الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018


صبي اسمه " رواح " .

يومٌ جديد تدور فيه والدة رواح على أبنائها ، توقظهم كي يستعدوا للذهاب للمدرسة . لكنها غير مضطرة لأن تفعل ذلك مع رواح . لقد اعتاد الصبي على ضبط منبه جهازه ، والاستيقاظ دون مساعدة أحد . قرر ذلك منذ آخر مرة دلقت فيها والدته الماء البارد على رأسه بعد أن أعياها إيقاظه . لطالما كررت أن هذا الفتى " الشعنون" كما تصفه ؛ خير معينٍ لها في هذي الحياة ، بعد أن ارتحل بِكرها للعمل خارج المدينة ، لقد اختار الارتحال ، كيما يظل في منأى عن الاحتكاك بوالده الذي لم يتفق معه يومًا . أدركت ذلك مثلما أدركت أن رواح لن يتخلى عنها كما فعل شقيقه ! " رواح صلبٌ جسور " ؛ هذا ماازدادت به إيمانًا مع كل "علقة " تلقاها الصبي من والده بابتسامٍة واسعة . رفاق رواح آمنوا بذلك أيضًا . وفي كل مرة حُبـِس فيها في البيت من قِبل والده ، بعد استدعاءٍ من مدير المدرسة ، انتظروه بيقينٍ تام . كانوا على علٍم بمنفذه السري . لقد أكبروا جسارته التي دعته لتسلق أنابيب" المِنور " من الطابق السابع ، حيث شقة عائلته ، وصولاً إلى السطح بعد الطابق الحادي عشر . ورغم أن رواح لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره ، إلا أنه كان " دينمو " الشلة ، والمحرّك الرئيس لها . إنه مدبّر المؤامرات ، ومخطط الرحلات ، ومنفذ السرقات ، وحتى بعد أن عفى عنه السيد سالم صاحب البقالة ، بعد أن ضبطه متلبسا بالجرم مرتين ، لم يقو الصبي على التخلص من دائه ، كان يجيب والدته : لقد أردت المساهمة مع صحبي ، لم أظن أن ذلك سيُغضب العم سالم . هو أيضًا لم يتوقع أن القصاصات التي كان يصوّبها باتجاه رأس معلم اللغة الإنجليزية آن كتابته للدرس على اللوح ، ستثير هياجه إلى الحد الذي يستوجب ضربه وإهانته أمام رفاقه . ومرًة أخرى ، لم يتوقع أن يكون جواب والده على شكوى المعلم : اضربه ، وإن مات بين يديك ، فلن أقتص منك .
قريبًا سيُمسي اسم هذي الحارة " حارة رواح " . كيف لا ، والصبي صاحب الاقتراح الذي قضى بتحويل البقعة الخالية الكائنة بين الحديقة والشارع العام إلى ملعبٍ مسيّجٍ لكرة القدم ! ألم يكن هو أول من اتصل بدائرة المطافي حين لمح الدخان المتصاعد من مبنى أحد الجيران ! أضف إلى ذلك أن السيدة " منتهى " وهي أرملٌة عجوز تسكن وحيدًة مع قطتها ، تقسم أن ذلك الصبي المشاغب الذي تدعوه " مراح" هو الوحيد الذي يهبّ لمساعدتها كلما رآها تحمل أكياس مشترواتها !
لاتفتر شفتا رواح عن الابتسام . يرسل ناظريه نحو السماء متشوّفا ، فلا توقظه إلا ضربات والده على رأسه : ماذا ؟ أتسمع نباح كلابٍ في السماء ؟! امض سريعًا وابتع لي علبة سجائر . يفعل الصبي ذلك بكل سرور ، متناسياً تلك النقرات على رأسه ، والشتائم في مسمعه . هو يبحث عن أيّ فرصة كي يغادر المنزل ، لذلك لن يرفض طلب والدته بمعاودة الخروج لقضاء بعض الحاجيات للمنزل ، ثم طلب شقيقته منه التوجه للمكتبة لطباعة أوراقٍ تخصها . إنه " الشعنون" ، شعلة المنزل وجذوته .
رواح لا يُقهر . إنه متشبث بهذي الحياة . تخبرك بذلك أرصفة الحارة التي أشبعها لهوا وقفزا . يوافق على ذلك الصبية الصغار ؛ يمر بهم فيشاغبهم ويلاعبهم ، يؤكده مُغسّل السيارات الآسيوي الذي كثيرًا ماشاركه رواح اللهو وهما يتعاونان لتنظيف بعض السيارات . وهاهو اليوم متوجه لمحل تصليح الدراجات ، حيث وعده العامل الذي يشتغل هناك ، بإصلاح دراجته بالمجان ، ووضع ملصقٍ عليها يحمل شعار ناديه المفضل . كم كانت خيبته ودهشته عظيمتين حينما علم حقيقة هذا الملصق وثمنه . ورغم أن العامل أحكم إغلاق بوابة المحل ، إلا أن جسارة الصبي استطاعت تخليصه من قبضة الوحش بعد أن ضربه بإحدى الآلات الثقيلة ، وانسلّ من بين يديه هاربًا عبر كوةٍ صغيرةٍ في الجدار . لعدة ليال ، وبعد أن يغادر "رواح" أصدقاءه عائدًا للبيت ، يتهامس البعض حول حقيقة ماحدث في ذلك المحل : رواح لم يعد هو ، انطفأ شيء في عينيه . يعترض البعض الآخر معللاً : هو لم يكذب علينا ، لقد خرج سليمًا ، تلك الكسرة في عينيه إنما مردها لخذلان والده الذي لم يقتص له ، متهِـمًا إياه بالصياعة ومرافقة المنحرفين . لايذكر رواح آخر مرة تحدث فيها إلى والدته التي باتت أكثر انعزالا ، وهاهو ينقر باب غرفتها الموصد بالمفتاح ، فيجدها كما دومًا منشغلة بجهازها وعالمها . تلوح منه التفاتة صوب غرفة شقيقته المنكفئة على كتبها ؛ " قريبًا ستدخل كلية الطب" ، يحدث نفسه بينما يمر بشقيقيه الصغيرين يلعبان سويا . وقبل أن يصل للصالة إذ بباب غرفة والدته يُفتح ، فتخرج طالبًة منه الذهاب لابتياع علبة سبراي لتضعه على شعرها قبيل خروجها للقاء جاراتها . يعود سريعًا بالطلب ، فيتفاجأ بوالدته قد قررت إغلاق باب البيت وراءها بالمفتاح ، لتجبره على المكوث مع إخوته . لن يعترض رواح ولن يثور ، فمنفذه السريّ كفيلٌ بإنقاذه من هذا الحِصار ، هو خبيرٌ في استخدامه ، متقِنٌ له . مالم يتوقعه فقط ، أن يجد نفسه في ملتقى الجارات ؛ على السطح !!!
" وأخيرًا عرفتُ ممر رواح السري " هكذا صاحت المرأة ماأن رأت زوجها الذي انتشى بهذا الظفر العظيم ، فراح يلكم وجه الصبي ورأسه ، في الوقت الذي تكوّر فيه رواح على نفسه في الزاوية ، مسلِمًا ظهره لسياط حزام والده ، الذي تعالى صراخه : أيها الشقي ، كيف سولت لك نفسك فعل ذلك ؟ ألا تخشى الموت ؟ هل صدقت فعلاً أنك جسور ، إنهم يخدعونك ويسخرون منك ، لاأحد يحترمك أو يحبك ، أنت مصدر تعاسةٍ لي ، مصدر إزعاجٍ لمدرسيك ، عبء ثقيلٌ بتبلد إحساسك ، وسرقاتك وانحراف سلوكك .

صباحٌ جديد تدور فيه والدة رواح على أبنائها ، توقظهم كي يستعدوا للذهاب للمدرسة . لكنها لن تضطر لفعل ذلك مع رواح . لقد تدبر الصبي أمره جيدًا . أعاد مشاهدة ذلك الفيديو كثيرًا في الأيام الأخيرة ، وبات يعقد الحبل بكل مهارة . لذا لم يستغرق الأمر منه تلك الليلة سوى دقائق معدودة . أنجز الأمر في أقل من ربع ساعة . نعم ، ربع ساعة مع جسارته كانت كافية لتحلّق روحه بعيدًا .
مازال صغار الحي يُقسمون أنهم شاهدوا "رواح" نهاية الشارع يلوّح مبتسِمًا لهم ، يجددون أيمانهم أمام أصدقائه الذين يتهامس بعضهم بكون رواح لم يقصد المغادرة ، وأنه لم يتوقع أن تحكِم العقدة قبضتها حول عنقه الصغير ، بينما يرد الآخرون بأسف : رواح جسور... رواح لايُقهر .

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

مات الكثير من الأحبة ، لكنها المرة الأولى التي ألج فيها مغسلة الموتى .

في كل مرة كنت أهرب من هذا الموقف ؛ التغسيل ، والكفن ، والوداع الأخير . أرغمتني الظروف هذه المرة على ماكنت أكره . وعبرت البوابة المؤدية للمغسلة ، ثم إلى الداخل حيث لاشيء أمامك سوى مجموعة مقاعد تليها صالة مكشوفة يؤدي فيها المنتظرون الصلاة . توجهت مع مجموعة النساء نحو اليسار حيث اللوحة التي كتِب عليها " مغسلة النساء"، في انتظار أن ينتهي الرجال من تغسيل الميت وتكفينه . احتلت النساء المقاعد كلها ، مما اضطرني للجلوس على المقعد الحجري الكائن في الصالة الداخلية ، كنت في حالة خدرٍ وذهولٍ شديدين ، مدت إليّ إحداهن مصحفًا واعتذرت عن تناوله. أدرت بصري فيهن وقد انكفأن على المصاحف تلاوةً وتمايلا ، ومضيت أتأمل أرضية المبنى وجدرانه والتي بُلّطت بذات البلاط ، في تعبيرٍ صامٍت همس : مو فارقة !
أمامي تمامًا إلى الزاوية اليمنى وضِعت شجرة زينة اصطناعية ، بغصنٍ مال للون اليباس وأوراقٍ مغبرّةٍ باهتة. وإلى اليسار قريبًا مني برادة امتلأت بقوارير الماء ، تلتها غرفة فُتح بابها على مصراعيه . دفعتني دهشة الفضول للاستكشاف ، توجهت إليها ، فوجدت عنوانها " مغسلة رقم 1" . كانت تغص بالنعوش المخصصة للنساء ، 13 ، 56 ، 4 ، 27 ، 16...وفي الوسط ربض ذلك السرير المثبت على الأرض بأعمدة حديد ، والمعد للتغسيل ، مُستقبِلاً من الأعلى أنبوب الماء المتدلي بنهايته " شطاف التواليت" . إنهم يغسلون الأموات بالشطاف الذي نستخدمه في الحمام !!! اقتربت من السرير ، كان في نهايته بالوعة كبيرة ، أحنيت رأسي أتفحصها ، ورأيت ما يشبه الطحالب قد استقرت في قاعها . في الركن الأيمن للغرفة ، تكدست مجموعة من الكراتين بعضها فوق بعض ، وظهر من الكرتونين العلويين أكياس مملوءة بمسحوقٍ أخضر ، توقعت أنه السدر . نعوش وكراتين ، براميل وأنابيب ، غرفة أقرب إلى مستودع خردوات . لاشيء هنا يوحي بالحياة . شعرت بتقلّصٍ مفاجيء في أمعائي ، ورغبة في التقيؤ . خرجت من المكان أسحب خطواتي التي قادتني إلى الغرفة المجاورة والتي حملت لوحتها اسم " مغسلة رقم 2 " . كانت هذه الغرفة أكثر ترتيبًا وبرودة ، لم يوجد مع سرير التغسيل إلا بضع براميل زرقاء اللون ، احترت في علّة تواجدها . رفعت بصري نحو الأعلى ، وسرت رعشةٌ في أوصالي ، كان هناك جهاز مثبت أشبه بالمضخة ، شعرت بومضة رعب للخيال الذي عبرني ، لاأدري لم ظننته أداة فرمٍ وتعذيب . لم تختلف الغرفتان 3 و 4 عن سابقتهما كثيرًا ، ربما فقط كانتا أكثر هدوءًا ووحشة . انتبهت إلى إحدى النساء وقد أصبحت إلى جواري تبحث عن دورة المياه . وحين جلت ببصري كي أساعدها ، تسمّرتُ أمام اللوحة التي كتِب عليها " السكن" !!
سكن؟!... سكن ماذا ومن ؟ سكن الأموات ؟! كيف ذاك ؟... هل هي غرف معدة لمن يحتضرون ؟... هززت رأسي : هند ، ماهذا الغباء ! من يحتضر مكانه المشفى لا هنا . كانت خطافات الاستفهامات تتناوش ذهني ، في الوقت الذي مشيت فيه خلف السيدة التي عبرت الباب ، لتستقبلها تلك العجوز البنقالية وترشدها لدورة المياه . وأصبحتُ في البهو !... ربااااااه ، إنه سكن المُـكـفّنات !! ياإلهي ، إنهن يسكن في مغسلة الموتى !! شعرت بالأرض تدور بي وأنا أنتقل ببصري بين الغرف الثلاث ، بدت من الغرفة المواجهة امرأة تجلس على حافة سريرها ، منشغلة بربط مجموعة من الأكياس التي حوت مساحيق أعشاب بروائح غريبة ، كانت الغرفة مطفأة الأنوار ، وقد أعطت ظهرها للنافذة التي تسرب منها ضوء الغروب . إنها منهمكة في عملها ؛ الإعداد للموت !
مجددًا شعرت برغبة في التقيؤ . عدت إلى مقعدي ، حيث النساء مازلن يرتلن القرآن على روح الميت . سألتني إحداهن أمرًا لم أستطع استيعابه ، وأردت الاستفهام منها عنه ، بيد أني لم أجد صوتي ، عبثًا حاولت الوصول إليه ولم أفلح . شعرت بالجفاف يحتل حلقي ، وتوسلت رشفة ماء تعيد الحياة إليه. وتذكرت برادة الماء ، كنت على وشك النهوض لسحب قنينة ماء حين لاحظت أن القراطيس التي تحمل اسم الشركة المُصنّعة مزالة. توجست في نفسي خيفة ؛ لماذا هي مزالة ! وأنعمت النظر مجددًا . كلا ، إنها موجودة . وبين إقدامٍ وإحجام ، ونظرةٍ وأختها ، تأكد لي في النهاية أن القناني تحمل اسم مصنعها . رغم ذلك لم أتناول منها واحدة . لقد خُيّل إلي أنني سأتلاشى في ذات اللحظة التي تصل فيها جرعة الماء جوفي . وأفقت من هواجسي على ضوضاء عالية لعاملين يُدخِلان نعشًا حُـمِلت عليه امرأة ما ، ولحق بالسرير رجلان آسيويان ، استقر في ذهني أنهما قادمان من ديارهما للعمرة والزيارة حين فاجأ الموت رفيقتهما . لم يكن في المدى إلا صوت عجلات السرير الذي سحِب نحو مغسلة رقم 2 ، ثم صوت أحد العاملَيْن يخبر الرجلين بضرورة التوجه للخارج ريثما تنتهي المكفّنة من تجهيز رفيقتهما . مرت بضع دقائق ، والوجود غارقٌ في صمتٍ عميق ، وكأنما حيل بيننا وبين عجلة الحياة . ووجدتني أحمل نفسي نحو الغرفة رقم 2 ، أقف ببابها أتأمل تلك الكومة البيضاء الملقاة على السرير تنتظر من يحل رباطها ويحررها . مرت ثانية ، اثنتان ، عشرون ، ربما سبعون ، ربما دقائق وأنا في مكاني ، أنتظر أن تفيق المرأة وتستوي جالسة ، لتخبرني أن كل هذا وهم ، تمثيلية ، مزحة غليظة . لكنها لم تفعل . اجتاحني وسواس يهمس : أنتِ أيضًا طيف . لربما أنتِ الميتة لا هي . وشعرت برغبةٍ شديدةٍ في التقيؤ . صاح بنا المنادي ، أن توجهن لجناح الرجال لتوديع الميت ، وماأن دخلت النساء حتى انحنين عليه بكاء وتقبيلا ، في الوقت الذي التصقتُ فيه بالجدار ، أنظر للرقم 17 المرسوم على النعش . علا صوت إحداهن : بلّغ سلامي لوالدي ووالدتي ، بينما حثتنا الأخرى قائلة : أخبروه عن عظيم حبكن له ، إنه يسمعنا !
الآن ؟ تساءلت في سري ، مافائدتها الآن ؟

تقع المغسلة في الوسط تمامًا ، إلى يسارها المسجد النبوي ، وإلى اليمين مقبرة البقيع . توجهت وثلاث سيدات إلى باحة المسجد . يااااه مر وقتٌ طويل ! لقد تغيرت أمور كثيرة منذ آخر مرة كنت فيها هنا ، وانشغلت تمامًا عن الصلاة بكمّ المباني الهائلة التي أحاطت بالحرم ، وكنت كلما رفعت من ركوعٍ أو سجود التقطت اسم مبنى ؛ متحف أسماء الله الحسنى ، متحف الرسول محمد ، فندق الهجرة ، فندق الإشراق ، معرض عمارة المسجد النبوي ، فندق الأنتركونتينينتال (دار الإيمان) . وتردد في ذاكرتي صوت ممثلٍ مصري ما وهو يصيح : " كُـلّـه بما يُرضي الله ياباشا " . نعم ، إنها التجارة الرابحة ؛ على سنة الله ورسوله ! بعد انقضاء صلاة المغرب التفت إلى جارتي أستفهم منها عن تراتبية صلاة الميت ، ذكّرتني بها وتداركتْ : لاتنسي ، تسليمة واحدة فقط . أومأت برأسي موافقة ، وهمست في سري : نعم ، بزيادة على الميت !
كنت ورفيقاتي آخر العائدات إلى المغسلة ، حيث انتظرت بقية النسوة على المقاعد الخارجية في انتظار الانتهاء من الدفن . وهبط الليل جالبًا معه نفحات نسيمٍ واهنة ، وخلال نصف ساعة توقفت أربع سيارات جنائز . وأخيرًا فتِح باب البقيع ، ولمحت على الرصيف البعيد ثلاثة رجال حملوا في أيديهم معدات الحفر ، فعلمت أنهم حفارو القبور ، كانوا راضين عما أدوّه من عمل ، هذا ماأوحى به صوت ضحكاتهم العالية . وحال بيني وبينهم رجلين مرّا أمامي ، وانتبهت وإذ بهما يعودان بالسرير رقم 17 خاليًا إلى المغسلة . واعترتني قشعريرٌة هائلة ، وشعرت برغبٍة عارمة في التقيؤ . في أن أتقيؤني ، أتقيأ هذا الوجود برمّته ، ورفعت رأسي إلى مبنى المغسلة : يجب أن يضعوا أعلى بوابتها بيت المعري " هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد " نعم.. يجب أن يتوقف هذا العبث ، يجب أن يُدرك الحمقى حقيقة هذي المهزلة ، فيفرغوا رغباتهم وفائض سوائلهم في بالوعٍة ما ، يجب أن ننتهي ، أن ننقرض ، أن تتوقف هذه الدورة الغبية ، بأهازيج بدءها ، وموال ختامها . ليصمت الحادي ، لتختفي القافلة ، ليخرس الضجيج... ليتوقف الألم ، ويخلع الفرح ثوب السذاجة الأبله ، ليتوقف الكل عن ترديد البلاهة المعتادة :" إنها سنة الحياة " . متناسين سنة الموت وسطوته ، هاربين من مرّ الحقيقة إلى مخدّر الأمل ..
ألا وتعسًا لعبيد الأمل .

الخميس، 18 أكتوبر 2018


قبيل الزفاف بيومين مرت بها  شقيقتها ريم لأخذ بطاقتي دعوة للحفل من أجل صديقتها " منار " ووالدتها , تصغرريم شقيقتها علياء بست سنوات , فارعة الطول , سمراء اللون , لها عينان واسعتان برموش كثيفة طويلة , تعمل منذ اثنتي عشرة سنة في القسم النسائي لمكتب الأحوال المدنية بالمدينة , زوجها رجلٌ طيب القلب , متواضع التفكير والطموح , يعمل في وظيفةٍ أمنيّة لأحد المخازن الحكومية , وقد أنجبت منه ريم بنتين جميلتين وصبي هو الأصغر. دهشت ريم  آن رؤيتها لبطاقات عديدة دون أسماء :
- ماهذا؟  أهي بطاقات فائضة عن الحاجة  ؟!
- نعم , لم أدع الكثير لحفل الزفاف.
- ولماذا ؟ لديكِ الكثير من المعارف والأصدقاء ..
- تقصدين الكثير من الوهم ...
قطّبت ريم حاجبيها وهي تسأل  : وهم !! لماذا تقولين ذلك ؟
- تعالي للمطبخ , هل أصنع لكِ قهوة تركية معي ؟
أجابت ريم وهي تجلس إلى طاولة الطعام  : لاأريدها مُرة ..ضعي قليلاً من السكر بها .

ارتشفت علياء قهوتها بهدوء وهي تدير رأسها نحو نافذة المطبخ الواسعة إلى يمينها , أرسلت وهي ماتزال تحدّق عبر زجاج النافذة  : هل تذكرين كيف كنت أعاند والدتي وأثور في وجهها كي تسمح لي بزيارة صديقاتي ؟
- كنتِ تثورين لأجل أشياء كثيرة ياعلياء ...أردتِ زيارة صديقاتكِ , والتحدث بالهاتف , والسماح لكِ بالزيارات العائلية  والتسوّق دون رفقة أحد .
- الأخيرين لم أطالب بهما إلا بعد أن أصبحت في الجامعة . عضت شفتها السفلى وأكملت : ياإلهي ...كانت مطالب بسيطة وعادية ...لم أبغ سوى قليلاً من حرية .
- علياء ...علياء , أرجوكِ ...ياالله ...كنتِ تناطحين الصخر , مطالبك لم تكن بسيطة ولا عادية وسط أسرة متشددة كأسرتنا . مازلت أذكر جيدًا ذلك اليوم الذي عدتِ فيه من الجامعة قبيل صلاة العشاء , وحين علموا أن سبب تأخركِ هو مرورك بالمستشفى لزيارة عمي ماجد حين داهمته إحدى نوباته القلبية  جلدوكِ , كنت أسمع صراخكِ وأتساءل : لماذا لم تستأذن هذه المتغطرسة منهم مسبقًا ..لماذا هي حمقاء إلى هذا الحد !
- هه  !! وهل تظنين أن سبب نقمتهم هي عدم استئذاني المسبق منهم ؟! وماذا عن تلك الليلة التي سهرت فيها مع بنات خالي محمد , في منزلهم الذي لا يبعد عن منزلنا سوى عشرة أمتار . حدث ذلك بعلمهم , وبرفقة والدتي التي انصرفت مبكرًا , واستأذنت منها لأبقى مزيدًا من الوقت , فما كان منها إلا أن أرسلت " أكرم " بعد ساعة كي يجلبني , وماأن دخلت البيت حتى سحبتني من شعري وأخذت تضرب رأسي في جدران المدخل كلها ...كنت في سنتي الجامعية الأخيرة , يهوي فؤادي في ألمٍ عميق وأنا أرفَع من شعري كالنعجة , ثم أركَل في الزوايا لا لذنب إلا رغبتي في أن أتنفس .
- نعم ...نعم , همست ريم ببطء وكأنما تبذل جهدًا في التفكير : تذكرت تلك الحادثة الآن , كنت قد نسيتها ...يا الله ...
- الأمر ليس عدم استئذان مسبق  , الأمر ببساطة أنكِ فتاة ويجب أن تظلي تحت سلطتنا التامة , تخرجين بأمرنا , وتعودين بأمرنا , في الساعة التي نحدد و مع الأشخاص الذين نختار , كيفما يحلو لنا ومتى مايطيب لمزاجنا ...لذلك كنت أثور , كنت أتمرد ...كنت أحارب وأقاتل ..
- لكنكِ لم تستفيدي شيئًا ياعزيزتي ...لم تظفري بشيء عدا الندوب في سائر جسدكِ . كنت كلما  سمعت ذلك الحديث النبوي عن كون أكثر من أوذي وضرِب وعذّب هم الأنبياء والصالحون ، أهمس بيني وبين نفسي : وعلياء.. وعلياء . لقد كنتِ عظة متجسّدة بالنسبة لي , تعلمت من خلالك أن أغلق فمي وأن لا أطالب بشيء , بل وأن لا أحلم بشيء حتى يشتد عودي وأصبح قادرة على الوقوف وحدي دون الحاجة لأحد .
- آخر ماتمنيته أن تعرَض حياتي كدرسٍ مستفاد . أن أختصَر في موعظة يُؤنّـب بها المذنب ويُلام بها الغافل , أن أغدو الصليب الذي احتمل آلام البشر ليهتدوا , أن أكون صف التترس الذي ينقذ الآخرون . أن أستقبل وجه المدفع ليحيا من بعدي .
- أووه عزيزتي ..النبلاء يقدمِون  التضحيات لأجل صالح الإنسانية بكل طيب خاطر .
- كنت سأقدّم تلك التضحيات بنفسٍ راضية لو أن الأمر حدث برغبتي , باختياري , بكامل حكمتي وتفكيري , لكني أخِذت على حين غرة , دفعني غبائي وتسلّط الآخرين لمنصة الإعدام دون وعي مني ...لقد اختُزِلت كل مواجعي في نصيحة قطفها الآخرين ومضوا , فيما بقيت أرقبهم يسيرون في ذات الطريق الذي لم أبصر .
أطلقت علياء تنهيدةً واهنة , كانت تحدق في المدى عبر عينين غائمتين , أرسلت بعد برهة : هل تتخيلين قابعًا في نفق ظلام , كيف هو حاله آن خلاصه ! إنه سيندفع نحو الأمام دون رويّةٍ ولا إبطاء . هذا تمامًا ما حدث معي . ألقيت نفسي بين يدي أول عابرٍ التقطني . لم أفكر فيه كزوج أو شريك عمر .كل ما رأيته فيه هو خلاصي من قيدي . وهربت ..هربت نحو الناس , نحو الآخرين , ألتمس منهم ذاتي , أبحث عن رضاي عنيّ في أعينهم , عن محاسني في ثنائهم , وعيوبي من نقدهم ...حين أفكر , أجد أن مامضى من عمري كان محاطًا بغشاء النعاس الذي ذكره شكسبير , نعاس عزلني في بوتقة حجزت عني همس الكون حين ألقتني في ضجيجه , الأمر كان أقرب إلى العبث , عبثٌ سادرٌ في غيّ الجهل المطمئـِن الآمن , حيث لاتطلعات ولا سبر أغوار ولا بحث عن كينونة , حيث إثبات الذات كفيلٌ به رداءٌ جميلٌ غريب , أو فوزٌ في معركة كلام ...
- ماذا تقصدين ..لا أدري ماالذي تريدين قوله ياعلياء ..
- أردت أن أقول أنني هربت في الاتجاه الخاطيء ...خرجت من النفق ومضيت دون هدى , هائمة بلا دليل  ...ظننت أن الآخر بإمكانه أن يمنحني مالم تمنحه لي جذوري ...توهمت أن الآخر قد يساعدني في الوقت الذي لم أتوقف فيه لمساعدة نفسي ..أنا حقًا لم أتوقف ياريم ...لم أتوقف لالتقاط أنفاسي , لتأمل الطريق وتأمل ذاتي..لم أنظر لداخلي لأتعرف عليّ مجددًا ...كنت قد خرجت من ذلك النفق متسخة ومشوّهة ..كان الأحرى بي أن أمكث مليًّا معي ..أن أفهمني وأخطط جيدًا لباقي رحلتي ..لكني لم أفعل . انكفأت على ذلك النهر الذي حرِمت منه , وأخذت أشرب دون توقف..ألقيت بي بين أيدي الناس ...علاقات وعلاقات وعلاقات ...عرفت الكل إلا إياي .وهل عرفتهم حقًا ؟ أبدًا , لم أكترث لمعرفتهم...كل ماسعيت له هو القبول بي والرضا عني .
- لكنك كنتِ محبوبة حقًا لتميّزكِ لا شفقةً من الغير أو مداهنة .
أطلقت علياء ضحكةً عالية : أتظنين ذلك حقًا ؟

#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء

الجمعة، 12 أكتوبر 2018


أنا في الحضيض الآن ..
في الحياة معزولة عن الحياة ، لا تركيز ولا استيعاب ولا قدرة حتى على المجاراة . أقف وسط الجموع كالبلهاء ، أحملق بعينين غارقتين في الضباب . أجابه الحياة برأسي المنتفخ ماءً وكوابيسًا وأوهام .
في أول مرة ذهبت فيها إلى الطبيب ، ولجت سيارة الأجرة ، وهمست بإسم المشفى دون وعي . أظن أن صوتي كان خافتًا ، الأمر الذي حدا بالفتى معاودة الاستفهام ، لأكرر قائلة : مشفى الرحمة . جلست في غرفة الانتظار ريثما يحين دوري ، وماأن حلّ ، دخلت على الطبيب كمن يسوقه البخار ، ألقيت بجسدي على المقعد الكائن أمامه ، بادرني متسائلاً :
- من امتى بتتألمي ؟
- منذ الحادي عشر من سبتمبر...
- الله... الله ، هو انتي بقا اللي كنتي بتسوقي الطيارة ، ودخلتي في البرجين....
لم أنبس ببنت شفة ؛ ببساطة لم أستوعب كلامه . ظللت أحملق فيه كالبلهاء إلى أن قرر الانتقال للسؤال التالي ومن ثم تفحص نبضي وخفقات قلبي . أحالني إلى المبنى الآخر ، لإجراء عدد من التحاليل والأشعة . وهناك عاودتني ذكرى المرة الأولى التي زرت فيها هذا المشفى ، كان ذلك منذ سنوات بعيدة ، تحديدًا في يوم الإثنين . لم أنس الازدحام الشديد الذي عاينته في ذلك اليوم ، والذي أدركت علته لاحقًا حين علمت أن أصحاب المشفى قد خصصوا يوميّ الإثنين والخميس لاستقبال الفقراء وذوي الدخل البسيط من المرضى ، فجعلوا كامل التكاليف بمبلغٍ رمزي لايكاد يُذكر ، بل وبالمجان لبعض الحالات ، دون تركيزٍ على فرز الوضع المادي للمراجعين. فكل من يزور المشفى في ذينك اليومين سيحظى بالعلاج شبه المجاني . مازال المشفى على وضعه القديم ، مزدحم بالزوار والموظفين والبركات المطلة من الجدران . موظفون كثر ، فائضون عن الحاجة حتمًا ، مظهرهم البسيط الرث ، وشبه تبطلهم ، يوحي بأنهم شغلوا هذه الخانة من باب العون والمساعدة .
بعد ساعتين ونصف ، عدت للطبيب محمّلة بأوراق الأشعة ونتائج التحاليل ، وماأن رآني حتى حياني مبتسمًا :
- أهلاً 11 سبتمبر ..
هز رأسه باندهاش وهو يتأمل الأوراق : ياااه..11 سبتمبر !! همستُ بهدوء :
- أليس من السخرية يادكتور هذا الحوار في هذا المكان تحديدًا !
رفع بصره من تحت نظارته التي انزلقت إلى أرنبة أنفه ، ولاحت منه التفاتة صوب الممرضة التي وقفت قريبًا من الباب . أدرت رأسي أنا الأخرى أتفحصها ، كانت صغيرة بعمر ذاك الفتى الذي أوصلني هنا . وانتبهت فجأة... آآه ، لذلك عاودَ الاستفسار عن اسم المشفى ! يبدو أنني نطقتُ بالاسم القديم له : مستشفى بن لادن !
نعم ، كيف له وهذه الممرضة الصغيرة أن يعرفا بأن هذا هو اسم المشفى القديم ، نسبًة إلى العائلة التي تمتلكه. لا أدري لم تجسّد لي وأنا في طريق العودة المنزل الذي ولد فيه هتلر في النمسا ، والتي قررت صاحبته رفع قضية لدى مؤسسة الحقوق الإنسانية الأوروبية ضد حكومة بلدها التي تسعى لاستملاك المنزل وتغيير معالمه ، بحجة أنه بات مزارًا للنازيين الجدد وعشاق الرايخ الثالث.
مازال المنزل قائمًا ، ومازلت متعبة . أظن أنني متعبة منذ ماقبل الحادي عشر من سبتمبر .

السبت، 6 أكتوبر 2018


كالعادة ، أجلس في المقهى وحيدة ، أرتشف قهوتي ، وأراقب الناس . إلى يساري جلس شاب مع فتاتين ، إحداهما ، وهي حبيبته فيما يبدو ، إلى جواره ، بينما جلست الأخرى أمامهما . كان ينطبق عليها الوصف الذي وصفت به ابنة أخي يومًا نفسها ، حين أرادت أن تخبر صديقتها أنها الوسطى بين أشقاءها : "مزهرية" . ومزهرية بالمعنى المتداول عندنا تشير إلى كون صاحبها إنسان لامعنى لوجوده ، فائض عن الحاجة ، بالمختصر : مالوجوده أي داعٍ !
وهذا بالضبط ، ماكان من أمر الفتاة في تلك العلاقة الثلاثية . كان العاشقان يتلامسان ويتهامسان ويتشفشفان ( بمعنى يلصقان الشفة بالشفة) فيما هي تراقبهما كما كنغرٍ أبله يحدق في صيادٍ قادمٍ لالتقاطه . ولا تسألوني لم الكنغر تحديدًا . لكن جلوسها بتلك الطريقة ، بذلك الظهر المنحني و الشعر المجعد ، تلتهم مافي صحنها، ثم ترفع ناظريها لتحدق بهما وهما يتبادلان الحب ، أقرب لوضع حيوانٍ مسلوب الإرادة والفكر . تساءلت في سري : هل هي شقيقة الفتى الذي آمن أن لاحبيب لديها ، فدعاها شفقًة عليها كي تشاهد الفيلم الذي يؤديه مع حبيبته فيما هي تملأ معدتها . أم تراها شقيقة البطلة... أقصد الفتاة العاشقة ، التي أرادت حجًة كي تقابل حبيبها ، فسحبت أختها لتغطي عليها ، ورشتها مقابل ذلك بأصناف الطعام. لكن لا... الأتراك ليسوا مثلنا . إنهم يوشكون على التسافد علنًا . ولا أظن أن فتاةً هنا تجد صعوبًة في مقابلة من تريد وقت ماتريد .
وقبل أن أهتدي إلى حقيقة وضع الفتاة المزهرية ، جذبتني من ناصية قلبي حروفٌ عربية تراقصت إلى يميني ، وانتبهت ، وإذ بسيدةٍ عربية محجبة تجلس برفقة زوجها . كانت طاولتهما متقدمة قليلاً عن طاولتي ، بحيث تمكنت من رؤية وجه السيدة بوضوح . ولقد اشتهرت بين معارفي بامتلاكي لمهارة إخفاء نظراتي ، بمعنى أنني أستطيع دراسة تفاصيل الشخص الذي أعاين دون إشعاره بذلك . تحدث الزوجان عن موضوعٍ عالقٍ بينهما ، لم أتابع تفاصيله ، لكن بدا أن الزوجة متأزمة ومخنوقة جدًا منه ، رفعتْ عينيها فجأة عن الموبايل الذي كانت تنقر شاشته ، وثبتت ناظريها في وجه زوجها قائلة : خلاص، كفاية ، احنا حنفضل نعيد ونزيد في دا الموضوع كل يوم؟! ... كل يوم ؟! قالت كلماتها تلك بوجهٍ يوشك على التقيؤ من شدة القرف . أدرت رأسي كي أعاين زوجها . نعم... كان وغدًا . هذا مابدا واضحًا من شفتيه اللتين تهدلتا بشكلٍ مستفز .
كانت التفاتتي هذه المرة فاضحة. وهو مادعا الزوجين لتغيير مكانهما ، في الوقت الذي وضعت فيه حساب قهوتي وغادرت . طوال الطريق الموصل إلى الفندق كنت في أفكر في ابنتي ، همست لنفسي مرارًا : يجب ألا تصبح مزهرية . يجب أن أخبرها بأن لاتسمح لنفسها أن تمسي كذلك ، ألا تقبل الدخول في علاقٍة تحيلها لطرٍف ثالٍث هامشي ، ليس له من الأمر إلا أن يجتر ويشاهد . أو طرفٍ ثانٍ مغلوبٍ على أمره ، مسحوقٍ تحت روتينيةٍ بغيضةٍ متكررة حد السأم . يجب أن أملأ روحها بمعاني الإباء والثقة العالية . يجب أن تؤمن بأن الوحدة خيرٌ من المقعد الهامشي ، أنقى من الدور الخائر المستسلم ، أفضل من العلاقات الباردة الباهتة الصفراء . يجب أن تتعلم أن تصنع من روحها رفيقًا يملأ وحدتها ، يؤنس وحشتها، يكون عضدها حين يخلو بها الطريق.

الخميس، 4 أكتوبر 2018


قبيل موعد الزفاف بأسبوعين كانت علياء على موعٍد مع صديقتها " رجوى "  التي زارتها لتقدم للعروس هديتها , وهي صديقة لها مذ كانا في السادسة عشرة من عمريهما  . على يديها تعرفت علياء على روايات عبير الرومانسية التي كان من المحرّم والمخزي قراءتها , كثيرًا ماأعارتها رجوى إياها بالخفاء وقت الدوام المدرسي , أو حين تمر عليها في بيتها ، مخبأة داخل فستانٍ طُوي عدة طيات ، أو محشورة في ملفٍ وضع في ثانٍ ثم ثالث . لطالما اعتبرت علياء تلك الروايات بوابة عبورٍ نقلتها لعالمٍ لايشبه عالمها . مع رجوى عرفت  كيفية كيّ " غطاء الوجه " ببخاخ النشاء حتى يصبح منسابًا أنيقًا يجذب أعين الشباب ...تتذكر جيدًا كيف شاهدت لأول مرة رسالة حب تكتب على الريال - أو العشر ريالات في حال طالت الرسالة - لتنتقل إلى يد حبيب رجوى الذي كان ينتظرها في بقالة العم " حذيفة " الكائنة على الطريق الواصلة بين المدرسة وبيتها , في ذلك الوقت لم تكن هناك جوالات ولا أنترنت , كانت وسيلة الاتصال بين العشاق هي الرسائل المكتوبة يدويًا إما على الورق ، أو مناديل الكلينكس والأوراق النقدية في الحالات الطارئة العجلى  , أو عن طريق الهاتف الأرضي والذي غالبًا ماوضع في مكانٍ مكشوف وسط صالة المنزل ، على مرأى ومسمع جميع من في البيت , وفي منزلها تحديدًا تذكر علياء جيدًا كيف كان الهاتف إحدى المحظورات التي يحرم الاقتراب منها إلا للضرورة القصوى , ابتسمت وهي تستعيد صورة شقيقتها ريم التي أرسلت ذات دهشة بعد أن راقبت والدتهما وهي تنزع قابس الهاتف كما كل ليلة لتضعه في غرفتها حتى اليوم التالي : إنهم يقومون بحماية هذا الجهاز كما يحمون فروجهم !
- الأمر مرتبط بالفرْج على كل حال , هم يرونه على هذه الصورة  , مهاتفة فموعد فقبلة ف جنس وعار !
- نعم , إننا عار , احم ْعارك  , لـ نحمه , لنأخذ هذا الجهاز اللعين ونغلق عليه الأبواب   !!

حرصت علياء على تقديم أصناف عديدة  وفخمة من الضيافة لصديقتها رجوى , لم تشأ أن تظهر في مستوى أقل منها في الاحتفاء بالضيوف , أضف إلى ذلك معرفتها بحب صديقتها الشديد للطعام ، وتذوّقه بلسان المحب الناقد  , أدركت كل هذا منذ الزيارة الأولى لمنزل رجوى وأهلها قبل قرابة ثلاثين عامًا , حين تفاجأت بكمية الطعام الذي قُدّم على مائدة الفطور . كان الوقت هو اختبارات نهاية العام  , وهو وقتٌ مناسبٌ للتغيّب عن المنزل دون أن ينتبه أهلها لذلك , فهي تستطيع إخبارهم بأنها تأخرت في الاختبار , إذ كان محرّمًا في تلك الفترة على الفتيات تبادل الزيارات مع صديقاتهن , كان يومًا مميّزًا بكل ماحمله من تمرّدٍ على المألوف , ودهشة بعالمٍ جديد لم تعتده  , حيث البيوت الرحبة , والطعام المتنوّع الوفير , و الملابس الجميلة التي ارتدتها أخوات رجوى , والأهم فسحة تحرر لم تكن تتوفر في بيتها . لاحقًا حين اقترحت رجوى أن يكون فطور اليوم الأخير من الاختبارات في منزل علياء , بعد أن حل الدور قبله على صديقتهما أمل , التي لم يقل مستواها الاجتماعي عن رجوى  , قادتهما علياء قبل الذهاب لمنزلها إلى مخبز العم " هبّاش " , ابتاعت بريالين خبز القمح الأسمر الذي تشتهر به المدينة النبوية , ثم قدمت لهما الشاي الأحمر بالنعناع الحساوي والجبن الأبيض البلدي ، دعتهما للأكل بحماس : هيا , تفضلوا ...لاتنتظروا المزيد ! لاحقًا ، لم تجد صعوبة في تصديقهما حين أخبرتاها كم أحبتا هذا الفطور وكم وجدتاه رائعًا لذيذًا , إذ أنه وبطريقةٍ غريبة كان كذلك بالفعل  .

يهبط الليل , فتذوي علياء كمخلوقٍ مرصودٍ بالموت من الظلام , لطالما وجدتْ الليل غادرًا مخاتلاً , يلهو بها كما تلهو الصبية الغرّة بحبلٍ متهدّل , كانت ترد على سخرية عائلتها وصديقاتها من عزوفها عن السهر : إن الصباح ميدان العقل , والمساء مروج شقيقه , في النهار أكون للناس , بينهم , أخرج لهم ..أما في الليل , فأفتش في الدكاكين القديمة عن بقايا تركتها في العتمة , ولذا يتسع بؤبؤاي وأنا أنظر فيّ , خيباتٍ وأفراحا , انكساراتٍ ونشوات , فأنشطر بين بسمةٍ ودمعة , كما الشاعر حين يدندن : ياعين ياليل  !!

وقفت أمام النافذة التي لم تجرؤ على فتحها في ظل هذا الجو الحار . لاجديد ...هكذا فكرت , فناء منزلها وخزان الغاز الرئيسي القابع في زاويته اليمنى , ثم إلى الأمام جزء من واجهة منزل جيرانها الذين لاتعرف عنهم أيّ شيء , عدا أنهم يزينون نوافذهم  في رمضان بقناديل جميلة . أسدلت الستارة . صعدت إلى سريرها وأسندت ظهرها إلى الخلف . لانور في المكان إلا النور الأحمر الخافت لقابس المكيف ، والذي منح الغرفة برودةً لذيذة لم تكن أبدًا لتفضلها على البرودة الطبيعية . قفزت إلى ذهنها فجأة تلك الظهيرة القديمة من سنوات طفولتها , وقد جلست تحت المكيّف الصحراوي لمنزل جارهم محمد التركي . كانت قد حطمت طقم أسنان والدها حين تعثرت به وهي تركض في المجلس المعد للرجال , ويبدو أن والدها قد وضعها على الأرض وهو مطمئن إلى أنه لن يعبث في المجلس طفل . ارتعب قلبها الصغير من رؤية طقم الأسنان المحطم , ثم ما جرّه إليها خيالها من صورة وجه والدها وقد تجعد وانكمش فمه إلى الداخل , وبدا حزينًا يائسًا قد أضناه الجوع لا يستطيع مضغًا ولا تقطيعا . أطلقت ساقيها للريح  هاربة إلى أبعد ما صورته ظنونها . كانت الساعة الثانية ظهرًا ويزيد , الحرارة مرتفعة جدًا , والمكان يكاد يستغيث من وطأة الصمت وثقله . هدوء ممتد لايشبه إلا الثواني السابقات لقيام القيامة .وهناك وتحت ذلك المكيف الصحراوي غفت . لتوقظها فجأة قطرة ماءٍ ساقطة من سقف المكيف . انتبهت فزعة تلتفت يمينًا وشمالاً , تنظر للأمام تبحث عن والدها الذي تخيلته قادمًا إليها بعصا الخيزران ...لكن لاشيء , لم يكن هناك إلا الفراغ والحرارة والصمت الموحش . صمتٌ حمل في طيّاته المخاوف والأوهام والأماني .

#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء


الاثنين، 1 أكتوبر 2018


قال لي أحد الشعراء يومًا : أكاد أقسم أن كل من عاصر المتنبي من الشعراء ، في الجنة ؛ لقد غسل الله جميع آثامهم في الدنيا حين عاقبهم بالمتنبي بينهم محسوسًا ملموسًا محسودا ، لا يستطيعون له مجاراةً ، ولايبلغ انتقاصهم منه مبلغا . غادر المتنبي تاركًا لمعاصريه نار الغيرة تنهش أفئدتهم ، ولمن بعده إحساس الدونية آن كل ذكٍر له ، وللدنيا أثٌر خالٌد أبد الدهر يشدو به .
وأكاد أجزم أنه ذات حال من عاصر أم كلثوم وبليغ ؛ الحسد ممن عاينهم من أندادهم ، والإحساس بالدونية فيمن جاء من بعدهم ، باستثناء طبعًا من يدخلن عالم الطرب بمؤخراتهن وأثدائهن ، كحال هيفاء ومريام ومن لفّ لفيفهما ، فهؤلاء لسن إلا مؤخرات على هيئة بشر ، إحساسهن متكدس في همٍ واحٍد لاسواه . يشابهن في الضحالة والسخف ، رفاقهم المؤدون الجمبازيون ، المتقافزون كقردة السيرك بين نغمٍة وأختها .
هذا الجمال السماوي الذي يتنقّـل بك على بساط الدهشة بين عوالم من الحنين واللذة المعتّقة ، جمالّ متفرّد يتيم ، لا يمكن أن يتكرر بذات التفاصيل ، إنه كالحب الحقيقي ، لايحدث إلا مرًة واحدة في العمر ، وليس كل عمر . دوستويفسكي والإخوة كارامازوف ، كوبولا و العرّاب ، المعري وفلسفة الفناء ، شوبان ومقطوعة الخريف ، بيان الجاحظ ومجون أبو نواس ، دينكلاج وصراع العروش ، الرحابنة وفيروز ، شكسبير وهاملت ، سابوجنيك ومعركة اللقطاء ، نجيب محفوظ وخان الخليلي.... روائع ، مهما استمات البشر ، أو ضربوا لأجلها الأقداح ، أوعقدوا ونفثوا ماوسعهم النفث ، فلن يأتوا بذات الدهشة التي تخلّقت مع تلك الأعمال .
لن تتكرر أم كلثوم ، وإن تكررت فلن يصاحبها بليغ وعبدالوهاب ، وإن رافق مثلهما مثلها ، فلن يكون ثالثهم الشناوي ولا الهادي آدم ، وإن حصلت المعجزة ، وتحققت الثلاثية العجيبة ، فلن تكون بمعية ذلك الجمهور الدافيء الأصيل ؛ يتبع الآهة آهاتٍ وحنين ، يسكر في أمواجٍ من الشوق والأنين ، يتمايل طربًا ووجدا ، وينثني حبًا وامتنانا . تلك الأرواح انقرضت أو تكاد ، من العبث أن تفتش عنها بين الأرواح الصاعدة ؛ هذه التي تابعت أصحابها في فيديو مصوّر في أحد المركبات ، يضحكون سخريًة واستهجانًا من يدٍ تتقرب لأخرى توددًا وغزلا ، مشهدٌ كانت القلوب العتيقة تذوب لرؤيته غرامًا وتخيّلا ، لايثير اليوم في الأرواح الكرتونية إلا القهقهة . إنهم يسخرون من الحب ؛ لاتبحث الفتيات إلا عن مموّلٍ مادي ، ولا يحلم الشباب إلا بالتنصّل التام من أيّ مسؤولية ، إنهم على استعداد أن يُخصوا أنفسهم مقابل الحصول على التبطّل الكامل والحرية الباردة....