الثلاثاء، 29 مايو 2018


ياالله... البارحة انتهيت من رواية خان الخليلي لنجيب محفوظ . لأول مرة في حياتي أقرأ روايةً عربية . ياااااه ، ماأعذبها وأجملها وأصدق عاطفتها ! ألم أقل لكم ؛ نحن ملح الحياة وسكرها . إي والله ، العرب دفء الأرض ، وأرواحهم موسيقى هذا الكون .
رواية " الحب في زمن الكوليرا" لم تكن تحمل من الحب أكثر من اسمه ، بل الأعجب والأقرف، أنها سمّت تلك المغامرات الجنسية ، ومحاولات التحرش البذيء حبًا !
أما في خان الخليلي ، فسيخفق قلبك رغمًا عنك بحلاوة الحب ، الذي ستلمسه بين أحمد وشقيقه رشدي ، وبين رشدي وحبيبته نوال ، وبين ست دولت وشغفها بالحياة ، وبين أحمد عاكف وتوقه لحضن امرأة تلم شتات عمره . يارباااه ، كم كان ساخنًا ذلك الحي . بالقهاوي المنتشرة في كل مكان ، بنداءات الأذان من جامع الحسين وبقية الجوامع ، بليالي رمضان الصاخبة ، بصوت المعلم نونو يلجلج في الخان : ملعون أبوك يادنيا. بتناقضات أحمد عاكف وحيرته واكتئابه ، بشقاوة رشدي ونداوة شبابه ، بالعينين النجلاوين اللتين أوقعتا الشقيقين في غرامهما . عواطف ملتهبة أوقعتني تبعًا أنا الأخرى في غرام هذي الرواية . انتهيت منها بذات الشعور الذي داهمني حين قبضت على كلمة أحبكِ للمرة الأولى في حياتي . أعادت لي ذاك الطعم الشهي المدهش الذي لايشابهه طعم ، حين كنت صبيًة في السادسة عشر من عمري ، أقف في صالة منزلنا مسندًة ظهري إلى الحائط ، أتلقى بشغف الكون " أحبكٍ" لأول مرة ، هائمة في أمواج الذوبان المدوّخ ، غير عابئة بنظرات الترقب والترصد ، ولا بعواقبه القاسية . وكذاك هي لهفة الحب العجلى ، لاتعرف حكمًة ولا أناةً ولا تريثا . هو عين التهور الأعمى الذي أورد رشدي المهالك . ياالله ، كم كانت نهايًة تعيسة . تشفق منها في نفس اللحظة التي تدرك بواقعيتها ، وحتمية السُنة المؤكدة لهذي الحياة الغريبة المؤلمة.
مازلت في سكرتها ، أضعها إلى جانب سريري ، وكلما وقع نظري عليها شعرت برغبة عارمة في احتضانها ، أمسك بها و أهمس : ياله من خيال ، ويالك من كاتب .

الاثنين، 28 مايو 2018


رسالة إلى الدود الذي ينتظرني ...

مرحبًا عزيزاتي اليرقات ، سمعت أن أمهاتكن تضع بيضها في فتحتي أنف الميت ، وحول زوايا فمه وعينيه ، لتبدأ من هناك مسيرتكن في النهش والأكل . آلمني جدًا تخيّل هذا المنظر . أنا التي أنهيت للتو وضع قناعٍ على وجهي ، ومرطبٍ لشفتيّ و حول عينيّ ، وكنت سأضع بعد ساعات خلطًة لتكثيف شعري وزيادة لمعانه . لكني تذكرت أنه بعد خمسة أيامٍ من موتي ، سيتساقط هذا الشعر الذي طالما تباهيت به . الحق أخبركِ أنني شعرت بوحشةٍ لامثيل لها ، أغمضت عينيّ وقد تصدّع كل مابداخلي ، مشفقًا من عبثيةٍ يتعاظم إدراكها يومًا بعد يوم . فكرت للحظة في الانتحار . أن أوقف هذي المهزلة بدلاً من أن أظل في انتظارها كالبلهاء . لكني جبُـنت ، نعم... أنا جبانة جدًا ، لا أقوى على إيذاء نفسي ، صدقيني تمنيت أن أعجّل لكِ وجبتكِ ، بيد أني انتفضت رعبًا بمجرد تخيل منظر الدماء التي ستسيل مني ، وصورة دماغي المهشّم وقد تبعثر فتاته على الأرض . صوت تكسر عظامي لازال يرنّ في أذني ، لا ، لن أفعلها... محال أن أفعل ذلك ، ثم لم العجلة ، أنتِ لن تعيشي طويلاً بعد إلتهامي ، قرأت أنكم بعد التهام جسد الميت تتوجهون لالتهام بعضكم البعض حتى لايبقى منكم أحد. أنتم تشبهوننا نحن العرب في هذا الأمر . نحن أيضًا نأكل بعضنا البعض . لذلك يفرّ الأكراد منا اليوم ، ويطالبون بالاستقلال عنا . هل أخبرتك أن فتى كرديًا أحبني ذات يوم . كان وسيمًا يمتلك عينين خضراوين . كنت في سنتي الجامعية الأولى حين تقدم لخطبتي . لكن شقيقي أصرّ على أنني عربية ولن أتزوج إلا عربيًا مثلي . والدتي واستني قائلة ، أنني سأشكر لهم رفضهم هذا في قابل الأيام ، فالرجل الكردي يابس الراس صعب المراس . بيد أن قلبي تألم كثيرًا في تلك الفترة . لا أعلم كيف ستجرؤين على الاقتراب من قلبي لالتهامه. كيف تفعلين ؟ قلبي منجم حكايا وأسرار . كل خفقةٍ من خفقاته انثنت على بهاءٍ ، لم يتسنّى لجلّ البشر التقاطه . هل تظنين شغاف قلبي مجرد نسيجٍ رقيق . أبدًا أيتها البليدة النهمة . إنه حقل تأوهاتي وهمهمات رغائبي ، ولثغات دهشتي . من أيّ زاويةٍ ستعاجلين قلبي بقضماتكِ ، وفي كل موضعٍ فيه شاهد قصة ، وأثر مغامرة ، وبقايا عطرٍ انسل وأبى المغادرة . يقولون أنه بعد مضي أسبوع على الوفاة ، يتساقط الجلد وتسيل مقلة العين ! أووااه .. ياضياع العمر والمغزى ، ويا لهف نفسي على عينين طالما ساحتا في ملكوت الكون وآفاق الحياة . أهكذا أيتها اليرقات البغيضة ! بكل سهولة تنّـقضين على جوهرتي الرأس وشرفتي الروح ! العينان اللتان جالتا في حقل العمر ، وأطلقتا من جعبة السهام ماأطلقتا ، تمسيان اليوم في مرمى الطعن والإبادة ؟!
شاهدت فيلمًا تعليميًا يتحدث عن فوائد الموت ، ويحصي مضارًا كثيرة على الكون والإنسان فيما لو كان الخلود مصير الكل . لكن ذلك لم يقنعني . هناك أناس ماكان ينبغي لهم أن يموتوا . المعري مثلاً ، كان يجب أن يظل خالدًا نستقي من معين حكمته وفلسفته . أبو نواس أيضًا ، ماكان يليق بالموت اختطافه . تخيلي معي أيتها اليرقات... لكن من أين لكِ فسحة الخيال أيتها القميئة . سأتخيل أنا لوحدي كيف كانت ستغدو الحياة حلوةً لذيذة برفقة هذا المشاغب . ياااه ، كنت سأتمرد على كل القوانين ، وأتسلل كل ليلة من منزلي لأسمر معه . اينشتاين أيضًا كان يجب أن يُخلّد في هذي الحياة . لو أنه مازال موجودًا فمن المؤكد أنه سيجد تلك الأنفاق الدودية التي ستحل لنا الكثير من المعضلات . نعم ، أعرف ماالذي يدور في خلدك أيتها الحقيرة . لست شاعرة ، ولا أديبة أو فيلسوفة ، ولا عالمًة عبقرية كي أستحق الخلود . رغم ذلك أجد نفسي كما الإسلام ، صالحة لكل زمانٍ ومكان ، أستطيع التأقلم مع كل جيل.. صدقيني . ثم أنني عذبة الحديث ، حسنة المظهر ، وقلبي كما المقابر لايرد وافد . أستطيع أن أجد لي حبيبًا في كل عصر ، وأصدقاء من كل جنسٍ وعِرق . روحي شاسعة ، أوسع من الصحراء التي وجدت نفسي فيها . سيفنى أقوام ويأتي آخرون ، وسأظل كالفوت عصيّة على التكرار ، وكما الطاقة مستحيلة الفناء .

أحيطكِ علمًا يا آكلتي ، أنه سيفد إليكِ جسد روحٍ جوّابة ، توقها بعمر الأرض ، وشغفها بلانهائية الكون ، وفيض عاطفتها بحارٌ تعلوها بحار . وهج قلبي الذي ستلتهمين ، سيعبرك ، لن تطفئه أحشاؤك ، ولن تدفنه كل رمال الأرض ، سيتمدد في كل اتجاه ، يخترق السدود ويتجاوز أعالي الجبال ، سينفذ إلى أعماق الكهوف والبحار ، يتسلل إلى قلوب العشاق ، ويستكين في زاوية مسرحٍ ينصت لعذب الألحان . سيهمس لصبيّةٍ تتهيّب الحب أن تقدمي ولاتترددي . سيحيّ الثوار . ويبتهل لأجل التائهين . سيتكيء على القمر يطرب لحداء المشتاقين . ستعتريه النشوة ويتساقط الندى من جنباته ، حبًا ولهيبـًا ، بردًا وسلاما ، شغفًا وسكرة .
والآن . هل علمتِ أيتها الديدان ، أيّ قلبٍ هذا الذي ستلتهمين ؟!

الأربعاء، 23 مايو 2018


ثم أني قد رُمتُ زيارة بلاد الترك ، للاطلاع على أمجادهم ومآثرهم ، وبطولاتهم ومدائنهم ، ومتاحفهم ومآذنهم ، ومعاينة مايشاع عنهم من أناقةٍ وجمال ، ونظافةٍ وحسن هندام ، وآليت على نفسي ألا أصاحب في رحلتي عربيا ، ولا أتخذ منهم رفيقًا أو صفيا ، مالي وللعرب أهل الجلافة والتعصب ، وأرباب الخيانة والتملّق ، وهكذا... فقد حزمت أمتعتي وحجزت على طيران الترك رحلتي ، متبرأةً من العرب ، ومن كل ريحٍ حملت لهم أثرا....
وحيث أنها رحلتي الأولى التي أجاوز فيها حدود البلاد ، فقد أنستني دهشتي ما كان من أمري ورهاب المرتفعات ، وماأن قفزت الطائرة في جو السماء حتى غار قلبي في قاع صدري فزعًا وهلعا ، وارتعدت فرائصي ، وطار لبّي ، وضاع رشدي ، فاضطربت أنفاسي ، وامتقع لوني ، وماجت حبال أمعائي ، ولم أتناول من ضيافة القوم لا عصيرًا ولا شاهي ، وإذ جاورت النافذة فقد دفعني الفضول للمعاينة ، ونظرت وإذ بالدنيا تحتي ضئيلةً بعيدة ، فاهتز بدني ، وجف حلقي ، وابيضت من الرعب شفتي ، حتى إذا ماصرنا فوق البحر ، والطائرة تموج بين علوٍ وخفض، وتتراقص رقصة مترنّحٍ عسر ، آمنت بالواحد القهار ، وتوسلت برجاءٍ حار : إلا البحر يا ربي ، إلا الغرق يا مولاي ، فلتعبر هذه المركبة بأمان ، لا تسقِطها فوق الماء ياالله ، وفي الوقت الذي جحظت فيه عيناي وهي ترقب سطح الماء ، قطعنا بسلامٍ وتركنا وراءنا ماكان ، وماهي إلا ثوانٍ حتى عاينت رؤوس الجبال مسننّة كالأقلام المبراة ، فعاودني إيماني وتوسلت : إلهي ورجائي ، آمِن روعاتي ، واحفظ عظامي و أضلاعي ، لا تسقِطني فوق الصخر ، ولا تسئ خاتمتي بمِيتةٍ شقية ، وأغمضت عينيّ شفقةً من خيالاتٍ تراءت ، صورت لي أشلائي وقد تبعثرت بين جموع الصخور ، وقبلها صوت جمجمتي وهي تتهشم على أحد النتوء ، واعتصر قلبي ألمٌ لم يمر به من قبل ، ثم أني احتسبت وآمنت ، ثم عدت فكفرت ، ثم ازددت إيمانًا وجأرت : يا إلهي ، يا حصني وملاذي ، أوقن بوجودك رغم أنف الملاحدة الملاعين ، أتوسل إليك بحق جنوني وقلبي الغني ، إن كنت قضيت تحطم هذي الطائرة إلا سلبت روحي وأنا في جو السماء ، مزّق اللهم جسدي أجزاء تتقاذفها الريح في كل اتجاه ، واقطع أنفاسي في الهواء ، فلا أرضًا أبلُغ ولا ماء ...
ثم إن الكون قد ضاق عليّ بما اتسع ، وتلفّت حولي فلم أبصر إلا سحناء الترك ، يرطنون بحروفهم التي لا تغادر جدران أفواههم ، وداهم فؤادي الغم وتسللت إلى روحي من حيث لا أعلم الوحشة والهم ، أأموت بين العجم وفي ديارهم ، أقلّب عيوني في وجوهٍ لا أستبين فيها قربى ولا حنينا ، ياالله... صوتٌ عربي واحد هو ما أطلبه ، حضنٌ عربي هو ماأتوق إلى الارتماء فيه الآن . لكن... هيهات هيهات ، فكل ما حولي عجمٌ على عجم ، وأما رفيقي على المقعد الملاصق فقد كان شابًا تركيًا بليدا ، كان قد سبقني إلى الجلوس في مكاني ، فلما وصلت وحدثته بالأمر ، استعصى على مخه الغليظ الفهم ، وخطّأني وعاندني ، وظل رابضًا على مقعدي ، وما شككت لحظةً في فهمي ونباهتي ، كيف ذاك ، وأنا العربية اللمّاحة ، حفيدة أهل الحنكة والفراسة ، فعدت إليه بمن صوّبه ، ومن غيّه أخرجه ، فغادر بقعتي ، وتزحزح معتذرًا أسِفا ، يرنو إلى زجاج النافذة طمعا ، ثم شاءت الأقدار أن تريه من ضعفي ما كان ، وإذ باللئيم يتضاحك على هلعي شامتا ، ويمعن في تخويفي قاصدا ، ويتلاعب بوجهه يميناً وشمالا ، فتارةً يفتح عينيه على اتساعهما ، وتارةً يلمّ شفتيه نافثا ، حتى إذا ما خنقتني رائحة أنفاسه العفِنة ، أعلنت استسلامي ، وبادلته مكاني ، وفي الوقت الذي استوى فيه فرِحاً منتصرا ، طويت نفسي على نفسي تعبًا وحزنا ، ووضعت رأسي بين كفيّ ، وترائ لي ابن الأبّار متأوّها :
أبَيْنٌ واشتياقٌ وارتياعُ؟ لقد حُمِّلت ما لا يُستَطاعُ !
وفي اللحظة التي تعاظمت فيها أحاسيس الغربة في صدري ، ويبـّس الظمأ إلى رائحة قومي عروقي وأوردتي ، إذ بالطائرة ترتج رجّةً ذل معها كبريائي ، وتنوّخ عزمي واصطباري ، وأطلقت صرختي رغمًا عن أنف ثباتي ، ورمقت بطرف عيني تلك العجوز إلى يساري قد التفتت نحوي حين تناهى لها صوتي : ماتخافيش... ماتخافيش.. الأمر هيّن.
أوّوّواااه.. ألا ما أحلاها من هاءٍ وشينٍ وخاء ، وياحبذا نفحاتٍ أتت بها . وفز قلبي مناديا : أأنتِ عربية؟ وهزت رأسها بنعم في الوقت الذي قفزت فيه نحوها ، وما انتبهت ولا شعرت بيدي صاحبي وهي تمتد لوسطي ليحررني من حزام مقعدي ، وارتميت عليها : احضنيني... أرجوكِ احضنيني ، دعيني أمتليء برائحة قومي.

الجزء الأول .

الخميس، 17 مايو 2018


أحدهم توهم لسببٍ أجهله أنني أديبة أو مثقفة ، فقام بإضافتي لرابطة أدباء ومثقفين يتواصلون داخل مجموعةٍ أثيرية . الأمر كان مرضيًا لغروري إلى حدٍ أشعرني بالنشوة كوني أنتمي ولو زيفًا لهذه الفئة ، لكن الطبع غلب التطبّع ، وبقيت على عهدي في التزام الصمت.، والاكتفاء بالتأمل والمراقبة ، في الوقت الذي كان فيه أعضاء المجموعة على قدرٍ عالٍ من النشاط والمشاركة ؛ يبعثون بكتاباتهم ، إنتاجهم ، لقاءاتهم ، ندواتهم ، معارضهم ، مساهماتهم ، إنجازاتهم ، جوائزهم ، شهاداتهم ، رحلاتهم ، ومانشر عنهم في الصحف ، ومامنِح لهم من ثناءٍ وشكر !
وحدث قبل أسبوع أن بعث أحد الكُتاب رسالة ينتقد فيها شأنًا من شؤون الدولة ، ويحث على وجوب التعاون ، والعمل من أجل إيصال صوته ورفاق مهنته للجهات الحكومية ، كي تتخذ خطوات إصلاحية نحو هذا الفساد والخلل . وأخذ ينادي بأعلى حِسه في جنبات " القروب" أن هلموا يارفاق الفكر والأدب ، وأرباب العقل والرأي ، وأصحاب الحكمة وجمال الحرف لنكون يدًا واحدة تقوّض أركان الظلم .
هسسسس... ماتحس منهم من أحدٍ أو تسمع لابن أنثى منهم ركزا ! وبعد قرنٍ من الصمت ، بعث الله له من المراقد من يلكزه في خاصرته : أرجو أن تظل أطروحاتنا في هذا المكان خاصة بما أنشيء له من مواضيع أدبية وفكرية بعيدة عن السياسة ودروبها ! أجاب الرجل بذهول : الأمر لايتعلق بالسياسة ، إنما بأوضاع البلد والمواطنين ، ودفع الظلم ، ورد الحقوق . نطق الشبح المذعور : سادتنا أعلم ، وبالخبايا أفهم ، وبالتدبير أتقن وأحكم ؛ فتعوّذ يا هداك الله مما تسوّل به نفسك لك ، وتلمّس حجمك ، ولاتعدو قدرك ! ثوانٍ كممشى الإبل الواهنات ، وإذ بشبحٍ أكثر اصفرارً يرسل واجمًا مرتجفًا : القول ماقال زعيم القروب ، أعرض ياأديبنا عن هذا ، مالك ومال الحكومة ، أهم ضلّوا كي تهديهم سبل الرشاد ، أم زاغت بهم الأبصار فكنت لهم القائد المغوار... وماكاد المسكين يستريح من شجب هذا والتأنيب ، حتى امتدت إليه يد شبحٍ ثالث أوشكت عيناه من الجحوظ أن تتكيء على خديه ، صاح بصوتٍ مخنوقٍ متيبس : ويحك ثم ويحك ، من أنت وأيّ صوتٍ هو صوتك كي تقارع به أصحاب السلطة ، وتجابه به ذوي السلطان والجاهة ؛ لقد عشنا تحت كنف هؤلاء الأسياد حتى استحلنا كما ترى أشباحًا " على سن ورمح" فما تجرأنا باعتراض ، ولا تفوهنا بـ لا ، ولا تحامقنا باستثناء ، ولا عقّبنا إلا بتمام التبجيل والحمد والثناء !
راقبتهم ، وهم يلجمون فم الكاتب ، ويسرجون ظهره للركوب ، ونفد شحن الجهاز فلم أتبين إن كان رافقهم بخضوع ، أم ناضل وتمرد قبل أن ينضم أخيرًا لزاويتي !

المثير للسخرية ، أنني وقبل مشاهدتي لهذه الحادثة ، كنت أستمع لحنة آرنت في تسجيل تلفزيوني لها ، تشرح فيه أسباب هجرتها من ألمانيا ، فكان أن تحدثت عن سخطها الشديد من زمرة المثقفين في تلك الفترة ، والذين اختاروا طواعيةً ودون ترهيب من السلطة ، الانضمام لخطها ومساندتها ، ورغم أنها عرفت أناس آخرين من خارج فئة المثقفين ، لكن الأكيد أن من بين الكل كان وحدهم المثقفون من اختاروا التسوية مع الحكومة ! كانت تصيح بانفعال : لا أريد أيّ علاقة مع المثقفين، ولا بمهنة الثقافة ، إن المثقف قادر على أن يزيّف أفكارًا حول كل شيء !لقد اخترعوا أفكارًا عن هتلر مثيرة للاهتمام ومعقدة ، فاقت المستوى الاعتيادي للأفكار ؛ آمنتُ بعد ذلك أن المثقفين محتجزون في أفكارهم الخاصة ، فكان قراري الراسخ بالخروج من الدوائر الثقافية ، والانخراط في مجالٍ تطبيقيّ الطابع !
ابتسمت وأنا أستحضر كلمات شقيقتي الصغرى ، حين لمتها على رفض ذلك الخاطب المثقف ، لترد بتأفف : على رسلك ، حين أطلب الثقافة فليس إلا أن أفتح قناة ناشيونال جرافيك أو إحدى كتبك . بالله عليك ، لم أقابل في حياتي مثقفًا واحدًا وافقت أفعاله رؤاه ، إن هم إلا يتشدقون تشدقا ؛ ماالذي أبغيه من مثقف ينظّر ويتفلسف ، ويستشهد وينشد ، ثم هو عاجز عن أن يصلح لي فيشًا كهربائيًا ، أو يسعف جارة ، أو يقدم عونًا ؛ قد قالها ربنا " إن خير من استأجرت القوي الأمين". استأجَره ، ثم زوّجه ؛ هذا هو الرفيق المنشود ؛ لا منعّمِي الثقافة المتلونين الواهنين !

ولذلك ، كنت ومازلت وسأظل أضيق ذرعًا بذوي الجاه ، أصحاب السمو ، وسلالة الشرف و السيادة ، المتوارثين الزعامة كابرًا عن كابر ، هم وزبانيتهم من علماء الدين والمثقفين ، الحاشدين لأجلهم الجموع ، مُـعِدّي الخطب ، مزيفي التاريخ ، مفبركي الشواهد ، ومحرفي الأدلة و الحقائق ، اللاهجين بحمدهم آناء الليل وأطراف الفؤاد.
ابغوني ضعفاءكم... بسطاءكم.. لاتحدثوني عن ثورة ابن الأمير ، ولا عن تمرد حفيد الزعيم ، ولا عن ثأر سليل الجاه والريادة ؛ نبئوني بحال البوعزيزي ، اسمعوني أناشيد القاشوش ، ارووا لي حكايا سائق التوك توك ؛ قصوا على النائخين ركابهم تعبًا ويأسًا صولات الشنفري ، وثورة عروة الصعاليك ، وتأبط شره وبؤس الكادحين ؛ الهجوا بتسبيح الكبرياء لابن السلكة : اللهم إني لو كنت ضعيفًا كنت عبدًا ، ولو كنت امرأة أمة ، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة ، أما الهيبة فلا هيبة !
وأعوذ بك اللهم من كل ممتشقٍ لقصيدة ، متأبطٍ لرواية ، ممتطٍ صهوة الثقافة ، مرتادٍ صوالين الأدب ومقاهي البلاغة ؛ أقزام في بلاط الحاكم ، أفئدتهم هواء ، ولاءهم منقود بالدرهم والدينار ، وألوانهم بعدد أردية السلطان .

الثلاثاء، 15 مايو 2018


ذات يوم ، حكت لي إحداهن قصة شقيقتها الكبرى التي حصلت على وظيفة معلمة في إحدى المدارس الحكومية ، وكيف أنها ماأن باشرت العمل في يومها الأول حتى سلمتها المديرة جدول الحصص ، متضمنًا 24 حصة ، وهو الحد القانوني للنصاب الموصى به ، ثم لما حلّ الغد إذ بها تكلفها بمهام المسؤولة المالية عن حسابات المدرسة ، و بعد أسبوع ، طلبت منها أن تعاون زميلة لها للإشراف على أجهزة المدرسة ومتابعة صيانتها ، أضف إلى ذلك استلامها لملفات فصلٍ كامل لإتمام بياناته ، مع إدراج اسمها مرتين على الأقل في سجل حصص الانتظار ، والمناوبة الشهرية ، ومناوبة الفسحة ، والمساهمة في النشاطات الصفية والمنهجية . واستمرت تلك البائسة على هذا الحال مدة عامين كاملين . من شغل الوظيفة إلى شغل البيت ، لاهية عما حولها ، مسخّرة جل قواها لهذه الوظيفة ، وماتبقى منها لبيتها ، في انقطاعٍ تام عن العالم الخارجي . حتى جاء اليوم الذي انتقلت فيه وزوجها إلى بيتٍ وحيّ جديدين ، فأشار عليها زوجها بضرورة تقديم نقل من مقر عملها إلى آخر أكثر قربًا من المسكن الجديد . وحين تم النقل ، كانت الصاعقة بالنسبة لها ، لقد اكتشفت في المدرسة الجديدة ، أن صاحب الأربع وعشرين حصة ، معفى حسب اللوائح من حصص الانتظار ، ومن معظم الأنشطة والمهام ، وأنه لايحق للمدير إرهاق المعلم بهكذا مهام جانبية فوق طاقته ، تحول دونه ودون واجبه الأساسي . كان السؤال الملحّ حينها : لماذا سكتت شقيقتك طوال عامين كاملين ؟ لماذا رضيت بذلك العناء ؟ لماذا استسلمت ذلك الاستسلام ؟ وكيف قبلت أن يستغلها أحدهم ، و يحرمها حقوقها ؟ ردت بهدوء : سألناها ذات السؤال ، وكان جوابها بمنتهى البساطة : " ماكنت أدري ، تصورت انه هي كذا الحياة" .
ربما كان هذا هو لسان حال جن سليمان ، الذين لولا الأرضة التي نخرت منسأته ، للبثوا أبد دهرهم مسخرين مغيبين !

يتشادق ذاك المتكيء على وسائده ، أن الدماء التي تبذَل ، والأرواح التي تُزهق هي " تربية" أكثر من كونها " مقاومة " ، وأن كل شهيد سيولّد ثأرًا لدى قادمٍ ، سيستشهد هو بدوره ، في متتالية حسابيةٍ عبثية ، محتجًا بثبات أوائل المؤمنين على عذاب قريش لهم في مكة ، وبثبات الصحابة يوم الخندق ، و يوم حنين ، وثبات آل ياسر ، وثبات رماة التلة في غزوة أحد . متسائلاً : هل فكرة غزوة مؤتة وتبوك ضد جحافل الروم الجرارة انتحار؟ وهل فكرة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم للطائف وما تعرض فيها من أَذى انتحار؟! وهل فكرة ذهاب النبي إلى مكة لأداء العمرة مع أصحابه قبيل صلح الحديبية انتحار؟!
متجاهلاً عن عمد ، أو متناسيًا عن جهل ، أن المسلمين في مكة كانوا تحت حماية أو إجارة قبائلهم كما كان الرسول الكريم ذاته تحت حماية عمه أبو طالب ، وكما كان أبو بكر مجارًا من قبل ابن الدغنة . ورغم هذه الحماية هاجروا هربًا بدينهم وحفاظًا على أرواحهم . ثم أن توجه النبي الكريم للطائف كان للدعوة ، وبحثًا عن النصرة ، ولم يكن طلبًا لقتال أو إلقاءً بنفسه في تهلكة. أما حنين فقد كانت القوة فيها للمسلمين لا لأعدائهم ، وثباته عليه الصلاة والسلام ، كان لجمع الصحابة بعد تفرقهم وإعادة تسوية صفوفهم ، وغزوة مؤتة انسحب فيها خالد ابن الوليد انسحابًا تكتيكيًا حفاظًا على الجيش من الفناء ، وأما غزوة الخندق فهي الدليل الأقوى على أخذ المسلمين بالأسباب ، حين حفروا الخندق كي لا يجابهوا الكفار ، ولم يقابلوهم بالصدور العارية صائحين : سلميتنا أقوى من السيوف.!
ثم من قال أن المسلمين ظلوا جالسين في جبل الرماة بمعركة أحد ؟ العكس هو ماحدث ! وأما عن ثبات ياسر وسميه ، فذاك لكونهم أسرى رفضوا النطق بالشرك ، ومع ذلك ، لو نطقوا به مطمئني القلب ماكان عليهم من حرج . نعم ، لم تكن معارك المسلمين مع أعدائهم متكافئة ، لكن انعدام التكافؤ كان في العدد فقط لا العدة ، كلا الطرفين امتلكوا ذات الأسلحة ( السيوف والدورع) ، ولذلك أمرهم الله بالصبر . لن يكلفك أحد فوق طاقتك ، ويأمرك بامتلاك دبابة وطائرة كما عدوك ، في المقابل أنت أيضًا ، لاتكلف الضعفاء المسحوقين فوق طاقتهم ، وتلقي بهياكلهم العظمية في وجه المدافع والدبابات والطائرات ، ومامعهم سوى المقالع والحجارة.. هذا عته وعبث وحمق، وربما متاجرة !

التفاتٌة متأملة مدقِقـة ، قد تزيل الغشاوة من عينيك ، فتحررك من قيد صاحب المنسأة ، ذاك الذي فارق الحياة منذ وقتٍ طويل ، ومازلت تتوهم تخشبه المتيبس صمودًا وسلطانا. انتقالٌ واحد ، قد يقشع الضباب من أمامك لتدرك زيف ماظننته من أنه " هي كذا الحياة "، وهذا هو الدرب الصحيح لا سواه .

الاثنين، 14 مايو 2018


زميلة لي في العمل ، قامت برفع قضية اقتحام لمنزلها و انتهاك حرمته ضد زوجها السابق ، الذي سبقها بتقديم قضية قذف ضدها . ولشدة خوفها من الجَلْد والسجن ( لأن القانون هنا صارم فيما يخص القذف والمساس بالعرض) فقد وكلت محاميًا لهذا الشأن ، لكن ذلك لم يخفف من حدة توترها وقلقها ، خصوصًا وأن طليقها قد دعم قضيته ، بملف ضخم يتضمن نسخ لمحادثات الواتس اب ، وسيل الشتائم واللعائن التي كانت تصبها فوق رأسه ، فتواصلت مع ضابط ادعاء لتستوضح منه أبعاد الأمر ، منبهة إياه لحادثة اقتحام طليقها لشقتها في غيابها ، وضربه لخادمتها ، وتكسيره لبعض أثاثها ، وتجاوزاته وتهديداته ، ومسلسل معاركهما وأذيتهما لبعضهما.... الخ الخ . قاطعها الضابط قائلاً : استمعي إليّ ياسيدتي ، باختصار شديد ، لن ينالك أو يناله أي سوء ، وقضيتكما ستتوقف عند هذه النقطة . ردت باندهاش : كيف ذلك ؟ ولماذا ؟ أجابها بضحكة قصيرة : ياإلهي ياسيدتي ، لو تعلمين كمّ القضايا المشابهة التي نعالجها يوميًا بين أزواج منفصلين . ماأن يرى القاضي أن المتقدميْن بالقضيتين زوجان منفصلان ، حتى يدرك داعي الاتهام وعلّته المعتادة ؛ الحقد الشديد ! فيتجاوز ، كما يحدث غالبًا ، مكتفيًا ببعض التحذيرات والإجراءات البسيطة . مستثنيًا بطبيعة الحال تلك القضايا التي يشعر فيها باحتمال التطور الجنائي .
حين لفظت أمامي " الحقد الشديد" ، قفز إلى ذهني مباشرًة ، الفيلم الأمريكي الذي كنت قد شاهدته منذ سنوات بعيدة ، وكان عنوانه " love and hate " الحب والكراهية ، والذي تدور أحداث قصته حول زوجين عاشا فترة من الزمن سويًا ، أنجبا خلالها ثلاثة أولاد ، وحين ساءت العشرة ، قررت الزوجة الانفصال وهجر الزوج ، الذي اتفق مع أحد المجرمين على قتلها و التخلص منها ، وفي مشهدٍ بشعٍ قاس ، لم أنسه أبدًا ، كمن لها القاتل في مرآب سيارتها ، ثم هوى عليها بالفأس تقطيعًا وتمزيقا ليحيلها أشلاء وفتات .

لقد كان تخصيص الله عز وجل للفظتي " المودة والرحمة" في الآية الكريمة المعروفة ، انتقاء حكيمٌ معجز ، ذلك أن المودة والرحمة عاطفتان عقليتان ، يستطيع المرء التحكم فيهما وبسطهما ليُظلا تحتهما كل من عرف والتقى ، في الوقت الذي لايفعل الحب ذلك . الحب ؛ العاطفة القلبية الهوجاء الملتهبة ، الذي يُعمي ويصم ، لا يهتدي بعقل ولا يحكم بمنطق ، ولا يخضع لقانون . وفي حين تكون المودة والرحمة أشمل وأوسع ، يكون الحب أضيق ، وقد يمضي العمر بالمرء ولم يسكن قلبه إلا إنسان ، أو اثنان ، وربما خمسة ، وقد يخلو تمامًا ، فلا يحب أبدا . لأجل ذلك لم يذكر الله الحب ، واستعاض بما هو أعم وأشمل : المودة . لأن الحب قد يفتر فجأة ، وقد يزول بزوال مسببه ، أو لأن مسببه في الأصل كان وهمًا وخديعة ، في الوقت الذي تظل فيه المودة قائمة مستمرة ، ذلك أن مسببها ودافعها هو الإنسانية . ولربما جاءت الرحمة لاحقًا في الترتيب ، كتنبيهٍ لضرورة استدعائها فيما لو حدث الانفصال بين الزوجين ، تناغمًا مع " ولاتنسوا الفضل بينكم "... فهي رحمة في إهاب وفاء ، وفاء للعشرة ولثمرتها المتمثلة في الأبناء ، ورحمًة بهم من مآلٍ مشابه لقصة أولئك الأولاد الذين ختِـمت بهم قصة الفيلم ، وهم في البرية ينظرون نحو المدى ، قد أمسوا يتامى أمٍ قتلها أباهم .

الأحد، 13 مايو 2018


في رواية " الأبله" لدستويفسكي ، مشهد يتحدث عن فكرة لعبة اقترحها "فردشتينكو" وهو رجل عامي مبتذل، أخذ على عاتقه مهمة إذهال الناس بمرحه المبالغ فيه وغرابته وشذوذه... والمهم أن فكرة اللعبة التي اقترحها فردشتينكو (والتي لعبها سابقًا مع أشخاص من ذات طبقته) في تلك الحفلة التي تضم نخبة من علية القوم ، تتلخص في قيام كل شخص من المشاركين في اللعبة بسرد قصة عن نفسه ، شرط أن يكون مقتنعًا في قرارة ضميره بأن ماسيرويه هو أسوأ فعل ارتكبه في حياته !
وقع الدور الأول حسب القرعة على فردشتينكو ، الذي أخذ يقص بكل ارتياح حادثة سرقته لورقة نقدية دسها في جيبه حين كان مدعواً لحفلةٍ ما ، وماتسببت فيه هذه الحادثة لاحقًا من طردٍ لإحدى الخادمات !
وبالعبقرية التي عرِف بها دوستويفسكي ، مضى يصف الاضطراب الذي وقع فيه فردشتينكو بعد أن صدِم بردة فعل الحضور الذين انهالوا عليه تقريعًا وتأنيبًا ، ولومًا وتقززا ، حدّاً دفعه إلى الهجوم والتطاول على أصحاب الفخامة من المدعوين ، والتلميح إلى كون غالبيتهم لم يصل لكل هذا الثراء إلا عبر وسائل غير شريفة ، وأن الكثير ممن يظهرون بمظهر مبهر مثالي ، لا يمتلكونه حقا، وليس إلا الثراء هو من يُلبِسهم هذا اللباس الزائف !
ما حدث تاليًا ، هو أن أصحاب الفخامة أخذوا تباعًا يروون حكايا عن أقبح مافعلوه في حياتهم ، ليكتشف كل من سمعها بأنها قصص تمجّدهم بأضعاف مضاعفة من كونها تسيء إليهم... وهكذا نرى فردشتينكو الأحمق يهتف : ضحكوا على فردشتينكو... خدعوه... غشوه ! ، لترد عليه تلك السيدة المخملية باستعلاء : لم يجبرك أحد على شيء ، كان عليك أن تفهم اللعبة صح ، كان عليك أن تتعلمها من أناس أذكياء !

لاتنتظر أن تصاحب الأغنياء ، ثم لاينالك من صحبتهم الأذى والصَغار ، لقد جبل الإنسان على الافتتان بالقوة... والمال قوة ، وحين تكون الطرف الأضعف في حلقة تضم أمثال هؤلاء الأقوياء فحريٌ بهم أن يجعلوك مدار تندرهم وسخريتهم ، ومرمى سهامهم ، والسلّم المستخدَم لارتقائهم ، ومنديل الزفر الذي يمسحون به مايعلق بهم !
من زاويةٍ أخرى ، يكشف هذا المشهد المختصر حقيقة أن الناس لايمكن أن تغفر الزلة التي ترشد لخبايا النفوس و تبرِز ضعفها ، مهما أحسن فردشتينكو بعد ذلك ، لن ينسى الآخرون جرمه الذي أقرّ به ، مهما تطاول العهد ستظل فعلته حاضرةً في أذهانهم ، سترتبط السرقة باسمه ، ماأن تنطَق حروفها ، أو يُؤتى على ذكر قصةٍ عنها حتى ذكروه ، سيصبح وجهه محفّزًا لاستحضار صور نقود ، ويدٍ تمتد لالتقاطها ، ودموع مظلوم ، وطردٍ وقسوةٍ وبرود... وإن حدث وسرِق أحدهم في مكانٍ ضمّ فردشتينكو، فلن تتجه أصابع الاتهام أول ماتتجه إلا نحوه ، مهما توفرت له من علامات توبة وحسن سيرة ، حتى وإن كان بين الحضور أوغاد ولصوص تجمّلوا بقناع الستر ، وحده المُقِر بذنبٍ سابق أولى بالظنون !
ومردّ الأمر ليس لقسوةٍ مفرطة في الإنسان ، وإن هي موجودة حتمًا ، لكن الأكيد هو أن الإنسان لايثق حتى في نفسه... يظل دومًا يتوجس ريبةً من ضعفه الأول الذي قاده نحو تلك الرذيلة أو ذاك الجرم... إنه لايجزم بعدم تكرار فعلته إذا ماتهيأت له الظروف مجددًا ، وقياسًا على ذلك ، لن يمنح ثقته المطلقة للخطائين أمثاله ، حتى وإن منحهم عفوه...

يبدو ملائمًا هنا أن يكون التجمّل مطلبًا ملحّا ، ليس بالضرورة مطابقًا لما ذهب إليه إحسان عبدالقدوس في قصته " أنا لاأكذب ولكني أتجمّل" ، وإنما متهاديًا بنزر كبرياء ، وقليلٍ من حيطة ، تجنّب صاحبه السقوط تحت مقصلة البوح القاتل...
الرفقة الإنسانية لابد لها في رحلتها من تعايشٍ يظلله التجمّل والتذمم... إما ذاك ، وإلا فعضّ الأنامل والندم المستطيل مآل من لايمسك عليه قناعه .

السبت، 12 مايو 2018


وكيف يكون الصمت أنفع ، والإيثار له أفضل ، ونفعه لايكاد يجاوز رأس صاحبه ، ونفع الكلام يعمّ ويخص ، والرواة لم ترو سكوت الصامتين ، كما روت كلام الناطقين ، وبالكلام أرسل الله أنبياءه لا بالصمت ، ومواضع الصمت المحمودة قليلة ، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة .
وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره ، وتبلدت نفسه ، وفسد حِسه .
وأيّة جارحة منعتها الحركة ، ولم تمرنها على الاعتمال ، أصابها من التعقد على حسب ذلك المنع . ولِمَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنابغة الجعدي : " لايفضض الله فاك" ؟ ولم قال لكعب بن مالك : " مانسي الله لك مقالك ذلك "؟ ولم قال لهيذان بن شيخ : " رب خطيبٍ من عبس" ولم قال لحسان : " هيّج الغطاريف على بني عبد مناف ؛ والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام ، في غبش الظلام " . انتهى .

كلما حدثتني نفسي بترك الكتابة لأصحابها ، والأدب لأهله ، تذكرت كلام الجاحظ أعلاه ، وهمست لنفسي أحثها : ولماذا أموت قبل الموت . مادام في الحياة متسع لنبضة قلب ، فلأزاحم بها أمواج التعاسة ، لربما تكون هذه النبضة اليتيمة قادرة على إيصالي دفء الفنار.

الجمعة، 11 مايو 2018


نجاح ماليزيا وتركيا وتطورهما ، هو الرد المخرِس لكل مهووس بنظرية التآمر ، مُحمّل لها فوق ماتحتمل . التآمر موجودٌ لا محالة ، داعيه سنة التدافع الكونية ، التي لخصها المتنبي حين قال : مصائب قوم عند قوم فوائد . لكن أبدًا ماكان سيؤثر بكل هذي القوة لولا حفنة الجهلة المرضى المتولين أمورنا .
حكى لي أحدهم ، وكان قد التقى ضابطًا كبيرًا برتبة لواء ( قائد منطقة ، يعني تحت إمرته مالا يقل عن 12 لواء) . يقول : ذهبت للسهرة بتهيّب ، متخيلا أنني سأجد قامًة فكرية عبقرية ، وشخصيةً فذة ، ممتلئة علمًا وحكمة في استقبالي... لكني صعِـقت ، صعقت بالهزال المقارب للخواء الذي وجدته في شخص الرجل ، حد أنني عندما خرجت للتدخين أنا وابنه ، خاطبني : هيه ياصاحبي ، لاتثقل على والدي ، هو ليس ندًا لك . وعندما عدت للداخل ، كان الحديث قد دار حول الحروب والجيوش ، فانتهزت الفرصة قائلاً : هناك ضعف ملحوظ في الجيوش العربية ، مهما علت خبرتها ، خذ مثلاً الجيش العراقي الذي انهار بطريقة غريبة لا يمكن أن تعزوها إلا لخلل في القيادة العليا . وفي لحظة مكاشفة شفافة ، أجزم أنه ندم عليها لاحقًا ( يقول محدثي) ، رد باستسلام : أنت محق تمامًا يابني ، في السنة الماضية كنا في زيارة لجنوب أفريقيا لحضور معرض للأسلحة العسكرية، وصببت كامل اهتمامي في الجانب الذي يخص منظومة الأسلحة الدفاعية والهجومية ، وإذ برسولٍ يستدعيني للمثول بين يدي الرئيس الأعلى الذي صاح بي : ماالذي تفعله هناك ؟ تعال وانظر هنا . أتدري ماالذي كان في الـ هنا ؟!... أسلحة مكافحة الشغب !!

قبل خمسة وعشرين عامًا ، وفي تلك الفترة التي بلغت فيها المملكة حد الاكتفاء الذاتي من إنتاج القمح ، مصحوبة بشبه كارثة كادت تودي باحتياطي المياه الجوفية ، أصدر خبير (لا تسعفني الذاكرة باسمه) بوجوب وقف هذا المشروع غير المنطقي ، وضرورة اللجوء إما للزراعة خارج المملكة في دول مجاورة كالسودان مثلاً ، أو البدء فيما يسمى بالزراعة الجافة في جنوب المملكة الأغنى بالأمطار . ظل المسكين ينادي وينادي ، وكالعادة لا حياة لمن له ضميرٌ حي . وقبل يومين فقط قرأت خبرًا يحوي قرارًا حكوميًا بالبدء بمشروع الزراعة الجافة في الجنوب . والله أعلم ، هل سيبصر هذا المشروع النور ، أم كالمعتاد ، توأد الأحلام في قبور المنتفعين .
30 مليون نخلة ، تستهلك من المياه ماتستهلك ، ويذهب ربما نصف محصولها هدايا لزوار أو بلدان غنية بالأنهار ، قد تكون أحوج للدينار منها للتمور . ولو أن الأمور تحدث بعقلانية لاكتفِي بزراعة 10 ملايين نخلة تسد الاحتياج الداخلي ، مقابل الحفاظ على المخزون المائي الشحيح . مزارع الأبقار التي يتم تصدير ألبانها ، كل لتر حليب يقابله استنزاف 500 لتر من الماء ، وخسارة لايستهان بها لتحلية ماء البحر . كل ذلك ليفيد صاحب الشركة ، وطز في الكارثة المائية التي ستلحق بالشعب . منذ سنوات يطالب خبراء البيئة بضرورة إيقاف الرعي ، أو على الأقل تقنينه والكف عن الرعي الجائر ، ومامن مستمع أو مجيب . خلال الأزمة القطرية ، فقط عدد رؤوس الإبل المسحوبة من أماكن الرعي كانت 60 ألف رأس ، هناك أضعافها للإماراتيين ، وأهل الكويت والبحرين ، والصيحات تتعالى : على الأقل اتركوا النبات حتى يلقي بذوره ، ثم ابدأوا الرعي ، وكالعادة ، صم بكم لايعقلون . تصحر مخيف ، وجفاف ينذر بكارثة .
قبل سنة تقدم أحد الشباب بفكرة مشروع لضرب عصفورين بحجر واحد ؛ الإقلال من استهلاك الكهرباء الذي يبلغ مؤشرات جنونية في فصل الصيف ، مع تحويل الأموال المبذولة للسياحة الخارجية إلى الداخل . كانت فكرة المشروع البسيطة تتلخص في إقامة منتجعات في جنوب المملكة بأجور رمزية ، مع توفير كافة الخدمات السياحية المشجعة على الإقامة طوال فصل الصيف . طرق الأبواب مرة واثنتين وثلاث . وهس ، مامن مجيب .

الشهر الماضي ، انتقلت موظفتان من دائرتنا، كانتا قد رشحتا للعمل في المركز الرئيسي للإدارة . انتبهت لسمة مشتركة ، لابد أن تتواجد في كل من يتقلد المناصب الحكومية ويرتقي درجاتها بسرعة ، وهي ضرورة أن يكون " حمار كرف" ، لايشكو قسوة أو استغلال ، ولايبدي أي اعتراض . وأكاد أقسم أن هذا هو النهج المتبع في كامل الوطن العربي . وإذا كانت سياسة نابليون مع جنده هي : نفذ ثم اعترض ، فإن السياسة لدينا هي : نفذ ثم طبّل .

الجمعة، 4 مايو 2018


في كل يوم ، لك نصيبٌ من وافر الدمع... أيها البعيد ، الغائر في أعماقي ولا أرجو منه فِكاكا . هل قلت أرجو منه فكاكا ؟! لا والذي أنزلك سويداء القلب ، ثم جعله لك متكأ ومقاما ، قد طاب لي قيد حبك ، حتى ماعدت أجد لذة العيش دون سواره .
أكتب إليك من أقاصي الوحدة ، أنا الملقى إلى أطراف الكون ، أعاين الحياة من خلف زجاج التيه ، ألتقط صدى صوتك ، أنظمه في خيط الحنين ، وتخذلني الأنامل الراجفة ؛ رعشة الشوق إليك ، والخوف من شعرة التقّلب ، تلك التي يمسي فيها المحب عاشقا ، ويصبح جافيا ، ويصبح وفيًا ، ويمسي ناسيا . أنا الموعود بالخذلان والسفر الطويل ، أتهجى الغيمات حلمًا حلما ، أقفز فوق حواجز الأمس ، وتعثرني عيون الوشاة ، واللهفة العجلى . أفتش في الأنحاء عن " المخلّص" ، ويتخطفني من كل صوب ألف كاذب . أنا السائر تحت جنح الرجاء ، تتناوشني أكف القلق ، وأبيت طاويًا القلب على ثلج الخواء .

يمر اليوم يتلوه شهر ، يأكله عام... هكذا تمسي أيامي محور اهتمام الانتظار ، ونصب عين التآكل . في كل ليلة ينحني ظهر العمر أمام معاقد الرجاء ، لا أمل يمتطي صهوة الغد ، ولا فعلٌ يخترق صدر الـ "كن" . لا رمح إلا ذاك الناشب في حلق الحلم . وأنا المسكونة بك مذ التقيت وجه الحب من ألف عام ، أظل أركض أبدًا نحو الوراء ، أبحث حيث كنتْ ، وكان اللقاء ، حيث سقطت تعويذتي وتخطفتني أشباح الفقد . أكسر وزن القوافي ، وأفسد ترنيم المواويل ، أعبث في أسلاك نظام الكون ، وأشوّش بث أقداره ، علّني أهتدي لحيلةٍ تلم شتاتنا ، ترفعنا فوق دهشة النجمات ، وتحيلنا نشيدًا ممتدا .
وتغيب شمس معاركي في كل يوم . وأعود لأجد الليل في انتظاري يغلق أزرار الحلم . تعلق غصتي تمامًا فوق نافذة القلب ، يتجعد رويدًا رويدا ، ثم لايسعفه إلا ملح الدمع .