الأحد، 29 أبريل 2018


ياأرباب البلاغة والشعر ، وأهل الفصاحة والنثر ، وأصحاب التدبر والفهم ، والحكمة وسداد الرأي ، أفتوني في سؤلي ، ماكنت قاطعًة أمرا حتى تُشيرون .
قبل أيام، وأنا أتجوّل في رياض البيان ، لسيدنا الجاحظ ، عليه شآبيب الرحمة والغفران ، استوقفتني قصة الشاعر سُحيم عبد بني الحسحاس ، الذي أنشد عمر ابن الخطاب ذات نهار قائلا : عُميرة ودّع إن تجهزت غازيا... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا .
والذي قال له عمر ماأن انتهى : لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك ، فكان جواب سحيم عليه : ماشعرت !
ثم أن الخاطر الذي علق في ذهني حالما أنهيت القراءة ، أن الشاعر إنما قصد بجوابه ، أنه لم يشعر بحاجةٍ للتقديم . وطفقت أبني على تأويلي ذاك أفكار واستنتاجات ، أدعمها بشواهد ، وأؤيدها بحجج وقرائن ، فكان مما كتبت :
اعلم يارعاك الله ، أن قول سحيم (ماشعرت) إنما هو جواب فطري يؤكد على أن الدين لاعلاقة له بالأخلاق . ولست أدري كيف فات ذلك على الفاروق ، وهو السامع يقينًا قول النبي الكريم " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام" ، وهاهو أبو سفيان حين سأله هرقل عن النبي محمد يقول : " كنت في داخلي أتمنى أن أسيء إلى محمد ولو كذبًا ، ولكني خشيت أن يُمسك عليّ قومي ذلك وأمسي في نظرهم كذابا ، والكذب عند العرب لايليق بكرام الرجال فضلاً عن رؤسائهم" . وكيف يفعل ، والعرب تقول : حياة المروءة الصدق ! وذاك عمرو بن معد يكرب حين سأله عمر : أخبرني ، هل صدفت عن فارسٍ قط ؟ أجاب :" ياأمير المؤمنين قد كنت أكره الكذب في الجاهلية وأنا مشرك ، فكيف وقد هداني الله للإسلام " . ولربما جاءت مقولة المصطفى " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" معنية بالقائم بالفعل الأخلاقي ، لا بذات الفعل الأخلاقي . توافقًا مع مقولة " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام " بمعنى أن التمام هنا ، المقصود به ضم البقية من غير الأخيار ، من البسطاء والرعاع ، إلى ذات المظلة الأخلاقية ، استنادًا إلى الفكرة التي تؤكد أن الكثير من البسطاء وضعاف الهمّة ، لايقمع شر نفوسهم ، ويستنطق الحس الأخلاقي لديهم إلا الدين ، بسلطتيه الترغيبية والترهيبية .تمامًا مثلما كانت سلطة الرياسة والطمع فيها ، رادع أبا سفيان الذي حال بينه وبين الكذب . وبعيدًا عن عمرو ابن يكرب الذي كانت قيمة الفعل الأخلاقي لديه في ذاته، بمعزل عن أي فائدة أو مردود نفعي .

وماأن رسمت نقطة النهاية ، حتى لاح لي هاجس متشكك ، وتساؤل محتار : لربما ياهناد أن عبد بني الحسحاس قصد بقوله (ماشعرت) معنى ثانيا غير الذي إليه ذهبت ، لربما كان الأمر متعلقًا بالوزن الذي لاتفقهين فيه شيئا ، وبالبلاغة التي لاتحسنين منها نزرا ، وقد تكون التاء التي ضممتُـها لأجعلها له ، مفتوحًة معنيّ بها الفاروق ، وعندها يكون كل ماهذرتُ به في الأعلى محض سفسطةٍ وتفيهق . ثم أني سريت في دروب الأثير ، أطرق باب الرفاق من الشعراء المحنكين ، فما وجدت مجيبًا ولا معين ، حتى إذا طال بي الطرق على الأبواب ، أطل أحدهم من شقٍ بشباك ، وهمس بخفيض الحس : أيها الساري والناس نيام ، أيّ أمرٍ مُرّ أقض مضجعك ، أهيامًا لحبيبٍ لايُرجى له وصال ، أم مهانةٍ من دينٍ لا يؤمل له سداد . ودنوت حتى غدوت على بعد شبرٍ منه فأرسلت : لا هذا ولا ذاك ياأخ العرب ، ولا أظنه إلا أمرٌ جلل ، ثم قصصت عليه خطبي مع عبد بني الحسحاس . ولبثت دقائق لا أسمع له حسًا ، وأملت رأسي أصغي ، وإذ باصطكاك أسنانٍ يدوي ، ومن تحتها وبحنقٍ عظيمٍ نفث : لابارك الله بكِ ولا بالعبد سحيم . تبًا لك سائر الليل ، ألهذا كدرت صفونا وأيقظت نائمنا ، ألا إن الأمر واضحٌ وضوح الشمس التي ستطل علينا بعد سويعات ونحن لم ننم بعد . أجبته بلهفة : لا تخف ، في النهار متسع لتنام حتى تنتفخ ، لكن بالله خبرني ، ماالذي عناه سحيم حين قال (ماشعرت) . فأطال الصمت حتى ظننت أنه سيورثّـني... يه ، أقصد ظننت أنه نام ، وإذ به يرسل قائلا : أيتها المتشحة بالظلام والأسئلة ، التاء مفتوحة وللفاروق موجّهة، وإنما هي من سحيم ملمزة ، يريد أن يقول بها لابن الخطاب، مالك وللشعر ، ماقلتَـه ليس إلا كسر .
وهكذا... كُسِر خاطري ، وعلمت ضياع تحبيري لأسطري ، وعصارة مخي وتدبري... ومضيت ناكسة الرأس واهنة العزم ، خائرة القوى . ثم أنه عنّ لي خاطرٌ أخير ، أملت منه أن يكون مجيب الليل ذاك غير مصيب ، وحدثت نفسي : ياهنيد ، ماخاب من استشار ، ولا خسران مع السؤال ، فلتطرحي تساؤلك على العام . وليكن مايكون وسيكون ماكان .
وإذن يارفاق ؛ مارأيكم فيما قيل ، وماقولكم في الذي رأيت ؟!

الجمعة، 27 أبريل 2018


مشهد الحدث : الركن الأيمن في باحة منزلي الخارجية ، في ليلةٍ إبريليةٍ مقمِرة ، عليلة الهواء ، عذبة النسمات ، ينسل إليها من الأحواض المجاورة ، شذى الياسمين والريحان ، وبالشاي المنعنع انطلق شجون الكلام ...

- قد يكون الكاتب مفكرًا ، ذكيًا ، موهوبًا ، لكن في نهاية الأمر فإن أقصى مايُحسنه هو تشخيص الحالة والواقع بطريقٍة أدبيةٍ ساخرٍة ، أما تقديم الحلول للمجتمع ، للأمة ، للواقع المعاصر ؛ فهو عاجز عنه تمامًا .
- هه ! هل أفهم من حديثك أن الحركيين مثلاً هم من امتلكوا هذه القدرة الخارقة للفهم الكامل وتقديم الحلول ، وإحداث التغيير !
- بعيدًا عن لمزك ، نعم.. هم من أنتجوا وقدموا . الصحوة صنيعة الحركيين ، هيئات الإغاثة صنيعة الحركيين ، الجمعيات العلمية والتربوية والاجتماعية هي من صُنع الحركيين . لقد بنوا بأيديهم مجتمعًا كاملا . وتبلور نجاح عملهم حين وصلوا لسدة الحكم في بعض الدول .
- وماشاء الله كيف بُذِرت أفكار تلك المشاريع في عقولهم.. هل رأوها في حلم منام ، أم أوحيت لهم وحيا ؟!.. أليست كلها عصارة عقل الكاتب المفكر ، ونتاج تنظيره ! لماذا هذا التقليل من شأن الكاتب ، والتسفيه لقدره ، والحرب إنما مبدؤها كلام . والله عزوجل أقسم فيمن أقسم بعظمته بالقلم ، وابتدأ كتابه باقرأ. ماالحركيون دون كُتّاب يُنظّرون لهم ، ويجيّشون لهم الأتباع ، يروجون لأفكارهم ، ويلهبون الحماسة في صدورهم . وهاهو موسى وهو النبي المرسل يسأل الله أن يسعفه بأخيه هارون فصيح اللسان .
- لا أنكر دور الكتاب في صناعة الوعي ، ولن أنكر تأثير البلاغة في إلهاب الصدور وسحر العقول . لكن يظل دور الكاتب هو في صناعة الوعي. صحيح أن المعركة ابتداءً هي معركة وعي ، لكن ماالذي أفيده من جمعٍ من الواعين سلبيين . ثم دعيني أختصرها لكِ ؛ الميدان هو من يصقل الفكرة ويختبر واقعيتها حين تكون غالبيتها مجرد أمانٍ وأحلام . الميدان هو من ينتج المفكرين .
- بل الفكرة أولاً ، ثم الفعل والحركة .
- دعينا لانطيل الوقوف هنا كثيرًا . الأفكار التنظيرية لكارل ماركس ظلت حبيسة الكتب ، إلى أن جاء حركيو الثورة البلشفية وأحالوها واقعًا ملموسًا بقيادة لينين . القومية العربية ظهرت في الشام ، ولولا قوة عبدالناصر وحركته ماانتشرت ولا توسعت ؛ بل إن الرسول المصطفى هو حركي أصلا ، حمل فكرة الإسلام ثم بالدعوة والجدال والسيف نشرها . وإذن فلا أفهم حقًا ماالذي تنقمينه هنا .
- إنما اعتراضي على هذا التفضيل الجائر للحركة على حساب الفكرة . إن الكلمة تظل في محراب قداسة الفكرة ، لايدنسهما إلا عبث الحركيين . انحرف لينين عن الشيوعية الأصلية ، التي دعا فيها ماركس إلى المساواة المالية فكانت الشيوعية اللينينية ، ثم أتت بعدها الشيوعية الستالينية . بدأت الوهابية بفكرة التوحيد الخالص ومحو الشركيات ، وانتهت إلى اتخاذ الحاكم شريكًا لله . النبي محمد الذي تستشهد به، هو القائل " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " ... لم التجديد ؟ أليس بسبب الحركيين ، الذين يشوّهون الفكرة وينحرفون عن هدفها ، سَنة إثر سنة سينضم للحركيين من يتبنى الفكرة طمعًا في السياسة و المال ، أو المنصب والشهرة . سيظهر في صفوف الحركيين من يسيء فهم الفكرة ، وآخر يسيء تطبيقها ، وثالث تأخذه الأهواء في تأويلها ، حتى تجد نفسك أمام مسخ لايوافق الأصل إلا في الاسم . إنها سُنة اجتماعية ، يمر الوقت فلا يشعر الحركيون بانحراف ماتبنوه ، تمامًا كالموغل سيرًا في طريقٍ طويل ، لا ينتبه لتوهانه بفعل طول المسافة . انظر لحال السيّاف عقب تنفيذ القصاص ، كيف يخطف الجندي منه السيف ماأن ينتهي ، ولو ظل السيف في يده ، لهاجت أعصابه حماسًة بفعل فوران الدم ، وانقض على جمع الشهود ذبحًا وقتلا .
- قبّحكِ الله من مجادلة ، من كبيرك الذي تأخذين عنه !
- لا كبير لي إلا الفاروق الذي أوصى قائدًا له ذات يوم : أن تحفظ لي نفسًا مسلمًة واحدة ، أحب إليّ من أن تفتح لي حصنا . في الوقت الذي تقذفون به وبكل استهانة أرواح المئات نحو الموت وغصص العذاب ، وشتات التشريد والجوع ، فقط لأجل الحفاظ على تنظيمكم الحركي المسخ...
- تبًا لكِ يازنديقة يا....

وهكذا ، ينتهي المشهد كما تنتهي أي جلسة حوار عربي، بدأ بـ : أحترمُ وجهة نظرك.. الاختلاف في الرأي لايفسد للود قضية....مع كامل احترامي لشخصك الكريم... لتصبح الجلسة حفلة اتهامات بالتخوين والعمالة والزندقة ( :

السبت، 21 أبريل 2018


‏‏الكرامة...هي درجة الانقلاب الـ 180 ؛ التي يتحول الصديق عند مسّها عدوا ، والحبيب شيطانًا مصوّرا !

الجمعة، 20 أبريل 2018

أذكر أنني في بدايات انضمامي لعالم الفيس بوك ، بعثت بطلب صداقة لأديبٍ متحرر من بلاد الشام ، وإذ به يفاجئني على الخاص : عزيزتي ، أنتِ لاتضعين صورتك الشخصية في صفحتك . أجبته : سيدي أنا من وسطٍ محافظٍ جدا ، ووضعي الاجتماعي لايسمح بعرض صوري على الملأ . رد باقتضاب : عفوا ، ولكني لا أقبل إضافة إلا من يضعون صورهم الحقيقية على صفحاتهم . وانتهى الحديث عند هذه النقطة ، وسحبت طلبي غير آسفة . بعدها بفترة ، أرسلت أطلب صداقة أستاذ جامعي من بلادي ، بلاد الحرمين الشريفين ، وشعب الله المختار . مزاحمي الملائكة في إحصاء السيئات والهفوات ، وحاملي لواء إصلاح البشرية . وماأن ضغطت زر الطلب ، حتى وصلتني رسالته : أختي الكريمة ( وأنا من تنقال كلمة أختي أبلع ريقي استعدادًا لاستقبال الأعاصير ) أرجو من حضرتك تغيير الصورة التي تضعينها حتى أستطيع قبول طلب صداقتك . والصورة طبعًا لم تكن تعاني من شيء . مجرد صورة لامرأةٍ ما . رددت بحنق : آسفة ، لن أغيرها ، وآسفة لحمقي الذي أوصلني إليك .
قبل شهر ، وفي أحد مقاهي الحسين بالقاهرة ، التقيت عراقيا في الأربعين من عمره ، يزور مصر مثلي للمرة الأولى في حياته ، كان برفقة المرشد السياحي مثلما كنت أنا ، وانطلقت بحماس تشوبه الدهشة أحادثه وأستمع لقصص تنقلاته مابين بغداد ثم الحدود السعودية إبان الغزو الأمريكي ، ثم استقراره في لندن منذ ذلك الحين وحتى الآن . كنت أتحدث بعفوية وبساطة شديدة دعمتها أجواء المكان العتيق الفطري . وحين شعرت بالاكتفاء وطاب لي الرحيل ، وقفت استعدادًا للمغادرة ، تقدمت خطوة لأتأكد من عدم نسياني لأي شيء من أغراضي على المقعد ، وفي اللحظة التي التفت فيها كي أودعه ، لمحته وهو يغمز للمرشد الذي هب سريعًا يناولني هاتفه طالبًا مني تسجيل رقمي . تسمرت لومضة ، كانت كافية لتحيل جسدي كتلة نيرانٍ تشتعل ، ودون وعي وجدتني أقول له : سآخذ رقمك من "منقا" في حال احتجته ، مع يقيني التام أن منقا لايعرف له رقما. ومضيت لا ألوي على شيء . ألعن الرجال تارةً ، والعرب تارة ، ثم ألعن بلاهتي وسذاجتي . كنت أصرخ وأنا بين أمواج البشر تلك : إلى متى ؟ إلى متى سأظل حمقاء غبية ، أمنح ثقتي لكل من التقيت.. متى أكف ... متى أتوقف . ومضيت في هياجي وتسخطي ، في الوقت الذي التزم فيه منقا الصمت التام . وماأن تحررنا من جموع الأنفاس المتلاصقة ، وخلا بنا الطريق إلا من أرواح متفرقة . حتى همس منقا :
-ماتزعليش ياهانم ، حقك عليا ، امسحيها ف وشي.
- أكتر ماأنا زعلانة يامنقا من نفسي ، صحيح العراقي وغد ، والمصري ساقط ، بس كل غيظي من نفسي ، مش عارفة متى أعقل وأبطل اتعامل مع الناس بعفوية وثقة. اتلقيت صدمات كتير وبرضو للان مااتعلمت .
- ياهانم ماتاخزنيش ، الراجل برضك مايتلامش..
-انت بتدافع عنه ؟!... يعني موافقه في اللي عمله !
- حِلمِك عليا ياهانم . القصد انه حضرتك كلامك حلو أوي ، وزاد الطين بلة انك لوحدك .
-وايه يعني لوحدي يامنقا . هي أي امرأة لوحدها يعني مشروع عاهرة ؟!
- اهو الرجالة بتفكر كدا يافندم .

في الهاشتاق المعروف في تويتر بعنوان (إسقاط الولاية) والذي تغرد تحته مجموعة من الفتيات السعوديات ، وجدت سيدة بريطانية تشارك في الهاشتاق وتدعمه . ورغم أنني من المطالبات بمنح المرأة السعودية الحقوق العديدة المسلوبة منها ، ورفضي التام لكثير من القيود المهينة بحقها ، والتي تجعل شؤون سيدة خمسينية مرهون بموافقة ومزاج
ابن لها في الثامنة عشر من عمره ، إلا أنه ماأن وقعت عيناي على صورة السيدة الانقليزية ، حتى اعتلج صدري الضيق، وزاحمت عقلي الوساوس ، وتحسست أرنبة أنفي ، وحككت رأسي ، وهرشت ركبتي . سألتها بارتياب :
-ماشأنك بنا سيدتي ، لماذا تؤيدين إسقاط الولاية ؟
- الرجال لديكم يحتقرون النساء ويعنفونهن ، أنا أدعم النساء بغض النظر عن الجنسية.
- جميل ، هذا ياسيدتي رابط مقال ، يرد فيه آخر إحصائية لعدد النساء المشردات في بريطانيا ، وحدها لندن يوجد بها 4000 امرأة مشردة . ألسن الأولى بحماسك ودفاعك ، على الأقل لاتوجد لدينا مشردات . دافعي عن النساء اللاتي يُستخدمن في الدعارة وأفلام الجنس . دافعي عن النساء اللواتي تستخدمهن شركات الإعلانات . يعاملن كجماد ، كمادة إعلانية ، يُستخدم جسدها وجمالها للترويج للمنتج . لطالما نظر الرجل العربي للمرأة كعقل وروح وقلب، لا مجرد آلة ومونيكان، وجسد للتكسب !
- هل أنتِ مؤمنة بما تقولين .
-ياسيدتي ، تخيلي لو أن حربًا اليوم تقوم بين أمريكا ودولة مثل سيرلانكا ، فقط لأن سيرلانكا تأبى تزويج إحدى بناتها لأحد أكابر أمريكا ووجهائها . ماذا كنتِ ستظنين في السيرلانكيين ؟... هذا ماحدث بالضبط قبل مئات السنين بين القبائل العربية ودولة فارس في معركة شهيرة تسمى " ذي قار" ، لقد قامت تلك الحرب الضروس لأن العرب رفضوا تزويج ابنتهم لكسرى ملك الفرس . ومثلها حادثة ليلى بنت لكيز بن مرة، التي اختطفها ابن كسرى ليتزوجها فثار عليه العرب وقاتلوه حتى انتزعوها منه . لو كانت المرأة رخيصة لدى العرب ، لفرحوا بهذا الزواج الذي سيجنون من ورائه الكثير . أعظم من رثت رجلاً ، كانت الخنساء التي رثت أخاها . هل كانت ستفعل لو أنه كان يعاملها بدونية واحتقار ؟... اقرأي سيدتي رثاء دختنوس أباها لقيط بن زرارة ، الذي كان يحملها معه في كل غزوة ويستشيرها في كل أمر ، حتى أنه ذكرها ساعة موته قائلا :
يا ليت شعري عنك دختنوس.. إذا أتاها الخبر المرموس
أتحلق القرون أم تميس.. لا بل تمس إنّها عروس .
لقد صوّر الشعراء العرب المرأة في قصائدهم في صورة راقية ، وعلاقة عذرية ، وأنزلوها منزلة الأميرة المصون .

أعترف أن الحماسة والتعصب هما مادفعاني للتصدي للسيدة الانقليزية . لكني ، وبعد أن هدأت ثائرتي ، أخذت أقلب ناظري في أحداث كثيرة ، ولا أدري كيف قفزت لذهني صورة جارتنا القديمة التي كانت تعاني من زوجها الأذى الشديد ، وحين كانت النساء تسألها ، لم لاتطرديه أو تتخلصي منه ، كانت تجيب : اهو كلب عند الباب، ينبح ويصد بقية الكلاب !
لاتظني أن الرجل سيدعك وشأنك . ستتحررين من سلطة لتقعي تحت سلطة ، ومن ولاية قريب لتكوني في ولاية عابر وغريب . يستوي في ذلك المتحرر الليبرالي ، وصاحب الدين ، ساكن الصحراء ، والقادم من منبع الحضارات ، من لم يغادر الشرق ، ومن عاش دهرًا في كنف الغرب . هذا ما جبِل عليه الرجل . إنه لا يحسن إلا أن يكون وصيًا عليك ، ناصحًا وموجّهًا لك ، في قرارة نفسه شعور خفيّ بالمسؤولية عنكِ ، ورغبة قديمة متجددة في السيطرة عليكِ ، وعلى أحسن وجه ربما في قيادتك ، ولن نقول إخضاعك .
إن لم تكوني مع رجل غيره ، سيكون هو رجلك . عليكِ فقط أن تختاري ، هل ستكونين برفقته أمَة مهانة أم سيدة مصانة .

الثلاثاء، 17 أبريل 2018

أحد أصدقائي حزين لأنه أتم السادسة والعشرين من العمر ولم يقرأ أكثر من مئة كتاب !
لي شقيقٌ مدمنٌ إدمانًا عجيبًا على القراءة ، مُكّب عليها ليله ونهاره ، يطالع وهو يأكل ، وحين يعمل ، وهو قائم ، أو حين يضطجع ، في تمام السعة و شدة الضيق ، إن كان مجهدًا أو بموفور العافية . وإن تمردت عيناه وأبت عليه الاستمرار ، أغلقهما ، ثم استمع إلى تسجيل صوتي لكتابٍ ما ! وحتى وقتٍ قريب كان لايمتهن إلا القراءة ، ولا يصاحب - ومازال - إلا الكتاب ؛ حتى غدا متحدثًا بارعًا ، وخطيبًا مفوّهًا ، وجليسًا تأنس به أيما استئناس .إن أردت شعرًا أطربك بفصيح القصيد ، وإن سألت عن واقعةٍ أسهب في سرد تاريخها وظروفها ، وإن رمت سيرة أحد الأعلام ، أتاك بجلّها ودقيقها.. هكذا كان ، مذ اهتدى لرفقة الحروف ومخطوط الكلام . يتقصّى خبر الكِتاب والكُتاب ، ويلاحق معارضها كما يلاحق البدوي مزن السحاب ، ينفق عليها كامل كدحه وكل مايدخل جيبه ، ويكدّس منها ماتنوء عن حملها أوسع البيوت وأضخم المكتبات ! يعلن في نشوة : والله إني لأدخل المكتبة وقد ازدانت بأطايب ماأرجو ، فكأني لفرط سعادتي وعظيم حبوري ، وتعثر خطوي واضطراب منطوقي ، كالطفل قد أدخلوه متجر ألعاب ، ثم صاحوا به انطلق وتخير... فكل ماهنا ملك يديك !

سألته ذات يوم أن يرافقني إلى المكتبة ، ويسديني نصحه فيما اختار من كتب تشرح كيفية التوفيق بين مااختلف ظاهره من الآيات و الأحاديث ، وكان لي ماأردت ، وقفت وإياه أمام جدارٍ ممتدٍ عرضًا وطولاً ، مملوءٍ دون خانةٍ شاغرة بكتبٍ متزاحمةٍ متراصة ، كلها تطرق ذات الموضوع . أخذ ينعم النظر ، يتفرس ويتأمل ، يعقد حاجبيه ويفكر ، ثم وبخفة ثعلب ، قفز إلى أحد الرفوف وناولني أحد الكتب قائلاً : خذي.. هذا يكفي ويفي ! سألت بريبة : فقط ؟... كتابٌ واحد ؟ أجاب بثقة : نعم ، كتابٌ واحد يغني عن ألف كتاب ؛ كل ماترينها على الرفوف حشو زائد لاقيمة له ، ليست إلا استفاضةً فارغة وإسهابًا متكررا ، عرفت ذلك بعد أن كدست الألوف من المجلدات ، خبرت الأمر ، وأيقنت أن العبرة لم تكن أبدًا يومًا بالكم ، وأن الكثير من المؤلفين ليسوا إلا حفنة ثرثارين ، وهواة تجميعٍ ولصق ، وكم صدق جورج أورويل حين قال : فقط عندما يصبح لدى المرء علاقة محترفة مع الكتب يكتشف كم هي رديئة غالبيتها ! حاولي دومًا الاستعانة بخبير يرشدك للكتاب الأصيل ، الدسم الوفير ، الغنيّ المُغني ، الكثيف المجدي . ويومًا عن يوم ستتولد لديك حاسةٌ لاتخطيء في هذا الشأن ، ستميزين الكتاب الأصيل من أولى كلماته ومقدمات نسائمه ، ثم أن الأمر مبتدأه ومنتهاه مرهونٌ بروح من طالعت عيناه الصفحات ، بعضهم لاتجاوز الكلمات أبعد من عينيه ، وكأنما في روحه وقرٌ ولجين ! يظل يقرأ فلا يغادر بقعته ، كما البغل يدور في رحاه ، والصنف الآخر دائم التحليق ، عديد الأطياف ، واسع التردد بين كل سماء ، روحه جوّابة ، وخياله مسرف التناسل ، يكاد يتأوه الندى لرقة طبعه ، ولطيف إحساسه...! هؤلاء ، لو قرأوا عبارةً مرسومة على جدارٍ منبوذ ، أو مكتوبة على قطعة كرتونٍ تلهو بها الريح ، لاستحضروا أسلاف صاحبها ، وامتلأوا به وبها ، ولنسجوا حولها الحكايا ، واستخلصوا منها ألوف العبر....!

الثلاثاء، 10 أبريل 2018


تخيل قلبًا كل ما فيه رمال وصخر.ثم أورقت فيه مرة وردة ! حتى لو كان عمر هذا الوجود الخضِر العطِر يومًا أو بعض يوم فإنه سيصبح كل ذاكرة هذا القلب طولا وعرضا...
لقد كانت تلك العُجالة الدَهِشة من عمر اللقاء ، الوردة التي نبتت في عمق القلب . بدهته كما يبده نبعٌ في الصحراء عينًا جفت من الظمأ .
وظل طيفك الوحيد القادر على بعث الحياة في أرجائي ، كأنما تستفيق في أوردتي آن القرب منه الحياة التي تموت بعيدًا عنه.
وكأنما مثلي مثل ذرات الذهب المطمورة في التراب ، حتى إذا ما اقتربت من حسناء بُـعِثت فيها حياة الفتنة . بيد أنه كان بعثًا موسومًا بوسم الأعراف ، يشتاق فلا تنطفي له غلة ، ويزهد فلا ينقطع له رجاء . لعمري إنه الجحيم ولو لم تمسسه نار .

الأحد، 1 أبريل 2018


بدا وكأنه يعاقبها على حبها له . يلومها على توقيتٍ لم يكن ضبطه بيدها . على ظروفٍ لم تملك قدرًة لخلق أحسن منها .
إنها لعنة المواعيد المتأخرة ، تلك التي تشبث بها متوسلو الأمل ، وزيّن لهم شيطانه وجهها ، وصدّقوا ظنه في أن القدوم المتأخر خيرٌ من عدمه. و فاتهم أن الحرمان من لذةٍ لم تعرف لها مذاقا لايعد حرمانا ، وأن اللقمة حين تبلغ الفاه ثم تُصرف عنه ، أقسى في عرف الجائعين من مسيرة شهر صوم .
ظلت تتغابى في حضرة الملام . ترقّع وجه اللقاء الشاحب بأصباغ التحايل . تحرر ضحكات الطفولة من قفص الماضي . تضرب للغد موعدًا عند مُنجّمٍ بلا ذاكرة . ترسم خطىً وتلغي حدود . لعنت كل الساسة وكل الحروب ، وفاتها أن في الروح مضغة لو شاءت للحب الخلود لقالت له كن فيكون . هذا ماظلت تؤمن به ، حتى قبيل الفوت بشهقة ، وماأن تاهت في رمادية مشاعره ، حتى أدركت أن المعاني الجميلة القادمة في وقتٍ ليس لها ، لامكان لها. وأن الأرواح التي استنزفت قواها في الركض الطويل ، واحتالت كثيرًا كي تتجنّب مصائد الطريق.. ونالت منها بعضها ، الأرواح التي استهلكت مخزونها في الحذر والحيطة ، والمجاملات البغيضة ، التي آمنتْ ثم كفرت ، صدّقتْ ثم صُعِقت ، هتفت ثم خُذِلت ، وهبت ثم طعِنت . هذه التي تعلّقت بحبائل الأمل ، ثم صحت  على سقوطٍ مرير . لم تعد تفقه مصطلحات العطاء المعاصر ، ولا تؤمن بمواعيد الشمس ، ولاتصدق للقمر أيّ يمين .
كان هذا هو قدَرَها منذ الأزل . القدوم بعد الفوت ! حيث تخجل حتى الريح من تقديم المواساة . وآن تجلّي الحقائق القاسية ، تصب ملائكة الرحمة الرضا في الأقداح . أومأت بإذعان التسليم ، وانثنت تطوي قلبها . ألقته في وجه الغيم ثم ذابت في ضباب القادم المجهول .