الجمعة، 29 يونيو 2018


" إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إن غابوا لم يُفتقدوا ، وإن حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة "
صحوت اليوم كما أحب ، باكرًا مع إطلالة رأس النور ، مررت بالحديقة الداخلية ، كيما أتأكد من تعافي نباتاتي من الدود الذي هاجمها بالأمس ، والذي عالجته بأحد الأدوية . ولاحت مني التفاتة إلى الكتب القليلة المرصوصة على رفيّ مكتبة الصالة ، وحدثت نفسي أسألها : منذ متى لم أزح الغبار عن تلك الكتب ؟! ورأسًا توجهت إليها بمنفضتي والمنشفة . أزيح عنها ماتراكم عليها ، وأعيد رصها بعناية ، ولست أدري كيف غافلتني عيني ، واستقرت على هذا الكتاب تحديدًا ، لربما هي مراسيل الله التي طالما آمنت بها ، توقفت برهة أتأمل عنوانه " آداب النفوس" !!.... منذ متى وهذا الكتاب في مكتبتي ، أنا لا أذكره ، ولا أذكر يومًا ابتعته فيه ! هل هو أحد كتب أخي ؟!
والمهم أن إلحاح الفضول كان أقوى من واجب التنظيف ، جلست إلى طاولة الطعام التي تواجه " أرض الديار" وفتحت أقرأ ، وفي رأس الصفحة الثالثة كان هذا الحديث الذي باغتني ككتلة ضياءٍ ناعمة ، ورفعت رأسي نحو السماء وهامات نبتاتي التي بدا وكأنها شاركتني اللحظة ، فتمايلت أغصانها طربًا وربما شوقًا لهولاء البشر الملائكة ؛ قومٌ إن غابوا لم يُفتقدوا ، وإن حضروا لم يُعرفوا ، أتقياء أنقياء أخفياء ، قلوبهم مصابيح الهدى ! ياالله ، يارب اللطف الخفي ، من هؤلاء الهينين اللينين ، أشبه بالأطياف خفًة ، وبالقطن نعومًة ، وبالندى البارد وقعًا . هل حدث وأن التقيتهم يومًا ؟... لا أذكر ، ولا حتى بحكايا عن عهدٍ حديثٍ بهم . هل تواجدوا حينًا من الدهر ، كنا لم نزل فيه عوالق في أصلاب الأجداد . وكيف نهتدي إليهم أو نقتفي لهم أثرًا ، وهم الأخفياء الذين لايُفتقدون ولا يُعرفون .
ونتساءل عن سر الرحمات المفاجئة ، ولحظات الرضا المباغِتة ، وهدايا الفرح المجاني ، عن سكينٍة لانعرف لها سببًا ، وأملٍ لانفقه له داعيا ، وتسامٍح لانعثر له على علة... عن رغبٍة في العفو ، عن ركضٍ نحو نهر الحب ، عن رائحة المطر ، ودعوات الريح ، واقتفاء أثر صوتٍ مجهول يبشر بالأمان الممتد ، والضياء التام..
إنهم هم ، أولئك الأطهار الأخفياء ، يمرون خلسة ، دون ضوضاء ولا جلبة ، ينشرون السكينة الناعمة كما تتطاير زهيرات الأمل ، لتجلي غمام الهموم عن سقف الأرواح ، يعبرون دون ظل ، يبذرون في طريقهم الرضا ، وروائح الجنان والياسمين ؛ عناوينُ هُم للطف الخفي ، للقداسة ، ليقين الشفاء ، وتبخر المواجع . شفاعًة بهم ياالله ، ومنهم شفاعة .

الخميس، 28 يونيو 2018

كل مافي الأمر أننا التقينا في ذات اللحظة التي أطلق فيها القطار نداء المغادرة...
كانت روعتك حقيقية أكثر من قدرتي على التصديق ، وماأن لمستُ عيبك البشري ، حتى سارعت أضعه تحت المجهر ، أكبّره وأمدده ذات اليمين وذات الشمال... كان من السهل حينها أن أعطيك ظهري وأقفز نحو القطار ، منتشية بوهم انتصار ، مربتة على قلبي أن بوركت، قد تجاوزتَ الامتحان ، وليس العابر إلا كما غيره... سريعاً ماسيطويه النسيان .
يوم.. يومان ، محطة.. ومحطتان... وجوه عديدة وعابرون بعدد الرمال ! ووحده وجهك يتبدى وسط الزحام ، وحده صوتك يطغى على أكاذيبي وحيلي التي لم تنطل على قلبي وما جاوزتْ له عتبة شغاف.. أدس روحي بين كثبان الأيام ، أوغل في نفق التشاغل ، لأصطدم في نهايته بحقيقة أن كلماتي الأولى لك ، تلك التي اجتهدتْ في التزيّن وعجلت إليك لترضى كانت الأصدق ، وكان صوت روحي فيها أعلى سهمًا من صوت فمي...
كان يمكن لكل شيء أن يزول ويفنى من ذاكرتي ، إلا صوت أنفاسك ونداء عينيك ، كانت إطالة التحديق في عينيك خيارًا ملحّا ، ورغبةً طاغية ، تلذذتُ بسكرتها المدوّخة وعمرها الـ أقصر من حلم يائس...
ماأقسى أن تحدق في عينين تحبهما فيما أنت موقن بفراقهما .

السبت، 23 يونيو 2018


أظن أن الدماغ يولي بعض الذكريات اهتمامًا زائدًا ، يحرص على تنظيفها وإزالة الأغبرة عنها أولاً بأول ، لتظل أبدًا متجدّدة محتفظًة بلمعانها وكافة تفاصيلها ، إنه يختصها بإشرافه ، ويحفظها في مكانٍ أثيرٍ في أرشيفه !

من بين هذه الذكريات ، ذكرى المرة الأولى التي أمسكت فيها قلمًا ، وخططتُ فيها حرفا ، وكنتُ مذ صافحت مادة الإنشاء ، أحيل واجباتها لجارنا معلم اللغة العربية ، الذي تولّى طوال السنوات الخمس التالية كتابة كل موضوعاتي الإنشائية ، كنت مؤمنة إيمانًا راسخًا لايخالطه أدنى شك ، أنني فاشلة تمامًا في هذه المادة ، وأنه لايمكن لي بأيّ حالٍ من الأحوال خطّ كلمةٍ واحدة ، أو صنع جملةٍ مفيدة ، ودون تردد سمحت لهذا الشعور بالتعاظم داخلي يومًا بعد يوم ، وفي تلك الفترة بدأت ألقِي نفسي بين مسرحيات شكسبير ، وروايات كريستي ، وأعمال المنفلوطي ، وأدب العصر العباسي ، كنت مبهورة بكل ذاك الجمال الذي يُنظم ، والخيال الذي يُنسج ، وحيث أن جوارحي استسلمت تمامًا لاستحالة قدرتي على رسم جملةٍ مفيدة ، فقد اخترت التفرّغ للقراءة .
كنت قد بلغتُ الخامسة عشر من عمري ، حين صدر أمرٌ حكوميّ يقضي بهدم منازل حارتنا ، لإقامة مشروعٍ ما على أنقاضها ، ارتحلنا كما ارتحل الجميع ، ومضى كلٌ إلى سبيله ، وتباعدنا .... حدث ذلك في الصيف ، وحين بدأ العام الدراسي الجديد ، كانت معلمةُ اللغة العربية المعنيّة بتدريسنا مشهورةً بقسوتها ، وذكائها الشديديّن ، تتمتّع بحضورٍ طاغ و هيبةٍ عظيمة ألقت بظلالها في نفوس كل من التقاها ، وإذ كانت معروفةً لديّ ، فقد تناهى لها أيضًا ذِكْـري وماعُرِفتُ به من جهدٍ وتفان ، ومضت الأسابيع الثلاثة الأول من الدراسة على خير مايرام ، كنتُ فيها عند حسن ظن معلمتي ، وكما توقعتْ وأمُلتْ مني ، وعند بداية الأسبوع الرابع وقع ماكنت أخشاه وأرجوه ابتعادا ، إذ أعلنت المعلمة بصوتها الجهوري أنها ستستمع في الغد لموضوع إنشاءٍ حر ، يكون محتواه بحسب رغبة كل طالبة واختيارها ، وأنها ستقوم بجولةٍ تفتيشية بداية الحصة ، كيما تتأكد من إنجاز الجميع لواجبه !
كنت كـ حائرٍ يقف على رأس صخرة ، أحاط به الموج من كل جانب ، لايملك إلا أن يلقي نفسه للمصير الذي لافرار منه ، كان مُخلّصِي قد ارتحل إلى مكانٍ بعيد ، وبقيت وحيدة ، أواجه وحشًا طالما تهيّبته ، وأحسست بضعفي وعجزي أمامه !
ومضت الساعات... ساعةً تلو ساعة تلو ساعة ، وأنا أصول وأجول كما حيوانٍ بريّ وقع في أسرٍ مفاجيء ، يبحث بين القضبان عن منفذ خلاصٍ ، ينقذه من واقعٍ جديدٍ لم يألفه ويعتاده ، فكرّت في التغيّب عن المدرسة ، وسريعًا طردت هذه الفكرة من رأسي ، ليس فقط لأن والدتي سترفضها ، بل لأنها بدتْ حينها فكرةً غير منطقية ، إذ ليس من المعقول أني سأتغيّب عن حصص الإنشاء طيلة أيام السنة ، ولمّا أشارت عقارب الساعة إلى منتصف الليل ، كان الموج قد وصل إلى منتصف جسدي ، وكنت غارقةً لامحالة... تناولتُ دفتري ، ورسمتُ أولى أحرفي !
ولأن الموضوع حر ، فلم أجد أكثر ملائمةً من منزلي القديم كي أبثه حنيني واشتياقي ، وأظنني دون أن أشعر كنت أوجّه له رسالةً أنبئه فيها بأحوالي ، وكيف لعبت بي صروف الدهر من بعده ، فهاأنذا وحدي ، أواجه دون سند تنينًا عظيمًا ، طالما جبنت عن مواجهته وتجنّبتها ! خططتُ رسالتي تلك ، ثم أغلقتُ الدفتر وعيناي على قلبٍ لم يتوقف عن الخفقان ، وفي الصباح تسللت لغرفة والدتي ، والتقطت ساعتها الثمينة الوحيدة ، وضعتها حول معصمي الهزيل ، على أمل أن أحصي الدقائق الثقيلة التي ستنقذني من قنبلةٍ مميتة !!

كانت حصة الإنشاء هي الحصة التي تسبق مباشرةً موعد الفسحة ، وما إن بدأتْ حتى أخذتُ أراقب عقارب الساعة ! كل من أرادت قراءة موضوعها ، كانت المعلمة تلبي رغبتها ، وتدعوها لمقدمة الفصل ، كيما تقف في مواجهة الجميع ، وتقرأ بصوتٍ عالٍ نصها المختار ، لم أكن لألقي نفسي في التهلكة ، لذا لم أرفع يدي أبدًا ، كما لم أنتبه لأيّ موضوعٍ قُرِئ ، كنت محشورةً بين عقارب الساعة ، أصغي لتكّاتها التي تلاشت أمام خفقات قلبي ، وكلما هبّت طالبة لقراءة موضوعها ، كلما تنفست الصعداء ونعمت بثوان استرخاء ، حتى إذا ماانتهت ، وعاودت المعلمة السؤال : ها ، من التالية ؟ ، تلويّت من ألم أمعائي ، وتشبّـثت بأهداب أنفاسي التي أخذت تفرّ من جنون دقات قلبي ! كانت الحصة قد شارفت على الانتهاء ، نظرت في الساعة وهمست أطمئنني : هانت ، لم يتبقّى سوى تسع دقائق ،، طالبة واحدة فقط وأتخلّص من هذا الكابوس اللعين ، وفيما كنت أسبح نحو شاطي النجاة وأقترب من الحرية ، إذ بيدٍ باردةٍ تسحبني نحو الأعماق ، وتحول دوني ودون الهروب...
أظن أن معلمتي اليقظة قد تنبّهت لامتقاع لوني ، وذعري الذي أحالني أرنبًا منكمشًا في جحره ، يقلّب عينيه بين حبائل موتٍ وشيك ، ووعودٍ كاذبة تلوح من عقارب ساعة ! دوى صوتها في أذني كانفجار لغمٍ نال مني رغم حذري ورجائي : هند... تقدّمي لتقرأي لنا موضوعك !
لازلتُ بعد مرور كل تلك السنوات ، أتذكّر الطعم المر الذي نبت في حلقي ، والجفاف الذي يبّس شفتيّ ، وارتعاش قدميّ اللتين جاهدتا لحملي ، كنتُ كفاقد ذاكرته ، مسلوبًا قواه ، يمشي على الغيم دون هدى أو صواب ، فجأة... التهم الضباب كل ماحولي ، لم أعد أبصر شيئًا ، أو أسمع سوى دقات قلبي الذي غاص عميقًا.. عميقا، بحيث شعرت أني أفقده للأبد ، لا أدري كيف وصلتُ لمقدمة الفصل ، لا أدري أكانت عيونٌ من تنظرُ إليّ ، أم أشباحٌ تهزأ بي ، فتحت دفتري وقد تخبّط جسدي بين قشعريرةٍ تهزّه وحمّى تنهشه ، ضياعٌ لم يشابهه ضياع... ذاك الذي ألفيت نفسي فيه ! لقد حانت ساعة الصفر ، اليوم سينال مني الشامتون ، اليوم سأكون مزار الساخرين وأضحوكة المتطفّلين ، اليوم سأسقط من عليائي وتتلاشى أسطورتي ، اليوم تسحقني الأقدام ، وتركلني إلى المكان الذي أستحقه !
خرج عنوان موضوعي "منزلي" من بين أشواكٍ ومسامير ، كل ماء الحياة قد جفّ في داخلي ، قرأت سطري الأول برجفةٍ عتيقةٍ تعاورتْ عليها مآسي الكون أجمعين ، وحين كنت أجدّف بين السطور ، تراءى لي منزلي القديم بابتسامة والدٍ حنون ، كان يضع يده على قلبي ، يتلو معوّذات السكينة ، يبثّني دفئاً ترجوه أوصالي المتيبّسة ، وإذ أسلمتُ نفسي ليديه وارتميت في أحضانه ، وصلت للسطر الأخير ، ثم للجملة الأخيرة التي لن أنساها ماحييت : " لم يبقى من منزلي الآن إلا رمالاً تذروها الرياح "
الرياح... الرياح... الرياح....
ذاتُ الرياح التي طافت برمال منزلي أرجاء الكون ، كانت تمد يدها إليّ في تلك اللحظة ، تنشدني الوثوب على ظهرها كيما أغادر كل هذا الهراء ، كيما أبتعد عن عارٍ وشيك ، كيما أهرب بكرامتي عن سحق الأقدام والضحكات ، بيد أن معلمتي حالت دوني ودون نداء الريح ، صحوتُ على صوتها ينتشلني من كف السقوط : رائع... رائع... رائع هند ، ياله من جمال ، ياله من تعبير ، أنتِ رائعة عزيزتي !
كانت هذه الصدمة أشد وأقوى من سابقتها ، بحيث أني كنت فعلاً على وشك الإغماء ، لم تصدّق أذناي ثناءها ، لم تستوعب عيناي ابتسامة رضاها ، لأيامٍ وليالٍ عديدة كنت أستعيد ذكرى تلك الحادثة بوجدان عائدٍ من مملكة العجائب ، أقف أمام لوحة الشرف أبتسم بزهوّ ممزوجٍ بالدهشة ، للموضوع الحائز على جائزة المدرسة لهذا الشهر ، ثم لهذه السنة ، ثم المشترك في مسابقة مدارس المحافظة ... نص " منزلي" !!

لقد كانت هذه الحادثة منحًى هامًا في طريق حياتي ، علمتني أن المُحال محال ، وأن أرواحنا تحمل بين طياتها كنوزًا ثمينة ، لربما طمرتها السنون إن لم نعمل على اكتشافها والتنقيب عنها ، أمدتني بأعظم دروس الوجود ، وهي أن الاستسلام عار ، وأن أقسى الهزائم هزيمة الروح ، وأن الثقة بالنفس معول نجاح تتحطّم أمامه أعتى الصخور .

الجمعة، 22 يونيو 2018


وكان خالد بن صفوان من الخطباء المشهورين في العوام ، المقدّمين في الخواص ، وكان جميلاً ليس بالطويل ، فقالت له امرأته ذات يوم : إنك لجميلٌ ياأبا صفوان (وهنا ملاحظة لطيفة تنبئك بأن نساء ذلك الزمان، لم تكن تجد حرجًا في إخبار زوجها بعظيم قدره ، ولطيف سجاياه ، دون إلتفاتٍ إلى ماقد يظنه الآخر من كونها " دالقة حالها عليه"، أو يتوهمه زوجها من أنها " خاقّة عنده"... والخققان في العصر الحديث لايمت بصلة لمعنى الخق في الفصحى ، إذ هو - أي الحديث - يعني الذوبان التام والسيحان الكامل من قِبل المخقوق أمام المخقوق عليه) ... والمهم ، نعود لقصة خالد وزوجه التي أفصحت بما في مكنون صدرها فأجابها عندئذٍ قائلاً :
_ وكيف تقولين هذا، ومافيّ عمود الجمال ولا رداؤه ولا بُرنُسه . فقيل له.. ( وانتبه هنا إلى هذه الإشارة الهامة في الرواية " قيل له" فهي تدل على أن شخصًا غير زوجه هو القائل ، بما يعني أن زوجه انكتمت كتمة الفول ، وانخرست خرسة المعلول، ولعنت أم الساعة التي سولت لها مدح زوجها والتغزل به) . نكمل القصة ؛ قيل له : ماعمود الجمال؟ فقال : الطول ، ولست بطويل . وهنا لابد أن نقف على صعيدٍ واحد ، لنجلي الحق الذي حاول هذا الخالد أن يشغّب ويضبب عليه ، فإما أنه قصد بقوله أن عمود الجمال هو الطول ، تخصيص الرجال بذلك ، ولابأس عليه حينها ، وإما أنه رام التعميم ، فإن كان كذلك فقد خاب وخسر ، وقوله مردودٌ عليه ، فوالله مازان جمال النساء إلا قصر القامة ، وما زاد فتنتهن إلا هذه الأنوثة المركزة ، المضغوطة ، المحشورة في حيزٍ صغير .
نعود لأبي صفوان المنسحق في ذاته، والذي أكمل قائلاً : ورداؤه البياض ، ولست بأبيض ، وبرنسه سواد الشعر ، وأنا أشمط ؛ ولكن قولي ( وهنا التفت إلى زوجه التي كانت تحدث نفسها : الحق مو عليك ، الحق على اللي يرقعلك... والترقيع هنا، بمعنى ستر المعايب)... وأفاقت من هواجسها على صوته : ولكن قولي : إنك لمليحٌ ظريف . وأسرّت في نفسها " هيّن ياالرُبع، الأشمط، الأسود "
طبعًا.. لسنا في حاجة للحديث عن الليلة السوداء التي كانت في انتظار أبي صفوان ، إثر حمقه الذي قاده لفتح عيون امرأته على معايبه ، مع أن المسكينة كانت قانعة به ، وبسمرته ، وقصر قامته، وشيب شعره ، لكنها الفلسفة والتفلسف قاتل الله صاحبها .

القصة دون التعقيب والتعليق ، ورتوش مابين الأقواس ، في كتاب الجاحظ البيان والتبيين .

الأحد، 17 يونيو 2018


بمناسبة مباراة (منتخبي ) اليوم أمام سويسرا ، تذكرت هذا النص الذي كتبته قبل سنوات... بالتوفيق لعراب روحي الكروي.


أمضيت اليوم ساعةً كاملة وأنا ألعب بالكرة !
مرّ زمنٌ طويل منذ آخر مرة تقاذفت فيه أرجلي الكرة . كرة القدم تحديداً لي معها ذكريات عديدة ، لعل أول مايتبادر إلى ذهني منها ، ذلك المساء الذي كنت فيه عائدة من مدرستي ، حيث كان مبناها قد خضع للترميم ، وانتقلنا إلى الدراسة في مبنىً حكوميّ مجاور  ، كنت أعود قبيل الغروب ، أمشي مزهوةً بنفسي ، كوني شعرت باختلافي عن بقية الصبية ، وأحمل ميزةً عنهم بهذا الدوام المدرسي غير المألوف ! لطالما جيّرتُ الشذوذ والغرابة نحو جانب الإيجابية ، كان هذا حمٌق مني ، تكفلت التجارب والسنون بتعديله . لا إيجابية إلا مع ماينفع ويعمّر ، سواء حلّق مع سرٍب معين ، أو بعيدًا عنه !
لنعد للكرة ؛ أقول : كنت أتوجه لمنزلي في ذلك المساء ، وعيناي تحدقان نحو الأمام ، أتأمل أولاد الحارة وهم يتقاذفون الكرة بين أقدامهم ، وفجأة ، وفي لمح البصر ؛ غاب المنظر عن عيني تماماً ، ووجدتني في عالمٍ غريب لم أتبـيـّنه ، وأستوعب ماهيته ، إلا حين احسست ذلك الألم الفظيع في أنفي وسائر وجهي ، كان ابن الجيران قد صوّب نحوي تسديدةً كرويّةً قوية ، وكان ألمي حينها ألمين ، ذلك أن الفتى كان يحبني ، وليس من المفترض به أن يقسو عليّ بهذه الطريقة ، هكذا فكرت حينها  ! أعتقد أنني توهمت أنه يحبني ، ربما لأجل نظراته وابتساماته المتكررة لي . أظنني توهمت أن أبناء الحارة كلهم أحبوني ، ولا أدري أكان الخلل فيّ أو فيهم ! عموماً ؛ الرجال ماهرون في الاحتيال ، الرجل قادر على أن يوهم ألف فتاة في نفس اللحظة أنها محبوبته الوحيدة !
المهم ، أكمِـل حديثي عن الكرة  ، كانت ذكرياتي الأكثر ارتباطاً بها على سطح منزلنا ، كنت ألعبها مع إخوتي الذكور ، ولكونني فتاة فقد وضعوني دوماً مع الفريق الأقوى ، باعتباري عنصراً ضعيفاً ، يسهل أن تؤتَـى الهزيمة من قِبله ، وللأسف ، هذا ماكان يحدث  . لذلك ، عمدوا في نهاية المطاف إلى التخلّص مني واستبعادي ، وأخذت كلما هيضني الشوق للعب الكرة ، أصعد للسطح ، أتقاذفها وحيدةً مع الجدار ! ربما كانت تلك هي الفترة التأسيسية في حياتي للعزلة والتأمل ، التأمل في الحلقة الأضعف  ، في ضرورة التخلي عن الضعيف ونبذه ، في تقديس القوة والسعي لها بكل وسيلة ، حتى وإن كان الثمن المدفوع باهضاً ومجحفا ، التأمل في ضرورة تقبل الهزيمة ، والتسليم بحتميّة الألم ، والفارق بين الذكر والأنثى ، و......
اه... نسيت الكرة  ... كنت مفتونةً بمنتخب البرازيل ، أتابع مبارياته ، فلا تفوتني منها واحدة ، بل ولا حتى دقيقة ، أحفظ أسماء لاعيبيه ، وأتابع تفاصيل نشاطاته ، كنت أعشق  هذا المنتخب حد الثمالة ، حد النخاع ، حد الجنون ، وهذا أمر توافق مع طبيعتي المتطرّفة ، التي لم تكن تعرف للتوسط طريقاً في تلك الفترة ، كانت عواطفي ملتهبة ،  متقدة ، أعشق بشغف ، وأبغض بتجاوز ، وحدها الأيام ، مع هذه الروح المحلّقة تكفلتا بتهذيب هذا السلوك الشائن ؛ لأدرك مع الوقت أن التمادي في بذل العواطف وإهدارها بإسراف ، لا يجلب سوى الشقاء ، ناهيك عن المسافات التي يبعدك بها عن نور الحقيقة ، يقول كونديرا  : ‏نحنُ لا نعي عمرنا إلا في لحظاتٍ استثنائية ، إننا معظم الوقت أشخاصٌ بلا أعمار ! أستطيع باطمئنان أن أقول أن القفزة التي استشعرت معها النضج ، هي حين أدركت أن التطرّف أفيون الحمقى !

كنت أتحدث عن كرة البرازيل  ، صحيح ، يحق للبرازيل أن يكون لها مسمّى خاصاً بها ،   " كرة البرازيل " !! هذا تعبيرٌ منصف لكرةٍ غارقة في الروعة والجمال ، ككرة البرازيل  ، للأسف.... أصبحت هزائمه كثيرة مؤخراً ، لشد ماآلمني هذا ، وفي آخر مباراة شهدتها له ، أو بتعبيرٍ أدق آخر هزيمة حضرتها ، أرسل المعلّق بكل قسوة  : يبدو أن شمس البرازيل آخذةٌ في الأفول !
غار قلبي عميقاً مع كلامه ، بدا وكأنه إيذانٌ لي أنا الأخرى بالزوال ، أحسست به كنداءٍ أخير لرحلةٍ مغادِرة  ؛ أن يتساقط رفاق العمر من حولك ، هذا يعني أن دورك سيحين ، وأن مآلهم أقرب إليك من حبل الوريد ! تساءلتُ في خوفٍ وألم  : هل بدأت شمسي أنا أيضاً بالغروب ؟!

الكرة... اه ، يكفي... تعبت من ملاحقة الكرة   !

الثلاثاء، 12 يونيو 2018


كالعادة، وبعد كل عاصفٍة رملية أتوجه لمنزل والدتي المكشوف صدره وجانباه للفضاء ، لأبدأ حملة كرف لأكوام الرمال المتراكمة. يحدث ذلك كثيرًا في هذه الصحراء . قضيت البارحة قرابة الثلاث ساعات ونصف في تنظيف المدخل وغرفةٍ واحدة فقط ، وحين انتهيت كانت والدتي قد أنهت هي الأخرى إعداد الشاي وبعض الفطائر..
- أرجوكِ ماما ، يجب أن تتركي هذا البيت ، أتوسل إليك ، أطيعينا و غادريه .
- قلت لكم مرارًا ، لن أدع بيتي وحارتي ، لا أستطيع العيش خارج هذي الحارة.
- لكن البيت لم يعد مناسبًا لضعفك ، إنه مرهَق ومرهِق . انتقلي لبيتٍ حديث ، يريحك ويلائم وضعكِ الحالي ؛ أنتِ لا تتعافين من مرض حتى تقعي فريسًة لآخر . هذه الأنفلونزا كادت أن تودي بحياتك...
-اممم.. صه... هل أضع لكِ مزيدًا من السكر في الشاي.
- نفثتُ حماسي ورددت : كلا ، حلاه معتدل .
وبعد برهة صمت...
- لاتغضبي مني بنيتي ، حاولي أن تستوعبي مشاعري، أنا حقًا لا أستطيع ترك هذي الحارة .
قلت مبتسمة كي أزيح عبء هذا الحديث المزعج بتكراره : إذن لابد أن نبحث لكِ عن عريس يخفف عنكِ شيئا من هذا العبء .
- معاذ الله أن أفعل.... هل سمعتِ كلمة بوتين التي قالها بالأمس ؟
- بوتين ؟... كلا... ماذا قال ؟
- انتظري ، سأحضر جوالي ، لقد كتبت كلمته كي لا أنساها .
قالت وهي تدخل الغرفة ، ويدها تعالج الجهاز : أنتِ أيضًا لا تنسيها ، يجب ألا ينساها أحد ، ووضعت نظارتها وقرأت : نحن لن نخرج من سوريا ، إن الحرب في سوريا فرصة لاتُفوّت لتدريب جنودنا على فنون القتال !
هل سمعتِ ! يستخدم رؤوسنا نحن المسلمين العرب لتدريب جنوده على القتال !
- هل قال " فنون القتال" بهذه الصيغة ؟
- نعم، نعم... لقد كتبتها حالما سمعتها....قالها بينما جنوده في إدلب يزهقون خمسين روحًا ! ربااه ، ثم تحدثيني عن الزواج ! وهل ظل رجال كي نتزوج منهم ، لا والله.. من يسمع قوله ثم يطيب له أن يقتات ويتناسل فليس فيه من الرجولة إلا كما في ترامب من مروءة . لم يعد في العرب رجال . إياكِ أن تخدعي بمعسول كلام أحدهم . رجٌل آلي يستطيع أن يقوم مقام أحدهم ، فيخفف من أعباء الحياة ، بل البعض ممن صُمم للقتال قد يكون أرجى نفعًا..
- الإعلام ، الإعلام الخبيث خدرهم وأعماهم...
- الإعلام... سواه... المهم ؛ أهون على قلبي أن تقتلني هذي الرمال، بدلاً من أن يُمسي رأسي بطيخة أو قارورة يتدرب عليها جندي أعجمي.

الجمعة، 8 يونيو 2018


السيناريو اليومي لإفطاري لايتجاوز إنهاء حساء الشوربة الذي أمامي ، ثم إن كنت جائعة جدًا تناولت فطيرًة وأختها ، أو شيئاً من فتوش . وفقط . تنتهي مدة جلوسي إلى مائدة عائلتي . أقوم بعدها حاملًة معي أكبر صحن حلوى في المنزل ، أتوجه لغرفتي ، أغلق بابها بالمفتاح وأوشك على ابتلاعه حرصًا وتأكيدا . ثم أبدأ في تهيئة المكان كأحسن "غرزة" . فهذا إبريق القهوة ، وهذي علبة سجائري ، وهنا صينية أم كلثوم " وصفولي الصبر". وعليها كأس الماء وصحن الحلوى ، وهنا حلم حياتي ؛ أناجي كما كل ليلٍة أطيافه . وتبدأ مسيرة الطحن المعتادة ، سبعون ملعقة حلوى تليها رشفة من فنجان القهوة السوداء المرة ، ملعقة تتبعها ملعقة، تلحقها أخرى ، والأفق أمامي رويدًا رويدًا يضيق ، والرؤية ضبابًا تلوح ، وأبدًا عزمي لايلين ، تكمل طوابير الملاعق مسيرتها نحو جوفي... حلوى ثم حلوى ثم حلوى... هللويا... يارب الشعر والحلوى... والمعدة تئن تحت وطأة الجموع المتقاذفة ، والبنكرياس يحوقل في يأس : السُكر ياشيخة، اتق الله . والقلب في سكرة الهوى أصمٌ منقاد ، ولعاب الرغائب غيثًا مدرار ، وفستان العيد إلى يساري من الدولاب في جزعٍ يصرخ : الوِسط راح، حرام عليكِ . وأنا في تيهي وتوهاني ، صوفيّ في غمر التجليّ ، ماعاد يدري أي أرضٍ تـقِلّـه وأيّ سماءٍ تضلّه. أحدج الصينية ورسمها " وصفولي الصبر" وأتمتم في همس : لقيته خيال، وكلام يادوب يتقال . حتى إذا ماأتيت على الصحن كله ، وكان أمر ربك قضيًا مقضيا ، عجلت إلى سيجارتي ، أرضيها شفطًا ونفثا ، وقُبُلاً زمزما ، وشوقًا عذبا ، هكذا أفِـد إليها وفاءً لمزار ، وتقضي عليّ بقسوة عاشقٍ لايرحم . وتشابكت أغصان الإنهاك ، واتحدت ترميني عن قوسٍ واحد ، وتلبّـست روح أفعى الأناكوند حين تنام نومتها بعد تخمتها ، فهويتُ كأعجاز النخل الخاوية .

الثلاثاء، 5 يونيو 2018


متى استعبدتم أحاسيس الأدباء وقد ولِدت حرةً محلّقة !

هذا الحديث المتكرر عن كون شعر الحداثة وشعرائه قد رفعوا من قيمة الشعر والشاعر ، حيث به وبهم تغير موضوع الشعر ، وتطور تناول الشعراء له ، بعد أن كانوا مهرّجين في بلاط الحكام والتجار ، يقرضون الشعر للتكسّب والنفاق بأكاذيب المدح والهجاء ، وأنهم باتوا اليوم وبفضل الحداثة وأربابها أصحاب رسائل سامية تقدمت بالشاعر وشعره إلى طليعة النخب الثقافية المفكرة ، في إشارةٍ ضمنية على وجوب أن يكون الشاعر مثقفًا ، هو في واقع الأمر عرض يحمل تناقضه بين ثنياته ، ليس لأن الواقع يكذبه - وقد فعل - بل لأن سياق الأمور يقتضي ذلك ، فتبني عقيدة ما أو فكر معين سيؤدلج صاحبه في الغالب والأعم ، وربما جيّره ذلك للاصطفاف مع قوى متمثلة في أصحاب قرارٍ أو مال ، ليمسي في نهاية المطاف أراجوزًا ولعبةً في يد أحدهم.... وإذن لا جديد !!

أضف إلى ذلك ، أن الأدب في جوهره حالة وجدانية بحتة ، وجماله لايكون إلا في اندلاقه البدائي الفطري ، دون تكلّف ولا ادعاء ، دون رسميات أو رسائل ملزِمة ، حين أكون محمومًا بالحب لاتطلب مني قصيدةً حماسية ، وحين أنشد الرثاء لاتجبرني على المديح ، سيكون نظمًا ما أهديه لاشعرا ، وكم من قصيدةٍ تغزل صاحبها فيها بليلةٍ حمراء وندمائها ، أو رثى فحولته التي انقضت وتولت ، أو شكى من نوافذ أبياتها بؤسه وفاقته متوسلا ملحا ، فجاءت بصدقها بأروع حلة وطلة .
اتركوا الأديب وشأنه ، لاتلزموه ببروتوكلاتٍ لاتعيها شياطينه ، لاتقيدوه بياقات وكرافتات النخب والإتيكيت الثقافي ، لاتحشروه في البذلات والمقاعد ، لا ترتبوا فوضاه ، ولا تقلموا جنونه ، دعوه لبوهيميته ، زوادته التي بدونها لايحيا...
قال لي أحدهم مرة ، وكنا في مقهى كبير ، أتجول بناظري في وجوه الجالسين والمارة : هند ، لايليق بسيدة أن تطلق بصرها في عيون الرجال ، هذا أمر معيب ! أجبته بابتسامةٍ هادئة : لكني كاتبة ، وعيون الآخرين هي مداد قلمي ، لاتطلب من فنان أو أديب ألا يبحر في عيون الآخرين .

الجمعة، 1 يونيو 2018


قبل أربع سنوات تقريبًا ، قدم إلى إحدى القطاعات الحكومية في مدينة الدمام بالمنطقة الشرقية ، عدد من المهندسين اليابانيين التابعين لشركة ميتسوبيشي في إطار صفقة استيراد مولدات ما ، وتدريب فنيين اختصاصيين . وحكى لي أحدهم، والذي كان ملزما بمرافقتهم طوال مدة تواجدهم ، كيف أنهم أولعوا أشد الولع بالتمر الذي قدّم لضيافتهم صبيحة وصولهم ، وظلوا يأكلون منه طوال اليوم ، حد أنهم لم يتناولوا غداءً سواه . ثم حين حل اليوم الثاني ، وكان القوم قد لاحظوا عظيم حبهم وإقبالهم على التمر ، أغدقوا عليهم كميات وافرة منه ، ولم يتوان الياباني عن الالتهام ، تمرٌ ثم تمر ثم تمر فتمر ، والأكياس تُفتح كيسٌ تلو كيس تلو كيس . ونحن في عجبٍ منهم ( يقول محدثي) ، فهو لم يكن بالتمر الفاخر ، وليس إلا " تمر الخلاص". حتى إذا حانت ساعةٌ ما، اقترب منهم أحد المهندسين قائلا : يبدو أن التمر راق لكم كثيرًا ؟ فأومأوا برؤوسهم موافقين.
- هل هي المرة الأولى التي تتذوقون فيها التمر ؟
- نعم ، إنها المرة الأولى .
وباندهاش سأل : ياإلهي ، ألا تعرفوه من قبل ؟
- كلا .
- جيد، وإذن هي فرصة مناسبة للاستثمار ، ليقم أحدكم باستيراده وبيعه في بلدكم ، وحتمًا سيجني أموالاً طائلة من وراء ذلك .
وماأن أنهى كلامه ، حتى انتفض الياباني كالملدوغ ، صائحًا باستهجان : محال ، محال أن أفعل ذلك.
- مابك ؟ هل حكومتكم تمنع مثل هذي الاستثمارات ؟
- لاتمنعها ، ولكن الأمر أشبه بالعمل في الدعارة. أن تروّج لبضاعة ليست من إنتاج اليابان ولا من خيراته ، فأنت كمن يُقدم على فعلٍ قبيحٍ مخجل .
- وماذا عن ماكدونالدز لديكم ؟
- لايعمل فيه غالبًا إلا الأجانب ، أو الياباني المضطر رغمًا ، ولايرتاده منّا إلا القلة . لايتسيد طعامنا إلا السوشي الذي نعد له احتفالاً سنويًا ، بل حتى حلوانا لا نصنعها إلا بالرز محصولنا .
هذا هو الياباني الذي يرفض الزواج بأخرى لا تحمل ذات دمائه ، ومن تزوج بغير اليابانية حتى وإن أنجب منها ، فلن تحظى بغير ورقة الإقامة إلى مماتها . يقاومون بشدة الاندماج مع الآخر حفاظًا على نقاء العرق وصفائه ، وليس ببعيدٍ عنهم الألمان ، الذين طالبوا ذات كبرياء بربٍ خاصٍ بهم وحدهم ، اعتزازًا وتفرّدا . ثم هاأنتذا حين تتحدث عن هويتك ووجوب الحفاظ عليها ، تهاجَم وتتهم بالعصبية المقيتة ، والعنصرية البغيضة ، والتأخر المقرف عن ركب حضارة الآخر الذي يسعى جاهدًا لصون هويته وإعلاءها . كنت أرى هؤلاء المنسلخين عن جلودهم ، الناقمين على تراثهم ، مجرد أقزام ، هالتهم بهرجة الرجل الأبيض ، وزخارفه ، فتضاءلوا انهزامًا ودونيًة أمامه ، فأشفِـق على الثقة المفقودة ، والعزة المسحوقة ، والإباء المنعدم ، وأقول في سري : يومًا ما ستفيقون ، وتدركون عظيم مافرطتم فيه ، وهول ماأتيتم به ، حين تصاغرتم أنفسكم فهنتم وهان عند الآخر قدركم . والبارحة ، وأنا أتابع تلك الفرس تساق للأسود كي تنهشها وهي حية ، استعدت سخرية هؤلاء الأقزام في كل مرة نذكر فيها تآمر الغرب ، وخططه ومحاولاته التي لا تتوقف ولاتستكين ، لتحقير ونسف كل مايرمز لهويتنا ، أو يمس تراثنا ، و يلهب ولو بنزرٍ يسير حماستنا لاسترداد قوتنا و غابر عزنا .
بشرّهم بما يقلق منامهم ويغم قلوبهم . نحن "كن" التي ادخرها الله في لوحه المحفوظ حين يعم الخراب الأرض ، نجيء على غفلة من الريح والعقد الكواذب ، في خيلنا الخير ، وزحفنا تظلله المزن الثواقل .

متى استعبدتم أحاسيس الأدباء وقد ولِدت حرةً محلّقة !

هذا الحديث المتكرر عن كون شعر الحداثة وشعرائه قد رفعوا من قيمة الشعر والشاعر ، حيث به وبهم تغير موضوع الشعر ، وتطور تناول الشعراء له ، بعد أن كانوا مهرّجين في بلاط الحكام والتجار ، يقرضون الشعر للتكسّب والنفاق بأكاذيب المدح والهجاء ، وأنهم باتوا اليوم وبفضل الحداثة وأربابها أصحاب رسائل سامية تقدمت بالشاعر وشعره إلى طليعة النخب الثقافية المفكرة ، في إشارةٍ ضمنية على وجوب أن يكون الشاعر مثقفًا ، هو في واقع الأمر عرض يحمل تناقضه بين ثنياته ، ليس لأن الواقع يكذبه - وقد فعل - بل لأن سياق الأمور يقتضي ذلك ، فتبني عقيدة ما أو فكر معين سيؤدلج صاحبه في الغالب والأعم ، وربما جيّره ذلك للاصطفاف مع قوى متمثلة في أصحاب قرارٍ أو مال ، ليمسي في نهاية المطاف أراجوزًا ولعبةً في يد أحدهم.... وإذن لا جديد !!

أضف إلى ذلك ، أن الأدب في جوهره حالة وجدانية بحتة ، وجماله لايكون إلا في اندلاقه البدائي الفطري ، دون تكلّف ولا ادعاء ، دون رسميات أو رسائل ملزِمة ، حين أكون محمومًا بالحب لاتطلب مني قصيدةً حماسية ، وحين أنشد الرثاء لاتجبرني على المديح ، سيكون نظمًا ما أهديه لاشعرا ، وكم من قصيدةٍ تغزل صاحبها فيها بليلةٍ حمراء وندمائها ، أو رثى فحولته التي انقضت وتولت ، أو شكى من نوافذ أبياتها بؤسه وفاقته متوسلا ملحا ، فجاءت بصدقها بأروع حلة وطلة .
اتركوا الأديب وشأنه ، لاتلزموه ببروتوكلاتٍ لاتعيها شياطينه ، لاتقيدوه بياقات وكرافتات النخب والإتيكيت الثقافي ، لاتحشروه في البذلات والمقاعد ، لا ترتبوا فوضاه ، ولا تقلموا جنونه ، دعوه لبوهيميته ، زوادته التي بدونها لايحيا...
قال لي أحدهم مرة ، وكنا في مقهى كبير ، أتجول بناظري في وجوه الجالسين والمارة : هند ، لايليق بسيدة أن تطلق بصرها في عيون الرجال ، هذا أمر معيب ! أجبته بابتسامةٍ هادئة : لكني كاتبة ، وعيون الآخرين هي مداد قلمي ، لاتطلب من فنان أو أديب ألا يبحر في عيون الآخرين .