الجمعة، 30 مارس 2018


"واحشرني في زمرة المساكين " !

ملأت باحة بيتي الداخلية (أو كما يسميها أهل الشام أرض الديار) بأنواع النباتات والزهور : فل، ياسمين، ورد مديني، طماطم، نعناع ، كوسا ، ميرمية ، كزبرة.... حدث ذلك قبل ستة أشهر . ومنذ ذلك الوقت ، وكلما كنت في الباحة أو غرفة المعيشة كنت أجلس مطولاً أتأمل تلك النباتات ، والأرواح الجديدة التي نمت في بيتي . ومع كل طور كان هناك معنى وقيمة ، مابين إطلالة رأس زهرة ، أو تيبس ورقة ، أو مهاجمة عدو يطمع في تثبيت وجوده مقابل فناء الآخر . وحين يهب النسيم وتتمايل تلك الأغصان مراقصًة معها الأوراق ، خُيل إلي أنني أسمع حديثا متناغما بينها ، وبدا وكأنهم يعزفون لحنا عذبا يحكي سر الوجود . لقد منحنتني ساعات التأمل تلك صفاء وسكينة ، وسبحت معها في بحور الترويّ والتفاصيل الدقيقة ، وعلمت كيف ينبثق نور الاكتشاف والمعرفة من شقوق منزوية لايلتفت إليها إلا أهل التأمل .التأمل تلك الرياضة الروحية ، التي تزيح الحواجز ، وتهدم الجدران ، لتفسح للنور كي يلج كهوف الحياة .
عبادةٌ منسيّة . توقن بذلك وأنت تراقب الجيل الناشيء ، محنيي الرؤوس دومًا نحو الأسفل ، مسمّري الأعين أبدًا صوب شاشات هواتفهم . أراقبهم وهم يسيرون ، كأنهم تماثيل شمٍع تسبح في الفراغ . لايدققون فيما حولهم ، ولا يحظى ماحولهم بأدنى اهتمامٍ منهم . لهف نفسي لو أن المعري كان بينهم اليوم ، لما خاطبهم : خفف الوطء ماأظن أديم الأرض... إلا من هذه الأجساد . وأيّ تأملٍ أعمق من هذا المعنى ، الذي يقودك لتصوّفٍ روحاني تشفق معه حتى من خطاك أن تؤذي بها من تحت الثرى . هذا مايورده التأمل على صاحبه : رقة الإحساس ، ورزانة الحكمة . وربما كانت عين فرويد حين قال : الشعراء هم أساتذتنا في معرفة النفس ، على عيون الشعر العربي ، التي امتلأت حكمًة وتأملا .

في مصر ، كما في كل مكان ، جانبان للحياة . تقوى ومجون ، سمو وخنوع ، ارتقاء وهبوط . وأنت.. حيث ماسلكتَ من سبيل ، فإما أن تعمل لأجل غرائزك الأرضية ، وإما أن تحلّق بروحك في السماوات العُلا . وهو ماأقرّ به الفاروق للرجلين اللذين وفِدا عليه من الشام حين سألهما عن حال أهلها ، فأجابه الأول : أنه ماوجد إلا فجّارًا عصاة ، بينما أخبره الثاني أنه مارأى إلا بسطاء تقاة . ملاهي الليل وأوكارها أشبه بجحور حيوان الخُلد ، الذي ولطول مكوثه في الظلام فقد حاسة البصر ، وكل مَلَكٍة وحاسٍة لا تُستخدم ستُفقد . كذلك الحال مع ذلك المكوّن اللامرئي في دواخلنا ، إن تعطّله سبب في تكاثر مرتادي تلك الجحور ، حيث الكلمة العليا للمزاج المُشترى بالدرهم والنفط ، حيث تهتريءالانسانية بخصرٍ مباع وشهوةٍ غليظة . هنا حيث لاعين ثاقبة ، ولابصيرة نافذة ، ولا عاطفٌة متقدة، ولا حاسةٌ سادسة.
وحين سألني أحدهم : ماالذي فعلته مصر بك، لتعودي أكثر حكمة . أخبرته أن مصر مليئة " بالغلابا " ، وكما أحب النبي الكريم رفقتهم ، أحببت ذلك ، وكنت بينهم ، أتأمل فعل الحرمان ، ولذة الرضا ، وسكينة الاطمئنان، وهزيمة الاستسلام . التأمل... الخريطة الربانية القادرة وحدها على إيصالنا لذلك الجوهر ، الذي يتجاوز النظريات التي نخطها في الدفاتر ، أو نلحظ تجلياتها في المعامل ، إنه الضابط لما لا مجال لضبطه بتعريف أو نسقٍ معرفية ، حيث الوجوه الكالحة، والحزن الجميل ، حيث الأيدي الكادحة ، والصبر الطويل ، حيث الظهور المقصومة والأمل الواعد ، حيث الفرح المؤجل والضحكة الأصيلة .

اقرأ شعر القدماء وإرثهم لتدرك أن التجارب المريرة وطول التأمل ، هما أبوا الحكمة وسر وجودها .


الثلاثاء، 27 مارس 2018

لاتحاول معرفة أمور  لاتساعد معرفتها في تغييرها ، كحال كثير من حوادث الماضي ، فإنك إن فعلت وجدت أن ماتجهد في تغييره سيقوم هو بتغييرك جبراً أو اختيارا  !
الجهل ببعض الأمور خير من التنقيب في ثناياها  ، والحكمة هي في اختيار ماتريد معرفته ، فلا تفرط في حكمتك ركضاً وراء تحصيل معرفة  ، فكون الإنسان حكيماً مُقدّم على كونه عارفاً !

الأحد، 25 مارس 2018


هناك حركة خبيثة تقوم بها قناة العربية بانتظام وخفة مقيتة ، ألا وهي تمييع اللغة العربية الفصحى وتمرير العامية بهدف نشرها وجعلها مقبولة في أوساط الجيل الناشيء . مقارنة سريعة بين تقاريرها الإخبارية وتقارير قناة الجزيرة ، تكشف البون الشاسع بين حرص الثانية على الفصحى وسلامة اللغة ، مقابل استهتار ( العربية) بأدنى قواعد اللغة ، بل وتداول العامية بشكل مكثف بين مذيعيها . لايمكن لعاقل أن يصدق أن قناة بحجم العربية لايوجد لديها مدقق لغوي يراجع تقاريرها وبرامجها التي تظهر بتلك الصورة الفجة ، برنامج مثل "على خطى العرب" يتصدر له رجل يلحن في اللغة ويكسر أوزان الشعر !!

ديورانت في قصة الحضارة ، يقرر ثلاثة أركان لحضارة أي أمة ، اللغة ، الأنهار ، الديانة ولو كانت حتى وثنية . بلا لغة أنت بلا هوية . في الشتات ، بل حتى الشتات لن تدرك ماهيته ، ولن تعرف أنك فيه ، لأنك بلا وجود . صاحب الهوية سيدرك الشتات ، سيعلم أنه مُلقى فيه، بالتالي سيبحث عن طريقةٍ للخلاص منه. بينما أنت لن تفعل ، لأنك حينها، بدون هويتك مجرد فقاعة ستطمئن للاستقرار ولو على سطح ماءٍ آسن . هذا ماأدركه الأعداء جيدًا وعملوا عليه منذ أمدٍ بعيد ، احتل نابليون مصر فأصدر أوامره بأن تكون المراسلات الحكومية باللغة العامية . احتل الفرنسيون الجزائر والمغرب وبنوا المدارس الفرنسية ، ثم سجنوا كل أب يرفض إلحاق أبنائه بها. نزلت القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية الشام وجلبوا معهم ثلاثين مطبعة ( تخيل العدد المهول مقارنة بذاك الزمان) لتطبع صحفهم وكتبهم بلغاتهم . أتاتورك حين اعتمد الأحرف اللاتينية للكتابة . الإصرار العجيب للغرب لإحياء اللغات الميتة ، الكلدانية، والهيروغلوفية الفرعونية القديمة ، والأمازيغية والآشورية وغيرها... كل ذلك يؤكد الفكرة التآمرية التي يسخر منها مثقفونا الحبابون النواعم ، وسعي الغرب الحثيث لفصلنا عن تاريخنا وتراثنا ومحو هويتنا .
وبمناسبة الحديث عن المثقفين ، المثقف العربي الوحيد الذي منحه الغرب بركاتهم ، وقلدوه وسام نوبل خاصتهم هو الذي طعن في تراثنا ، وشكك في ديوان هويتنا .
في النهاية لا لوم عليهم ، لا لوم على من يبحث عن مصلحته ويخطط لمستقبله ومستقبل أبنائه . اللوم كل اللوم على الحمقى المؤمنين بقوانين حقوقهم ، ومعاهدات انسانيتهم المزعومة . اللوم على من ركن إلى عملائهم المديرون لأمورنا، واطمأن لنهجهم ورضي بهم ، رضا الهزيل الذي أخلد إلى الأرض وقبع في الهوان .

الجمعة، 23 مارس 2018


في نهاية المطاف ، الأماكن ليست إلا أرواح محلّقة ، وكما تتآلف جنود الأرواح بين بني البشر ، يحدث ذلك بين الإنسان والمكان .
في صالة المغادرين جلستْ إلى جواري رفيقتي في هذه الرحلة ، تسافر مجددًا لإجراء عمليةٍ تجميلية. بيد أنها أول عملية تجميلية تجريها في مصر . مصر حيث الخطوة حب ، والصمت حب ، والعتاب حب ، إن غفت عين النيل استحضرت أطياف الحب ، ينعس الأفق وقلب مصر أبدًا لايفتر يلهج بالحب وسيرة الحب . وأمامي مباشرًة جلس ذانك العصفوران ، سبقها بالقدوم من أقصى اليمين ، وبعد دقيقتين من أقصى اليسار أقبلت ، ألصقت حقيبتها بحقيبته تعويضًا عن عناقٍ تعذّر . ربما تخطت الخمسين من عمرها بأربع سنوات أو يزيد ، رقيقة العظام ، قصيرة القامة ، غارقة في شوكولاتة الأنوثة ، حررت وجهها من كل أحمال الزينة ، بيضاء البشرة على العكس تمامًا منه ، هو الفارع الطول ، شديد السمرة ، للوهلة الأولى ستجزم بقبحه ، وماأن تمعن النظر حتى تجد نفسك أمام روحٍ قد امتلأت رجولةً وحكمة ، جلست إلى يمينه وهي تذوب خجلاً ، أما هو فقد وضع رِجلاً على الأخرى ، باسطًا ذراعه أعلى مقعدها وكأنه يحتويها ، في صورة توحي بسيطرته التامة على كل ماحوله ، وخصوصًا قلبها ، وماأن استأذن منها بعد دقائق تحادثا خلالها ، حتى انحنت بخفة غزال إلى حقيبتها ، وأخرجت مرطب شفاه ، أدارته بسرعةٍ فائقة على شفتيها الرقيقتين دون مساعدة مرآة ، ثم تسمّرت في مقعدها دون حِراك ، عيناها في المدى قد أبحرتا في خيالٍ من اللذة جسّدتها ابتسامتها التي مافارقتها ، تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ، وانثنت على نفسها شوقًا وهياما ، حتى إذا ماعاد بكوب المثلجات كانت هي قد عادت صبيًة يضطرم فؤادها بلواعج الحب.
بنحب ياناس... نكدب لو قلنا مابنحبش.. بنحب ياناس ، ولاحدش في الدنيا ماحبش... والدنيا ياناس من غير الحب ماتنحبش .. من غير الحب ماتنحبش . وبدت أضواء القاهرة . وهمست لرفيقتي : ياإلهي.. إنها مصر...أخيرًا مصر . وتلألأت أنوارها في عيوني وهتف قلبي دون شعور : من هنا انطلقت تراتيل الحب إلى الكون كله . هنا دوّخ بليغ وردة في أروقة الحب ، وأذاقها خمرته لذةً وعذابا ، هنا ناجى أحمد رامي طيف حبيبه : أقبل الليل وناداني حنيني ياحبيبي ، وسرت ذكراك طيفًا هام فى بحر ظنوني ، يابعيد الدار عن عيني ومن قلبي قريب ، كم أناديك بأشواقي ولا ألقى مجيبا . هنا عزف الحب ألحانه أنغامًا عربيًة أصيلة : الأرض بتتكلم عربي... نعم ، إنها تنطق بلسانٍ عربي مبين : مصر يانبع الحب.

كررت مجددا على موظف الاستقبال أنني أريد غرفة بأكبر شرفة مطلة على النيل ، مع ضرورة أن تكون في الأدوار السفلية ليتناهى إليّ صوت القاهرة صبحًا ومساء . وحجزت رفيقتي غرفتها في الدور الثاني والعشرين . كان "منقا " وهو المرشد السياحي الخاص بنا في انتظارنا عند مدخل الفندق ، ليقلنا إلى المكان الذي جزم بأنه سيعجبنا . وطوال الطريق كان يفتح آلة التسجيل على مجموعة أغانٍ خليجية ضمّنها ذاكرة فلاش خاصة بها . وشعرت بالنشاز بين ماأشاهده عبر زجاج النافذة وماأسمعه ، ولكني آثرت الصمت حين لمست استحسان رفيقتي لهذي الأجواء . وغصّ المكان الذي وصلنا إليه بالخليجيين ورفيقاتهم ، ومجددًا انطلقت الأغاني الخليجية ، أغنية إثر أخرى يرسلها فتى مصري ، بروحٍ متكلّفة وإحساسٍ لقيط . تناولت قرصي بنادول وأوشكت على المغادرة ، وفي تلك اللحظة كانت تلك السيدة المصرية الأربعينية الممتلئة قد اعتلت المنصة ، تربط شعرها بمنديل كما تفعل الفلاحات ، وترتدي لباسًا فضفاضًا يليق باستدارة جسدها وفخامته . وانطلق لحنٌ عتيق أقسمت أني أعرفه ، وإذ بصوتٍ يحاكي وردة إلا نفحة ، يشدو : ياقلوب عطشانة... عطشانة سهر ، ياقلوب تعبانة ، تعبانة سفر.. كتروا م الحب تلائوا.. تلائوا في الظلما ألف قمر . احتضنت تلك اللحظات ، ومعها غفوت متوسدةً ذراع النيل .
في صباح اليوم التالي ، انطلق منقا بنا صوب المطعم الذي أشارت به رفيقتي إليه . مطعم " بيت ورد اللبناني " !! ، وكما أوحى به الاسم تمامًا كان طابع المكان ، بديكوره الخشبي الأبيض ، ونوافذه الزجاجية ، وألوانه الداخلية ، جلسة توحي بأنك على ضفاف البحر الأبيض المتوسط ، أو مضيق البسفور . ألقيت نفسي داخل أمواج صوت فيروز الذي انساب في ثنايا المكان ، وهمست في داخلي : لن أمانع يافيروز الاستثناء . وعند نقطةٍ معينة أطلقت رفيقتي العنان لتأففها من ذاك النادل المشرف على طاولتنا ، وقبضت على منديلها الذي كان يهم بالتقاطه ، صارخةً في وجهه : اتركه مثل ماهو .
_ انتي مدايقة مني ليه يافندم ، انا عملت حاجة وحشة !
وأشرتُ إليه ليقترب مني ، ومال نحوي : هو في ايه يا هانم.. انا غلطت لاسمح الله..
_ معليش ، شرايك تظل بعيد ، واذا احتجنا شي أنا رح أشاورلك ، اترك كل شي مثل ماهو ، ولك عليّ بعد ماننتهي أدخل وياك المطبخ وأغسل المواعين معك.. شتبي بعد..
_ العفو ياهانم... خلاص، اللي تشوفيه حضرتك.
توجهتْ رفيقتي بعد الظهر لعيادة التجميل التي حجزت معها موعدا ، فيما مضيت أنا للبنك لتبديل العملة ، وبعد الغروب سألتني إن كنت أريد مرافقتها للسينما ، فأخبرتها أن تجربتي مع السينما في اسطانبول لم تكن جيدة ، لكن لاضير من إعادة المحاولة هنا ، لربما اختلف الأمر. تفحصتْ الأفلام ، فلم تقتنع بأي منها ، وعدنا إلى منقا الذي كان في انتظارنا ، طلبت منه استئجار مركب لأجل رحلة ليلية في النيل ، كان الهواء باردًا ومنعشًا ، أحكمتُ إغلاق أزرار المعطف في الوقت الذي همست فيه رفيقتي : ماادري ليش زعلوا من شيرين ، من قالت النيل معفن وموبوء... شامّة الريحة ؟
_ ممكن زعلوا لأنها قالت هالكلام في غير مكانه وتوقيته المناسبين . الانتقاد الغير مصحوب بخطوة للتغيير والتحسين ، حيكون مجرد انتقاد للانتقاد فقط . وهذا في حد ذاته مؤذي .
لم تعقّب ، ولم يكن لديّ استعداد لمناقشة أي تعليق منها ، توجهت لمقدمة المركب ، أعطيتها ظهري ومنحت الريح والنيل صدري . وماأن صعدنا السيارة حتى بدأتْ في التنقيب في جهازها بحثًا عن مكانٍ نتناول فيه طعام العشاء ، سبقتها ورفعت صوتي : منقا ، رشحلي مطعم شعبي من اللي تحبهم . نظرتْ إليّ من طرف عينها ، فيما رد منقا : في مطعم أكله حلو جدا ، اسمه أم حسن ، بس مااعرفش ازا حيناسب زوق حضراتكو. رددت بسرعة : تمام ، خذنا ليه. وفي الوقت الذي انشغلتُ فيه بصخب المكان ، مابين صوت أم كلثوم ، وتعالي صياح العمال ، وروائح الأكل ، وسقوط بعض الصحون ، وصراخ الأطفال ، وصور المباراة المنقولة على التلفاز ، انشغلت رفيقتي بجهازها ، حتى إذا ماوصل الطعام ، لم تلتقط له صور كما اعتادت ، تناولت لقمتين ، ثم نظرت في عينيّ مباشرةً : اعذريني هند ، بس أنا حجزت و راجعة المدينة بكرا ، إذا تحبي...
_ حجزتي ؟ أطلقت سؤالي وأنا جاحظة العينين .
_اي نعم ، بصراحة ماحبيت مصر ولا ناسبتني...
_ بس البارح حنا واصلين ، شلون حكمتي عليها..
_ ليالي العيد تبان من عصاريها ، اذا تحبين، رح أحجزلك معي وعلى حسابي.
_ لأ طبعًا . رح اكمل رحلتي .
أوصلناها الفندق ، وماأن ترجلتْ من السيارة وأغلقتْ الباب خلفها ، حتى التفتُ نحو منقا :
- شوف يا منقا، أول هام ، اتركني من اسمك الحركي هذا وأعطيني اسمك الحقيقي ، ثاني هام ، الفلاش بتاع الأغاني الخليجية تسحبه حالاً وترميه في الدرج ، ثالث شي ، امشي بينا فورا على القهوة اللي تسهر فيها .
_ انتي تؤمري ياست الكل ، محسوبك فهمي ، وحضرتك منين بقا.
_ من المدينة النبوية .
_ أحسن ناس، وأطهر مكان ، بيؤلوا المدينة تنفي خبثها. مش كدا والا ايه ؟
_ كل مكان في الدنيا يامنقا سينفي نقيضه خارج حدوده . نقيضك ليس بالضرورة خبثًا خالصًا ، يكفي أنه نقيضك لتلفظه بعيدًا عنك.
_والله انتي بتقولي كلام زي الفل ، عاوزة تسمعي ايه يافندم.. قوليلي وانا اشغله حالاً
_ عاوزة اسمع مصر ، فايزة، شادية، وردة ، عبدالحليم...
_ حسمعك أغنية بحبها قوي...
ودارت " خلاص مسافر".. في شوارع القاهرة ، ولما وصلنا لـ خايفة تلاقي وردة تحلو في عينيك ، تنساني وتميل تقطفها بايديك ، وتجرحك الأشواك وتتعذب هناك (اقطفها بايديا وما تجرحش ايديك، سيب الجرح ليا وخلي الفرح ليك) همست وعيوني بين الناس : هو دا حنان أم الدنيا ، هي دي مصر يافهمي .

الجمعة، 9 مارس 2018


بمناسبة اليوم العالمي للمرأة .


" الغرام زهدٌ دنيوي كالزهد الديني في خشونته ، سواء بسواء ، لذلك نرى الغرام العظيم نادراً في النساء كندرة الزهد العظيم "
أناتول فرانس .
أوافقك الرأي ياأناتول  ، أنا المرأة التي تملك فيضاً من عاطفة تستطيع أن تنفقها في أوجه شتى ، وترفض أن تهدرها على أمرٍ واحد !
نعم.. المرأة ضنينةٌ بذلك ، لقد أجبرتها الحياة أن تخبيء حبها الأبيض ليومها الأسود ، علمتها صروف الدهر كيف تكون ضليعةً في الاقتصاد ، كيف توازن بين واردات عواطفها وصادراته ، كي لاتجد نفسها يوماً رهينة كسادٍ يتلفها ، أو عجزٍ يلفظها خارج دائرة الطلب والتودد . المرأة أيها الرجل لاتستطيع أن تكون مثلك  ، أنت الذي إن ضربت أوجعت ، وإذا شربت أسرفت ، وإن سرقت لم تقبل بأقل من جمل  ، أنت متطرّفٌ ومغامر ، والمرأة في الغالب لاتحسن ذلك  ، كانت ومازالت تتحس وقع خطاها كمن يعبر حقل ألغام  . هذه المرأة التي نجت من قبور الوأد ، وأسواق النخاسة ، وبلاط الجواري ، وعقود المقايضة ، تعلمت وهي تطبخ الماء لتسكت بكاء أولادها الجياع ، أن تحتال على قلبها لتضمن البقاء  !
يوماً عن يوم كانت مهارتها تزداد ، وكلما اعترض طريقها خيبةٌ أو خذلان ، كانت تجرب حيلاً جديدة تبقيها بعيدةً عن متناول الأذى والفناء . الزهد لايلائمها ، الزهد عدو الزينة ، وجهٌ شاحب يريد أن يسلبها أقوى أسلحتها  ، لم يكن الزهد يوماً في صفها ، لم يكن صديقاً لها ، ذاك الذي يحول بين عينيها والكحل ، بين خدها وحبة الخال ، بين قدمها وجلجلة الخلخال  ، الزهد انكفاءٌ واعتزال ، يتطلّب شجاعةً بلونٍ واحد ، والمرأة أتقنت عبر حروبها فنون نضال الحِرباء  ،  الزهد يرفض الألوان ، ولا حياة للمرأة دون هذي الألوان  !

نعم ، لقد تعلمت المرأة عبر العصور ، أن تحسن توزيع عواطفها ، أن تنتقل بخفة بين الأدوار ، كان ذلك مرهقاً لها ، لكنها كانت تمضغ الصبر وهي تحيك قبعة الإخفاء  ، استُـنـزِفت قواها وهي تقسّم قلبها أوصال ، وبات من المحال عليها أن تهب كلها لجهةٍ دون جهات ، لقد تترست في خانتها ، أقسمت ألاّ تقع في فخ الزهد حتى وإن استدرجها من نقطة ضعفها /قلبها / ، مهما قدم من رشى ، وساق من وعود ، بالجِـنان والخلود ، والغرام العظيم الذي  لايموت  !

الثلاثاء، 6 مارس 2018


تعا ولاتجي واكزب عليا ، الكزبة مش خطية... اوعدني انه رح تجي... وتعا ولا تجي...

في المشهد ماقبل الأخير من فيلم the Edge ، حيث يرقد بوب بعد إصابته القاتلة ، والتي أدرك حينها بأنها قاتلة ، وأدرك معها بأنه يحتضر ، حدّ أنه أدلى باعترافه الأخير لتشارلز طلبًا للغفران ، ورغبًة في تقديم عملٍ صالحٍ أخير ، فعل كل ذلك بانطفائة الحزين المغادِر ، بيقين المرتحِل الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة ، لكن... بالرغم من قوة هذا اليقين ، بالرغم من جلائه وحقيقته ، ماأن تناهى إليه صوت طائرة الهليكوبتر التي جاءت لإنقاذهم ، حتى استدار صوبها ملوّحًا تلويحته الأخيرة ، ليهوي بعدها على وجهه ، في اقترانٍ أبديّ مع التراب... ولاشيء إلا التراب .
مجددًا ، إنها سطوة الأمل . الأمل الذي أغوى صبية الحب ، لتصيح بحبيبها : اوعدني انه رح تجي ، وتعا ولا تجي . حتى الكذب ، في عُرف العاشقين الغارقين ، المتشبثين بقشة أمل.. لايصبح خطيئة . وكيف يكون كذلك، وهو أنبوبة الأكسجين الأخيرة لذاك الملقى في قعر حفرةٍ في جبلٍ جليدي ، حيث لاصدى ولادفء... وحيث "الموعد المهجور لاينبِت الورد" . مصيدة الأمل لا تكتفي باغوائك حتى وقوعك في الفخ ، بل تكمِل صنيعها بالمفاجأة المُلجِمة ( كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده) . الأمل جادٌ في عمله ، متقٍن له . إغواء ، ف فخ ، فضربٌة قاضية .
وأنت الجالس خلفك نور الشمس ، ترتجي الدفء ، وتأمن غيلة الحرق . عينك في المدى ، وقلبك موصولٌ بالغد. يناورك الغد ، وتخدعك خيوط الشمس ، يوهمونك بيومٍ جديد ولا جديد . تجتر الساعات ، ويبتلعك الظل . تأتي كل يوم مع إطلالة النور لذات الوعد ، دليلك ذات الغيمة والأيكة العظيمة . يغلبك التعب ، وتكتم السماء فوقك ضحكتها من غفلتك .

الأمل للدراويش ، والعقلاء لهم الله .
بالأمس كنت أقرأ قصة ذلك الطبيب مع الفلاحة التي لم تكن تفقه معنى المواعيد ، ولا تعطي عظيم بال للالتزام بها . واتضح لاحقـًا أنها لاتستوعب أيضًا ماهية السرطان الذي أخذ يواصل النمو في صدرها ، كما لاتكترث للعمليات الجراحية الطويلة المعقدة التي يحتاجها ابنها المعاق . كانت تقابل كل ذلك ، بالاضافة لفقرها وترملها ، بابتسامة الرضا والأمل . عيش السعداء الذي لخصه المتنبي : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم . إنها نعمة الجهل والوثوق بالأمل . وأنت الواعي بحقيقة هذي الحياة ، بأنك مُلقى في كونٍ غريب ، وحياةٍ أغرب ، وتفاصيل وأقدار تتجاوز استيعابك ، يداهمك حزنك العتيق ولا تجد بُدًا من اللجوء لله ، البحث عن يده ، تتشبث بها وتضعها على قلبك المضطرب الحائر علّه يهدأ ويستكين .

وبينما تطويك أمواج الحياة ، وتأخذك الدنيا في دروبها ، لاتغفل عن حبائل الأمل ، جدد ذاكرتك كلما عاودك الحنين ، اعقلها ولاتتكل إلا على المحسوس في شباكه . اعط الأمل كفاف يومه ، لا تقصيه فتستوحش ، ولا تأمنه فيمتطيك . اذكره كلما لاحت شمس أواخر الشتا الغاوية ، تستدرجك للدفء وأحضانها تسلب العافية .