الأحد، 23 ديسمبر 2018


لقد كان يُلبسني فستاني ، ويُحكم غلق أزرار معطفي ، كي لايترك لقلبي منفذًا لخوض مغامرة حبٍ عشوائيةٍ مع غيره  *
رينات فالونين  *

وكأني برينات تغمزني ساخرة وهي تنطق كلماتها الآنفة ؛ لسان حالها : أيّ حبيبٍ هو رجلك ؟!  ثم لا أملك إلا أن أطأطئ رأسي خجلاً وأتساءل: كيف ألِحّ بطلب الحب ، وأنا أدرك أنه ليس فستانًا يُـستعار ، ولا رصيدًا زائدًا يُنفق منه !   ووالله ، لقد حدثني قلبي الذي لم أعهد عليه كذبًا من قبل ، أنك سائرٌ بي في دروبٍ من الخيبات والعذاب ، كيف لا ؛ وأنا التي أقسمتْ دنياها ألاّ تصافيها أبدا . مذ وعيتها ، لم تُسلِم لي شيئًا أحب كما أحب ، وكل ما تعلّقتُ به، يكن منيّ على بُعد زفرتيّ صدر ، ودمعتيّ عين . ولقد تحققتُ أن الدنيا ماكانت لتحرمَنِي مقبلة ، ثم تعتذرُ منّي مدبرة. ولو أنها منحتني إياك لغفرت لها كل مامضى و كان !
ياجاحدًا غرامي ، ومنكرًا لهفتي وإقبالي ، كيف لي أن أغريك بالولوج لعالمي وتذوّق  أطايبه ؟! كيف لي أن أحدِث زلزالاً في محيط الساكن من أيسر صدرك ! أنا التي تتحسس حبها في قلبك تحسس طفلٍ لنقوده التي خبّأها بين قلبه وجيبه ! لماذا أشعر أنك تضع حبي في ميدالية مفاتيحك ، حين نزل حبك عميقًا في أوردة فؤادي ، حتى باتت يدي  لاتستطيع الوصول إليه ! وكأن ماتتصدّق به عليّ "تصبيرة حب" لاتـقيم صلبًا ، ولاتورث اكتفاءً ، ولاتبلّغ غاية ! يازاهدًا في قلبي حين طمع الكل في ودّه ،  يامدبِرًا عني حين أقبل الغير يطلبني ، قد كانت صدمتي بحجم الكون والفراغ المحيط به ، حين وجدتك بارد الإحساس  تجاه هذا القلب الذائب في حضرة ذاتك . وهاأنذا ، لا أملك من نفسي أبعد من حلم يقظة ، وأمنيةٍ مخبّأة ، وخيالٍ يمتطي غيمة  !
لقد كنتَ ياسلوتي وهجًا ساطعًا ظهر أمامي في ليلةٍ ظلماء ، فأنار لي جنبات الوجود بمثل سورة الفرقان، وكنت أمنيًة شهية، وخاطرًا رائقًا سيظل ماحييت حبيس صدري والتمنيّ . قد كنت يافاتِني آخر نداءات العمر ، وآخر استغاثات الشمس قبيل الأفول . رجوت بحبك أن أغسل عتبات أيامي من غبار الماضي ، وإذ بصدك ينثال فيحيل ساحتي خرابًا وأوحالا .
ألوذ بعدك ياهاجري بعزلتي الأخيرة، أغمض جفن الأحلام على طيفك الوضّاء الأثير ، أنذر هذا القلب وقفًا لحبك ، سواء أثمر أم أجدب ، يكفيني أنّي أسير في سمائه حافيةً من زيف الدنيا  !



الأربعاء، 19 ديسمبر 2018


كائنٌ واحد عاش منذ الأزل؛ الخوف .

حين كنت في الثانية عشر من عمري، زار جيراننا القاطنين قبالتنا صبي مقاربٌ لسني ، كان قادمًا من مدينة جدة الأكثر تحررًا من التقاليد والعادات التي مازالت تحكم مدينتي، بحكم خصوصيتها التاريخية والدينية ، لذا لم يجد الصبي بأسًا من إعلان إعجابه بي ، ولم يتردد في الإفصاح عن ذلك الإعجاب بمراسيل الابتسامات والغمزات التي غمرني بها . وهكذا عرف كل صِبية الحي وبناته بأمر هذا الغزل، ومن بينهم شقيقي. ولست أذكر الآن أيّ أمرٍ أغضبه مني ذلك اليوم الذي قرر فيه على إثر استيائه، أن ينتقم مني بإخبار والدتي بقصة الصبي الجداوي وحبه . كم يبدو الأمر مثيرًا للسخرية بقدر ماهو باعٌث على الأسى؛ أن يهددك أحدهم بجريمة حمل إنسانٍ ما عاطفًة ساميةً لك ! والمهم أن الهلع أخذ من فؤادي كل مأخذ ، وبشعورٍ فطريّ بدائي عرفت أنني سأتعرض لعقوبةٍ قاسية ، وهكذا صعدت إلى الطابق الثاني من منزلنا ، باحثة عن أقرب طريق يوصلني إلى خزان الماء العلوي الرابض فوق ماتسمى باللهجة الحجازية " الطيرما" ، وهي السقف الأخير للبيت ، والتي قد تكون في بعض الأحيان عبارة عن مجموعة ألواحٍ متراصة . كانت تلك المساحة بالضبط هي أقصر طريقٍ سيوصلني إلى خزان الماء العلوي . تسلقت الجدار ، رافعةً جسدي الصغير عبر الألواح المغطاة بأكوامٍ من سعف النخل اليابس . كنت على الحافة تمامًا ، بين الألواح وأعلى الجدار الرفيع المطل على الشارع من مسافة ثلاث طوابق، حين زلت قدمي وهويت للأسفل، لتتشبث بي حلاوة الروح ، وتحيلني إلى كومة السعف والألواح. كانت رجلاي تركلان الهواء في الوقت الذي ناضلت فيه وخز إبر السعف وإدماؤها وجهي ويدي ، لأقف مجددًا وأمضي نحو سطح الخزان .
في غالب مناماتي اليوم ، يتكرر ذات الحلم . أسقط من مكانٍ شاهق، وأظل أهوي بلا قرار . في السنة اللاحقة وضعت الحجاب، وحرصت جيدًا على إحكامه. لقد أخبرتنا المعلمة أن أيّ شعرة تظهر لغير محرم المرأة، تهوي بها في جهنم سبعين خريفًا .
لاأذكر أبدًا ماالذي حصل لاحقًا ذلك اليوم ، وهل عوقبت على جريمة كون الصبي غازلني أم لا، متى هبطت من "الطيرما"، وكيف، وإلى أين توجهت... كل ذلك تبخر . زال الخوف من عقاب والدتي ، تلاشت ندوب رؤوس السعف ، اختفى الصبي والرفاق والحب، وظلت الهاوية . ظل الخوف من قابعٍ مجهول ، طيفٍ بلا اسمٍ أو ملامح واضحة . الخوف المكدّس في صناديق الظنون ، وأدراج العقاب المؤجل ، والألم المبرِح المتجاوز للخيال ، الخوف المخبأ بين طيات السحاب ، وفوق سقف السماء ، وفي ظلمات جوف الأرض . الخوف من مفاجآت الطريق ، وشهوة الطامعين ، ووشاية الحنين . الخوف من التخليّ ، من طعنات التمني ، وأحلامٍ تُـعبأ في بالون .

الجمعة، 14 ديسمبر 2018


كنت أتصفح النت ، حين وصلت إلى خبرٍ على البي بي سي ذكِر فيه أن نائب بلدية مدينة أشدود الاسرائيلية دعا إلى إزالة شجرة عيد الميلاد من إحدى المراكز التجارية التي وضِعت بها ، معلقًا بأن " هذا العار يجب أن يُزال لأنه يؤذي الهوية اليهودية". انتهيت من الخبر و غرت مجددًا في أروقة النت لأجدني أمام (مثقف) إماراتي يرحب بقداسة البابا فرنسيس في أبو ظبي أرض التسامح والنور و "التنوير" ، ويتباهى مع أصدقائه قائلاً : محظوظون نحن بقيادة رشيدة قولاً وفعلاً ياصديقي . ليرد الآخر : جميل أن نعيد زمن التعايش والتسامح الذي فقِد في الفترة الماضية بسبب العقليات المتحجرة ، ثم ختمها المثقف : الإمارات جديرة بأن تحمل شعلة التسامح والتعايش !
المثير للضحك حد الاستلقاء ، وللقرف حد التقيؤ ، أن مفهوم التسامح لايكون إلا بين الأطراف النظائر والأنداد ، ولا يتأتى إلا لمن هو قادر ابتداءً على البطش ، ومخيّر بينه وبين الصفح . لذلك وصف الله عزوجل النساء في القرآن بذوات الكيد العظيم ، استنادًا لضعفهن الكبير، إذ لا يلجأ للحيلة والمكر إلا فاقد السطوة والقبض . وأنتم في تبعيتكم وتملقكم ، وخنوعكم وتبطحكم غدوتم أضعف من المرأة والثعلب ، ومن أعوزته القوة فلم تعيه الحيلة . من أنت أيها النكرة لتعرض التسامح وأنت الذي لاتملك من أمرك أدناه وأهونه . من أنت أيها المَهين الذي لا يُبين إلا متى ماإليه أشير ، ولا يخطو إلا بطقة إصبع سيده ، ولا يضع حجرًا على حجر إن لم يُقـرّ واليه ومالكه . عنقك الهزيل بين اصبعين من أصابع سيدك ، إن شاء أطلقك ، أو شاء سحقك . يأمرك بالتسامح فتصالح رغمًا عن أنفك وأنف رعيتك ، إما ذاك والا استبدلك ، بلاعقٍ يفوقك دناءةً وتبعيةً وتسامحا .

وسلملي على أرض النور و التنوير .

#المرارة_ياالله
#دوا_الضغط_يابت_ياسعدية

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018


من الباعث على السخرية ، أن بريطانيا التي تشدقت أثناء الحرب العالمية الثانية بكونها المدافعة عن الحرية وأيقونة الديمقراطية ، ووجه العالم الحر ، قد سنت أثناء الحرب قوانين ديكتاتورية صارمة، من قبيل منع الإضرابات ، وفرض الضرائب بنسبة مئة بالمئة ، وإلغاء الملكية الشخصية ، حيث تضع الدولة يدها على كل ماتريد وقت ماتريد ، وتسحب ماتريد دون الرجوع إلى صاحب المُلك أو استئذانه. وهذا مايؤكد على كون المصطلحات الرنانة مجرد وهم ، أشبه ماتكون بالزئبق الذي يتسلل من بين أصابعك دون أن تكون لك قدرة على جمعه أو احتوائه .
في الطرف الآخر استعد ستالين لتفكيك الأرضية الذهنية للدولة الشيوعية؛ تخلى عن الإلحاد الشيوعي وأوعز للكنيسة بالنداء للحرب المقدسة دفاعًا عن إله روسيا ! تنكر الرجل للشيوعية واستعاد التقاليد القيصرية التي ثار عليها . ذات النهج السياسي الذي أنكره أعداء الإخوان المسلمين عليهم ، وصمّوا آذاننا بالأخوان الأصوليين المتلونين النفعيين البطيخيين ، وكأنهم كانوا بدعًا عن غيرهم ، وكأنه ليس ذات النهج الذي اتبعه كل طالبٍ للسياسة ساعٍ لها .
كلمة السر في الحرب العالمية الثانية كانت " المصانع"، الحرب الحقيقية والانتصار الفعلي كان هناك ، حيث العقول والأيدي العاملة والمواد الخام ، ووراء ذلك كله وقبله : القرار السياسي . أدرك الرجل الأبيض جيدًا مدى أهمية المصانع ، وكيف أنها مبدأ النصر وسر الحضارة ، لذا سعى بكل جبروته وسطوته للحيلولة دونها ودون أعدائه ومن يروم تبعيتهم والتسلط عليهم . أرضنا غنية بالمواد الخام والأيدي الماهرة والأرواح المخلصة ، لا تنقصنا العقول ولا الإبداعات ، لكن المحرك الرئيس هو مايعوزنا ، بلاؤنا كل البلاء في قرارنا السياسي المرهون برغبة السيد الأبيض ومصالحه .
أخيرًا ، الحرب ضرورية ، سنة كونية لابد منها لإعادة ترتيب الأمور ، تماما كما قال عضو عصابة المافيا لمايكل كورليوني حين تساءل عن حجم الدمار المقبل من الاغتيالات : يجب أن يحدث هذا كل عشر سنوات أو عشرين سنة لإعادة الأمور لنصابها . دعوكم من المثل الكيوت " الأمر الوحيد الجيد في الحرب أن تنتهي" المعارض للحكمة الأصيلة : إذا أردت السلام فاستعد للحرب . الحرب كحمم البركان، ظاهرها الحرق والموت ، وباطنها خضرة الحياة .

وبس والله.
#صفنة_مع_الحروب.




الأحد، 2 ديسمبر 2018


أنا أكبر.. أصبحت أفضّل القهوة على الشاي ، والحلوى المُـعدة في المنزل على الشوكولاتة. بت ألتقط الحكمة المدسوسة في ثنايا أفلام الكارتون ، والمغزى من إيماءات الأوجه ، وغمز العيون . ودّعت الضحك قليل الأدب الـ بدون سبب  ، وأمسيت أضحك سخريةً من نفسي والأقدار والآخرين ، بت لا أكترث للأسرار ، ولاأملك فائض دهشة أو فضول . صرت أتحلّى بالصبر المرير ، وأتقن الانتظار الطويل ، أمسيت متصالحة مع فكرة موت والديّ ، بل ومستعدة لها . صرت أجيب من يسألني:كيف الحال؟  بـ : فُل، وتمام التمام . لم أعد أعادي أعداء أصدقائي ، أو أقبل الموت دفاعاً عن فكرةٍ أو مبدأ . أصبحت أبتلع غزل الرجل ، وأبتسم وأنا أتخيله يكرره على مسامع العشرات من قبلي ومن بعدي . ماعدت أغضب لفوات المواعيد ، أو حتى إلغاءها ، بات الطز شعاراً دائماً ، والرضوخ بُـدٌ لابد منه  !
أنا أكبر... أمضي بعيداً عن عيون تلك الطفلة الصغيرة التي ودعتها منذ ألوف السنين وأنا أتساءل : أكان دهراً طويلاً ، أم أنني أوغلت في المسير  ؟!