الثلاثاء، 30 يناير 2018


الأوجاع كثيرةٌ ياالله.....
الأرض باتت خراب ، والكل يتهمك ، تارةً يقولون أنه دينك ، ومرًة يقولون ، المتحدثين باسمك ، و آخرون يتجرأون فيصرخون : علة العلل توهّم وجودك  !
تركت متابعة الأخبار ياالله . كنت غبية ، توهمت ذات بَـلَـه أن تافهةً مثلي قد تحدِث فرقاً ، كنت أكرر على نفسي  : المؤمن للمؤمن كالبنيان ، ومن لايهتم لأمر إخوته فليس بإنسان ، لكن إخوتي تفرقوا أشياعا ، باتوا كلاباً ينهش بعضهم لحم بعض ، فيما الأعداء يقفون بالباب .
أنقذني ياالله  ، هذي القيود تنهكني ، تسرق الأيام من عمري فيما أحاول الخلاص منها ، فاتني الحب وأنا منشغلٌة في تخطي هذي القضبان ، فاتتني أشياء جميلة كثيرة ياالله . قد عُـقِد على قلبي ولساني ، ودفِنت تعويذتي في مكانٍ طواه النسيان ، لم أعد أفكر سوى في الهرب ، لكن... يبدو أنني تأخرت جداً  ، رِجلاي غارتا في الأرض ، وجذور حزني ضربت عميقا ، وذات يوم ستنـبِـت طلعاً موبوءا ، ينتظر الليل ليبعث لحناً موحشا...
بات حاضرنا أشبه بالماضي ياالله ، لايمكننا حياله إلا المشاهدة ، ترقّبٌ بغير فعل ، استعراضٌ بغير فعل ، وفعلٌ لايشبه الفعل ، ثم تنطلق عصافير القلب أشجان  !  وحدها الكتابة أمست الفعل الأكثر هيبة وأقل عتهاً وسط هذا الجنون  ، وهاأنذا تحك الريح جراحي ، فأسقط كعروسٍ باغتها الموت...

أرخى الليل سدوله ومضى المتعبون  ؛
سقط من شرفة ذلك البيت قمر ، وغادر باحة ذاك البيت صبي ، وباتت امرأةٌ هذه الليلة دون رفيق ، ومازال عازف الليل يعزف الناي ، وأنا التائهة في ظهر الأزقة ، أشم بقايا الحياة ، أبحث عن جرعة حب أحقن بها وريدي كي أنعم بنومٍ هاديء ، أريد ساعةً من نومٍ عميقٍ ياالله....
ياالله ... يارجاء المسحوقين  ، عبيء لنا في هذي القناني شيئاً من نور ، امنحنا إشارةً نواجه بها هؤلاء المرتابين ، ربت على قلوبنا كي نستكين ، طال الليل ياالله ، وأنّـات الموجوعين تثقب آذاننا ، تؤكد لنا بإلحاحٍ أن لسنا بخير...
وأنا.... أنا وحيدة ، لايعرفني في مدن الأشباح غير الحزن ، قد حفظ وجه قلبي عن ظهر تعذيب ، أظل أسير وأشعر أبداً أنني على حافة كارثة . أهرب نحو مالا أعرف ، أخط وأمحو ، أرسم وأنكِر ، وتسقط من العين دمعة ، يوماً عن يوم يزداد الملوّحون بالوداع ، وأظل هنا لاأستشعر إلا الضياع ، أدير وجهي فتصفعني ضحكة الأيام ساخرة ؛ قد خسرتِ اليوم عمر ، وانطفأ لكِ حلم   !

كل مافي الأمر أني قد حزنت
وأن قلباً كاد ينبض.. فاحترق
كل مافي الأمر أني قد خسرت
وأن عمراً كاد يرجع.. فاختنق
كل مافي الأمر عـمـر
لاتبعثره الحياة ولايلملمه الورق .

الجمعة، 26 يناير 2018


مرحبًا أخرى، سيدة مي..
لاأدري حقًا ماالذي يجب أن أشعر به إزاء اختياركم لي رسولاً ينقل ملاحظاتكم ومشاعركم للعالم العلوي . هل هو علوي أم سفليّ . هل نحن فوقكم ، أم أنتم من تحلقون فوقنا ؟ . المهم ، كنت أقول أنني لا أعلم على وجه التحديد الشعور الملائم لهكذا وضع ، هل يجب أن أكون فخورة باختياركم هذا ، أم يجب أن أخاف وأحتاط ، هل الأمر طبيعي ، ويحمل امتيازًا يدل على مدى رهافة ونقاء من يختص بمثل هذي الكرامات ، أم أن كل مافي الأمر أن البعض منكم يتجول في عالمنا ، حتى إذا ما وجد روحًا وحيدًة هائمة ، تمشي على غير هدى ، مستعينًة بضوء قنديل قلبها ، كانت المرشح المثالي للوساطة .
عمومًا ، أسعدني سيدة مي حديثك الحماسي عن قضايانا ، واهتمامك الغريب بها ، وهو غريب ، لأنك في حياتك لم تكوني صاحبة رسالة ، أو ذات اهتمام ونضال لأي قضية قومية ، أو اجتماعية ، أو حتى نسوية . انظري سبحان الله كيف تطورتي ونضجت شخصيتك بعد الموت . هذا أمر مبشر ، وهو يعني أنه بإمكان الإنسان الحصول على مافاته في حياته ، وتحقيق أحلامه ، وتهذيب نفسه. أليس كذلك ؟ يؤلمني أن أفكر أن كل شيء يتوقف هناك ، وأن حماسك المفاجيء وتغيرك إنما هو بسبب لوثة تضرر بها عقلك نتيجة الضربات المتوالية على رأسك من الشجاع الأقرع وبقية ملائكة العذاب . هل هذا مايحدث بالأسفل ، هل يتم كيّ أجسادكم بالحديد المحمى ؟ هل يُصب الرصاص المنصهر في آذانكم . نعم نعم ، لاتتفاجئي من أسئلتي ، فهذا ما قالوله لنا في المدارس. لا أخفيك أنني ظللت سنوات طويلة ، أستوي جالسة على سريري بعد هروب النوم من أجفاني ، مختنقة بذعري وأنا أتخيل كل ذاك التعذيب . تركت كل ذلك الخوف الآن ورائي ، بت مطمئنة إلى فكرة أن تلك القصص ليست إلا مبالغات من نسج الخيال ، أو حكايا بُثت لمآرب معينة . لايمكن لله الرحيم أن يتعامل معنا بهذه الطريقة الفظيعة . الرسول أخبر معاذ أن كل من نطق شهادة التوحيد بيقين هو في الجنة . كيف يُدخلنا الله جنته وقد عذبنا من قبل بتلك الصورة المُهينة الموجعة ! الأمر لايستقيم مع تكريم الله للإنسان.. أبدًا .
على العموم ، يبدو أن ماأثار حماسك للاهتمام بقضايانا هم الأطفال . وأمام الأطفال يصبح كل البشر على ملةٍ واحدة . أرجوك سيدة مي اهتمي بالأطفال وساعديهم . كوني أفضل منا . نحن لانفعل لهم شيئًا سوى تصويرهم . نلتقط الصور وننمق العبارات الحلوة تحتها ، أو نتبنى شعارات وقضايا باسمهم تدر علينا الدراهم والمنافع .
حديثك عن الربيع العربي بهذه الطريقة المستهجِنة يؤكد فكرتي المسبقة عنكِ ، من كونكِ - واعذريني هنا - تدورين حول ذاتك فقط . كيف تنكرين على الشعوب العربية هبّـتها التي انفجرت نتيجة تراكماتٍ من ضغوط الذل والمهانة والحرمان . الثورة لم تكن خيارًا خاطئًا ، الخطأ كان ربما في التوقيت ، في العجالة التي تمت بها الأمور ، في الميكافيللين الذين استغلوها لصالحهم ، في الخونة الذين تآمروا لوأدها في مهدها ، في الجواسيس الذين باعوها بثمنٍ بخس . في الأغبياء المفتقرين للحنكة والجرأة . في السذج الذين خدعهم الخب . لكن لابأس ، كل ذلك جيد . هذه الأخطاء لابد منها ، من أجل تمايز الصفوف ، وغربلة الأمة ، وتنقية الشوائب . لن تهتدي للصواب مالم تعرف الخطأ . ولن تتجنب الخطأ إن لم تقع فيه . أعلم أنك في سرك تستنكرين : وهل يعقل أن يكون ثمن الوصول للصواب دماء كل هؤلاء الأبرياء ؟... نعم يُعقل ، وانظري للأمم التي سبقتنا نحو الحرية كم بذلت من دماء وآلام لتنعم بما هي فيه الآن .
يؤسفني أن أخبرك سيدة مي ، أنه أمامنا على الأقل ثلاثون عامًا من الطحن . وقد تزيد ببضع سنوات . فتفسحوا يرحمكم الله في مجالسكم ، وهيئوا لنا مكانًا رحبا . واستعدوا لصخبٍ أشد وأقوى .

من العالم القادم : هند وأزمانها.

هللويا... هللويا ، المجد للنقاء ، المجد للصفاء ، المجد لأطيافي ، قد بت الوسيطة الروحية بين عالم الموتى وعالم الأحياء . مزيدًا من الشتات ياالله ، مزيدًا من التوهان ياربي .

وصلتني رسالتك ياهند ، ولما كنت عرجتِ فيها لمسائل قومية وشخصية ، فسأشعر بالصغار لو وافيتك فيها بأموري الخاصة ، وجلوت لك أمر مي وجبران ، وآلام مي والعصفورية ، وحقيقة مي عاطفًة وشعورا ، في وقت تذكرين فيه اللامعقول العربي ، وزخات الرصاص ، وأحاديث عن المقهورين والمعذبين .
بيد أنك أثرت حيرتي ياهند ، تسأليني كيف نقرأ أصوات الرصاص التي تدوي فوق رؤوسنا ؟
أنا من يريد أن يعرف_بحق الله_ أي عش للمهاويس أقيم بطول وعرض الوطن العربي؟
من أنتم ؟ هل جننتم؟
تستفسرين عن وضعنا هنا تحت الأرض وطبيعة العيش و و و ، نحن صداكم ياهند ، نحن على ماأنتم عليه ، أعرف أن الأمور اختلطت عليك ، ودخت بين تطواف كلامي الغير مرتب ، سامحيني يابنيتي رسالتك دبوس وخز بالون غضبنا هنا !
نعم ..فقد عرضت رسالتك على جمعنا الكريم في آخر حلقات الصالون الذي أصبح يُعقد على فترات بعيدة بسبب تدهور النشاط الثقافي عندنا، وأجمعنا على وجوب الرد برسالة وافية ، ترسل من شعب البرزخ المؤرق بأفعالكم وخبالكم ، وارتأينا فيك خير من يحمل هذه المهمة.

انظري يابنيتي ربيعكم العربي لم يزهر إلا عندنا ، عشرات الآلاف من الأرواح اللاجئة هنا ، أطفال ونساء وشباب وعجائز ، آلاف وآلاف من المخيمات هنا ، للأروح الموؤدة باسم ربيعكم العربي ، أرواح لا تعرف باسم من قتلت ، أطفال يبحثن عن أمهاتهن ، وليس حتى في مقدور عطفنا أو أفهامهم أن نشرح لهم كيف أنهم قد عبروا، وانفصلت بهم العوالم ، الأمهات سائحات في الدروب يصرخن ويولولن ، ويهذين بأقوال نستعصي على فك شفراتها .
مامعنى الداعشية والسيساوية ...هل هي نوع من الأوبئة فتك بكم ؟
ومن هما الأخوان ، والنصرة ؟
وغاز السيانيد ؟
ومعركة الجمل؟
والثوار والنشطاء والفيس بوك ؟

مامعنى هذه المصطلحات !
ومازاد الطين بلة ، أن الارواح تأتينا عليها علامات تعذيب واختناق وكدمات وزرقة ، وأرواح مقطوعة الرأس تحمل رأسها بين كفيها ؟

ولما حرنا في فهم طبيعة ماأصابكم ، ذهب كل منا في تفسير ، أصحاب الفكرالديني يقول أنها علامات الساعة ، وأحداث آخر الزمان ، والقوميين يقسمون أن هذا الفصل الاخير من الصراع العربي الاسرائيلي ، وأن العرب هبوا لإنهاء سبة اسرائيل من فوق الجبهة العربية، فدفعوا بأجسادهم العزلاء ، أما المناطقة وهم يتزعمهم الكاتب مصطفى محمود ، يميلون إلى أن العرب ارتدوا لعصور ماقبل التاريخ ، وأصبحوا كالقردة على الشجر ، ووحوش الغابة يذبح بعضهم بعضا .
أما أنا ياهند كان لي رأي خاص ومتواضع :
الأمة التي تصل إلى هذا الدرك الأسفل من التشرذم ، ويهون عليها براءة أطفالها ، وشرف نسائها ، ولاتوقر شيبة كبرائها، محال أن يكونوا أنفسهم يدرون ماحاق بهم ، الغالب أنهم مخلخلون ومستضعفون وسبية في يد أمم اجتمعت عليهم كما يجمتع الأكلة على القصعة .

أما عن الشعر وشوقي والبردوني ، الزمن زمن الخنساء الآن، فالمرثيات تصدرت فنون القول على أرض البرزخ . أصبحت الخنساء شاعرة شعب الخيام ، وأم الثواكل ، وأخت المكلومين . تتوكأ على عكازها وتعبر بين الخيام تواسي هذا وذاك ، وتنشد شعر يمسد على القلوب المنجرحة ، ويطيب المواجع ويتحسر على زمن طوي كما طوى الأسى أطراف هذه الأمة.

جمع الله شعثكم ياهند ..


أرض البرزخ .
مي زيادة

تكيّة للتوضيح ...

من سنتين تقريبًا وأنا شغالة على نفسي وحياتي تهذيب وتشذيب وغربلة وتنقية ، تركت الجدل بنسبة أكثر من 99.9% بتكة ، اللي قدرت أتخلص منهم من العالم اللي كانت بتزعجني ومسببتلي أزمة ف حياتي ، من المتكلفين ومدعي المثالية والشياطين المتنكرين بثياب التقوى ، والنقادين والمتأففين الخ الخ... المهم اتخلصت منهم ، واللي ماقدرت بسبب الرابط الغصب اللي بيربطني بيهم ، اتعلمت شلون أخليهم على مسافة مناسبة مني ، وإن حصل واجتمعت بيهم ، فأذُن من طين وأذن من عجين ، وألزم ماعليّ مزاجي ومرارتي وجمالي ، ماعدت أحاول أقنع أحد بي ولا بآرائي ، ولا أحاول أبررني ولا أشرحني ، ولا أتوقف عند أي أمر أو أي شخص وقفة ممكن تكدرني ، أو تعطل شي من أموري ، أو تفوّت عليّ لحظة جيدة لو كانت لحظة شرب فنجان شاهي مهيّل. خلص ، قدرت استوعبت كمية الشر اللي بالحياة ، والأذى اللي بإمكان العالم إنها ترتكبه ، فهمت شكثر الظن السيء حاضر ومُقدّم ، وصل فهمي حد اني استوعبت حتى نظام العبودية اللي أنا مقيدة بيه باسم العمل ، سلّمت بحكاية اني فعلاً عبدة للحكومة ولنظام العمل ، ولازم أساير وأنفذ المطلوب وانخرس . تركت الفورة والهيجان والتمرد اللي كنت بيه ، واللي مانابني منه إلا تلف الأعصاب والنبذ من الكل ، وبالنهاية شنو . كل اللي حولي نعاج ، نعاج لكن ملائكة ، وأنا الوحيدة الشيطان وأيقونة السوء اللي الكل يتعوذ منها .

يحصل إنه تكثر بلبلة حول بعض الأمور ، ولغط لابد من قشعه ، وغموض لازم إزالته ، تاخذني الحماسة في البداية ، لكن سريعـًا - وبشكل غريب - ما يخيّم الهدوء والقناعة اللي وصلت ليها ، فأميل بظهري للخلف ، واحط رجل على رجل ، وابدأ أتكلم بتأني وطمأنينة . واللي حصل مؤخرًا ، وتحديدًا منذ بداية مراسلات السيدة مي معي ، هو أحد هالحالات اللي حتوقّف عندها وقفة وحيدة هادئة للتوضيح .
تقريبا من أول رسالة وصلتني من السيدة مي ، وصلت معها أولى الرسائل اللي بتشكك في وجود هالمخلوقة ، وتلمّح والبعض صرّح إنه مي هذه هي من صنعي ، وليست إلا حساب آخر لي ، بعد كذا ، هلّت بقية الاتهامات والظنون ، من كون السيدة تستغلني وتستغل صفحتي لتُعرف من خلالي ، وآخر الاتهامات ، واللي خلاني أفتح هالتكيّة ، وأزعجني للأمانة ، هو اتهامي بأني أقلد الأستاذ الكبير عبد المنعم جاسم، في مراسلاته مع المتنبي !

طيب... بدايًة ، كل الكلام اللي استهليت بيه التكيّة ، واللي اتحدثت فيه عن الشغل اللي قاعدة أشتغله على نفسي ، والقناعات اللي وصلت ليها ، حتمًا ولابد يتنافى مع الفكرة السخيفة اللي تقول اني ممكن أعمل حساب آخر ، وأرسل لنفسي منه...... ليه ؟ ولجل شنو ؟ وشنو الهدف ؟ طب ماأنا أقدر أعمل مراسلات بيني وبين السيدة مي زيادة ، بدون ماأضطر لاختلاق وجود حساب لها على الفيس ! وحدة من ثنتين ، ياإما هالانسان اللي قاده خياله لهالفكرة ، عنده من الظن السيئ أطنان تكفي لجعل البشرية كلها بذات درجته من الارتياب ، ياإنه عنده من الفضاوة أضعاف الفضاوة اللي انوجد بيها آدم من نزل بروحه للأرض ، واتخيلني فاضية مثله لدرجة أعمل حساب آخر واتهبّل وأرسل لنفسي منه . أما عن الظن الآخر من كون السيدة صاحبة المعرّف " مى زيادة " تحاول استغلال جداري لتنشر كتاباتها ، فهو أمر عار عن الصحة تماما . ليش ؟ لأن المخلوقة أبدًا ماتطرقت لهالموضوع ولا طلبت مني هالشي ، القصة كلها بدأت بلعبة بيني وبينها ، بعد ما نشرت البوست الساخر اللي صورت فيه مرورها بنصوصي ، راسلتني المخلوقة بداعي التعرف عليّ ، وكتبتْ ماكتبتْ ، ولم تتطرق إلى نشر ولا غيره . بل أنا ، أنا من استأذنتها لنشر رسالتها ، وبعدين تفاجأتْ بردي عليها بتلك الرسالة، واتفقنا نكمل اللعبة ، ثم أنا منو ، وشنو الفيس من منبر ، ومين أهل الفيس الفطاحلة ، اللي لجله تحصل استغلالات وتحاك مؤامرات... ياربي لك الحمد والشكر !

أخيرًا ، وأهم نقطة وأبيخ اتهام ، اتهامي بأني أحاول تقليد الأستاذ عبدالمنعم ، وهو اتهام بصراحة مستفز ، لدرجة انك ماتدري انت تضحك والا تهشم وجه اللي قدامك بطفاية السجاير . ليه ؟ لعدة أسباب ، أولها وأنا بقوله بكل خجل ، إنه أنا للأسف لا أقرأ كل مايكتبه الأستاذ عبد المنعم ، وماكنت أدري بوجود مثل هالمراسلات بينه وبين المتنبي ، طبعا ماراح أتشنج وأقسم زي ماكنت أعمل زمان ، وهاتك ياحلفان ، وذمة أمانة ، والسبابة في اللسان والتفلانة على الرقبة... لا لا ، بكل هدوء وثقة : أنا فعلا ماكنت أعرف بأمر هالمراسلات، كون أغلب ماكنت أقرأه للأستاذ عبدالمنعم كانت نصوص خاصة بما يصله على الخاص من رسائل ، وما دريت انه عامل سلسلة مراسلات خاصة بالمتنبي ، ظننتها حسب ماعلق بذاكرتي رسالة يتيمة موجهة للمتنبي . وحتى لو أنا كنت بقلد الأستاذ عبد المنعم ، فمكاتباته ليست بدعة واختراع خاص به ، إنما هو نفسه سار من خلالها على خطى من سبقه ، وهكذا العلوم والآداب ، خطوات مكمّلة ومتمّمة ، والأدب بالذات مواضيعه مكرورة لأنها مواضيع انسانية تعنٓى بالإنسان وبشؤون وأحوال هذي الحياة ، وحتى نجد كائنات أخرى غيره ، وكوكب آخر غير هالكوكب ، سنظل نعيد التدوير ، ولن يميز أعمالنا سوى أرواحنا . وعمومـًا ، أنا انسانة ذكية ، وتكاد تكون هذي الحسنة الوحيدة فيني اللي أنا مؤمنة بوجودها ، ذكية بحيث حابة يكون لي خطي الخاص بي ، وماأدخل في مزالق التقليد القاتلة للإبداع ، وذكية لأني أعرف قدر نفسي زين، وحدود إمكانياتي ، ومستحيل أحط راسي براس أديب بليغ متمكن ، وناقد مثقف وممتليء مثل الأستاذ عبدالمنعم ، لأنه منظري حيكون مضحِك ساعتها . وبس .

طوّلت عليكم ، ومافيش ضيافة في التكيّة غير اللي شربتوه ، الأكل المرة الجاية . وخلص ، سديتوا نفسي وحبطل مراسلات ، إلا اللهم إن راسلني أبو نواس 🙈

الأربعاء، 17 يناير 2018


مرحبًا سيدة مي ..
لا أدري كيف ستقرأين رسالتي هذه ، لا أظنك تجلسين خلف مكتٍب لمطالعتها بينما المصباح مضاء الى يسارك ، كما لا أتخيلك ممدة على كنبة أو سرير ممسكة بجهاز جوال أو فأرة لاب توب... هاه؟ الأمر ليس على هذا النحو حيث أنتِ ... أليس كذلك ؟
كيف هي الأمور عندك ؟ سامحيني على السؤال ، لكن العالم الذي غدوتِ فيه مثيرٌ لفضولنا نحن الأحياء . ياإلهي ، ماأن أنهيت كتابة العبارة السابقة ، حتى تخيلتك تعقدين حاجبيك باندهاش . أرجو أن يكون محض خيال . نعم ، هذا مانعرفه حتى الآن ، أننا نحن الأحياء ، بينما أنتم الأموات المودعة أجسادكم أعماق الأرض ، لم نكتشف بعد أمرًا مخالِفًا... لازلنا من نتنفس ، وأنتم من سكنت أنفاسكم . أتمنى ألا يكون كلامي فظًا بالنسبة لك . حسنًا ، هل تشعرون بنا ونحن فوقكم ، هل يزعجكم وقع أقدامنا ونحن نمشي . امممم ، أظنه سؤال غبي . تركتُ كل أصوات القنابل والانفجارات والرصاص ، لأسألك عن وقع خطانا ! يبدو أننا لاندعكم تنامون ، كل هذي الحروب ، والعويل والصراخ ، أصوات الطائرات والدبابات وسيارات الإسعاف ، لكن لاتفزعي ، ليس كل من مات برصاصة قد قتل في حرب ، نحن نطلق الرصاص حتى في أفراحنا ، ثم هناك النيران الخاطئة ، تلك التي يطلقها مقاتلوا المعارك على رفاقهم بالخطأ ، ويسمونها النيران الصديقة . لا أدري كيف تمسي نار الرصاصة صديقة ، ولا أرى فرقًا بينها وبين النيران المعادية ، فالمهم أن المصاب بها قد أرسِل إلى ذات النهاية . الحق سيدة مي ، أنني أفكر أن الخطة هي على هذا النحو ، وأن المطلوب هو القضاء على أكبر قدٍر ممكٍن من البشر للتخفيف من حمولة الأرض ، الأرض باتت صغيرة علينا ، لذلك يعمل كبراؤنا على دسنا نحن الضعفاء في باطنها ، إننا لانستطيع مجاراتهم في لباسهم وذائقتهم وأطعمتهم وقصورهم ، وهم لم يجدوا بعد كوكبًا آخر يصلح للحياة ، وإلا لانتقلوا إليه وتركوا لنا هذي الخرابة .
دعينا من كل هذا الان ، أنتِ محقة ، الكُتاب لايموتون، إنهم حاضرون في أرواح قارئيهم ومحبيهم ، لذلك تمنيت أن أخلق كتابًا أبثه خلجات روحي ، وأنفخ فيه من توق أحلامي وحنيني ، بيد أني سيدة الفوت ، لطالما كان محور قصة حياتي ، كنت ومازلت أصل بُعيد النداء الأخير ، أتشبث بآخر تلويحة ، وأرقص وحيدًة مع بقايا روائح المغادرين .
نعم ، قلبكِ لم يخفق سوى لجبران ، هذا ماأنا متأكدة منه ، لكن اعذريني إن قلت أنكِ لم تعرفي الحب الحقيقي ، لا لوم عليك طبعا كونك لم تجدي في كل من تحلّق حولك من الأدباء حبيبًا يوافق أحلامك وتطلعاتك ، وينسجم مع شرقيتك التواقة للنمط الغربي ، بطريقةٍ ما ، أظن أن عشاقك أحسوا ربما باستعلائك هذا ، مع ضرورة عدم إغفال سمة التنافس الذكوري الفطري، والأدبي الثقافي ، الذي قد جعل البعض يستميت في طلب ودادك ووصلك ، فقط لكسب الرهان ، والفوز في المضمار ، وهو مايؤكده منظر تشييع جثمانك الهزيل البائس .
هل تعتبرين مادار بينك وبين جبران حبًا ؟ هل أنتِ جادة ؟ من جهته ، الأمر واضحٌ وجليّ ، وهو كما ذكرتِه . لم تكوني بالنسبة له أكثر من أيقونة مشعّة ملهِمة ، لفتاةٍ شرقيّةٍ مطّلعة ، تتقن العديد من اللغات ، وتحسن الحديث الأدبي العذب ، ذاع صيتها ، وجاز لكبريائه أن يتعاظم بها ومن خلالها . أما أنتِ ، فاسمحي لي أن أكرر : لم تعرفي الحب الحقيقي ، ولم تسعي إليه . بل ربما لم تريديه . لاتحاولي إقناعي بغير ذلك . كل هذا الحديث عن الحب العذري الذي جمعكِ بجبران لم أبلعه ، ولم يطمئن له فهمي . لو أنني أحببت أحدهم ، لسعيت للقائه ، فإما تأكد لي استحقاقه لقلبي وعواطفي _ شاءت الأقدار بوصلٍ أم لا ، سيّان - وإما طويت صفحته كطي السجل للكتب إن وجدته على غير ماتمنيت . أميل إلى تصديق أن هذا الوضع كان يحلو لكِ . وضع المرأة المتاحة المرغوبة العصيّة . أنتِ لم تريدي قفصًا يحرمك كل هذي الامتيازات، ولو كان سيد هذا القفص جبران نفسه . وأظن أن جبران كان يعي ذلك جيدًا ، لذلك لم يحاول الاقتراب منكِ . في النهاية قتلتك عاطفتك ونرجسيتك سيدة مي . وجدتِ نفسك وحيدة بعد موت والديك ، وأفول شبابك ، وخبوت وهجك . مات جبران ونفد الوقود الذي طالما بث الحياة في أوصالك ، واستطال بخيالك ، وفاقم الفضول حولك. كنتِ أديبًة جميلة ، ومتحدثًة بارعة ، ولايمكن لامرأة أتقنت كل تلك اللغات ، ألا أن تكون امتلكت ذكاءً من نوعٍ خاص ، بيد أن عاطفتكِ كانت سيدة أفعالكِ ، والموجّه الرئيسي لها ، لم تبحثي عن الحكمة ، فلم تبحث عنكِ ، وكانت تلك النهاية الباردة المؤسفة .

من فوق الأرض ، هند عودة
شهر يناير من العام 2018
تحياتي سيدتي ، وإن حضر أحمد شوقي لصالونك هذا المساء ، فأخبريه أنني لم ولن أبايعه أميرًا للشعراء... معليش ، البردوني أولى.

الثلاثاء، 16 يناير 2018


أشتات أشتوت ، سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم... سكّنهم مساكنهم ياودود يالطيف.. هذا وإنه قد أتانا مرسال ابنة زيادة يقينًا لا توهّما ، وحقيقًة لا ادعاءا ، وحروفًا مصوّرًة ، لاحبرًا سريا مخاتِلا ، فاقبضوا أنفاسكم يارفاق ، واقرؤا ماجاء في رسالتها من تبيانٍ وملام .

سلام عليك ياهند..
أما قبل : فقد بعث حرفك فينا الحياة من مرقدنا ؛ وإنك والله لمن المبدعين .

أما بعد : إنني ياهند في روح كل إمرأة حصيفة ، تشعر بنفسها ، لها قلبٌ وعقٌل وأفق ؛ الكتّاب لا يموتون عزيزتي ، نحن نمثل الموت فقط ، إننا أحياء في أرواح كل من قرأنا ، أرواحنا لا تنسدر خلفها العوالم ، بل نرشح كما يرشح الضوء من الستائر بين هنا وهناك ، ونتضوى في الوجود الذي بذلنا أنفسنا لأجله ، في محاولة محاربة العدم .

أما عن رجالي ياهند الذين تاهوا بيّ وفيّ !
هناك رجولة ...رجولة واحدة ياهند تتجلى أنوثتنا في حضرتها وماعداها محض زيف .
هناك واحد ... واحد فقط ؛ نعيش معه الحب بمعنى الولادة والتجلي والسمو والإشراق وماعداه محض توهم أو توق للإعادة .
هناك واحد نحلم بفك ضفائرنا لأجله ، والتجمل له ، والسعي لإيقاعه في حبنا أكثر من مرة .
وقد كان جبران وحيد قلبي ومعشوقي ورجلي من بين كل الرجال ، أخذ بعذرية قلبي ، وأُدمغت به روحي ، وكنت معه أنا كماهي .
أتعرفي ياهند معنى أن تكوني مع أحد انت كما هي انت ؟
كان جبران الحبيب والأخ والصديق ، ضمنته كل ماتحلم به فتاة في فارسها ، زينته فيّ وليّ ، خِفت عليه من مجرد فكرة تعبر روحه فتكدره ، خِفت عليه من تقلب جوّ يكدر مزاجه ، خِفت عليه من نفسه ، خِفت عليه بقلب أم ياهند ، وأحببته بقلبها أيضا .
لكن من أنا في حياة جبران ؟
يؤسفني ياهند أن يكون بعد هذا الحب المطلق له ، أن لا أكون غير عروس لأدبه ، ومادًة لإلهامه ، والفتاة التي وصلته بشرقه ، وبعثت بداخله حنين وطنه، ووصلته بجذره وزمنه الأول ..من أنا وسط مجزرة نساءه ياهند ؟؟؟
تسأليني لماذا لم أسعى لمقابلة جبران ، هل أنا من كان يجب عليه السعي ؟؟
السعي للرجال ياهند ، لو كنت رجل لقطعت المسافة بيننا على رموش عيني ، لكنه لم يفعل !!
وأنا مي درة جيلي ، وسيدة نساء الشرق ، والأديبة التي لم يكن لأحد _من قبلي وبعدي_ مجد حبرها .

تسأليني عن صالوني الأدبي ، ومن جاء بي إلى مصر ....لن أرد عليك ، فقد خلفت أسألتك فيّ الحزن ...هل الأجيال الجديدة لم تعد تقرأ سيرتي !!

الأولى ان تسأليني عن ليالي العصفورية !!!

وأخيرا يابنيتي ، قدس الله حرفك . استمري .

مي زيادة

اليوم ، دارت مي زيادة بكل منشوراتي ، ومنحتها إعجابًا وتفاعلاً مشوبًا بالحب والاندهاش☺️...
أشكرك عزيزتي مي ، لو أن الرافعي ، عبدالرازق ، يكن ، العقاد ، أو غيرهم من عشاقك كان حاضرًا الآن ، لربما غبطني على مادلقته عليّ من ثناءٍ وتشجيع . لا أخفيكِ أن في النفس شيء منكِ ، ربما هي ترسبات نظرية المؤامرة ، ربما هي فراسة العربية الأصيلة ، ربما ليست إلا ظنون غبية مقيتة ، أو قد يكون الأمر شعورًا خفيّا في اللاوعي لم أدركه بعد ، باعثه الغيرة لاسواها . لكني كنت ومازلت أرتاب في عالمكِ الغريب المحيّر ! لماذا قدمتِ إلى مصر ؟ من جاء بك ، ولماذا كان صالونك الأدبي؟ من أشار عليكِ به ، ولماذا ؟ لماذا كنتِ تبقين جميع عشاقكِ على مسافةٍ واحدة ، فلا تصدي ولا تعطي ، وكأنكِ تريدين الإبقاء على الكل تحت سيطرتك ، وتحت عينك ووصايتك ، في قيدٍ عجيبٍ لاينسجم مع تحفظك وتكتمك ورزانتك ، أمرٌ أقرب إلى نهم الجاريات منه إلى كبرياء السيدات . لماذا لم تسعي للقاء جبران ، الأديب الوحيد - كما أعتقد - الذي حملتِ له عاطفًة صادقة ، في الوقت الذي أخمن أن بقية عواطفك نحو الآخرين ، كانت مسايرًة ومجاملة ، أو تحت تأثير الضعف والحاجة والوحدة ، أو ربما لمآرب سترتها الأكمة المصرية الرؤوم !
لا أدري كيف كان سيختلف مصيرك لو أنكِ اخترت أحد عشاقك شريكًا لحياتك ، والمهم أنك كنت مصدر إلهام ، وجذوةً بقدر ماأدفأت ألهبت .

أرجو أن تباركي هذا المنشور أيضًا عزيزتي 🙂

السبت، 13 يناير 2018


أحتاج لإحساسٍ قديم ، لرائحٍة عتيقة ، لمكانٍ بكر ، أحتاج بدائيةً متخففة ، إنسانًا قديمًا بوجهٍ يحمل ندبًة وعلامًة فارقة . كل هذا "المودرن" . كل هذه الملامح التوائم من " النيو لوك" ، من الفلاشات والألوان الهجين. كل ذلك سمح للتوتر بأن ينال حصته مني . أريد أن أكون بين القدماء . بطريقةٍ ما أشعر أنني منهم ، وأنني ذات نسيان كنت بينهم ، وأن خطأ مطبعيًا للزمان أحالني للصفحة الخطأ ، حيث إخوة الفيلر والبوتكس ، وأصدقاء الهاي والياي وكوفي ستار بوكس ، حيث الانفعالات الكرتونية ، والعواطف التي على بحر "سكّت جوعك" ، حيث الكل على عجل ، يركض بكل حماسه نحو السأم...
أحتاج للسكينة المصبوبة في بيوت الحجارة والطين ، حيث لاصدى ولاتكرار ، ولا تتدقيق ، حيث العيون تغض الطرف إلا عن وجه السماء ، حيث الضيافة غمزة نجمة ، وإبريق شاي ، وقلوب موالها على البحر الطويل...

هناك كائنات خُلِقت لبعضها البعض دون أن تلتقي أبدا ، وهي تضطر لأن تحب أشخاصًا آخرين كي تتغلّب على الغياب !
اري دي لوكا .
إذن ، وبحسب منطق لوكا ، ينبغي ألاّ تغضب كثيرًا ممن فارقك فجأة ، بدون سبب أو عذرٍ مفهوم ، إذ أن كل مافي الأمر أنك كنت بالنسبة له مجرد مخدّر مؤقت ، فإما أن مفعولك لم يعد مجديا ، أو أنه التقى أخيرًا بحبه الحقيقي ! وأمام هذا التجلّي المؤلم ، لانملك إلا نحييّ ونثني على أولئك المنعزلين ، الذين اختاروا حُقن القراءة ، الكتابة ، السفر ، التأمّل ، كيّ يتغلّبوا بها على غياب توأم أرواحهم ، حُقن من شأنها ألاّ تقتات على قلوب وأحلام الآخرين ، وهي مع ذلك ذات مفعولٍ قويٍّ طويل ، جرعة بلا تاريخ انتهاء ، ومناسبة لرحلةٍ قد تكون أبديّة الامتداد !

احذر من الفراغ الذي تخلّفه كآبة خسران حبٍ عظيم ، مثل هذا الفراغ قد يدفعك للاختباء في كهوف علاقاتٍ فاشلة !

الأحد، 7 يناير 2018


إنه اليوم الثاني من أيام مأتم " أم سليمان " . وهي عجوز كانت تسكن ذات الحارة القديمة التي استقرت فيها عائلة أزمان فترًة من الزمن من بين فترات تنقلاتهم العديدة .  امرأة ينضح وجهها طيبةً وسكينة , من الذين يؤمنون أن السعادة يمكن اختصارها في " شيلة " وفنجان شاي، ومنظر شويهات ترعى في الجوار .ماأن تبدأ حديثًا مع أحدهم حتى يرق صوتها ، وتتساقط الدموع على وجنتيها وهي تسترسل في الكلام عن الماضي والذكريات ، ومن غادر ومات , لتختم قائلة : حبوا بعض ياوليدي , كل تلاهي الدنيا والوسوسة والتحريض ارموها في المجاري . تراها فانية .
وجهها الدائري المخضّب بالحمرة وعيناها الصغيرتان الوديعتان , مع شفتيها الرقيقتين كثيرًا مابعثت الطمأنينة في قلوب محدثيها , وشجعتهم على التبسّط معها ليبادلوها المزاح وأحاديث التشاقي . وحتى وهي تصافح الموت لم تكن لتتخلى عن نكهتها المميزة . أخذت تداعب الممرضة : مامن دوا يرجعلي شبابي لجل أتزوج  . ساعة وأطلقت شهقتها ابتهاجًا بالوفود على الأحبة التي آمنت أنهم في انتظارها , وهو ماأسرّت به لبناتها آن دخولها المستشفى : الأحبة ينادوني ...أنا رايحة للأحبة .
في مجلس العزاء التحفت ابنتاها الكبيرتان الصبر . وربما القبول كونهما قضيا معها ردحًا طويلاً حتى أضحت كل منهما ذات أحفاد ، وخطى قريبة من ذات المصير . أما الصغيرتان فقد ذرفتا من الدموع مااستحقه فراق تلك العجوز الطيبة , تبكيان ثم تلتفتان للحضور مبتسمتان وناشدتان عن الأحوال كديدن والدتهما المعطاءة الخلوق . البنت الوسطى  تطلقت مرتين , وقد أشيع أن الدواء الذي كانت تتعاطاه لأجل مرض صدرها قد أتلف مخها , هذا مابدا تفسيرًا معقولاً لضعف عقلها أو ماتعارف عليه الجميع بـ " دروشتها " . كثيرًا ماكررت والدتها بأن عقلها الصغير لم يكن قادرًا على استيعاب معنى الزواج والصبر والمجاهدة . ولذا فقد عادت إلى حضن والدتها بعد أربعة أشهر من زواجها الأول ، ثم استقرت عندها بعد السنة التي قضتها مع الزوج الثاني . عيناها المغرورقتان بالدموع كانتا تدوران في محجريهما على غير هدى , تنظر كالمشدوهة حولها ، لاتكاد تستقر على وضع أو في مكان  . وماأن تصافحها إحدى المعزيات حتى تلقي نفسها بين أحضانها وتنوح : أمي راحت ..راحت ...راحت أمي  ! وقد واستها إحداهن قائلة : ادع لها , لاتؤذيها ببكائك . تصبري . وفي الوقت الذي ناولتها فيه أزمان علبة المناديل  , أرسلت أخرى : أمك راحت عند ربها . تأملت أزمان وجه الابنة المصعوق وهي تسحب منديلاً بملامح الملقى في غياهب جب بلاحول ولا استيعاب ,  بدا واضحًا أنها لم تفهم حديث السيدة  , وهو ماأكده تصرفها حين عاودت إلقاء نفسها بين يدي المعزيات الجدد  باكية : أمي راحت ..راحت .امتلأت الغرفة عن آخرها بالنساء المتوشحات بالسواد . وبدا الجو خانقًا في الوقت الذي  قامت فيه حفيدات أم سليمان بتوزيع قواريرالماء البارد . وحين ارتفع آذان صلاة المغرب من المسجد المجاور تعالت أصوات النسوة : لا إله إلا الله , الله أكبر ..له الدوام . إحدى المعزيات رفعت صوتها مواسية بنات أم سليمان : رحم الله والدتكن وغفر لها وثبتها  بالثبات الصائب . تأملت  أزمان وجه السيدة مليّاً ثم توجهت  بنظراتها صوب شقيقتها ريم التي جلست في الجهة المقابلة ، وانشغلت في حديث مع بنت أم سليمان الصغرى . تبادلت الشقيقتان شبح ابتسامة ، وسخريةً صامتة ما كان لهما أن يفوتاها . أخذت أزمان تحدث نفسها : الثبات الصائب !! هذا يعني أن هناك ثباتًا خاطئًا ! من يملك صلاحية تصنيفهما , ومن يجزم بصواب ماثبت عليه . أليس هذا ماحيّر ابن الرومي حين أنشد : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ...ومن أين , والغايات بعد المذاهب  !! لكن ياترى , هل سنعاقب على ثباتنا على ماتوهمناه صوابا  ! في هذه الأثناء دخلت مجلس العزاء سيدة ثلاثينية جميلة ,  تضع ميك أب خفيف وترتدي ساعةً وخاتمًا أنتقوا بعنايةٍ فائقة , كانت حقيبتها الثمينة متناسقة مع الحذاء الجميل الذي انتعلته , ترحمت على أم سليمان معددة مناقبها فيما ردت الحاضرات موافقات ومؤيدات . فجأة دب الحماس , وتوالت عبارات الثناء وأعلنت سيدة سمراء , طويلة القامة , يخيّم بين خطوط وجهها النحيل عبوسٌ قديم  , أنه من علامات حسن ختام العجوز الفاضلة أن جاءت منيتها في ليلة الجمعة المباركة , تداخلت الأصوات المؤكِدة تطمئِن قلوب بنات أم سليمان اللاتي طأطأن رؤوسهن مسلّمات , فيما ظلت الوسطى تحملق في الفراغ وتهمس : أمي راحت..راحت , لتنحني عليها تلك السيدة التي دخلت للتو , تربت على كتفها بعطف  : ياحبيبتي ...كل الأمهات راحوا  !
نصف ساعة وغادرت أزمان مع شقيقتها ريم مجلس العزاء , مرت أثناء خروجها بسيدة تحدث رفيقتها : علينا أن نعود بسرعة , إنه يوم الجمعة ولم أقرأ بعد سورة الكهف . هبطتْ الدرج فيما دوى نواح الابنة الوسطى : أمي راحت ...راحت.
ماأن أغلقت أزمان باب السيارة حتى طلبت من ابنها مروان أن يرفع برودة التكييف , فيما أرسلت ريم من الخلف : يالها من مسكينة , لقد أشفقت عليها ...إنها درويشة تمامًا . أجابت أزمان وهي تحدق  من نافذة السيارة : ربما , وربما العكس هو الصحيح . ماذا تقصدين ؟ ....ااه ...هل تعنين تلك السيدة التي تحدثت عن الثبات الصائب , أطلقت ريم ضحكة عالية وهي تتابع : ياإلهي , كدت أن أرتكب فضيحة وأنفجر بأعلى صوتي مقهقِهة في مجلس العزاء حين غمزتِني بنظراتك . مروان الذي تابع  حديث خالته ريم  بابتسام  سأل بفضول : ماذا ...ما القصة  ؟! سريعًا ردت عليه ريم : إنها امرأة أرادت أن تواسي بنات أم سليمان فترحمت على والدتهن ودعت لها , وبدلاً من أن تقول ثبتها الله بالقول الثابت , أخطأت فقالت ثبتها الله بالثبات الصائب . ياربي , من أين أتت بالصائب هذه ! المصيبة أنها كانت واثقة من نفسها جدًا ومتقمّصة دور الخطيب الواعظ  !... هكذا علقت ريم وقد غرقت مجددًا في الضحك .
وطبعًا أنتِ ووالدتي تلتقطان مثل هذي الزلات بمنتهى السرعة والحذاقة . علق مروان ممازحًا خالته ريم التي قادته رغمًا عنه إلى جوّها المرح . إياكِ أن تفعليها بي مرة أخرى ياملعونة . لقد بذلت جهدًا كبيرًا لمنع نفسي من الانفجار بالضحك . ألم تلاحظي كيف التوى فمي يمينًا ويسارًا وأنا أجاهد في تلبّس الرزانة ؟!
نعم لاحظت , وبعد برهة صمت سألت أزمان : ريم  متى ماتت أم سليمان ؟
قبل أمس عصرًا , لكنهم لم يدفنوها إلا بعد صلاة العشاء .
نعم ..نعم ، هذا ماسمعت به .

#أزمان
(1-4)