الاثنين، 23 يوليو 2018


مرحباً ، اسمي أزمان....
أطلقت والدتي عليّ هذا الاسم الذي كثيراً ماأنكرته  ، مع كل ياء نداء كنت أشعر أنني ألقَى في فم الضياع ، تبتلعني متاهةٌ عملاقة ، حتى لاأعود أعرف أرضي من سمائي ، ووصولي من قاعي...
كنت صبيةً ذكية ، كانت عمتي تقول أنني أمتلك عقلين ، فيما كان يحلو لوالدي أن يناديني : الدكتورة خولة  ! أردت أن ألتحق بكلية الطب ، لكن محافظتنا المتواضعة لم يكن بها سوى كلية واحدة ، وكان لابد من الانتقال للعاصمة كي أحقق حلمي  ! استقر الأمر أخيراً على أن المسألة لاتستحق كل هذا العناء ، وأنني فتاة ، ولاضير من أن أصبح أي شيء . تسمّرت طويلاً أمام هذه الحقيقة الصادمة ، لكن جدتي هزتني قائلة  : هيه ياسلمى ، على المرأة أن تتقن تلوّن الحرباء ، عليها أن تمضي في لعبة التحايل ، وتخبيء أحلامها مع البائس اليتيم الذي لم يغادر صندوق باندورا !
جون ناريمور يقول  : يصبح الإنسان عجوزاً حين تحل الأعذار محل الأمل !
أقرأ عبارته وأتحسس وجهي ، أعذاري تكاثرت داخل ذلك الصندوق ، فيما التجاعيد احتلت قلبي ، لقد استنفدت ألواني لكثرة ماحايلت هذي الحياة  !!

كنت أكره الملحدين جداً ، كنت أعتقد اعتقاداً جازماً بوجوب حرقهم للخلاص من شرورهم ، اكتشفت لاحقاً أنهم أناسٌ مثلنا ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، لاأدري لم كنت أتخيلهم كائنات مختلفة ، على صورةٍ لاتشبهنا أبداً نحن الموحدين !  يذكرني ذلك بصدمتي الشديدة حين علمت بأمر تلك السيدة التي كانت تخون زوجها ، وقفت أتأمل وجهها وأنا مشدوهة ، لم يخطر ببالي أنني سألتقي بزانية ، لطالما استقر في داخلي أن المرأة التي تقترف الرذيلة لابد وأن تمتلك شيئاً فائضاً ، ثدياً ثالثاً ربما ، أو شامةً منتفخة ، أو ردفاً بثلاث طوابق  ! كنت أتقزز منها جداً وأتجنبها ، فيما بعد بت أرثي لحالها ، أصبحت أشفق عليها وعلى الملحدين والمؤمنين والناس أجمعين ، تقبلت حقيقة أن البشر كلهم موجوعون بهذي الحياة ، بالشعور المُبـهَم الذي يقود نحو اللايقين ، باليقين المطلق الذي يوصِل نحو السؤال ، بقافلة الظنون ورحلة الرجاء ، وحادي الندم   !

في الطريق الذي أسير فيه نحو العمل ، أمرّ كل يوم بجدارٍ خُط عليه باللون الأسود  : " مو فارقة " ! .. كل يوم تلطمني هذه العبارة ، كل يوم أستحضر معها فلاديمير واستراغون ، القابعين في انتظار غودو.... غودو الذي لايأتي أبداً ، فيما القابعون تحت رجاء الانتظار  تسحقهم دورة الأيام ! دائرة لاتعرف لها مبدأً من ختام ، ولا وجهاً من ظهر ، ولا حقيقةً من سراب ، كل يوم أعبر ذات الطريق ، أمرّ بذات الجدار ، أقرأ ذات العبارة ، ويقاطعني صوت متسائل  : أهو اليوم ذاته ، أم هي أيامٌ ترتدي ذات الخمار !
زمنٌ خاوٍ يمضي بنا نحو ذات النهاية ، أوميء لهذه الحقيقة وأرفع بصري نحو السماء ، تغمزني نجمة ، وتنادي : أزمان  !.... ويغور... يغور النداء بعيداً في أعماقي ، وأراني ذرة غبار تعبر الفضاء !

الاثنين، 16 يوليو 2018


المفترض بالفريق الذي يهزم البرازيل أن يكون هو بطل كأس العالم . إما ذاك أو أنها مؤامرة كونية من طرفٍ ما ، ولو كان " عم خليل" الجزار ؛ لإقصاء البرازيل عن البطولة ، والتنغيص علينا بحرماننا من أجمل وأحلى وألذ من لعبوا الكرة . الجمال آخٌذ في الانقراض للأسف. القبح يغزو العالم ، في الذائقة ، في الأخلاق ، في المخبر والمظهر ، في هذا الاستنساخ البغيض من شفاه الفلير وجباه البوتكس .
بعد هدف بلجيكا الأول ، غادرت سريعًا إلى غرفتي ، شعرت بطعنٍة مؤلمة غرزت عميقًا في روحي ، رفعت صوت السماعات حتى اهتزت الجدران بأغنية وردة " معندكش فكرة أنا ازاي ف حبك بضحي كتير"، وأخذت أرفع حتى طغى صوت وردة تمامًا على صوت المباراة . ثم تناولت هاتفي، وبعثت لصديقتي أخبرها أنني سأسهر الليلة عندها . قبيل خروجي كانت بلجيكا قد أحرزت الهدف الثاني .
في اليوم التالي خلا المونديال من البرازيل . وضعٌ غريب ، كما لوأن مدينًة ساحلية مكتضًة بالسياح والوافدين ، بالسابحين والراكضين واللاعبين ، بالراقصين ، والعازفين ، والمثرثرين ، بالمتوجهين نحو أعمالهم ، والمنشغلين بشؤونهم ، بالغارقين في الحب ، والباحثين عن فرصة نصب ، والمتصيدين للمتع العابرة ، بالسهر والسمر ، بتشابك الأيدي ودبك الأرجل ودق الطبول ، تمر بها في اليوم التالي ، فلا تسمع فيها حسًا ولا تجد لابن أنثى منهم أثرًا أو ركزا . حياةٌ ملتهبةٌ واعدة ، فجأة توقفت وخمدت أنفاسها .
هكذا يتنامى حقدي على أوروبا التي تأبى إلا تجريد الممارسات الروحية من سحرها ، وسكرتها ، ولذائذها الجنونية لتحيلها نشاطًا ماديًا خالصًا لوجه اليورو والدولار...
ولأجل ذلك حقدت ، ومازلت ، وسأظل ، على أسبانيا التي جعلت من المحافل الكروية أسواق نخاسة يباع فيها اللاعب مع ولائه وذاكرته لمن يدفع أكثر . ليحتفل مخانيث الشانزلزيه تحت قوس النصر ، بنصرٍ جلبه لهم في المرة الأولى زيدان الأسطورة ؛ من أرض المليون شهيد الذين قضوا تحت أقدام الفرنسيين ، ثم بفرحةٍ منحها لهم فتى أفريقي بذات العرق الذي تقاطر من أجداده حين كانوا عبيدًا لهم.
ولا عزاء للجمال وعاشقيه ، لاعزاء للمتعة الخالصة وللمسبحين بفتنتها... لاعزاء لمن يحب للحب ذاته ، لاعزاء لرفاق الأصالة.، الأوفياء للنكهة المعتقة ، المتمايلين طربًا وتيهًا برداءٍ رثٍ وحصيرٍ متهالك.

الأربعاء، 11 يوليو 2018


أنتِ تنتمين للزمن الجميل ، أتحسس في أحرفك بقايا عالمٍ كانت تضيئه قلوب تحلم.. زمن ماقبل تفسّخ العالم رزايا كـ ليل امريء القيس !

الأحد، 8 يوليو 2018


مررت بنصٍ نشره أحد الأصدقاء هنا ؛ أقسم بالله أنني أوشكت معه على إلغاء صداقة كل من وضع لايك الإعجاب عليه . شارفت على ذلك حقًا ، لكني تذكرت حديثًا للمصطفى ، عن فضل الاختلاط بالناس ، والصبر على أذاهم ، بل وضرورة ذلك . أومأت لنفسي هامسة : لابأس ، الحكمة تقتضي وجوب استيعاب الناس ، كل الناس على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم ، ومن لم يستوعب ياهند فلا أقل من أن يتجاهل . لكني لم أتجاهل ، ظللت لساعاتٍ طوال أعود لذات المنشور ، أنقّب عن معجبٍ جديد من الأصدقاء المشتركين ، وأقرأ الحديث من التعليقات ، علني أعثر من خلالها على رجٍل رشيد ، بيد أني عوضًا عن ذلك تعثرت بالحشائش والورود التي سيقت شكرًا وثناء لصاحب/ة العته المنشور . نصٌ بغيض، ينضح عنصريًة واستعلاء وفظاظة ، وليته صيغ بأسلوبٍ أدبي بليغ ، لربما هان الأمر ، فبلعنا ما عرِض على أعيننا ثم أعرضنا آسفين .

في فيلم الخطايا السبعة لمورغان فريمان ، يقوم " كيفن سبايسي" منفذ الجرائم السبع ، بجدع أنف سيدة متغطرسة بعد قتلها ، عقوبًة لها على خطيئة الغرور المقيتة ؛ إحدى الخطايا المميتة ، بل والتي عدها البعض مولّدة الخطايا المهلِكة وعلتها ، الخطيئة التي أخرجت الشيطان من النعيم وألبسته اللعنة إلى يوم الدين . يقول عنها دانتي في كوميدياه الإلهية : التائبون من الغطرسة ، أجبِروا على المشي بألواحٍ حجرية تُـحمَل على ظهورهم من أجل اجبارهم على الشعور بالتواضع . الشعرة الرفيعة بين الكبرياء والغطرسة ، منطقة مكدسة بالألغام ، لن ينجو منها إلا صاحب القلب السليم والاستبصار العميق ، وسبحان ربي القائل " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار "...

من بين الذين وضعوا شارة الإعجاب على المنشور إياه أحد الملحدين ، وماأن لمحت اسمه ، حتى تمتمت : يبدو أن ذلك الشيخ كان محقًا حين قال عن الملحدين أنهم حفنة مرضى نفسيين . لكنها طرفة عين ، حتى وجدت اسم ذلك الموحّد المهذب من بين المعجبين . توقفت كثيرًا عند هذا الحدث ، هذا التناقض العجيب ، والتبدل السريع في الأدوار . الأمر ليس أن القوم يداهنون صاحب/ة النص أو يجاملونه ، لا... الأمر أبعد من ذلك . الناس ابتداء لايعرفون أنفسهم . إي والله ، لا أدري، هل هو تسارع الأيام ، أم طبيعة العصر وإيقاعه التكنولوجي العجل ، أم الفراغ الداخلي للأرواح وهشاشتها ، لكن الناس توقفوا عن تأمل ذواتهم للتعرف عليها . إنهم يجهلون أنفسهم التي بين أضلعهم ، لايعرفون ماذا يريدون، ولا من يؤيدون، ولا إلى أين يتوجهون . هم حقًا مع كل ناعق ، يمتلكون ذاكرًة مجنونة تمسح بياناتها أولاً بأول ، فتراهم يتخذون دورًا مناقضًا لما نادوا به في الموقف السابق .

الناس توقفت عن التوقف . توقفت عن الرياضة الأسمى ؛ التأمل ، الرياضة التي لاتريد منك سوى أن تتوقف ، تمعن النظر وتتأمل جيدًا ، لتتخيل عواقب الخطوة التالية ، فلا تؤيد فعلاً قبل أن تتأكد من براءته من الظلم ، ولا تناصر شخصًا قبل برهانٍ صادحٍ بنزاهته ، ولاتتصدى لمسئولية قبل اليقين التام بتحمّلك لها . فإن عجزت عن التثبت والتيقن ، وتهت بين أمواج الظنون وشتات الحيرة، فما على حائرٍ من حرج . توجه لحديقة بيتك فامنحها رعايتك ، والزم كتابك وركنك ، ولاتكن عبئًا زائدًا على الحائرين ، وعونًا للمرضى المعاتيه ، ولو بجناح "لايكٍ" هزيل.