهم " . وحالما قرأتها ، قفزتْ إلى ذهني صورة شقيقي ، الذي أوذي ، وطرد من عمله ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت . وكلما عدت إليه بعد غياب ، حدثت نفسي بأني سأجده وقد كفر بكل شيء.. أنظر إليه بمرآة نفسي الهشة التي ماأن تتعثر في دروب الحياة، حتى لعنت الدهر والأقدار . مع كل مصيبة أقول : سيكفر... سيكفر... سيلحد... سينقلب على ماهو عليه . لكن.. مامن شيء من هذا يحدث ! هو كما هو ، مطمئن تمامًا... عميق الثبات!!... تأخذني الدهشة إلى منتهاها، أوشك أن أصرخ به : ماالذي تحمله بين جنبيك ، ماهذا القابع في رأسك... دلني عليه . أنا الريشة التي تتقاذفها الأهواء ، تميد بها الرغبات يمنةً ويسرة ، لاتقاوم تيارًا، ولا تقف لموجة .

إنهم الغرباء الموعودون بآخر الزمان . منبوذون نعم... موجوعون نعم... مقهورون نعم . لكنهم أبدًا لايتنازلون . خرجوا من الدنيا بقفزة بائعٍ غير مكترث ، يترنمون غير مديري الظهر لها :
خليّ يديّ فلست من أسراكِ... أنا ياحياة علوت فوق علاكِ
لاتضربي طوقًا على حريتي... رحبٌ أنا كمدارج الأفلاكِ .
من كان رفيق دربها من هؤلاء الغرباء ، فلتكن عونًا له على غربته ، لاتكن هي وأوغاد السياسة، وسفلة المنسلخين، مع صروف الدهر عليه . ترفقي بوحشته ، ونضال صموده. إنه يعود إليكِ كل يوم من موتٍ جديد . يعود وقد طعِن ألف مرة، وسحِق ألف ألف مرة ، قُبِر فنفض ماحثوا عليه، وعاد يرتجي الدفء بين يديكِ . صبّريه وتصبري، فإن ناظريه ممدودةٌ إلى غير مانرى، وقلبه موصولٌ بغيبٍ تعجز أرواحنا الضيقة عن إدراكه.

السبت، 11 مايو 2019


قديمًا قال المتنبي :
رماني الدهر بالأرزاء حتى… فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ… تكسّرت النصالُ على النصالِ..
والحق أني طالما دهشت لهذا التحوّر الصمودي لدى ابن عمي المتنبي ، والذي ينمّ عن شجاعةٍ، وقدرةٍ على استيعاب صروف الدهر، ومواجهتها بلسانٍ ساخرٍ لاذع  ! وكم تمنيت امتلاك مثل هذي التقنيات الدفاعية ، والوسائل التمويهية ، إذن لجنّبتُ نفسي هذا الوقوف الأبله أمام أنياب الدهر بلسانٍ لايكاد يبــين ، وقلبٍ شبه متوقف ، وتأملٍ لايسمن ولايغني من جوع !
كل هذا النزق الذي يسكنني يدل دلالةً أكيدة على أنني لم أستوعب دروس الدهر. كل هذا الصمت الغبي يخبرني قبل الجميع أنني لا أملك أجوبةً لجحافل الأسئلة الــ تجتاحني  !
عيناي المحدقتان باتساعٍ نحو البشر لاتبصران سوى الفراغ، وفمي المغلق على أطول لسان امتلأ ماءً وعلقما، وكل الصخب الذي عانق يديّ قديمًا خُفِّض لأدنى مستوياته ، واقتصر على التلويح  ! كل الحكاية اختُزِلت في التلويح وداعًا  !! ولو أنني أبصرت منذ البدء مآل الأمور لرفعت راية التلويح شعارًا ، لوضعت لافتًة على قلبي الصغير الأهبل  : لاتطل المكوث لضعف المناعة !!
لقد أصاب قلبي العطب.. تمامًا كما قلب المتنبي ، بيد أن المتنبي قد جيّر الأمر لصالحه ، وبنى من السهام درعًا واقيًا ، في حين أني اكتفيت بتلقي الضربات ،والاحتفاظ بهذه الملامح المشدوهة والنظرات المؤنِّبة في انتظار أن يعتذر الدهر أو يأبه البشر  !!
كان لابد من السقوط في قاع الندم ، في ظلمة الوحدة ، في وحشة الخذلان ، حيث لادفء ولا نديم ، حيث الحقيقة المطلقة تبزغ مع الحبال الممدودة التي ترفعك لتبيعك بثمنٍ بخس ! حيث الابتسامة دافع ،  و " كيف الحال " استراتيجية ، و "صباح الخير " تمهيد  ، واللقاء مشروع فراق !!
لم يكن ألمي لأجل هذا الكمّ الهائل من الزيف ، ولا بسبب كل الطعون التي تلقيّتها ، رغم أنها أوجعتني حقا.. لكن ألمي العظيم الذي لازال يدمي قلبي هو لأجل العمر المسروق ، تلك السنوات التي رزحت تحت نير الخديعة واحتلال النفاق. سنونٌ طوال قُيّدت بسلاسل الغفلة ، لم ينفع معها نداء ابن الرومي : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ؟! أيامٌ ثمينة ماكان ينبغي لها أن تضيع في أروقة المظاهر الفارغة .أحاسيس صادقة ما كان يليق بها أن تُصرَف في بالوعة الابتذال الرخيص..قلبٌ نقيٌ جريء ماكان له أن يحلّق في سماءٍ ملوثةٍ بعوادم الظنون وروائح الجبن ..أن يُجلِس رئة أحلامه بين مخالب الحسد ، وأكف التقريع ، وسهام التحطيم . كان حريّ بتلك الأيام أن تسيح في ملكوت الحرية ، عارية عن الصحبة الزائفة والخطى المرسومة،و النصائح المسيّسة.
لو أني فعلت… لو أني أبصرت ،ماكنتُ اليوم أجترّ الـ آه تلو الـ آه ،أنفثها في وجه أيامٍ جُلّ ذنبها  أنها من نصيب بلهاء لم تمعن النظر !
ماكنت أجلس على تلة خيباتٍ أشرف بها على العالم فيتبدّى واضحاً مكشوفًا لأدرك عظم غفلتي !ماكنت لأقبع في سجن الندم ، أهدي الآخرين خطة الهروب. ماكنت لأصبح جسر العبور ، وكبش الفداء ، وعبرة المعتبِر! آخر ماتمنيته أن تُعرَض حياتي كدرسٍ مستفاد  !
أن أُختَصَر في موعظةٍ يُؤنّب بها المذنب ، ويلام بها الغافل. أن أغدو الصليب الذي احتمل آلام البشر ليهتدوا. أن أستقبِل وجه المدفع ليحيا من بَعدي. أن تُختَزل مواجعي في نصيحةٍ يقطفها الآخرون ويمضون.. أرقبهم يسيرون في الطريق الذي لم أبصر   !
والحق أني كنت لأقدّم مثل هذه التضحيات بنفسٍ راضية لو أن الأمر حدث برغبتي… باختياري… بكامل حكمتي وتفكيري ..
لكن أن أؤخذ على حين غرة  ! أن يدفعني غبائي وغدر الآخرين لمنصة الإعدام دون وعيٍ مني! أن أتوهم التصفيق تمجيدًا في حين أنه تحية وداع ! كل ذلك يشعرني بالمرارة ، ويغوص بي في وحل الخزي والعار.
وتكتمل تعاستي حين ألمح في الأفق ذلك العمر المسروق ،  يتراءى كأغنيةٍ قديمة أبدًا لا أملّ الحنين لها ، كذكرى نازفة تبعث الشجن ،
وحين أطلبه السماح  ينشد اللحاق بي ، بيد أني لا أملك خيار الانتظار . لقد تسرّبت من قلبي ذاكرة البهجة. هرته الخيبة نضجًا حتى استوى على " جودي " الوحشة  !
وحشة ابتلعت ثرثرتي القديمة ، وابتسامتي المجانيَة ، وإقبالي الأجوف ، لأتوارى في زاوية الريبة أُقدّم -كما ابن الرومي -  رِجلاً وأؤخر أخرى .