الجمعة، 30 نوفمبر 2018


لنا أقرباء أثرياء جدًا ، يعلم الله كم أتجنب الاحتكاك بهم ، وأتملّص بألف عذرٍ من لقائهم و مناسباتهم . لكن ، ولسببٍ يعلمه الله وأجهله ، يستلطفني هؤلاء القوم ، ويحرصون على التودد إليّ والاجتماع بي . وقبل أيام فوجئت باتصالٍ هاتفي من السيدة والدتهم بذاتها وجلالة قدرها ، تعاتبني على طول الانقطاع ، والتغيب المتعمّد عن مجلسها الثلاثائي (نسبًة إلى يوم الثلاثاء) ، وتدعوني إلى زيارتها في القريب العاجل . وعدتها بالتلبية فيما استعدت بعد نهاية الاتصال ذكرى آخر لقاء جمعني بها وبناتها ، حين أخذن يناقشن حال شقيقتهم المتغيبة والتي تقطن مدينة جدة ، ويذكرن سوء معاملة زوجها لها ، ونصبه عليها ، واحتياله لسلب أموالها ، وختمن بعد إمعان السرد وإسهاب القص قائلات : يالها من مسكينة ، لقد بلغ من بؤسها أنها ترتدي الذهب في السهرات وحفلات الأعراس !!!
😲😲😲😲
هذا بالضبط الانفعال الذي ارتسم على وجهي آن نطقهن بالعبارة الأخيرة ، وماأن فهمت لاحقًا أنهن يرثين حال شقيقتهن كونها لاترتدي الألماس الحر الملائم لمثل هذي المناسبات ، حتى أخذت أتحسس الخاتم الفالصو الذي كنت أرتديه ، بينما صوت والدتي يتردد في أذني " قرمبع" . وقرمبع أو قرنبع في اللهجة الدارجة لدينا تعني خردة . وكان أن لحقت بي والدتي ذات تسوق وأنا ألج محل اكسسوارات ، وصاحت بي : انتي وش تبين بهالقرمبع . وماأن سمعها البائع حتى فز قائمًا : لو سمحتي ياهانم ماتؤليش أرمبع .
والمهم ، أنني ارتديت يوم الثلاثاء السابق تنورتي الفرنسية القصيرة ، وقميصي المنقوش بجلد النمر ، وزينته بأحب القرنبعات إليّ ، وتوجهت لزيارة أقاربنا الأثرياء . دارت كؤوس الكلام مابيننا ، وطاب الحديث والسمر ، وحاولت جهدي ألاّ أكون مسلية ، لإحساسٍ بعيد لازمني ، بأن التبسط وحلو الكلام بين الأثرياء يجعلك أقرب للمهرج من النديم . وفجأة سألتني إحداهن عن زفاف قريبةٍ لنا ، وفيما إن كنت سأحضره أم لا ، فرددت بالإيجاب المقرون بمشيئة الله ، وأكملت في سري : ومزاجي . وتابعتْ أخرى : لقد عثرنا على خياطة ماهرة وزهيدة السعر ، ستخيط قماش والدتي الذي ابتعناه من ميلانو ب ٣٠٠٠ ريال فقط . قلت لها : لكن ٣٠٠٠ ريال مبلغ ليس بالقليل لأجل فستان والدتكم الذي سيكون حتمًا بسيط وخالٍ من أيّ قصة أو موديل ! ردت الفتاة : هل تعلمين كم إبرة ستُـكسر أثناء خياطته ، إن القماش مرصع باللؤلؤ والكريستال ، ستخسر الخياطة الكثير من الإبر لإتمام حياكته .
أملت جسدي للوراء ، وتابعت حديثهم بعينين هائمتين وذهنٍ غارقٍ في التأمل : آآه منكم أيها الأثرياء ، كم من إبرةٍ كُسرت لأجل زينتكم ، وخاطرٍ كسر لأجل رغائبكم ، كم من حرمانٍ كان لأجل حظوتكم ، ودمع سال في سبيل بسمتكم ، كم من روحٍ أزهقت فداء لنزواتكم ، ودماءٍ أريقت لأجل تيجانكم ، كم من حروبٍ قامت حفاظًا على عروشكم، ومآسٍ كتبت لأجل أهازيجكم . قدرُكُـم حُـرّ الألماس ، وقدرُنا القرمبع .

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018


بمناسبة اليوم العالمي للرجل..

ليس عيد فالنتاين فقط ، بل كل عيدٍ دون حضورك أيها الرجل ليس بِعِيد   !
أنت يارفيق الحياة ، وملحها وسكرها ، بدعمك وعونك ، بحضورك وحِسْك ، بصخبك وصمتك ، بل حتى حين لاتقترف عيناك سوى التفحّص  ، تزهر الأنوثة وتـتفـتّـح ! لاتصدق ذلك الصوت الذي يطلب إقصاءك ، ولا تلك النظرة التي تحذَرك ، ولا أن قلباً بين يديك لايلين  ، إنها حيلة المُـتمـنّـع الراغب ، والزاهد الولِه ، والمجيب بـ لا ، وفي داخله ألف نداء !
إن حياةً دونك ليست حياة  ، أنت يامن كلمةً منك تحلّق بالأنثى لتجلسها على الغيم ، ثم وبأخرى يسكنها الشقاء  ، أنت يامن تطلبك لتحتمي منك ، وتبعِدك وهي ترنو إليك ، وتخاصمك لتنعم بوصلك ، وتغضبك لتتذوق رضاك  ، كل ثناءٍ لايصدر منك لن يُـطرِبها وإن راقها ، وكل دَلالٍ ليس فيه رائحتك ، لن ينعش قلبها وإن نَـعِمت به أطرافها ، وكل فرحٍ لاتشاركها إياه ، يظل منقوصاً منقوصاً منقوصا   !
بل إن الكون كله بلا خشونتك وصوتك المجلجل هامدٌ قاحل وإن اهتزت جوانبه بمدرار غيث ، أنت غيثها ، وماء جسدها ، وبريق الرضا في عينيها . وإن داخلتك الريبة يوماً فتخيّـل الأرض دونك ، ثم كيف هو فِعل النساء ! هل تظل تنشد زينةً ، أو تعتريها حمى الرقص ، أو تسرف في التْغنّـج والدلال  ؟!
أنت ياسندها ، وعماد وجودها ، ودواء أوجاعها حتى حين تكون الداء ، كل نعماءٍ لاتقدمها كفّاك لاتقيم صلب الروح ، وكل خاطرٍ لاتطيّـبه أحرفك يظل موجوع ، وكل مكانٍ لايضمّك ، ولايقطع وحشته صوتك ، تظل زواياه تترقبك   . مهما تفنـنـت الدنيا في عطاياها ، ستظل أنت حقيقتها التي لاتبطل بتقادم الأيام ، بك تنتشي ويملأها الحبور ، وبرجولتك تسعد ، ويشتد لها العود !
أيها الوالد ، الزوج ، الأخ ، الابن ، الصديق ، الزوج ، الحبيب... ياعيد الأنثى لكل يومٍ جديد  ! رجلٌ لاتزهر في واحاته الأنثى وبه تزيد ، ناقصٌ وإن قـلّدوه عظيم النياشين .


#شلوني_معاكم_😉
#إعادة_نشر

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018


وتجسدت المطايا مسوخًا مقيتة  !

قبل فترة ، قررت روضة ابنتي (الحكومية)  القيام برحلة ترفيهية تعليمية للأطفال ، وأهابت بأولياء الأمور تقديم معونات مالية (لمن يرغب... كما ذكِر في الخطاب)  لأجل تكلفة المواصلات ومتطلبات الرحلة ، وحيث أن الوقت هو نهاية الشهر ، والحديدة أنّت وونّت ، وسحِقت واضمحلّت لطول وقوفي عليها ، فلم أقو على المساهمة ولو بـ بيزيتا واحدة ، وتركت صغيرتي تشارك في الرحلة على أمل التعويض عليها بالمساهمة في مشروعٍ لاحق . وحين تم إرسال تقرير عن الرحلة عبر " قروب واتساب"   مزوّد بالصور وعروض الفيديو ، انتبهت إلى تسجيلٍ يتيم لابنتي، عبر صورة قبعت في زاويتها ، فتذكرت لحظتها ماسمعته سابقًا عن تهميشٍ متعمّد من قبل هذه المؤسسات لأطفال أولياء الأمور الأقل دعمًا ومساهمة !
اعتدلت في جلستي ، وقررت إرسال ملاحظة للفت الانتباه ؛ علقت بطريقة مهذبة على غير عادتي ، وابتدأت بعبارات الشكر والامتنان للجهود المبذولة ، ثم أردفت راجيةً ضرورة إحقاق العدل آن توثيق هذه اللحظات الجميلة في حياة الطفل ، مشيرًة إلى ماناله البعض من نصيب الأسد من الصور وأفلام الفيديو ، مقابل النزر اليسير للبعض الآخر... وحيث أن سيادتكم يا أصحاب المعالي تحرصون من خلال مؤسستكم التربوية على تهذيب السلوك ومراعاة الشعور وبناء الشخصية ، فحتمًا لن يفوت على حضراتكم مالهذا الفعل من مردودٍ سلبيّ على روح الطفل !
دقيقة ، وبعثت سيادة المديرة بردها : نحن لانفرّق بين طفلٍ وآخر ، الجميع لدينا سواسية ، ومامن تكثيفٍ لظهور فردٍ على آخر ، ولا لتقديم طفلٍ على صاحبه . إننا نبذل قصارى جهدنا ، وأقصى مالدينا ، نشقى لأجلكم ولأجل أطفالكم دون كللٍ أو ملل ، لانطلب أجرًا ولا جزاء ، وليس لنا من غاية إلا رضا المولى عنا . لكنكم قومٌ لاتـثمّنون ولا تحمدون ، وللجميل تنكرون ، ولاتبصرون إلا النقطة السوداء في بحار الصحائف البيضاء !!
ماأن وصلت رسالة سمو المديرة ، حتى انهالت رسائل الوفود : بارك الله جهودكم وجعلها في ميزان حسناتكم يوم تلقوه... بوركتم أستاذتي... أسعدالله قلوبكم كما أسعدتم قلوب أطفالنا.... الشكر لكم ولجهودكم الجبارة ياسيادة المديرة.... بل نرى يا سعادة الرئيسة ، ونسجل ونحفظ جميلكم وعظيم جهودكم....

أخذت نفسًا طويلاً ، وحاولت تقمّص روح أميرةٍ انجليزيةٍ أرستقراطية تلبس فستانًا طويلاً من المخمل ، وتضع قبعةً صغيرة مستديرة ، تكتب بهدوءٍ وكبرياء ، وإلى يمينها قدح الشاي وإناء الكريستال المملوء بالزهور المقطوفةِ من حديقتها ، وأرسلت : عفواً سيدتي ، لم يفتني تقديم الشكر لحضرتكم ، والإشارة لعظيم جهدكم ، علمًا بأن ماتقدمونه ليس في النهاية إلا عملكم ، وكل مسؤولٍ عن عمل مطالب بأدائه على أتم وجه . وقد سبق وذكرتم سيادتكم أن هذا " القروب"  قد أنشيء للتواصل وإرسال الملاحظات ، فإن أزعجتكم ملاحظتي ، فالعذر منكم ، وسأبعث بها لغيركم !!!
رسمت علامات التعجب الثلاث في محاولة للتلميح بالتهديد ، ولجوئي إلى تدابير أخرى أو  جهات عليا لنيل حقي ، فعلت ذلك بيقينٍ شبه تام بأنني لست إلا " شحاتة" بائسة لن تجد من يلتفت إليها أو يسمع منها حرفا .بيد أن وفود الشعب كانت أسرع مني في اتخاذ التدابير ، فما أن تراءت لهم عُصيّ التعجب خاصتي ، حتى اجتاحت أرض القروب الحشود والهتافات  : ألف شكرٍ لاتفيكم حقكم أسيادنا، بوركت خطاكم.... قواكم الله ونصركم ، جهودٌ تستحق التخليد والعرفان..... أبدعتم وأجدتم وليس إلا الجاحد من ينكر فضلكم ، ثم حانت إطلالة عبر الشرفة من المديرة وهي تبتسم للجموع وتلوّح بكفها : الحمدلله ، الحمدلله ، أعاننا المولى على تحمّل الأمانة ، نحن في خدمتكم ، ولا غاية لنا إلا رضاكم . صفيق وتصفير ، أقصد تصفيق وصفير ، ثم هتافات ، ومعاودة للتمجيد  : كفيّتم ووفيّتم ، والشكر موصول لكل فردٍ في مؤسستكم الغرّاء..... جزيتم جنان الخلد على ماأدخلتموه على قلوبنا وقلوب صغارنا من فرح (ولو بصورة واحدة) !.... أساتذتنا لاتلتفتوا للنقد والمنتقدين الحاقدين.... ذنبكم مغفور وتقصيركم مسموح ، وكل نقيصة ضائعة في بحر حسناتكم... لاعليكم ياسيادة المديرة فالأصيل لايلتفت للنقص اليسير ويترك الخير الوفير ، لننظر بإيجابية وندع تصيّد العثرات...
تلا ذلك خطبة ألقتها إحدى الأمهات ابتدأتها بالذكر الحكيم ، ثم حديث من الهدي النبوي ، ثم حشتها باللحمة والموزريللا... عفوًا أعني بعبارات الثناء والتقدير : أنتم يامن كان لكم قدم السبق في ركب العلم والتعلّم ، أنتم يامن بذلتم ولم تنتظروا ، يامن أعطيتم ولم تبخلوا ، يامن وهبتم ولم تطلبوا.... تصفيق ورفرفة رايات ، ثم كلمة لأحد منسوبي المؤسسة أكد فيها على وجوب اللُحمة والتكاتف ، ونبذ كل مغرِض مفرّق للصفوف ، ثم قصيدة ألقتها مواطنة مخلصة ، ثم ومن أقصى "القروب"  جاءت حيةٌ تسعى ، لتقدم قرابين الولاء والطاعة ، وتعلن المبايعة الأبدية الراضخة ، والبراءة من كل مشكك في جهود السيدة المديرة ومنسوبي المؤسسة الفاضلة !
كل ذلك فيما أنا في زاويتي أنكمش وأنكمش وأنكمش ، حتى تخيلتني الأعور الدجال الذي ماإن تبدّى له المسيح ذاب كما الملح في الماء  ! أغلقت المحادثة ، ونزعت القبعة ، كلا... لم تكن هناك قبعة حينها ، لقد استشعرت قرنيّ شيطان تعلوان رأسي ، واحمرارًا يكتسح بياض عينيّ ، وسوادًا يغمرني . كنت أتحسس ذيلي اللئيم المدبب وأظافري القذرة وأتساءل  : لماذا ؟ ماأن أحلّ بواد إلا وتنشب المعارك ، وماأنطق من قول إلا وتصوّب السهام نحوي وما أصدح برأي إلا وتتناوشتني الأيادي والرماح ! هل أنا أيقونة الشر في هذا الكوكب ؟


أنا الصوت النشاز ، والجملة الاعتراضية ، والسبابة الطاوية للإبهام . أنا النقض بدون حق ، والاعتراض قبل الإذن ، والصراخ حين يسود الصمت . أنا العابر دومًا نحو الطرف الآخر . أنا الهاجر للـ " الحيط"  الآمِن . أنا المقتحِم دون خريطةٍ ولا مفتاح . يقودني " مايجب أن يكون" ، وتدهسني جموع المسبحين . قدري أن تطول غربتي وتطول  !





السبت، 10 نوفمبر 2018


كنت أقرأ في سيرة ابن المقفع ، حين وصلت للجزئية التي تحكي عن الخلافات التي كانت في زمنه بين مؤسسي الدولة العباسية ، وما كان من أمر عبدالله بن علي الذي خرج على ابن أخيه المنصور ، مما جعل الأخير يبعث بجيشٍ للقضاء على ثورته التي فشلت ، وجعلت منه لاجئا عند أخيه سليمان والي البصرة ، والذي عزله المنصور تبعًا لذلك ، وولّى مكانه سفيان المهلّبي . والمهم ، أن المنصور طلب تسليم عبدالله إليه ، فرفض عمّاه سليمان وعيسى ، شقيقا عبدالله ، إلا بأمانٍ منه يمليان هما شروطه . وكان كاتبهما آنذاك هو ابن المقفع ، فشدد وبالغ في الشروط ؛ خوفًا من غدر المنصور ، فكان هذا ، إضافةً إلى انتقاد ابن المقفع لسير الحكم في البلاد ، مما أثارا حقد المنصور عليه ، وجعلاه يتربص الفرص للإيقاع به ، فكان أن دخل ابن المقفع ذات يوم دار سفيان المهلّبي لإنجاز مهامٍ تخصّ مولاه عيسى ، ولم يخرج أبدا !!

حاول مولاه عيسى أن يكشف الجريمة ، ويدين سفيان بها ، لكن الخليفة أنقذه ، ومما يُروى أنه لما حضر الشهود وشهدوا بأنهم رأوا ابن المقفع يدخل دار الوالي ولم يخرج منها ، أجابهم المنصور : ماذا أفعل إذا قتلت سفيان الساعة لأجل ابن المقفع ، ثم خرج هذا وخاطبكم من هذا الباب ؟ مشيرًا إلى بابٍ خلفه . فخاف عندئذٍ الشهود ورجعوا عن شهادتهم !. وهكذا... طوى الظلام جثة صاحب البيان ، عبدالله ابن دازويه ، وغابت مثلما غاب غيرها في دهاليز الغدر والغيلة.
رحمك الله ياابن المقفع ، ماكان ضرّك لو أنك قرأت دعاء دخول الخلاء ، قبيل الولوج على أبواب السلطان .

الجمعة، 9 نوفمبر 2018


حكت لي إحداهن قصة شقيقها الذي ضبط زوجه متلبسة بخيانته ، الأمر الذي أدى إلى إصابته بجلطة قلبية أنهكته ، وألزمته مراجعة المستشفيات ومراعاة من حوله لوضعه الصحي المستجد ، ثم بعد أشهر - تكمِل - وحين توفي ابنه البكر ؛ أحب أبنائه وأقربهم إليه ، انتحب وأجهش وشهق بالبكاء في ليلته تلك ، إلى الحد الذي ظننت معه أن قلبه سيتوقف في تلك اللحظة ، وأنه سيلحق بابنه لما مضى من قصة مرضه . لكن الغريب أن جسده خرج سليمًا معافى ، وأن قلبه لم يُخدش بأدنى جلطة .
كانت تسترسل في القص ، بينما استعدت أنا حكاية ذلك القرشي الذي أخِذ أحد غلمانه ، فأرسل لآخِذِه يتوعد : ياهذا ، إن الرجل ينام على الثكل ، ولا ينام على الحرب ، فإما رددته ، وإما عرضت اسمك على الله في كل يومٍ وليلة خمس مرات ! وفهمت منها ومن تعوّذ الرسول الكريم في قوله " وأعوذ بك اللهم من قهر الرجال" ، أن القهر يؤذي روح الرجل أضعاف مايفعل الحزن ، وأنه لأجل ذلك لم يجعل الله لأنبيائه من تخونه في فراشه ، في حين ابيضت عينا أحدهم حزنًا على فراق ابنه تغييبًا ، وسال الدمع من محاجر البعض على من فارق بنيه موتًا . والبدو آن الحزن يصيحون " وا حرّ كبدي" ، ويتداولون أسطورة صاحب الإبل الذي قتلت ناقته ولده في حالة هياجٍ لها ، فانتقم منها بأن ذبح ثلاثة من صغارها أمام ناظريها بعد ولادتها لهم ، ثم حين اكتفى ، قام بذبحها ، وهاله ماوجد من تفتت كبدها مع سلامة سائر أعضائها ، وإليها نستدل بقول الشاعر الذي أرسل قديمًا : إنما أولادنا بيننا... أكبادنا تمشي على الأرض !

الرجل يصبر على الثكل ، ولا يصبر على الحرب ، هذا ما وعاه العرب قديمًا ، وآمنوا أنه علّة وجودهم ، ومصدر عزهم وبقائهم ؛ من أراد الحياة اللينة الوادعة الذليلة ، رضي بالهوان وقبل الدنيّة في عرضه ، وتسلّط العدو على رقبته وأرضه ، ومن أبى إلا العزة ، تحمل أهوال الحرب ، وهان عليه كل مصاب في سبيل تحقيق مايرنو إليه ؛ ننام على اللوعة والحزن ، ولا ننام على القهر والضيم .

السبت، 3 نوفمبر 2018


أنهت زينتها بوضع طبقة رقيقة من البودرة  . تأكدت من أنها لم تنس الهدية التي ابتاعتها لأجل " نورة " زوجة شقيقها أكرم  . إنها الزوجة الثالثة له , وقد وضعت قبل أيام مولودها الثاني من أكرم والثالث لها , ذلك أنها مطلقة من زوجٍ سابق . وهي امرأة من أسرةٍ محافظة تبلغ الخامسة والثلاثين من عمرها , قليلة الجمال والكلام وربة بيتٍ ماهرة . طلبت علياء من ابنها مروان أن يمر بمنزل خالته " ريم " حيث أنها تود مرافقتهم لمنزل شقيقهما , وحين استوت ريم في مقعدها بادرتها علياء سائلة : من سيكون هناك ؟
- لا أعلم بالضبط , سمعت أن أخانا يوسف -وابنه معاذ قد وعداه بزيارةٍ هذا المساء .
- ياإلهي ...أرجو ألا يتواجد غيرهما ..
- لماذا ؟ ماالخطب ؟!
- بربكِ...تعرفين شقيقك , سيكرر عليّ ذات الموعظة بشأن تنميص حاجبيّ , وعن كوني ملعونة ...وعن انحرافي المتأخر وخاتمتي التي ستسوء.
كانت ريم تضحك بصوتٍ عالٍ حين قاطعها تعليق مروان :
- المفروض ياماما أن تحملي همًا لغضب الله عليكِ , لا لرأي خالي أكرم ولومه وتأنيبه .
- ها ها ...الآن ستلقي عليّ موعظة أنت الآخر  ؟!
- إني أخاف عليكِ عذاب يومِ عظيم ...
التفتت علياء لشقيقتها قائلة : انظري ماذا يغرسون في عقولهم  ! ثم أكملت توجه حديثها لابنها : هل تظن حقًا أن الله العظيم الكبير , الله  الحليم الرحيم , الأحن على عباده من الأم بأولادها , سيلعنني ويطردني من رحمته لأجل رغبتي في زينة هو  فطرني عليها ويعلم يقينًا كم أحبها وأرغب فيها ...هل تؤمن بذلك حقًا !
- الحديث صريح ياماما .
- هذا إن سلّمت بأنه حقًا حديثٌ صحيح .
- أوووه ...أنتِ في ضلالٍ عظيم .
- تأدّب يافتى ...وتوقف عن الكلام  في هذا الموضوع ...حسناً ؟
- كما تشائين .

أكرم هو الشقيق الأكبر لعلياء وريم , بالإضافة إلى ثلاث أشقاء آخرين هم " وليد" و" عماد" و " محمد" ..وهو حاصل على الدكتوراة في العلوم الشرعية , وصاحب مؤلفات عدة في العقيدة وأصول الفقه , متوسط الطول , مكتنز البدن , في بداية العقد الخامس من عمره , لطيف المعشر محبب إلى القلب , يملك وجهًا سمحًا مبتسمًا , له ثلاث زوجات واثنا عشر ابنًا . ظلت علياء وشقيقتها تتبادلان الحديث مع زوجة أخيهما التي كانت ترد باقتضاب وتشاركهما ببرود عهدتاه عنها , وما أن أنهتا شرب الشاي حتى دخل شقيقهما أكرم يدعوهما للدخول إلى مجلس الرجال للسلام على أخيهما لأبيهما وابنه . يوسف موظفٌ حكوميّ متقاعد يبلغ من العمر أربعة وستون عامًا , رجلٌ منفتحٌ على الحياة محبٌ لها , يدخن بشراهة، ولا يطيق المكوث في مكانٍ واحد لأكثر من شهر , وابنه معاذ طبيب أطفال في أحد مستشفيات المدينة ,  فتى خجول وهاديء متزوج وله أربعة أبناء , إنه واحد من أصل سبعة أبناء ليوسف أكبرهم يدعى عقيل ، كان في التاسعة عشر من عمره حين قتل في البوسنة على أيدي العصابات الصربية .
خص يوسف علياء بعناقٍ طويل , وحين علّق أكرم ساخرًا : حتمًا , فهي قرينتك ! تعالت الضحكات فيما جلست علياء بجوار يوسف مربتة على كتفه : إنه حبيبي الذي علمني قيادة السيارة وأنا في السادسة عشر من عمري , وأعلم أنه سيرافقني لاختيار سيارتي إذا ما سمحوا لنا بالقيادة . أومأ يوسف برأسه موافقًا :
- يعلم الله أنني سأفعل , لن أعارض ذلك , كما لن أعارض افتتاح دور السينما , ولا حتى خلع الحجاب ...فقط ياأخيّة سامحيني في واحدة , لاأريد أن يسجل الموقف باسمي , لاأريد  أن أكون أول من يبتدئه فيشار نحوي بالبنان .
علّق مروان ساخرًا , وكان قد سمع خاله أكرم الجالس بالقرب منه حين همس : "ليبرالي منحل " :
- لكن ياخالي يوسف البدو يقولون : راعي الأوّله ماينلحق , كناية عن وافر الشرف الذي حازه , فكيف تريد أن تفوّت على نفسك هذا الفضل  !!
- لا تتخابث يافتى , إن أيّ انقلاب على موروثات المجتمع ومعتقداته ليس بالأمر السهل , وغالبًا مايذهب أولى متبنيه ضحايا له ...يحدث ذلك في كل مكان , مابالك في مجتمعٍ خاص كمجتمعنا .
شارف مروان على الرد , بيد أن أكرم وضع يده على ركبته في إشارة له كي يتوقف , ثم أرسل : المفروض يا أبا عقيل (شدد أكرم على الاسم هنا ) أن من يؤمن بفكرة يناضل لأجلها , ويقدم حتى روحه فداءً لها  !
يوسف الذي أدرك مغزى حركة أكرم , تنحنح بعد برهة صمت قائلاً : كلا ياعزيزي . هذه فكرة قديمة عفى عليها الزمن , مثلما عفى على الكثير من الأفكار البالية التي باتت لاتناسبه . من يؤمن بشيء عليه أن يحتال لتحقيقه مع الحفاظ على سلامته في ذات الوقت . عليه أن يحرص على البقاء على قيد الحياة كيما يستمتع بنجاحه الذي أحرزه .
- لكن الرياح لاتجري كما تشتهي السفن , والواقع يخالف ماتقوله وتأمله ...وكل ما تحقق للبشرية من تحررٍمن القيود والطغاة إنما تم ببذل الدماء ...
- ذلك لأنه شرِط بالكراهية , واقترن بها ...لو أن الأمور حدثت تحت قبة الإنسانية والسلام , ماسفكت كل تلك الدماء ..
توجه أكرم بنظره نحو خاله مروان مبتسمًا وهو يقول : أوووه ستحدثني الآن عن المدينة الفاضلة والتعايش الإنساني ثم تكمل عن التقارب بين الأديان والمذاهب . انطلقت من مروان ضحكة عالية ، فيما أتبع أكرم : لكن ماذا عن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم , أكانت حروبًا رعناء  مقرونة بالكراهية ؟!!
- لاتأخذاني إلى متاهات يضيع فيها لب الحكيم الحازم , ماأعرفه بيقين الخبير المجرّب , الذي عايش الفترة التي كان الناس يتعوذون فيها من فلان الذي ألحق ابنته بالمدرسة , وإذ بهم اليوم يرسلون بناتهم بمفردهن للخارج , ثم أقاموا الدينا وما أقعدوها يوم أدخِلت الأطباق الفضائية للبلد , ولعنوا من جاء ومن سمح بها , واتهموا بالدياثة كل من يُدخلها على أهل بيته , وحرموا اقتناءها والظهور في قنواتها , وهاهو اليوم يُتهم بالرجعية والتخلف من لايقتنيها , ويتسابق المشايخ والدعاة لحجز برامجهم عليها , بل ولامتلاك قنواتٍ خاصة بهم عبرها , ثم الضجة التي صاحبت الهاتف الجوال , ومن بعده الإنترنت ...الخ الخ الخ ...كل ذلك يؤكد على أن هناك قوة إنسانية  غير مرئية ولا ملموسة , نرى أثرها دون أن يكون لها أشخاص ولا دعاة , هي من تتكفل بتحقيق حاجات البشر التي لايمكنهم الاستغناء عنها ..لقد حاربوا الغناء بكل وسيلةٍ امتلكوها , نبذوا المطربين , حطموا الآلات الموسيقية , خطبوا وصرخوا ولعنوا وتوعدوا ...وماذا بعد ؟ هاهو أقرب المشايخ من الحكومة وأكثرهم شهرةً بين الشباب ينشر فتوى تودد ، يعلن بها انتهاء القطيعة مع ذلك الوحش الكاسر " الغناء "...
- هو فقط أباح الغناء دون معازف و...
- بربك ...قاطعه يوسف بضحكة مجلجلة , ساندته فيها علياء , فيما علقت ريم وهي تنظر لأزمان :
- إي والله ...إلا ايش صار على حفلات الزواج الإسلامية ...منذ زمن لم نسمع بها أو نُدعى إليها، حفل زفاف ابنة جيراننا صفية ..هل تذكرين ؟ كان إسلاميًا دون طبول ولا دفوف ولا أي آلة موسيقية , فقط فتيات الفرقة ينشدن بعض الأناشيد الإسلامية , ويقِـمن المسابقات التي تحوي أسئلة ثقافية دينية حول العقيدة والأحكام الفقهية وسيرة الرسول عليه السلام وحياته , ثم يكافئن صاحبة الجواب الصحيح إما بكتيّب أو بشريط كاسيت ديني , أو بمسبحة مع مسواك , أو سجادة صلاة ..هل تذكرين ؟!
- نعم أذكر كل تلك الحفلات , وأذكر أن قائدة إحدى هذه الفرق الإسلامية قد صاحت بنا مرة في إحدى الحفلات توبخنا على التصفيق , معللة ذلك بكونه والتصفير من أعمال قوم لوط ...وأردفت : إن بلغ بكن الحماس مبلغه فهللن أو كبّرن بدلاً عن التصفيق !!
- الله أكبر...هكذا صرخت ريم وهي تنفجر ضاحكة , فيما رفعت علياء كوب العصير صائحة : تكبير  !!
سارعت بلمّ ابتسامتها حين انتبهت إلى نظرات أكرم المحدّقة بها وشفتاه اللتان كانتا تنكشفان عن ضحكةٍ هازئة , وبعد لحظات صمت أرسل :
- أتدرين ياعلياء ...أنا أشفق عليكِ حقًا , أنتِ تحديدًا لا تعرفين ماالذي تريدينه , على الأقل أبو عقيل مذ عرفناه وهو بذات الوجه والاتجاه , أما أنتِ فمسكينة , من فتاةٍ تقيّة طبِع على جبينها علامة السجود إلى امرأة تقف اليوم على شفا جرفٍ هاوٍ لاتدري أين سيهوي بها , وليس ذاك إلا لأنكِ كنتِ تعبدين الله كالمنافقين على حرف ..
- بل على خوف...خرجت كلمات علياء من بين أسنانها , وأكملت وهي تجاهد للسيطرة على غضبها : كنت أعبده على خوف ...خوف متواصل وشديد من عذابه وسطوته , من غضبه وانتقامه , أنا لم أعرف منكم إلا وجه الله المعاقِب , المنتقم , المهدد , المتوعّد , لم أكمل سن الثالثة عشر من عمري إلا وأنا أعرف كل أسماء جهنم وأوديتها , وألوان العذاب فيها , وتفاصيله , ومايسبقه من أهوال القبر , والضغطة التي تحطّم العظام , وتخالف أمكنتها , وكيف أن القبر يضيق ويضيق ليصبح في مساحةٍ لاتتجاوز الـ خمسين سنتمتر مربع !! ياإلهي , ياللهول ...كنت أمرر يدي على جسدي وأتساءل في هلع : كيف سأحشر في تلك المساحة الضيقة ؟! ...ثم المَلكَان وانعقاد اللسان , وقرع المطارق , والكوّة التي تفتح على النار , والوحشة , والظلمة , والوحدة والكآبة , وكل ذلك لماذا ؟ لأجل أغنية , أو دعج عينان بالكحل أو لبس خلخال , أو لأن قلبي خفق رغمًا عني بالحب , أو لأن روحي اشتهت زينة النساء فوضعت رمشًا أو رسمت حبة خال , لأجل هذا سيلعنني الله كما تزعمون ويطردني من رحمته ويحرمني رائحة جنته ؟!! تبًا لكم  , لست بحاجة لتعاليمكم أو لوحكم الإرشادية , قد وهبني الله قلبًا محبًا للحياة , للخير , للعدل , روحًا شاسعة أكبر من مخاوفكم البائسة وقيودكم وتصنيفاتكم التي حصرت الكون وآفاقه في لونين لايتجاوزهما . قد منحني الله قلبًا شفيفًا وفؤاداً تضطرب جوانحه لأنين إنسانٍ قابعٍ في أقاصي الأرض ، فتشارك دموعي شكواه وآلامه . ضقت ذرعًا بقوالبكم المعدة سلفًا ، وآراءكم وأحكامكم التي ماأنزل الله بها من سلطان .

خيّم الصمت لدقيقةٍ كاملة على المجلس , نزع خلالها الدكتور معاذ - الذي لم ينبس ببنت شفة طوال اللقاء – نظارته متشاغلاً  بتمسيحها , بينما تظاهر مروان بالكتابة على جهاز الجوال , فيما كان يوسف ينظر للأمام ويمرر يده على لحيته القصيرة , وظلت ريم  تتبادل مع أكرم النظرات . قطع الصمت فجأة صوت يوسف قائلاً : هل أخبرتكم عن الحمارة الجميلة التي صادفتها في " الديرة " قبل شهر !
أمالت علياء فمها بضحكة مكتومة , وسط تعالي ضحكات الآخرين , وتحدث أخيرًا معاذ مبتسمًا  : أنثى الحمار تدعى أتان ياأبي .
- المهم , أنها تملك أجمل عينيّ حمارة رأيتها في حياتي , بل إن ملامح وجهها كلها مميزة , إنها تستحق أن تكون ملكة جمال الحمير ...لابد أن أريكم إياها متى ما ذهبنا إلى هناك .

امتدت السهرة حتى الثالثة فجرًا , قادهم فيها يوسف من قصة إلى أخرى بأسلوبه العذب المشوّق ، وبدعمٍ من أكرم الذي أثرى تلك القصص بشواهد تراثية وشعرية وحكايا لايملّ منها سامع  , استأذنت ريم على مضض , كونها مضطرة للرحيل برفقة شقيقتها التي لم تعد قادرة على المضي في السهر . وحين اقتربوا من منزلها , أرسلت ريم : تعلمين جيدًا ياعلياء أن أكرم طيب القلب كريم الطباع  . أجابت علياء بصوتٍ واهن وعينان مغمضتان : أعرف ذلك جيدًا , لقد دفعني بيده ذات يوم بعد أن أغضبته بلساني الطويل الوقح , وكدت أن أسقط على وجهي ، لولا أني تشبثت بحواف المكتب الذي كان إلى جواري , وقبيل النوم جاء إلى غرفتي , قبّـل جبيني واعتذر مني . إنه الإنسان الوحيد الذي لم يضربني في ذلك المعتقل .

#عيناكِ_ياعلياء
#أيلول_وقلب#علياء