الجمعة، 28 سبتمبر 2018


استيقظت من نومها قبيل حلول المساء , تشعر بجسدها أكثر إرهاقًا بفعل تلك الكوابيس المزعجة , ارتأت أن تدخن سيجارة قبل أن تخرج لأبنائها  , دخلت حمامها وفتحت مروحة التهوية , ثم أخرجت علبة السجائر والولاعة من الدرج وجلست على كرسي الحمام بعد أن أغلقت غطاءه , مالت زاوية فمها بابتسامة مريرة وهي تتمتم : لو لم يكن للأمر الذي عقدت العزم عليه من حسنة سوى التدخين بحرية لكان كافيًا . نفثت دخان سيجارتها وهي تحدق في السقف , إنها لاتعد نفسها من المدخنين , تناولت أولى سجائرها وهي في السادسة عشر من عمرها , وحتى اليوم لم تدمن التدخين  , تدخن شهرًا وتترك سنة , تعاود يومًا ثم تفارق شهرًا , قطبت جبينها وهي تفكر: نعم أنا لم أدمن على أمرٍ في حياتي ولم أخلص لرغبة . لم أواظب على برنامج غذائي أو تجميلي , ولم أستمر في علاقةٍ عاطفيّة للحد الذي يضعها تحت مسمّى ما , روحي عصيّة على الإدمان , ربما أنا تجسيدٌ جيد لمقولة : كن في الدنيا كأنك عابر سبيل . أظل دومًا على عجل , في توقٍ خفيّ للرحيل , لملاقاة المجهول المترصّد . انطلقت منها فجأة ضحكة عالية لم تستطع كبحها , تخيلت نفسها وهي تدخن علانيةً في تلك الصالة الكئيبة في منزل أهلها , تنفث دخان سيجارتها في وجه شقيقها " وليد " الذي وقف يحملق فيها مشدوهًا مصعوقا . كان سيكون يومًا مشهودًا .هكذا فكرت : أن أدخن علنًا ووسطهم !...ياإلهي كانت ستحل عليّ  ألوان اللعنات والشتائم , سأشعر تمامًا بأني عاهرة , ستصب على رأسي من قذائف السخط مايجعلني أصدق أنني ساقطة تقبل بمضاجعة أيّ عابرٍ يمر بها ، حتمًا سأجلد حتى أنزف , لقد لكمني ذلك المعتوه على عيني مخلّفًا في بياضها بقعةً حمراء لم تبارحها إلا بعد شهرين , فقط لأني خرجت للشارع دون أن أغطي عينيّ . آآآآه , كيف انقضت تلك السنون..لقد قضيتها على الهامش ... نعم على الهامش ...بعيدًا عن مركز كل شيء وحقيقته , بعيدًا عن معنى الطفولة الحقة , قريبة من مسخ مراهقة , تائهة في دوامة الشباب وأخيلته ...أظن أن المركز الوحيد الذي وقفت فيه هو عين الإعصار , آن لكل ذلك أن ينتهي , أن يُمحى تمامًا , أن يُلغى من سيرة أيامي ...هذه ليست حياتي , لم تكن يومًا حياتي .
خرجتْ من الحمام لتتلقى مكالمة هاتفية من الخياطة المكلّفة بإعداد فستانها الخاص بحفل العرس , كانت علياء قد نسيت تمامًا أنه اليوم المحدد للبروفة الأخيرة , وحيث أن ابنها مروان اعتذر عن إيصالها كونه مشغول بالاستعداد لاختبار إحدى المواد , فقد أبلغت الخياطة بأنها سوف تأت للبروفة  في الغد . وبما أنها لن تستطيع الخروج هذا المساء , فقد قررت أن تستغل الوقت للإنتهاء من بعض الأعمال المتأخرة . كانت قد عزمت أمرها على ترتيب أدراج غرفة نومها حين دخلت ابنتها سارا عليها , سارا في العشرين من عمرها , سمراء اللون ذات شعرٍ فاحمٍ أسودٍ غزير ، ينساب كالماء لشدة نعومته , تمتلك ابتسامة والدتها , وعينين لوزيتين كعينيها لكنهما أوسع وأهدأ موجا , وعلياء التي كانت تفخر بها , أدركت سريعًا مدى نضج ابنتها وكمّ الاتزان والأناة التي امتلكتهما هذه الفتاة في عمرٍ مبكّر مقارنًة بها , هي الحمقاء التي امتدت رعونتها وهياجها العاطفي حتى وقتٍ قريب ...
- ماما ...أريد أن أحدثك في موضوعٍ هام
- نعم , هات مالديك  .
- أرجو ألا تغضبي  , وأن تصبري حتى أنهي كلامي .
- امممم ...حسنًا  , ماذا هناك .
- ماما ..أنا لم أعد ...أنا أريد ...أن ...أريد أن أسافر للخارج كي أدرس  .
- تدرسين ؟ تدرسين ماذا ؟! أنت تدرسين هنا !
- أتوسل إليك ماما , تعلمين جيدًا أن الخيارات هنا محدودة جدًا ...طموحي وقدراتي أعلى شأنًا .
- لم أجبرك على تخصصك الحالي , أنتِ من اختار دراسة الكيمياء , أرجو ألا تحمليني أوإخوتك تبعات خياراتكم ...لقد تركت لكم حرية التصرف في كل شؤون حياتكم .
- أعلم ماما , لم أقل أنكِ أجبرتني , الوضع هنا هو من أجبرني ...أريد أن أدرس الفلسفة , الأدب الإنجليزي , علم الحضارات القديمة أن أتعلم لغات عدة ...أنا هنا مقيّدة , وهذا ظلم , ظلم لفتاة  مثلي تخرجت بنسبة 99% , متفوقة وطموحة ...
- وماالذي بيدي وأقوى على تقديمه ولم أبذله لكِ , الأمر يحتاج نقودًا كثيرة , وأنتِ تعرفين جيدًا وضعنا المالي .
- وضعنا المالي لابأس به , تستطيعين بيع المنزل , والاكتفاء بشقة صغيرة تسكنينها , هاهي هدية ستنتقل لبيت زوجها , ومروان سيكون موظفًا بحلول السنة القادمة ويستطيع الاستقلال بنفسه , و....
- أبيع المنزل ؟!! هل أنتِ مجنونة  !!
- لماذا مجنونة ؟ لقد قلتِ أنكِ ابتعته لأجلنا ...حسنًا , لتبيعيه الآن , وتعطي كل واحدٍ منا نصيبه ليتصرف به وفق مايراه مناسبًا لوضعه , فيما ترتاحين أنتِ من هذا القرض الذي يثقل كاهلكِ , وتنعمي دون ضغوط براتبك التقاعدي ...أرجوكِ ماما , انتظري ..لاتتسرعي في الرفض , موقع المنزل ممتاز , وسنحصل من وراء بيعه على سعرٍ جيد ....
- يبدو أنكِ فقدتِ صوابك ...أبيع المنزل لأجل...تبًا ...كل ماتريدينه تستطيعين الحصول عليه عن طريق القراءة والإطلاع , تستطيعين دراسة الفلسفة وتعلم كل لغات الدنيا من خلال مواقع الإنترنت ...
- أريد دراسة منهجية , أريد أن أتخصص في هذه الأمور , أن أحصل على شهادتيّ بكالوريوس... ثلاث ...هذا لايتوفر هنا ..أرجوكِ..أرجوك ماما..
- دعينا من هذا الموضوع الآن ...
- هل ستفكرين فيه ؟!
- لاتعقدي آمالاً واسعة ...يجب أن تسايري الواقع , لستِ المتفوقة الوحيدة في هذا البلد التي حرمت من أحلامها ..أرجو أن تكوني على قدر المسئولية , ولاتطالبيني بما يفوق طاقتي .
- ياإلهي ...لماذا أنتِ بليدة الإحساس معي هكذا !! لقد ملأتِ الدنيا نحيبًا وشكوى من ظروفك التي قيدتكِ وحرمتكِ من تحقيق أحلامكِ , لماذا لاتشعرين بي الآن ...لماذا لاتساعديني ...أنا لاأطلب التحرر من الحجاب مثل ابنتك , ولا أن تمنحوني المال كي أزيل شعر جسدي بالليزر , وأحقن وجهي بالبوتكس والفيللر , أو لأجري عمليات تجميلية كما تفعل خالتي ريم وبقية الفتيات , أنا أريد أن أتعلم ...أن أعرف العالم ...أن أعرفني ...أفتح روحي على آفاق الكون ..أثبّت قدميّ برسوخ وثقة ...أريد أن أكون أنا ..
- هذا يكفي ...يكفي ...اغربي عن وجهي أيتها اللعينة  .
بهذه الكلمات صرخت علياء في وجه ابنتها بعد أن ظلت تتابع ثورتها بعينين مفتوحتين على اتساعهما , وشفتين مرتعدتين , وقلبٍ مضطرم لم يتوقف عن الخفقان  .
.
.
عبثًا حاولت الاحتفاظ بتركيزها لإنجاز أعمالها ولم تفلح . خرجت للفناء الداخلي تتفقد النباتات وتتأكد من حصولها على الماء الكافي , كان الجو خانقًا حارا , سقت شجرة السدر ، واقتربت من شجرة التين تلمس أوراقها بحنان وتهمس :  مازلتِ مورقة بهية بذات الاخضرار الذي دخلتِ به علينا أول مرة . دفنت وجهها بين أغصان النبتة تشمها وتقبلها . ثم نثرت على أوراقها قطرات ماء بيديها . أبصرت عبر النافذة الواسعة لغرفة الاستقبال المطلة على الفناء الداخلي ابنتها هدية تتحدث في الهاتف بخجل مع خطيبها . أدارت وجهها الذي انقبضت أساريره فجأة . وضعت إبريق الماء على الأرض وخرجت . هدية التي تخرجت من قسم هندسة الديكور منذ سنة كانت تدرك جيدًا أنها لن تجد مجالاً للعمل بتخصصها الذي أحبته منذ صغرها . خصوصًا في مدينةٍ غالب سكانها من ذوي الدخل المحدود والطابع المحافظ المنغلق . لذا فقد وجدت في هذا العريس الذي سوف ينتقل بها إلى مدينة الخبر المتطورة المنفتحة ، فرصة قد تساعدها في تحقيق حلمها . قبل شهر ارتدت فستانها المخمل الكحلي اللون لتعيد والدتها تجديد قياسه . وضعت علياء الدبابيس في أنحائه في الوقت الذي رفعت فيه هدية شعرها البني الفاتح أعلى رأسها . بدت بشرتها أشد بياضًا ، ولمعتْ أرنبة أنفها المستدير حين باعدت بين شفتيها المكتنزتين الورديتين قائلة في فرح : ثلاثة وعشرون عامًا في بقعةٍ واحدة . هذا يكفي , آن أوان التغيير والانتقال . حدقت علياء في وجهها لبرهة , ثم أومأت برأسها وانحنت تضع دبوسًا في ذيل الفستان هامسة : نعم .
حين خرجت من الفناء كانت الساعة قد شارفت على التاسعة والنصف فكرت في التوجه للمطبخ لإعداد القهوة  , لكنها ارتأت أن تستحم أولاً . كانت قد انتهت من إعداد قهوتها حين دخلت ابنتها هدية المطبخ تدندن بإحدى الأغنيات , سكبت ماءً في كأسها وهمت بالخروج في اللحظة التي صاحت بها علياء  :
- هل تريدين قهوة ؟
ردت بابتسامة : لا ماما , تعلمين أنني لا أحب القهوة التركية ...
- وإذن ابق معي وحدثيني ريثما أنتهي من شربها .
اقتربت هدية بخجلٍ مشوبٍ باالحيرة , نظرت مبتسمة إلى وجه والدتها وهي تسحب مقعدًا إلى يسار مقعدها وجلست , مرت لحظات صمت عبثت خلالها هدية بجوالها , ثم رفعت عينيها نحو والدتها وكأنما تستفسر منها عن سر استبقائها  . شعرت علياء باستفهام عينيّ ابنتها . تنحنحت بشيء من الحرج والتردد ثم أرسلت :
.....................


#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء

مقطع من رواية، كحال أخواتها ؛ لم توضع لها نهاية ، وقد لا توضع !

الجمعة، 21 سبتمبر 2018


لأول مرة تُـفتح لي هذه النافذة في تطبيق الحجوزات ؛ نافذة تتيح لك اختيار المقعد الذي تفضل الجلوس فيه في الطائرة . تجولت سريعًا بناظري في الشاشة محاولًـة اكتشاف مكانٍ شاغر ، لايجلس أحد فيه ولا بالقرب منه ، وارتفع بصري فجأة نحو الزاوية اليسرى ، لأجد الرقم 66 مدونًا كسعٍر لهذا الخيار . أملت شفتي نحو الجهة اليسرى بابتسامةٍ ساخرة ، وأغلقت النافذة .
لم يحدث أن عانيت يومًا من المقعد الذي يختاره له موظفوا الخطوط ؛ لطالما أجلسوني بقرب النافذة ، بعيدًا عن الزحام ، بدون رفيقٍ في المقعد المجاور ، ولا حتى في المقاعد المحيطة أحيانًا . ربما يفعلون ذلك بداعي الشفقة ، وقد يكون التفهّم مايقودهم لهذا الأمر ؛ شخٌص يختار السفر وحيدًا ، حتمًا لارغبة له في الثرثرة ، أو تعاطي العلاقات السريعة... ربما تلوح لهم كلمات كافكا آن تحديدهم لمقعدي : عاجز عن الحياة مع الناس وعن الحديث معهم ، منغمٌس في ذاتي ولا أفكر إلا بنفسي ، متبلد وعاجز عن التفكير ، وليس عندي ماأقوله لأحد . قد لاتكون الحال على هذه الدرجة من القتامة ، لكني أستوعب تمامًا فكرة دوستويفسكي حين قال : إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئا في نفسي يدهشني ؛ كلما ازداد حبي للإنسانية جملًة واحدة، نقص حبي للبشر أفرادا.
يااااه ، لو كان لنا حرية اختيار مقاعدنا في هذي الحياة ، وانتقاء الأدوار التي نرغب في تأديتها ، والوالدين اللذين نحب الانتساب لهما ، والبقعة الجغرافية التي نود العيش فيها... لربما حينها تضاءلت كمية الخيبات التي سنكدسها في جيوب العمر وشقوق القلب .
هل تساءلت يومًا عن سر الوحشة التي تتلبس البيوت المبنية حديثًا ، هذه الكآبة الغائرة في جدرانها وبين ثناياها ! أدركت علتها في تلك اللحظة التي وقعت فيها عيني على ذلك البنّـاء ، يطل من شقٍ كبيرٍ في أحد الأدوار العلوية لمبنى شاهق ، أسند رأسه إلى الوراء وأطلق ناظريه نحو المدى . وقفت أستبين حاله تأملا" ؛ أهو الشوق سمّر قامته فلايميل حراكا ، قد أسلم كلّه دون سلطانٍ على جلّه لحنينٍ طار به إلى عهود الصبا وذكريات الأحبة ، أم هي رسالةٌ موسومةٌ بنعيق البومة ، تحمل مايهدّ الكيان ويمزق الفؤاد ، أم هي الرغبة المتوقدة لحضن امرأة تهوّن بلمساتها الحنون وصوتها الدافيء مايجد ويكابد من هموم هذي الحياة المنهكة . مهما كان ويكن ، من تأوهات الحنين ، وعوالج الوجد ، وآهات المرارة والندم ، هي الآن مبثوثة بين الطوبة والطوبة ، في قلب الحديد والحجر ، يلين فلايملك إلا مراسيل المواساة يعزفها حداء شجيا ، يلتقطها أول من تطأ قدماه هذا النزل ، ولايستبين منها إلا طيف وحشةٍ هائمة .
هو عين مايتكرر في أروقة المطارات ، ومقاعد المقاهي ، وغرف الفنادق الخرساء ، ثنائية الوجود والعدم ، الحياة والموت ، بين ترقب الانتظار ، وومضة اللقاء ، بين جذوة الخيال الملتهب ، وثلج الواقع المخيّب .
وصلت إلى الفندق الرابع لاهثة الأنفاس ، زاهدة الرجاء ، بعد أن سدت الفنادق الثلاثة السابقة أبوابها في وجهي : full كله full...، وحال الإرهاق بيني وبين فهم كلمات موظف الاستقبال ، ليهب لنجدتي في تلك اللحظة ذاك العربي الذي وقف إلى يميني ، تبادلنا أطيريف الأحاديث (إن جاز لي تصغير الأطراف وإيجازها ) بعد أن اطمأننت إلى وجود غرفٍ شاغرة ، أخبرني أنه يغادر في التو واللحظة ، وطلب مني رقم هاتفي ليعاود الاطئنان عليّ، وكالعادة يمنعني خجلي المريض من الصدع بالرفض القاطع ، ويحيلني إلى النصب البائس ، فأزوّده كما غيره بخوارزمية أرقام ، تشاء الأقدار في كل مرة أن تكون لهاتفٍ مغلق !
وانتبهت ، وإذ به يخاطب موظف الاستقبال طالبًا منه منحي الغرفة التي كان يحتلها ، معللاً ذلك لي بأنها رائعة الإطلالة ، وتسمرت هلعًا ، وبسرعةٍ جاوزت لمح البصر ، كنت أنتقل بعيني المذعورتين بينه وبين الموظف . ربااااه ؛ لقد رأيت وجهه ، واستمعت إلى صوته ، وعاينت هيأته ، وعرفت اسمه ، وعنوان إقامته... كيف سأتعامل مع مخلّفات روحه وقد أدركت شيئًا منها ، ياالله.. هذا مقزز ، الرجل لايعاني من أي سوء ، على العكس ، كان بهي الطلة ، جميل الهندام ، جذابًا كأبطال السينما ، لكني كنت سأجاري ندّل المقاهي ، الذين ينظرون في أعين الآخرين ، تقترب أناملهم منهم ، يستشفون أصواتهم وروائحهم ، ثم في نهاية المساء ، يكنسون آثارهم ، يمسحون ماتساقط من كلماتهم على طاولاتهم ، ماوقع من روائحهم على مقاعدهم ، لذلك يعودون إلى بيوتهم مرهقين بأعبائهم وماعلق بهم من خيبات الآخرين وأحلامهم... ياإلهي ؛ إنه حِملٌ ثلاثي الأس . هذا ماكنت أفكر فيه بينما المصعد ينهب بنا الطوابق أنا وذات الموظف . لم أنظر لشاشة المصعد ، لكني أذكر جيدًا رقم الغرفة ، 722 . وفتح المصعد أبوابه ، ومضيت خلف الموظف وقد أضمرت في نفسي الاعتراض على الغرفة بعيد دخولها والتجول فيها ، وتوقف الرجل... وجاورته ، وإذ بالرقم 918 في مواجهتي ، رفعت عيني نحو الموظف الذي مال نحوي بطيف ابتسامٍة لسان حالها : نعم ، أعرف .
ولم أعرف أنا أكان عنادًا تصرفه ، أم أنهم يدرسون أن بعض الأرواح المريضة ربما ، المجهدة ، الممزقة ، أو الشفافة مفرطة الحساسية ، لا يلائمها هذا التصرف ، أو أن الأمر لايعدو عن ماأخبرتني به صديقتي يومًا ، من كون عيناي الثرثارتان تفصِحان عن كل مايعتمل بداخلي ، وقد التقط هذا الأعجمي الغريب ما صرختا به . أغلقتُ الباب ، وجلست على حافة السرير ، هاهي غرفة مكدسة بالحكايا والأسرار ، لربما نزلها قبلي قاتلٌ مأجور ، أو عارضة أزياء ، أو سيدة أربعينية تطارد حبًا قديمًا ، قد يكون من سبقني رجل أعمال ، أو بائعة هوى في موعد صيدٍ جديد ، وربما مهاجر أضناه الارتحال والحنين . أيًا يكن هو ذات المحور والديدن ، ثنائية الانتظار واللقاء ، الوجود والعدم ، ترقبٌ قد ينضوي في سلسلة اللانهائية حين لايجد مبتغاه . هأنذا غريبٌ في كل مكان ، حيث لا يقطع الغربة إلا الوصول ، ولا وصول لمن لاينتهي انتظاره .