الأحد، 23 ديسمبر 2018


لقد كان يُلبسني فستاني ، ويُحكم غلق أزرار معطفي ، كي لايترك لقلبي منفذًا لخوض مغامرة حبٍ عشوائيةٍ مع غيره  *
رينات فالونين  *

وكأني برينات تغمزني ساخرة وهي تنطق كلماتها الآنفة ؛ لسان حالها : أيّ حبيبٍ هو رجلك ؟!  ثم لا أملك إلا أن أطأطئ رأسي خجلاً وأتساءل: كيف ألِحّ بطلب الحب ، وأنا أدرك أنه ليس فستانًا يُـستعار ، ولا رصيدًا زائدًا يُنفق منه !   ووالله ، لقد حدثني قلبي الذي لم أعهد عليه كذبًا من قبل ، أنك سائرٌ بي في دروبٍ من الخيبات والعذاب ، كيف لا ؛ وأنا التي أقسمتْ دنياها ألاّ تصافيها أبدا . مذ وعيتها ، لم تُسلِم لي شيئًا أحب كما أحب ، وكل ما تعلّقتُ به، يكن منيّ على بُعد زفرتيّ صدر ، ودمعتيّ عين . ولقد تحققتُ أن الدنيا ماكانت لتحرمَنِي مقبلة ، ثم تعتذرُ منّي مدبرة. ولو أنها منحتني إياك لغفرت لها كل مامضى و كان !
ياجاحدًا غرامي ، ومنكرًا لهفتي وإقبالي ، كيف لي أن أغريك بالولوج لعالمي وتذوّق  أطايبه ؟! كيف لي أن أحدِث زلزالاً في محيط الساكن من أيسر صدرك ! أنا التي تتحسس حبها في قلبك تحسس طفلٍ لنقوده التي خبّأها بين قلبه وجيبه ! لماذا أشعر أنك تضع حبي في ميدالية مفاتيحك ، حين نزل حبك عميقًا في أوردة فؤادي ، حتى باتت يدي  لاتستطيع الوصول إليه ! وكأن ماتتصدّق به عليّ "تصبيرة حب" لاتـقيم صلبًا ، ولاتورث اكتفاءً ، ولاتبلّغ غاية ! يازاهدًا في قلبي حين طمع الكل في ودّه ،  يامدبِرًا عني حين أقبل الغير يطلبني ، قد كانت صدمتي بحجم الكون والفراغ المحيط به ، حين وجدتك بارد الإحساس  تجاه هذا القلب الذائب في حضرة ذاتك . وهاأنذا ، لا أملك من نفسي أبعد من حلم يقظة ، وأمنيةٍ مخبّأة ، وخيالٍ يمتطي غيمة  !
لقد كنتَ ياسلوتي وهجًا ساطعًا ظهر أمامي في ليلةٍ ظلماء ، فأنار لي جنبات الوجود بمثل سورة الفرقان، وكنت أمنيًة شهية، وخاطرًا رائقًا سيظل ماحييت حبيس صدري والتمنيّ . قد كنت يافاتِني آخر نداءات العمر ، وآخر استغاثات الشمس قبيل الأفول . رجوت بحبك أن أغسل عتبات أيامي من غبار الماضي ، وإذ بصدك ينثال فيحيل ساحتي خرابًا وأوحالا .
ألوذ بعدك ياهاجري بعزلتي الأخيرة، أغمض جفن الأحلام على طيفك الوضّاء الأثير ، أنذر هذا القلب وقفًا لحبك ، سواء أثمر أم أجدب ، يكفيني أنّي أسير في سمائه حافيةً من زيف الدنيا  !



الأربعاء، 19 ديسمبر 2018


كائنٌ واحد عاش منذ الأزل؛ الخوف .

حين كنت في الثانية عشر من عمري، زار جيراننا القاطنين قبالتنا صبي مقاربٌ لسني ، كان قادمًا من مدينة جدة الأكثر تحررًا من التقاليد والعادات التي مازالت تحكم مدينتي، بحكم خصوصيتها التاريخية والدينية ، لذا لم يجد الصبي بأسًا من إعلان إعجابه بي ، ولم يتردد في الإفصاح عن ذلك الإعجاب بمراسيل الابتسامات والغمزات التي غمرني بها . وهكذا عرف كل صِبية الحي وبناته بأمر هذا الغزل، ومن بينهم شقيقي. ولست أذكر الآن أيّ أمرٍ أغضبه مني ذلك اليوم الذي قرر فيه على إثر استيائه، أن ينتقم مني بإخبار والدتي بقصة الصبي الجداوي وحبه . كم يبدو الأمر مثيرًا للسخرية بقدر ماهو باعٌث على الأسى؛ أن يهددك أحدهم بجريمة حمل إنسانٍ ما عاطفًة ساميةً لك ! والمهم أن الهلع أخذ من فؤادي كل مأخذ ، وبشعورٍ فطريّ بدائي عرفت أنني سأتعرض لعقوبةٍ قاسية ، وهكذا صعدت إلى الطابق الثاني من منزلنا ، باحثة عن أقرب طريق يوصلني إلى خزان الماء العلوي الرابض فوق ماتسمى باللهجة الحجازية " الطيرما" ، وهي السقف الأخير للبيت ، والتي قد تكون في بعض الأحيان عبارة عن مجموعة ألواحٍ متراصة . كانت تلك المساحة بالضبط هي أقصر طريقٍ سيوصلني إلى خزان الماء العلوي . تسلقت الجدار ، رافعةً جسدي الصغير عبر الألواح المغطاة بأكوامٍ من سعف النخل اليابس . كنت على الحافة تمامًا ، بين الألواح وأعلى الجدار الرفيع المطل على الشارع من مسافة ثلاث طوابق، حين زلت قدمي وهويت للأسفل، لتتشبث بي حلاوة الروح ، وتحيلني إلى كومة السعف والألواح. كانت رجلاي تركلان الهواء في الوقت الذي ناضلت فيه وخز إبر السعف وإدماؤها وجهي ويدي ، لأقف مجددًا وأمضي نحو سطح الخزان .
في غالب مناماتي اليوم ، يتكرر ذات الحلم . أسقط من مكانٍ شاهق، وأظل أهوي بلا قرار . في السنة اللاحقة وضعت الحجاب، وحرصت جيدًا على إحكامه. لقد أخبرتنا المعلمة أن أيّ شعرة تظهر لغير محرم المرأة، تهوي بها في جهنم سبعين خريفًا .
لاأذكر أبدًا ماالذي حصل لاحقًا ذلك اليوم ، وهل عوقبت على جريمة كون الصبي غازلني أم لا، متى هبطت من "الطيرما"، وكيف، وإلى أين توجهت... كل ذلك تبخر . زال الخوف من عقاب والدتي ، تلاشت ندوب رؤوس السعف ، اختفى الصبي والرفاق والحب، وظلت الهاوية . ظل الخوف من قابعٍ مجهول ، طيفٍ بلا اسمٍ أو ملامح واضحة . الخوف المكدّس في صناديق الظنون ، وأدراج العقاب المؤجل ، والألم المبرِح المتجاوز للخيال ، الخوف المخبأ بين طيات السحاب ، وفوق سقف السماء ، وفي ظلمات جوف الأرض . الخوف من مفاجآت الطريق ، وشهوة الطامعين ، ووشاية الحنين . الخوف من التخليّ ، من طعنات التمني ، وأحلامٍ تُـعبأ في بالون .

الجمعة، 14 ديسمبر 2018


كنت أتصفح النت ، حين وصلت إلى خبرٍ على البي بي سي ذكِر فيه أن نائب بلدية مدينة أشدود الاسرائيلية دعا إلى إزالة شجرة عيد الميلاد من إحدى المراكز التجارية التي وضِعت بها ، معلقًا بأن " هذا العار يجب أن يُزال لأنه يؤذي الهوية اليهودية". انتهيت من الخبر و غرت مجددًا في أروقة النت لأجدني أمام (مثقف) إماراتي يرحب بقداسة البابا فرنسيس في أبو ظبي أرض التسامح والنور و "التنوير" ، ويتباهى مع أصدقائه قائلاً : محظوظون نحن بقيادة رشيدة قولاً وفعلاً ياصديقي . ليرد الآخر : جميل أن نعيد زمن التعايش والتسامح الذي فقِد في الفترة الماضية بسبب العقليات المتحجرة ، ثم ختمها المثقف : الإمارات جديرة بأن تحمل شعلة التسامح والتعايش !
المثير للضحك حد الاستلقاء ، وللقرف حد التقيؤ ، أن مفهوم التسامح لايكون إلا بين الأطراف النظائر والأنداد ، ولا يتأتى إلا لمن هو قادر ابتداءً على البطش ، ومخيّر بينه وبين الصفح . لذلك وصف الله عزوجل النساء في القرآن بذوات الكيد العظيم ، استنادًا لضعفهن الكبير، إذ لا يلجأ للحيلة والمكر إلا فاقد السطوة والقبض . وأنتم في تبعيتكم وتملقكم ، وخنوعكم وتبطحكم غدوتم أضعف من المرأة والثعلب ، ومن أعوزته القوة فلم تعيه الحيلة . من أنت أيها النكرة لتعرض التسامح وأنت الذي لاتملك من أمرك أدناه وأهونه . من أنت أيها المَهين الذي لا يُبين إلا متى ماإليه أشير ، ولا يخطو إلا بطقة إصبع سيده ، ولا يضع حجرًا على حجر إن لم يُقـرّ واليه ومالكه . عنقك الهزيل بين اصبعين من أصابع سيدك ، إن شاء أطلقك ، أو شاء سحقك . يأمرك بالتسامح فتصالح رغمًا عن أنفك وأنف رعيتك ، إما ذاك والا استبدلك ، بلاعقٍ يفوقك دناءةً وتبعيةً وتسامحا .

وسلملي على أرض النور و التنوير .

#المرارة_ياالله
#دوا_الضغط_يابت_ياسعدية

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018


من الباعث على السخرية ، أن بريطانيا التي تشدقت أثناء الحرب العالمية الثانية بكونها المدافعة عن الحرية وأيقونة الديمقراطية ، ووجه العالم الحر ، قد سنت أثناء الحرب قوانين ديكتاتورية صارمة، من قبيل منع الإضرابات ، وفرض الضرائب بنسبة مئة بالمئة ، وإلغاء الملكية الشخصية ، حيث تضع الدولة يدها على كل ماتريد وقت ماتريد ، وتسحب ماتريد دون الرجوع إلى صاحب المُلك أو استئذانه. وهذا مايؤكد على كون المصطلحات الرنانة مجرد وهم ، أشبه ماتكون بالزئبق الذي يتسلل من بين أصابعك دون أن تكون لك قدرة على جمعه أو احتوائه .
في الطرف الآخر استعد ستالين لتفكيك الأرضية الذهنية للدولة الشيوعية؛ تخلى عن الإلحاد الشيوعي وأوعز للكنيسة بالنداء للحرب المقدسة دفاعًا عن إله روسيا ! تنكر الرجل للشيوعية واستعاد التقاليد القيصرية التي ثار عليها . ذات النهج السياسي الذي أنكره أعداء الإخوان المسلمين عليهم ، وصمّوا آذاننا بالأخوان الأصوليين المتلونين النفعيين البطيخيين ، وكأنهم كانوا بدعًا عن غيرهم ، وكأنه ليس ذات النهج الذي اتبعه كل طالبٍ للسياسة ساعٍ لها .
كلمة السر في الحرب العالمية الثانية كانت " المصانع"، الحرب الحقيقية والانتصار الفعلي كان هناك ، حيث العقول والأيدي العاملة والمواد الخام ، ووراء ذلك كله وقبله : القرار السياسي . أدرك الرجل الأبيض جيدًا مدى أهمية المصانع ، وكيف أنها مبدأ النصر وسر الحضارة ، لذا سعى بكل جبروته وسطوته للحيلولة دونها ودون أعدائه ومن يروم تبعيتهم والتسلط عليهم . أرضنا غنية بالمواد الخام والأيدي الماهرة والأرواح المخلصة ، لا تنقصنا العقول ولا الإبداعات ، لكن المحرك الرئيس هو مايعوزنا ، بلاؤنا كل البلاء في قرارنا السياسي المرهون برغبة السيد الأبيض ومصالحه .
أخيرًا ، الحرب ضرورية ، سنة كونية لابد منها لإعادة ترتيب الأمور ، تماما كما قال عضو عصابة المافيا لمايكل كورليوني حين تساءل عن حجم الدمار المقبل من الاغتيالات : يجب أن يحدث هذا كل عشر سنوات أو عشرين سنة لإعادة الأمور لنصابها . دعوكم من المثل الكيوت " الأمر الوحيد الجيد في الحرب أن تنتهي" المعارض للحكمة الأصيلة : إذا أردت السلام فاستعد للحرب . الحرب كحمم البركان، ظاهرها الحرق والموت ، وباطنها خضرة الحياة .

وبس والله.
#صفنة_مع_الحروب.




الأحد، 2 ديسمبر 2018


أنا أكبر.. أصبحت أفضّل القهوة على الشاي ، والحلوى المُـعدة في المنزل على الشوكولاتة. بت ألتقط الحكمة المدسوسة في ثنايا أفلام الكارتون ، والمغزى من إيماءات الأوجه ، وغمز العيون . ودّعت الضحك قليل الأدب الـ بدون سبب  ، وأمسيت أضحك سخريةً من نفسي والأقدار والآخرين ، بت لا أكترث للأسرار ، ولاأملك فائض دهشة أو فضول . صرت أتحلّى بالصبر المرير ، وأتقن الانتظار الطويل ، أمسيت متصالحة مع فكرة موت والديّ ، بل ومستعدة لها . صرت أجيب من يسألني:كيف الحال؟  بـ : فُل، وتمام التمام . لم أعد أعادي أعداء أصدقائي ، أو أقبل الموت دفاعاً عن فكرةٍ أو مبدأ . أصبحت أبتلع غزل الرجل ، وأبتسم وأنا أتخيله يكرره على مسامع العشرات من قبلي ومن بعدي . ماعدت أغضب لفوات المواعيد ، أو حتى إلغاءها ، بات الطز شعاراً دائماً ، والرضوخ بُـدٌ لابد منه  !
أنا أكبر... أمضي بعيداً عن عيون تلك الطفلة الصغيرة التي ودعتها منذ ألوف السنين وأنا أتساءل : أكان دهراً طويلاً ، أم أنني أوغلت في المسير  ؟!

الجمعة، 30 نوفمبر 2018


لنا أقرباء أثرياء جدًا ، يعلم الله كم أتجنب الاحتكاك بهم ، وأتملّص بألف عذرٍ من لقائهم و مناسباتهم . لكن ، ولسببٍ يعلمه الله وأجهله ، يستلطفني هؤلاء القوم ، ويحرصون على التودد إليّ والاجتماع بي . وقبل أيام فوجئت باتصالٍ هاتفي من السيدة والدتهم بذاتها وجلالة قدرها ، تعاتبني على طول الانقطاع ، والتغيب المتعمّد عن مجلسها الثلاثائي (نسبًة إلى يوم الثلاثاء) ، وتدعوني إلى زيارتها في القريب العاجل . وعدتها بالتلبية فيما استعدت بعد نهاية الاتصال ذكرى آخر لقاء جمعني بها وبناتها ، حين أخذن يناقشن حال شقيقتهم المتغيبة والتي تقطن مدينة جدة ، ويذكرن سوء معاملة زوجها لها ، ونصبه عليها ، واحتياله لسلب أموالها ، وختمن بعد إمعان السرد وإسهاب القص قائلات : يالها من مسكينة ، لقد بلغ من بؤسها أنها ترتدي الذهب في السهرات وحفلات الأعراس !!!
😲😲😲😲
هذا بالضبط الانفعال الذي ارتسم على وجهي آن نطقهن بالعبارة الأخيرة ، وماأن فهمت لاحقًا أنهن يرثين حال شقيقتهن كونها لاترتدي الألماس الحر الملائم لمثل هذي المناسبات ، حتى أخذت أتحسس الخاتم الفالصو الذي كنت أرتديه ، بينما صوت والدتي يتردد في أذني " قرمبع" . وقرمبع أو قرنبع في اللهجة الدارجة لدينا تعني خردة . وكان أن لحقت بي والدتي ذات تسوق وأنا ألج محل اكسسوارات ، وصاحت بي : انتي وش تبين بهالقرمبع . وماأن سمعها البائع حتى فز قائمًا : لو سمحتي ياهانم ماتؤليش أرمبع .
والمهم ، أنني ارتديت يوم الثلاثاء السابق تنورتي الفرنسية القصيرة ، وقميصي المنقوش بجلد النمر ، وزينته بأحب القرنبعات إليّ ، وتوجهت لزيارة أقاربنا الأثرياء . دارت كؤوس الكلام مابيننا ، وطاب الحديث والسمر ، وحاولت جهدي ألاّ أكون مسلية ، لإحساسٍ بعيد لازمني ، بأن التبسط وحلو الكلام بين الأثرياء يجعلك أقرب للمهرج من النديم . وفجأة سألتني إحداهن عن زفاف قريبةٍ لنا ، وفيما إن كنت سأحضره أم لا ، فرددت بالإيجاب المقرون بمشيئة الله ، وأكملت في سري : ومزاجي . وتابعتْ أخرى : لقد عثرنا على خياطة ماهرة وزهيدة السعر ، ستخيط قماش والدتي الذي ابتعناه من ميلانو ب ٣٠٠٠ ريال فقط . قلت لها : لكن ٣٠٠٠ ريال مبلغ ليس بالقليل لأجل فستان والدتكم الذي سيكون حتمًا بسيط وخالٍ من أيّ قصة أو موديل ! ردت الفتاة : هل تعلمين كم إبرة ستُـكسر أثناء خياطته ، إن القماش مرصع باللؤلؤ والكريستال ، ستخسر الخياطة الكثير من الإبر لإتمام حياكته .
أملت جسدي للوراء ، وتابعت حديثهم بعينين هائمتين وذهنٍ غارقٍ في التأمل : آآه منكم أيها الأثرياء ، كم من إبرةٍ كُسرت لأجل زينتكم ، وخاطرٍ كسر لأجل رغائبكم ، كم من حرمانٍ كان لأجل حظوتكم ، ودمع سال في سبيل بسمتكم ، كم من روحٍ أزهقت فداء لنزواتكم ، ودماءٍ أريقت لأجل تيجانكم ، كم من حروبٍ قامت حفاظًا على عروشكم، ومآسٍ كتبت لأجل أهازيجكم . قدرُكُـم حُـرّ الألماس ، وقدرُنا القرمبع .

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018


بمناسبة اليوم العالمي للرجل..

ليس عيد فالنتاين فقط ، بل كل عيدٍ دون حضورك أيها الرجل ليس بِعِيد   !
أنت يارفيق الحياة ، وملحها وسكرها ، بدعمك وعونك ، بحضورك وحِسْك ، بصخبك وصمتك ، بل حتى حين لاتقترف عيناك سوى التفحّص  ، تزهر الأنوثة وتـتفـتّـح ! لاتصدق ذلك الصوت الذي يطلب إقصاءك ، ولا تلك النظرة التي تحذَرك ، ولا أن قلباً بين يديك لايلين  ، إنها حيلة المُـتمـنّـع الراغب ، والزاهد الولِه ، والمجيب بـ لا ، وفي داخله ألف نداء !
إن حياةً دونك ليست حياة  ، أنت يامن كلمةً منك تحلّق بالأنثى لتجلسها على الغيم ، ثم وبأخرى يسكنها الشقاء  ، أنت يامن تطلبك لتحتمي منك ، وتبعِدك وهي ترنو إليك ، وتخاصمك لتنعم بوصلك ، وتغضبك لتتذوق رضاك  ، كل ثناءٍ لايصدر منك لن يُـطرِبها وإن راقها ، وكل دَلالٍ ليس فيه رائحتك ، لن ينعش قلبها وإن نَـعِمت به أطرافها ، وكل فرحٍ لاتشاركها إياه ، يظل منقوصاً منقوصاً منقوصا   !
بل إن الكون كله بلا خشونتك وصوتك المجلجل هامدٌ قاحل وإن اهتزت جوانبه بمدرار غيث ، أنت غيثها ، وماء جسدها ، وبريق الرضا في عينيها . وإن داخلتك الريبة يوماً فتخيّـل الأرض دونك ، ثم كيف هو فِعل النساء ! هل تظل تنشد زينةً ، أو تعتريها حمى الرقص ، أو تسرف في التْغنّـج والدلال  ؟!
أنت ياسندها ، وعماد وجودها ، ودواء أوجاعها حتى حين تكون الداء ، كل نعماءٍ لاتقدمها كفّاك لاتقيم صلب الروح ، وكل خاطرٍ لاتطيّـبه أحرفك يظل موجوع ، وكل مكانٍ لايضمّك ، ولايقطع وحشته صوتك ، تظل زواياه تترقبك   . مهما تفنـنـت الدنيا في عطاياها ، ستظل أنت حقيقتها التي لاتبطل بتقادم الأيام ، بك تنتشي ويملأها الحبور ، وبرجولتك تسعد ، ويشتد لها العود !
أيها الوالد ، الزوج ، الأخ ، الابن ، الصديق ، الزوج ، الحبيب... ياعيد الأنثى لكل يومٍ جديد  ! رجلٌ لاتزهر في واحاته الأنثى وبه تزيد ، ناقصٌ وإن قـلّدوه عظيم النياشين .


#شلوني_معاكم_😉
#إعادة_نشر

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018


وتجسدت المطايا مسوخًا مقيتة  !

قبل فترة ، قررت روضة ابنتي (الحكومية)  القيام برحلة ترفيهية تعليمية للأطفال ، وأهابت بأولياء الأمور تقديم معونات مالية (لمن يرغب... كما ذكِر في الخطاب)  لأجل تكلفة المواصلات ومتطلبات الرحلة ، وحيث أن الوقت هو نهاية الشهر ، والحديدة أنّت وونّت ، وسحِقت واضمحلّت لطول وقوفي عليها ، فلم أقو على المساهمة ولو بـ بيزيتا واحدة ، وتركت صغيرتي تشارك في الرحلة على أمل التعويض عليها بالمساهمة في مشروعٍ لاحق . وحين تم إرسال تقرير عن الرحلة عبر " قروب واتساب"   مزوّد بالصور وعروض الفيديو ، انتبهت إلى تسجيلٍ يتيم لابنتي، عبر صورة قبعت في زاويتها ، فتذكرت لحظتها ماسمعته سابقًا عن تهميشٍ متعمّد من قبل هذه المؤسسات لأطفال أولياء الأمور الأقل دعمًا ومساهمة !
اعتدلت في جلستي ، وقررت إرسال ملاحظة للفت الانتباه ؛ علقت بطريقة مهذبة على غير عادتي ، وابتدأت بعبارات الشكر والامتنان للجهود المبذولة ، ثم أردفت راجيةً ضرورة إحقاق العدل آن توثيق هذه اللحظات الجميلة في حياة الطفل ، مشيرًة إلى ماناله البعض من نصيب الأسد من الصور وأفلام الفيديو ، مقابل النزر اليسير للبعض الآخر... وحيث أن سيادتكم يا أصحاب المعالي تحرصون من خلال مؤسستكم التربوية على تهذيب السلوك ومراعاة الشعور وبناء الشخصية ، فحتمًا لن يفوت على حضراتكم مالهذا الفعل من مردودٍ سلبيّ على روح الطفل !
دقيقة ، وبعثت سيادة المديرة بردها : نحن لانفرّق بين طفلٍ وآخر ، الجميع لدينا سواسية ، ومامن تكثيفٍ لظهور فردٍ على آخر ، ولا لتقديم طفلٍ على صاحبه . إننا نبذل قصارى جهدنا ، وأقصى مالدينا ، نشقى لأجلكم ولأجل أطفالكم دون كللٍ أو ملل ، لانطلب أجرًا ولا جزاء ، وليس لنا من غاية إلا رضا المولى عنا . لكنكم قومٌ لاتـثمّنون ولا تحمدون ، وللجميل تنكرون ، ولاتبصرون إلا النقطة السوداء في بحار الصحائف البيضاء !!
ماأن وصلت رسالة سمو المديرة ، حتى انهالت رسائل الوفود : بارك الله جهودكم وجعلها في ميزان حسناتكم يوم تلقوه... بوركتم أستاذتي... أسعدالله قلوبكم كما أسعدتم قلوب أطفالنا.... الشكر لكم ولجهودكم الجبارة ياسيادة المديرة.... بل نرى يا سعادة الرئيسة ، ونسجل ونحفظ جميلكم وعظيم جهودكم....

أخذت نفسًا طويلاً ، وحاولت تقمّص روح أميرةٍ انجليزيةٍ أرستقراطية تلبس فستانًا طويلاً من المخمل ، وتضع قبعةً صغيرة مستديرة ، تكتب بهدوءٍ وكبرياء ، وإلى يمينها قدح الشاي وإناء الكريستال المملوء بالزهور المقطوفةِ من حديقتها ، وأرسلت : عفواً سيدتي ، لم يفتني تقديم الشكر لحضرتكم ، والإشارة لعظيم جهدكم ، علمًا بأن ماتقدمونه ليس في النهاية إلا عملكم ، وكل مسؤولٍ عن عمل مطالب بأدائه على أتم وجه . وقد سبق وذكرتم سيادتكم أن هذا " القروب"  قد أنشيء للتواصل وإرسال الملاحظات ، فإن أزعجتكم ملاحظتي ، فالعذر منكم ، وسأبعث بها لغيركم !!!
رسمت علامات التعجب الثلاث في محاولة للتلميح بالتهديد ، ولجوئي إلى تدابير أخرى أو  جهات عليا لنيل حقي ، فعلت ذلك بيقينٍ شبه تام بأنني لست إلا " شحاتة" بائسة لن تجد من يلتفت إليها أو يسمع منها حرفا .بيد أن وفود الشعب كانت أسرع مني في اتخاذ التدابير ، فما أن تراءت لهم عُصيّ التعجب خاصتي ، حتى اجتاحت أرض القروب الحشود والهتافات  : ألف شكرٍ لاتفيكم حقكم أسيادنا، بوركت خطاكم.... قواكم الله ونصركم ، جهودٌ تستحق التخليد والعرفان..... أبدعتم وأجدتم وليس إلا الجاحد من ينكر فضلكم ، ثم حانت إطلالة عبر الشرفة من المديرة وهي تبتسم للجموع وتلوّح بكفها : الحمدلله ، الحمدلله ، أعاننا المولى على تحمّل الأمانة ، نحن في خدمتكم ، ولا غاية لنا إلا رضاكم . صفيق وتصفير ، أقصد تصفيق وصفير ، ثم هتافات ، ومعاودة للتمجيد  : كفيّتم ووفيّتم ، والشكر موصول لكل فردٍ في مؤسستكم الغرّاء..... جزيتم جنان الخلد على ماأدخلتموه على قلوبنا وقلوب صغارنا من فرح (ولو بصورة واحدة) !.... أساتذتنا لاتلتفتوا للنقد والمنتقدين الحاقدين.... ذنبكم مغفور وتقصيركم مسموح ، وكل نقيصة ضائعة في بحر حسناتكم... لاعليكم ياسيادة المديرة فالأصيل لايلتفت للنقص اليسير ويترك الخير الوفير ، لننظر بإيجابية وندع تصيّد العثرات...
تلا ذلك خطبة ألقتها إحدى الأمهات ابتدأتها بالذكر الحكيم ، ثم حديث من الهدي النبوي ، ثم حشتها باللحمة والموزريللا... عفوًا أعني بعبارات الثناء والتقدير : أنتم يامن كان لكم قدم السبق في ركب العلم والتعلّم ، أنتم يامن بذلتم ولم تنتظروا ، يامن أعطيتم ولم تبخلوا ، يامن وهبتم ولم تطلبوا.... تصفيق ورفرفة رايات ، ثم كلمة لأحد منسوبي المؤسسة أكد فيها على وجوب اللُحمة والتكاتف ، ونبذ كل مغرِض مفرّق للصفوف ، ثم قصيدة ألقتها مواطنة مخلصة ، ثم ومن أقصى "القروب"  جاءت حيةٌ تسعى ، لتقدم قرابين الولاء والطاعة ، وتعلن المبايعة الأبدية الراضخة ، والبراءة من كل مشكك في جهود السيدة المديرة ومنسوبي المؤسسة الفاضلة !
كل ذلك فيما أنا في زاويتي أنكمش وأنكمش وأنكمش ، حتى تخيلتني الأعور الدجال الذي ماإن تبدّى له المسيح ذاب كما الملح في الماء  ! أغلقت المحادثة ، ونزعت القبعة ، كلا... لم تكن هناك قبعة حينها ، لقد استشعرت قرنيّ شيطان تعلوان رأسي ، واحمرارًا يكتسح بياض عينيّ ، وسوادًا يغمرني . كنت أتحسس ذيلي اللئيم المدبب وأظافري القذرة وأتساءل  : لماذا ؟ ماأن أحلّ بواد إلا وتنشب المعارك ، وماأنطق من قول إلا وتصوّب السهام نحوي وما أصدح برأي إلا وتتناوشتني الأيادي والرماح ! هل أنا أيقونة الشر في هذا الكوكب ؟


أنا الصوت النشاز ، والجملة الاعتراضية ، والسبابة الطاوية للإبهام . أنا النقض بدون حق ، والاعتراض قبل الإذن ، والصراخ حين يسود الصمت . أنا العابر دومًا نحو الطرف الآخر . أنا الهاجر للـ " الحيط"  الآمِن . أنا المقتحِم دون خريطةٍ ولا مفتاح . يقودني " مايجب أن يكون" ، وتدهسني جموع المسبحين . قدري أن تطول غربتي وتطول  !





السبت، 10 نوفمبر 2018


كنت أقرأ في سيرة ابن المقفع ، حين وصلت للجزئية التي تحكي عن الخلافات التي كانت في زمنه بين مؤسسي الدولة العباسية ، وما كان من أمر عبدالله بن علي الذي خرج على ابن أخيه المنصور ، مما جعل الأخير يبعث بجيشٍ للقضاء على ثورته التي فشلت ، وجعلت منه لاجئا عند أخيه سليمان والي البصرة ، والذي عزله المنصور تبعًا لذلك ، وولّى مكانه سفيان المهلّبي . والمهم ، أن المنصور طلب تسليم عبدالله إليه ، فرفض عمّاه سليمان وعيسى ، شقيقا عبدالله ، إلا بأمانٍ منه يمليان هما شروطه . وكان كاتبهما آنذاك هو ابن المقفع ، فشدد وبالغ في الشروط ؛ خوفًا من غدر المنصور ، فكان هذا ، إضافةً إلى انتقاد ابن المقفع لسير الحكم في البلاد ، مما أثارا حقد المنصور عليه ، وجعلاه يتربص الفرص للإيقاع به ، فكان أن دخل ابن المقفع ذات يوم دار سفيان المهلّبي لإنجاز مهامٍ تخصّ مولاه عيسى ، ولم يخرج أبدا !!

حاول مولاه عيسى أن يكشف الجريمة ، ويدين سفيان بها ، لكن الخليفة أنقذه ، ومما يُروى أنه لما حضر الشهود وشهدوا بأنهم رأوا ابن المقفع يدخل دار الوالي ولم يخرج منها ، أجابهم المنصور : ماذا أفعل إذا قتلت سفيان الساعة لأجل ابن المقفع ، ثم خرج هذا وخاطبكم من هذا الباب ؟ مشيرًا إلى بابٍ خلفه . فخاف عندئذٍ الشهود ورجعوا عن شهادتهم !. وهكذا... طوى الظلام جثة صاحب البيان ، عبدالله ابن دازويه ، وغابت مثلما غاب غيرها في دهاليز الغدر والغيلة.
رحمك الله ياابن المقفع ، ماكان ضرّك لو أنك قرأت دعاء دخول الخلاء ، قبيل الولوج على أبواب السلطان .

الجمعة، 9 نوفمبر 2018


حكت لي إحداهن قصة شقيقها الذي ضبط زوجه متلبسة بخيانته ، الأمر الذي أدى إلى إصابته بجلطة قلبية أنهكته ، وألزمته مراجعة المستشفيات ومراعاة من حوله لوضعه الصحي المستجد ، ثم بعد أشهر - تكمِل - وحين توفي ابنه البكر ؛ أحب أبنائه وأقربهم إليه ، انتحب وأجهش وشهق بالبكاء في ليلته تلك ، إلى الحد الذي ظننت معه أن قلبه سيتوقف في تلك اللحظة ، وأنه سيلحق بابنه لما مضى من قصة مرضه . لكن الغريب أن جسده خرج سليمًا معافى ، وأن قلبه لم يُخدش بأدنى جلطة .
كانت تسترسل في القص ، بينما استعدت أنا حكاية ذلك القرشي الذي أخِذ أحد غلمانه ، فأرسل لآخِذِه يتوعد : ياهذا ، إن الرجل ينام على الثكل ، ولا ينام على الحرب ، فإما رددته ، وإما عرضت اسمك على الله في كل يومٍ وليلة خمس مرات ! وفهمت منها ومن تعوّذ الرسول الكريم في قوله " وأعوذ بك اللهم من قهر الرجال" ، أن القهر يؤذي روح الرجل أضعاف مايفعل الحزن ، وأنه لأجل ذلك لم يجعل الله لأنبيائه من تخونه في فراشه ، في حين ابيضت عينا أحدهم حزنًا على فراق ابنه تغييبًا ، وسال الدمع من محاجر البعض على من فارق بنيه موتًا . والبدو آن الحزن يصيحون " وا حرّ كبدي" ، ويتداولون أسطورة صاحب الإبل الذي قتلت ناقته ولده في حالة هياجٍ لها ، فانتقم منها بأن ذبح ثلاثة من صغارها أمام ناظريها بعد ولادتها لهم ، ثم حين اكتفى ، قام بذبحها ، وهاله ماوجد من تفتت كبدها مع سلامة سائر أعضائها ، وإليها نستدل بقول الشاعر الذي أرسل قديمًا : إنما أولادنا بيننا... أكبادنا تمشي على الأرض !

الرجل يصبر على الثكل ، ولا يصبر على الحرب ، هذا ما وعاه العرب قديمًا ، وآمنوا أنه علّة وجودهم ، ومصدر عزهم وبقائهم ؛ من أراد الحياة اللينة الوادعة الذليلة ، رضي بالهوان وقبل الدنيّة في عرضه ، وتسلّط العدو على رقبته وأرضه ، ومن أبى إلا العزة ، تحمل أهوال الحرب ، وهان عليه كل مصاب في سبيل تحقيق مايرنو إليه ؛ ننام على اللوعة والحزن ، ولا ننام على القهر والضيم .

السبت، 3 نوفمبر 2018


أنهت زينتها بوضع طبقة رقيقة من البودرة  . تأكدت من أنها لم تنس الهدية التي ابتاعتها لأجل " نورة " زوجة شقيقها أكرم  . إنها الزوجة الثالثة له , وقد وضعت قبل أيام مولودها الثاني من أكرم والثالث لها , ذلك أنها مطلقة من زوجٍ سابق . وهي امرأة من أسرةٍ محافظة تبلغ الخامسة والثلاثين من عمرها , قليلة الجمال والكلام وربة بيتٍ ماهرة . طلبت علياء من ابنها مروان أن يمر بمنزل خالته " ريم " حيث أنها تود مرافقتهم لمنزل شقيقهما , وحين استوت ريم في مقعدها بادرتها علياء سائلة : من سيكون هناك ؟
- لا أعلم بالضبط , سمعت أن أخانا يوسف -وابنه معاذ قد وعداه بزيارةٍ هذا المساء .
- ياإلهي ...أرجو ألا يتواجد غيرهما ..
- لماذا ؟ ماالخطب ؟!
- بربكِ...تعرفين شقيقك , سيكرر عليّ ذات الموعظة بشأن تنميص حاجبيّ , وعن كوني ملعونة ...وعن انحرافي المتأخر وخاتمتي التي ستسوء.
كانت ريم تضحك بصوتٍ عالٍ حين قاطعها تعليق مروان :
- المفروض ياماما أن تحملي همًا لغضب الله عليكِ , لا لرأي خالي أكرم ولومه وتأنيبه .
- ها ها ...الآن ستلقي عليّ موعظة أنت الآخر  ؟!
- إني أخاف عليكِ عذاب يومِ عظيم ...
التفتت علياء لشقيقتها قائلة : انظري ماذا يغرسون في عقولهم  ! ثم أكملت توجه حديثها لابنها : هل تظن حقًا أن الله العظيم الكبير , الله  الحليم الرحيم , الأحن على عباده من الأم بأولادها , سيلعنني ويطردني من رحمته لأجل رغبتي في زينة هو  فطرني عليها ويعلم يقينًا كم أحبها وأرغب فيها ...هل تؤمن بذلك حقًا !
- الحديث صريح ياماما .
- هذا إن سلّمت بأنه حقًا حديثٌ صحيح .
- أوووه ...أنتِ في ضلالٍ عظيم .
- تأدّب يافتى ...وتوقف عن الكلام  في هذا الموضوع ...حسناً ؟
- كما تشائين .

أكرم هو الشقيق الأكبر لعلياء وريم , بالإضافة إلى ثلاث أشقاء آخرين هم " وليد" و" عماد" و " محمد" ..وهو حاصل على الدكتوراة في العلوم الشرعية , وصاحب مؤلفات عدة في العقيدة وأصول الفقه , متوسط الطول , مكتنز البدن , في بداية العقد الخامس من عمره , لطيف المعشر محبب إلى القلب , يملك وجهًا سمحًا مبتسمًا , له ثلاث زوجات واثنا عشر ابنًا . ظلت علياء وشقيقتها تتبادلان الحديث مع زوجة أخيهما التي كانت ترد باقتضاب وتشاركهما ببرود عهدتاه عنها , وما أن أنهتا شرب الشاي حتى دخل شقيقهما أكرم يدعوهما للدخول إلى مجلس الرجال للسلام على أخيهما لأبيهما وابنه . يوسف موظفٌ حكوميّ متقاعد يبلغ من العمر أربعة وستون عامًا , رجلٌ منفتحٌ على الحياة محبٌ لها , يدخن بشراهة، ولا يطيق المكوث في مكانٍ واحد لأكثر من شهر , وابنه معاذ طبيب أطفال في أحد مستشفيات المدينة ,  فتى خجول وهاديء متزوج وله أربعة أبناء , إنه واحد من أصل سبعة أبناء ليوسف أكبرهم يدعى عقيل ، كان في التاسعة عشر من عمره حين قتل في البوسنة على أيدي العصابات الصربية .
خص يوسف علياء بعناقٍ طويل , وحين علّق أكرم ساخرًا : حتمًا , فهي قرينتك ! تعالت الضحكات فيما جلست علياء بجوار يوسف مربتة على كتفه : إنه حبيبي الذي علمني قيادة السيارة وأنا في السادسة عشر من عمري , وأعلم أنه سيرافقني لاختيار سيارتي إذا ما سمحوا لنا بالقيادة . أومأ يوسف برأسه موافقًا :
- يعلم الله أنني سأفعل , لن أعارض ذلك , كما لن أعارض افتتاح دور السينما , ولا حتى خلع الحجاب ...فقط ياأخيّة سامحيني في واحدة , لاأريد أن يسجل الموقف باسمي , لاأريد  أن أكون أول من يبتدئه فيشار نحوي بالبنان .
علّق مروان ساخرًا , وكان قد سمع خاله أكرم الجالس بالقرب منه حين همس : "ليبرالي منحل " :
- لكن ياخالي يوسف البدو يقولون : راعي الأوّله ماينلحق , كناية عن وافر الشرف الذي حازه , فكيف تريد أن تفوّت على نفسك هذا الفضل  !!
- لا تتخابث يافتى , إن أيّ انقلاب على موروثات المجتمع ومعتقداته ليس بالأمر السهل , وغالبًا مايذهب أولى متبنيه ضحايا له ...يحدث ذلك في كل مكان , مابالك في مجتمعٍ خاص كمجتمعنا .
شارف مروان على الرد , بيد أن أكرم وضع يده على ركبته في إشارة له كي يتوقف , ثم أرسل : المفروض يا أبا عقيل (شدد أكرم على الاسم هنا ) أن من يؤمن بفكرة يناضل لأجلها , ويقدم حتى روحه فداءً لها  !
يوسف الذي أدرك مغزى حركة أكرم , تنحنح بعد برهة صمت قائلاً : كلا ياعزيزي . هذه فكرة قديمة عفى عليها الزمن , مثلما عفى على الكثير من الأفكار البالية التي باتت لاتناسبه . من يؤمن بشيء عليه أن يحتال لتحقيقه مع الحفاظ على سلامته في ذات الوقت . عليه أن يحرص على البقاء على قيد الحياة كيما يستمتع بنجاحه الذي أحرزه .
- لكن الرياح لاتجري كما تشتهي السفن , والواقع يخالف ماتقوله وتأمله ...وكل ما تحقق للبشرية من تحررٍمن القيود والطغاة إنما تم ببذل الدماء ...
- ذلك لأنه شرِط بالكراهية , واقترن بها ...لو أن الأمور حدثت تحت قبة الإنسانية والسلام , ماسفكت كل تلك الدماء ..
توجه أكرم بنظره نحو خاله مروان مبتسمًا وهو يقول : أوووه ستحدثني الآن عن المدينة الفاضلة والتعايش الإنساني ثم تكمل عن التقارب بين الأديان والمذاهب . انطلقت من مروان ضحكة عالية ، فيما أتبع أكرم : لكن ماذا عن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم , أكانت حروبًا رعناء  مقرونة بالكراهية ؟!!
- لاتأخذاني إلى متاهات يضيع فيها لب الحكيم الحازم , ماأعرفه بيقين الخبير المجرّب , الذي عايش الفترة التي كان الناس يتعوذون فيها من فلان الذي ألحق ابنته بالمدرسة , وإذ بهم اليوم يرسلون بناتهم بمفردهن للخارج , ثم أقاموا الدينا وما أقعدوها يوم أدخِلت الأطباق الفضائية للبلد , ولعنوا من جاء ومن سمح بها , واتهموا بالدياثة كل من يُدخلها على أهل بيته , وحرموا اقتناءها والظهور في قنواتها , وهاهو اليوم يُتهم بالرجعية والتخلف من لايقتنيها , ويتسابق المشايخ والدعاة لحجز برامجهم عليها , بل ولامتلاك قنواتٍ خاصة بهم عبرها , ثم الضجة التي صاحبت الهاتف الجوال , ومن بعده الإنترنت ...الخ الخ الخ ...كل ذلك يؤكد على أن هناك قوة إنسانية  غير مرئية ولا ملموسة , نرى أثرها دون أن يكون لها أشخاص ولا دعاة , هي من تتكفل بتحقيق حاجات البشر التي لايمكنهم الاستغناء عنها ..لقد حاربوا الغناء بكل وسيلةٍ امتلكوها , نبذوا المطربين , حطموا الآلات الموسيقية , خطبوا وصرخوا ولعنوا وتوعدوا ...وماذا بعد ؟ هاهو أقرب المشايخ من الحكومة وأكثرهم شهرةً بين الشباب ينشر فتوى تودد ، يعلن بها انتهاء القطيعة مع ذلك الوحش الكاسر " الغناء "...
- هو فقط أباح الغناء دون معازف و...
- بربك ...قاطعه يوسف بضحكة مجلجلة , ساندته فيها علياء , فيما علقت ريم وهي تنظر لأزمان :
- إي والله ...إلا ايش صار على حفلات الزواج الإسلامية ...منذ زمن لم نسمع بها أو نُدعى إليها، حفل زفاف ابنة جيراننا صفية ..هل تذكرين ؟ كان إسلاميًا دون طبول ولا دفوف ولا أي آلة موسيقية , فقط فتيات الفرقة ينشدن بعض الأناشيد الإسلامية , ويقِـمن المسابقات التي تحوي أسئلة ثقافية دينية حول العقيدة والأحكام الفقهية وسيرة الرسول عليه السلام وحياته , ثم يكافئن صاحبة الجواب الصحيح إما بكتيّب أو بشريط كاسيت ديني , أو بمسبحة مع مسواك , أو سجادة صلاة ..هل تذكرين ؟!
- نعم أذكر كل تلك الحفلات , وأذكر أن قائدة إحدى هذه الفرق الإسلامية قد صاحت بنا مرة في إحدى الحفلات توبخنا على التصفيق , معللة ذلك بكونه والتصفير من أعمال قوم لوط ...وأردفت : إن بلغ بكن الحماس مبلغه فهللن أو كبّرن بدلاً عن التصفيق !!
- الله أكبر...هكذا صرخت ريم وهي تنفجر ضاحكة , فيما رفعت علياء كوب العصير صائحة : تكبير  !!
سارعت بلمّ ابتسامتها حين انتبهت إلى نظرات أكرم المحدّقة بها وشفتاه اللتان كانتا تنكشفان عن ضحكةٍ هازئة , وبعد لحظات صمت أرسل :
- أتدرين ياعلياء ...أنا أشفق عليكِ حقًا , أنتِ تحديدًا لا تعرفين ماالذي تريدينه , على الأقل أبو عقيل مذ عرفناه وهو بذات الوجه والاتجاه , أما أنتِ فمسكينة , من فتاةٍ تقيّة طبِع على جبينها علامة السجود إلى امرأة تقف اليوم على شفا جرفٍ هاوٍ لاتدري أين سيهوي بها , وليس ذاك إلا لأنكِ كنتِ تعبدين الله كالمنافقين على حرف ..
- بل على خوف...خرجت كلمات علياء من بين أسنانها , وأكملت وهي تجاهد للسيطرة على غضبها : كنت أعبده على خوف ...خوف متواصل وشديد من عذابه وسطوته , من غضبه وانتقامه , أنا لم أعرف منكم إلا وجه الله المعاقِب , المنتقم , المهدد , المتوعّد , لم أكمل سن الثالثة عشر من عمري إلا وأنا أعرف كل أسماء جهنم وأوديتها , وألوان العذاب فيها , وتفاصيله , ومايسبقه من أهوال القبر , والضغطة التي تحطّم العظام , وتخالف أمكنتها , وكيف أن القبر يضيق ويضيق ليصبح في مساحةٍ لاتتجاوز الـ خمسين سنتمتر مربع !! ياإلهي , ياللهول ...كنت أمرر يدي على جسدي وأتساءل في هلع : كيف سأحشر في تلك المساحة الضيقة ؟! ...ثم المَلكَان وانعقاد اللسان , وقرع المطارق , والكوّة التي تفتح على النار , والوحشة , والظلمة , والوحدة والكآبة , وكل ذلك لماذا ؟ لأجل أغنية , أو دعج عينان بالكحل أو لبس خلخال , أو لأن قلبي خفق رغمًا عني بالحب , أو لأن روحي اشتهت زينة النساء فوضعت رمشًا أو رسمت حبة خال , لأجل هذا سيلعنني الله كما تزعمون ويطردني من رحمته ويحرمني رائحة جنته ؟!! تبًا لكم  , لست بحاجة لتعاليمكم أو لوحكم الإرشادية , قد وهبني الله قلبًا محبًا للحياة , للخير , للعدل , روحًا شاسعة أكبر من مخاوفكم البائسة وقيودكم وتصنيفاتكم التي حصرت الكون وآفاقه في لونين لايتجاوزهما . قد منحني الله قلبًا شفيفًا وفؤاداً تضطرب جوانحه لأنين إنسانٍ قابعٍ في أقاصي الأرض ، فتشارك دموعي شكواه وآلامه . ضقت ذرعًا بقوالبكم المعدة سلفًا ، وآراءكم وأحكامكم التي ماأنزل الله بها من سلطان .

خيّم الصمت لدقيقةٍ كاملة على المجلس , نزع خلالها الدكتور معاذ - الذي لم ينبس ببنت شفة طوال اللقاء – نظارته متشاغلاً  بتمسيحها , بينما تظاهر مروان بالكتابة على جهاز الجوال , فيما كان يوسف ينظر للأمام ويمرر يده على لحيته القصيرة , وظلت ريم  تتبادل مع أكرم النظرات . قطع الصمت فجأة صوت يوسف قائلاً : هل أخبرتكم عن الحمارة الجميلة التي صادفتها في " الديرة " قبل شهر !
أمالت علياء فمها بضحكة مكتومة , وسط تعالي ضحكات الآخرين , وتحدث أخيرًا معاذ مبتسمًا  : أنثى الحمار تدعى أتان ياأبي .
- المهم , أنها تملك أجمل عينيّ حمارة رأيتها في حياتي , بل إن ملامح وجهها كلها مميزة , إنها تستحق أن تكون ملكة جمال الحمير ...لابد أن أريكم إياها متى ما ذهبنا إلى هناك .

امتدت السهرة حتى الثالثة فجرًا , قادهم فيها يوسف من قصة إلى أخرى بأسلوبه العذب المشوّق ، وبدعمٍ من أكرم الذي أثرى تلك القصص بشواهد تراثية وشعرية وحكايا لايملّ منها سامع  , استأذنت ريم على مضض , كونها مضطرة للرحيل برفقة شقيقتها التي لم تعد قادرة على المضي في السهر . وحين اقتربوا من منزلها , أرسلت ريم : تعلمين جيدًا ياعلياء أن أكرم طيب القلب كريم الطباع  . أجابت علياء بصوتٍ واهن وعينان مغمضتان : أعرف ذلك جيدًا , لقد دفعني بيده ذات يوم بعد أن أغضبته بلساني الطويل الوقح , وكدت أن أسقط على وجهي ، لولا أني تشبثت بحواف المكتب الذي كان إلى جواري , وقبيل النوم جاء إلى غرفتي , قبّـل جبيني واعتذر مني . إنه الإنسان الوحيد الذي لم يضربني في ذلك المعتقل .

#عيناكِ_ياعلياء
#أيلول_وقلب#علياء

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018


صبي اسمه " رواح " .

يومٌ جديد تدور فيه والدة رواح على أبنائها ، توقظهم كي يستعدوا للذهاب للمدرسة . لكنها غير مضطرة لأن تفعل ذلك مع رواح . لقد اعتاد الصبي على ضبط منبه جهازه ، والاستيقاظ دون مساعدة أحد . قرر ذلك منذ آخر مرة دلقت فيها والدته الماء البارد على رأسه بعد أن أعياها إيقاظه . لطالما كررت أن هذا الفتى " الشعنون" كما تصفه ؛ خير معينٍ لها في هذي الحياة ، بعد أن ارتحل بِكرها للعمل خارج المدينة ، لقد اختار الارتحال ، كيما يظل في منأى عن الاحتكاك بوالده الذي لم يتفق معه يومًا . أدركت ذلك مثلما أدركت أن رواح لن يتخلى عنها كما فعل شقيقه ! " رواح صلبٌ جسور " ؛ هذا ماازدادت به إيمانًا مع كل "علقة " تلقاها الصبي من والده بابتسامٍة واسعة . رفاق رواح آمنوا بذلك أيضًا . وفي كل مرة حُبـِس فيها في البيت من قِبل والده ، بعد استدعاءٍ من مدير المدرسة ، انتظروه بيقينٍ تام . كانوا على علٍم بمنفذه السري . لقد أكبروا جسارته التي دعته لتسلق أنابيب" المِنور " من الطابق السابع ، حيث شقة عائلته ، وصولاً إلى السطح بعد الطابق الحادي عشر . ورغم أن رواح لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره ، إلا أنه كان " دينمو " الشلة ، والمحرّك الرئيس لها . إنه مدبّر المؤامرات ، ومخطط الرحلات ، ومنفذ السرقات ، وحتى بعد أن عفى عنه السيد سالم صاحب البقالة ، بعد أن ضبطه متلبسا بالجرم مرتين ، لم يقو الصبي على التخلص من دائه ، كان يجيب والدته : لقد أردت المساهمة مع صحبي ، لم أظن أن ذلك سيُغضب العم سالم . هو أيضًا لم يتوقع أن القصاصات التي كان يصوّبها باتجاه رأس معلم اللغة الإنجليزية آن كتابته للدرس على اللوح ، ستثير هياجه إلى الحد الذي يستوجب ضربه وإهانته أمام رفاقه . ومرًة أخرى ، لم يتوقع أن يكون جواب والده على شكوى المعلم : اضربه ، وإن مات بين يديك ، فلن أقتص منك .
قريبًا سيُمسي اسم هذي الحارة " حارة رواح " . كيف لا ، والصبي صاحب الاقتراح الذي قضى بتحويل البقعة الخالية الكائنة بين الحديقة والشارع العام إلى ملعبٍ مسيّجٍ لكرة القدم ! ألم يكن هو أول من اتصل بدائرة المطافي حين لمح الدخان المتصاعد من مبنى أحد الجيران ! أضف إلى ذلك أن السيدة " منتهى " وهي أرملٌة عجوز تسكن وحيدًة مع قطتها ، تقسم أن ذلك الصبي المشاغب الذي تدعوه " مراح" هو الوحيد الذي يهبّ لمساعدتها كلما رآها تحمل أكياس مشترواتها !
لاتفتر شفتا رواح عن الابتسام . يرسل ناظريه نحو السماء متشوّفا ، فلا توقظه إلا ضربات والده على رأسه : ماذا ؟ أتسمع نباح كلابٍ في السماء ؟! امض سريعًا وابتع لي علبة سجائر . يفعل الصبي ذلك بكل سرور ، متناسياً تلك النقرات على رأسه ، والشتائم في مسمعه . هو يبحث عن أيّ فرصة كي يغادر المنزل ، لذلك لن يرفض طلب والدته بمعاودة الخروج لقضاء بعض الحاجيات للمنزل ، ثم طلب شقيقته منه التوجه للمكتبة لطباعة أوراقٍ تخصها . إنه " الشعنون" ، شعلة المنزل وجذوته .
رواح لا يُقهر . إنه متشبث بهذي الحياة . تخبرك بذلك أرصفة الحارة التي أشبعها لهوا وقفزا . يوافق على ذلك الصبية الصغار ؛ يمر بهم فيشاغبهم ويلاعبهم ، يؤكده مُغسّل السيارات الآسيوي الذي كثيرًا ماشاركه رواح اللهو وهما يتعاونان لتنظيف بعض السيارات . وهاهو اليوم متوجه لمحل تصليح الدراجات ، حيث وعده العامل الذي يشتغل هناك ، بإصلاح دراجته بالمجان ، ووضع ملصقٍ عليها يحمل شعار ناديه المفضل . كم كانت خيبته ودهشته عظيمتين حينما علم حقيقة هذا الملصق وثمنه . ورغم أن العامل أحكم إغلاق بوابة المحل ، إلا أن جسارة الصبي استطاعت تخليصه من قبضة الوحش بعد أن ضربه بإحدى الآلات الثقيلة ، وانسلّ من بين يديه هاربًا عبر كوةٍ صغيرةٍ في الجدار . لعدة ليال ، وبعد أن يغادر "رواح" أصدقاءه عائدًا للبيت ، يتهامس البعض حول حقيقة ماحدث في ذلك المحل : رواح لم يعد هو ، انطفأ شيء في عينيه . يعترض البعض الآخر معللاً : هو لم يكذب علينا ، لقد خرج سليمًا ، تلك الكسرة في عينيه إنما مردها لخذلان والده الذي لم يقتص له ، متهِـمًا إياه بالصياعة ومرافقة المنحرفين . لايذكر رواح آخر مرة تحدث فيها إلى والدته التي باتت أكثر انعزالا ، وهاهو ينقر باب غرفتها الموصد بالمفتاح ، فيجدها كما دومًا منشغلة بجهازها وعالمها . تلوح منه التفاتة صوب غرفة شقيقته المنكفئة على كتبها ؛ " قريبًا ستدخل كلية الطب" ، يحدث نفسه بينما يمر بشقيقيه الصغيرين يلعبان سويا . وقبل أن يصل للصالة إذ بباب غرفة والدته يُفتح ، فتخرج طالبًة منه الذهاب لابتياع علبة سبراي لتضعه على شعرها قبيل خروجها للقاء جاراتها . يعود سريعًا بالطلب ، فيتفاجأ بوالدته قد قررت إغلاق باب البيت وراءها بالمفتاح ، لتجبره على المكوث مع إخوته . لن يعترض رواح ولن يثور ، فمنفذه السريّ كفيلٌ بإنقاذه من هذا الحِصار ، هو خبيرٌ في استخدامه ، متقِنٌ له . مالم يتوقعه فقط ، أن يجد نفسه في ملتقى الجارات ؛ على السطح !!!
" وأخيرًا عرفتُ ممر رواح السري " هكذا صاحت المرأة ماأن رأت زوجها الذي انتشى بهذا الظفر العظيم ، فراح يلكم وجه الصبي ورأسه ، في الوقت الذي تكوّر فيه رواح على نفسه في الزاوية ، مسلِمًا ظهره لسياط حزام والده ، الذي تعالى صراخه : أيها الشقي ، كيف سولت لك نفسك فعل ذلك ؟ ألا تخشى الموت ؟ هل صدقت فعلاً أنك جسور ، إنهم يخدعونك ويسخرون منك ، لاأحد يحترمك أو يحبك ، أنت مصدر تعاسةٍ لي ، مصدر إزعاجٍ لمدرسيك ، عبء ثقيلٌ بتبلد إحساسك ، وسرقاتك وانحراف سلوكك .

صباحٌ جديد تدور فيه والدة رواح على أبنائها ، توقظهم كي يستعدوا للذهاب للمدرسة . لكنها لن تضطر لفعل ذلك مع رواح . لقد تدبر الصبي أمره جيدًا . أعاد مشاهدة ذلك الفيديو كثيرًا في الأيام الأخيرة ، وبات يعقد الحبل بكل مهارة . لذا لم يستغرق الأمر منه تلك الليلة سوى دقائق معدودة . أنجز الأمر في أقل من ربع ساعة . نعم ، ربع ساعة مع جسارته كانت كافية لتحلّق روحه بعيدًا .
مازال صغار الحي يُقسمون أنهم شاهدوا "رواح" نهاية الشارع يلوّح مبتسِمًا لهم ، يجددون أيمانهم أمام أصدقائه الذين يتهامس بعضهم بكون رواح لم يقصد المغادرة ، وأنه لم يتوقع أن تحكِم العقدة قبضتها حول عنقه الصغير ، بينما يرد الآخرون بأسف : رواح جسور... رواح لايُقهر .

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

مات الكثير من الأحبة ، لكنها المرة الأولى التي ألج فيها مغسلة الموتى .

في كل مرة كنت أهرب من هذا الموقف ؛ التغسيل ، والكفن ، والوداع الأخير . أرغمتني الظروف هذه المرة على ماكنت أكره . وعبرت البوابة المؤدية للمغسلة ، ثم إلى الداخل حيث لاشيء أمامك سوى مجموعة مقاعد تليها صالة مكشوفة يؤدي فيها المنتظرون الصلاة . توجهت مع مجموعة النساء نحو اليسار حيث اللوحة التي كتِب عليها " مغسلة النساء"، في انتظار أن ينتهي الرجال من تغسيل الميت وتكفينه . احتلت النساء المقاعد كلها ، مما اضطرني للجلوس على المقعد الحجري الكائن في الصالة الداخلية ، كنت في حالة خدرٍ وذهولٍ شديدين ، مدت إليّ إحداهن مصحفًا واعتذرت عن تناوله. أدرت بصري فيهن وقد انكفأن على المصاحف تلاوةً وتمايلا ، ومضيت أتأمل أرضية المبنى وجدرانه والتي بُلّطت بذات البلاط ، في تعبيرٍ صامٍت همس : مو فارقة !
أمامي تمامًا إلى الزاوية اليمنى وضِعت شجرة زينة اصطناعية ، بغصنٍ مال للون اليباس وأوراقٍ مغبرّةٍ باهتة. وإلى اليسار قريبًا مني برادة امتلأت بقوارير الماء ، تلتها غرفة فُتح بابها على مصراعيه . دفعتني دهشة الفضول للاستكشاف ، توجهت إليها ، فوجدت عنوانها " مغسلة رقم 1" . كانت تغص بالنعوش المخصصة للنساء ، 13 ، 56 ، 4 ، 27 ، 16...وفي الوسط ربض ذلك السرير المثبت على الأرض بأعمدة حديد ، والمعد للتغسيل ، مُستقبِلاً من الأعلى أنبوب الماء المتدلي بنهايته " شطاف التواليت" . إنهم يغسلون الأموات بالشطاف الذي نستخدمه في الحمام !!! اقتربت من السرير ، كان في نهايته بالوعة كبيرة ، أحنيت رأسي أتفحصها ، ورأيت ما يشبه الطحالب قد استقرت في قاعها . في الركن الأيمن للغرفة ، تكدست مجموعة من الكراتين بعضها فوق بعض ، وظهر من الكرتونين العلويين أكياس مملوءة بمسحوقٍ أخضر ، توقعت أنه السدر . نعوش وكراتين ، براميل وأنابيب ، غرفة أقرب إلى مستودع خردوات . لاشيء هنا يوحي بالحياة . شعرت بتقلّصٍ مفاجيء في أمعائي ، ورغبة في التقيؤ . خرجت من المكان أسحب خطواتي التي قادتني إلى الغرفة المجاورة والتي حملت لوحتها اسم " مغسلة رقم 2 " . كانت هذه الغرفة أكثر ترتيبًا وبرودة ، لم يوجد مع سرير التغسيل إلا بضع براميل زرقاء اللون ، احترت في علّة تواجدها . رفعت بصري نحو الأعلى ، وسرت رعشةٌ في أوصالي ، كان هناك جهاز مثبت أشبه بالمضخة ، شعرت بومضة رعب للخيال الذي عبرني ، لاأدري لم ظننته أداة فرمٍ وتعذيب . لم تختلف الغرفتان 3 و 4 عن سابقتهما كثيرًا ، ربما فقط كانتا أكثر هدوءًا ووحشة . انتبهت إلى إحدى النساء وقد أصبحت إلى جواري تبحث عن دورة المياه . وحين جلت ببصري كي أساعدها ، تسمّرتُ أمام اللوحة التي كتِب عليها " السكن" !!
سكن؟!... سكن ماذا ومن ؟ سكن الأموات ؟! كيف ذاك ؟... هل هي غرف معدة لمن يحتضرون ؟... هززت رأسي : هند ، ماهذا الغباء ! من يحتضر مكانه المشفى لا هنا . كانت خطافات الاستفهامات تتناوش ذهني ، في الوقت الذي مشيت فيه خلف السيدة التي عبرت الباب ، لتستقبلها تلك العجوز البنقالية وترشدها لدورة المياه . وأصبحتُ في البهو !... ربااااااه ، إنه سكن المُـكـفّنات !! ياإلهي ، إنهن يسكن في مغسلة الموتى !! شعرت بالأرض تدور بي وأنا أنتقل ببصري بين الغرف الثلاث ، بدت من الغرفة المواجهة امرأة تجلس على حافة سريرها ، منشغلة بربط مجموعة من الأكياس التي حوت مساحيق أعشاب بروائح غريبة ، كانت الغرفة مطفأة الأنوار ، وقد أعطت ظهرها للنافذة التي تسرب منها ضوء الغروب . إنها منهمكة في عملها ؛ الإعداد للموت !
مجددًا شعرت برغبة في التقيؤ . عدت إلى مقعدي ، حيث النساء مازلن يرتلن القرآن على روح الميت . سألتني إحداهن أمرًا لم أستطع استيعابه ، وأردت الاستفهام منها عنه ، بيد أني لم أجد صوتي ، عبثًا حاولت الوصول إليه ولم أفلح . شعرت بالجفاف يحتل حلقي ، وتوسلت رشفة ماء تعيد الحياة إليه. وتذكرت برادة الماء ، كنت على وشك النهوض لسحب قنينة ماء حين لاحظت أن القراطيس التي تحمل اسم الشركة المُصنّعة مزالة. توجست في نفسي خيفة ؛ لماذا هي مزالة ! وأنعمت النظر مجددًا . كلا ، إنها موجودة . وبين إقدامٍ وإحجام ، ونظرةٍ وأختها ، تأكد لي في النهاية أن القناني تحمل اسم مصنعها . رغم ذلك لم أتناول منها واحدة . لقد خُيّل إلي أنني سأتلاشى في ذات اللحظة التي تصل فيها جرعة الماء جوفي . وأفقت من هواجسي على ضوضاء عالية لعاملين يُدخِلان نعشًا حُـمِلت عليه امرأة ما ، ولحق بالسرير رجلان آسيويان ، استقر في ذهني أنهما قادمان من ديارهما للعمرة والزيارة حين فاجأ الموت رفيقتهما . لم يكن في المدى إلا صوت عجلات السرير الذي سحِب نحو مغسلة رقم 2 ، ثم صوت أحد العاملَيْن يخبر الرجلين بضرورة التوجه للخارج ريثما تنتهي المكفّنة من تجهيز رفيقتهما . مرت بضع دقائق ، والوجود غارقٌ في صمتٍ عميق ، وكأنما حيل بيننا وبين عجلة الحياة . ووجدتني أحمل نفسي نحو الغرفة رقم 2 ، أقف ببابها أتأمل تلك الكومة البيضاء الملقاة على السرير تنتظر من يحل رباطها ويحررها . مرت ثانية ، اثنتان ، عشرون ، ربما سبعون ، ربما دقائق وأنا في مكاني ، أنتظر أن تفيق المرأة وتستوي جالسة ، لتخبرني أن كل هذا وهم ، تمثيلية ، مزحة غليظة . لكنها لم تفعل . اجتاحني وسواس يهمس : أنتِ أيضًا طيف . لربما أنتِ الميتة لا هي . وشعرت برغبةٍ شديدةٍ في التقيؤ . صاح بنا المنادي ، أن توجهن لجناح الرجال لتوديع الميت ، وماأن دخلت النساء حتى انحنين عليه بكاء وتقبيلا ، في الوقت الذي التصقتُ فيه بالجدار ، أنظر للرقم 17 المرسوم على النعش . علا صوت إحداهن : بلّغ سلامي لوالدي ووالدتي ، بينما حثتنا الأخرى قائلة : أخبروه عن عظيم حبكن له ، إنه يسمعنا !
الآن ؟ تساءلت في سري ، مافائدتها الآن ؟

تقع المغسلة في الوسط تمامًا ، إلى يسارها المسجد النبوي ، وإلى اليمين مقبرة البقيع . توجهت وثلاث سيدات إلى باحة المسجد . يااااه مر وقتٌ طويل ! لقد تغيرت أمور كثيرة منذ آخر مرة كنت فيها هنا ، وانشغلت تمامًا عن الصلاة بكمّ المباني الهائلة التي أحاطت بالحرم ، وكنت كلما رفعت من ركوعٍ أو سجود التقطت اسم مبنى ؛ متحف أسماء الله الحسنى ، متحف الرسول محمد ، فندق الهجرة ، فندق الإشراق ، معرض عمارة المسجد النبوي ، فندق الأنتركونتينينتال (دار الإيمان) . وتردد في ذاكرتي صوت ممثلٍ مصري ما وهو يصيح : " كُـلّـه بما يُرضي الله ياباشا " . نعم ، إنها التجارة الرابحة ؛ على سنة الله ورسوله ! بعد انقضاء صلاة المغرب التفت إلى جارتي أستفهم منها عن تراتبية صلاة الميت ، ذكّرتني بها وتداركتْ : لاتنسي ، تسليمة واحدة فقط . أومأت برأسي موافقة ، وهمست في سري : نعم ، بزيادة على الميت !
كنت ورفيقاتي آخر العائدات إلى المغسلة ، حيث انتظرت بقية النسوة على المقاعد الخارجية في انتظار الانتهاء من الدفن . وهبط الليل جالبًا معه نفحات نسيمٍ واهنة ، وخلال نصف ساعة توقفت أربع سيارات جنائز . وأخيرًا فتِح باب البقيع ، ولمحت على الرصيف البعيد ثلاثة رجال حملوا في أيديهم معدات الحفر ، فعلمت أنهم حفارو القبور ، كانوا راضين عما أدوّه من عمل ، هذا ماأوحى به صوت ضحكاتهم العالية . وحال بيني وبينهم رجلين مرّا أمامي ، وانتبهت وإذ بهما يعودان بالسرير رقم 17 خاليًا إلى المغسلة . واعترتني قشعريرٌة هائلة ، وشعرت برغبٍة عارمة في التقيؤ . في أن أتقيؤني ، أتقيأ هذا الوجود برمّته ، ورفعت رأسي إلى مبنى المغسلة : يجب أن يضعوا أعلى بوابتها بيت المعري " هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد " نعم.. يجب أن يتوقف هذا العبث ، يجب أن يُدرك الحمقى حقيقة هذي المهزلة ، فيفرغوا رغباتهم وفائض سوائلهم في بالوعٍة ما ، يجب أن ننتهي ، أن ننقرض ، أن تتوقف هذه الدورة الغبية ، بأهازيج بدءها ، وموال ختامها . ليصمت الحادي ، لتختفي القافلة ، ليخرس الضجيج... ليتوقف الألم ، ويخلع الفرح ثوب السذاجة الأبله ، ليتوقف الكل عن ترديد البلاهة المعتادة :" إنها سنة الحياة " . متناسين سنة الموت وسطوته ، هاربين من مرّ الحقيقة إلى مخدّر الأمل ..
ألا وتعسًا لعبيد الأمل .

الخميس، 18 أكتوبر 2018


قبيل الزفاف بيومين مرت بها  شقيقتها ريم لأخذ بطاقتي دعوة للحفل من أجل صديقتها " منار " ووالدتها , تصغرريم شقيقتها علياء بست سنوات , فارعة الطول , سمراء اللون , لها عينان واسعتان برموش كثيفة طويلة , تعمل منذ اثنتي عشرة سنة في القسم النسائي لمكتب الأحوال المدنية بالمدينة , زوجها رجلٌ طيب القلب , متواضع التفكير والطموح , يعمل في وظيفةٍ أمنيّة لأحد المخازن الحكومية , وقد أنجبت منه ريم بنتين جميلتين وصبي هو الأصغر. دهشت ريم  آن رؤيتها لبطاقات عديدة دون أسماء :
- ماهذا؟  أهي بطاقات فائضة عن الحاجة  ؟!
- نعم , لم أدع الكثير لحفل الزفاف.
- ولماذا ؟ لديكِ الكثير من المعارف والأصدقاء ..
- تقصدين الكثير من الوهم ...
قطّبت ريم حاجبيها وهي تسأل  : وهم !! لماذا تقولين ذلك ؟
- تعالي للمطبخ , هل أصنع لكِ قهوة تركية معي ؟
أجابت ريم وهي تجلس إلى طاولة الطعام  : لاأريدها مُرة ..ضعي قليلاً من السكر بها .

ارتشفت علياء قهوتها بهدوء وهي تدير رأسها نحو نافذة المطبخ الواسعة إلى يمينها , أرسلت وهي ماتزال تحدّق عبر زجاج النافذة  : هل تذكرين كيف كنت أعاند والدتي وأثور في وجهها كي تسمح لي بزيارة صديقاتي ؟
- كنتِ تثورين لأجل أشياء كثيرة ياعلياء ...أردتِ زيارة صديقاتكِ , والتحدث بالهاتف , والسماح لكِ بالزيارات العائلية  والتسوّق دون رفقة أحد .
- الأخيرين لم أطالب بهما إلا بعد أن أصبحت في الجامعة . عضت شفتها السفلى وأكملت : ياإلهي ...كانت مطالب بسيطة وعادية ...لم أبغ سوى قليلاً من حرية .
- علياء ...علياء , أرجوكِ ...ياالله ...كنتِ تناطحين الصخر , مطالبك لم تكن بسيطة ولا عادية وسط أسرة متشددة كأسرتنا . مازلت أذكر جيدًا ذلك اليوم الذي عدتِ فيه من الجامعة قبيل صلاة العشاء , وحين علموا أن سبب تأخركِ هو مرورك بالمستشفى لزيارة عمي ماجد حين داهمته إحدى نوباته القلبية  جلدوكِ , كنت أسمع صراخكِ وأتساءل : لماذا لم تستأذن هذه المتغطرسة منهم مسبقًا ..لماذا هي حمقاء إلى هذا الحد !
- هه  !! وهل تظنين أن سبب نقمتهم هي عدم استئذاني المسبق منهم ؟! وماذا عن تلك الليلة التي سهرت فيها مع بنات خالي محمد , في منزلهم الذي لا يبعد عن منزلنا سوى عشرة أمتار . حدث ذلك بعلمهم , وبرفقة والدتي التي انصرفت مبكرًا , واستأذنت منها لأبقى مزيدًا من الوقت , فما كان منها إلا أن أرسلت " أكرم " بعد ساعة كي يجلبني , وماأن دخلت البيت حتى سحبتني من شعري وأخذت تضرب رأسي في جدران المدخل كلها ...كنت في سنتي الجامعية الأخيرة , يهوي فؤادي في ألمٍ عميق وأنا أرفَع من شعري كالنعجة , ثم أركَل في الزوايا لا لذنب إلا رغبتي في أن أتنفس .
- نعم ...نعم , همست ريم ببطء وكأنما تبذل جهدًا في التفكير : تذكرت تلك الحادثة الآن , كنت قد نسيتها ...يا الله ...
- الأمر ليس عدم استئذان مسبق  , الأمر ببساطة أنكِ فتاة ويجب أن تظلي تحت سلطتنا التامة , تخرجين بأمرنا , وتعودين بأمرنا , في الساعة التي نحدد و مع الأشخاص الذين نختار , كيفما يحلو لنا ومتى مايطيب لمزاجنا ...لذلك كنت أثور , كنت أتمرد ...كنت أحارب وأقاتل ..
- لكنكِ لم تستفيدي شيئًا ياعزيزتي ...لم تظفري بشيء عدا الندوب في سائر جسدكِ . كنت كلما  سمعت ذلك الحديث النبوي عن كون أكثر من أوذي وضرِب وعذّب هم الأنبياء والصالحون ، أهمس بيني وبين نفسي : وعلياء.. وعلياء . لقد كنتِ عظة متجسّدة بالنسبة لي , تعلمت من خلالك أن أغلق فمي وأن لا أطالب بشيء , بل وأن لا أحلم بشيء حتى يشتد عودي وأصبح قادرة على الوقوف وحدي دون الحاجة لأحد .
- آخر ماتمنيته أن تعرَض حياتي كدرسٍ مستفاد . أن أختصَر في موعظة يُؤنّـب بها المذنب ويُلام بها الغافل , أن أغدو الصليب الذي احتمل آلام البشر ليهتدوا , أن أكون صف التترس الذي ينقذ الآخرون . أن أستقبل وجه المدفع ليحيا من بعدي .
- أووه عزيزتي ..النبلاء يقدمِون  التضحيات لأجل صالح الإنسانية بكل طيب خاطر .
- كنت سأقدّم تلك التضحيات بنفسٍ راضية لو أن الأمر حدث برغبتي , باختياري , بكامل حكمتي وتفكيري , لكني أخِذت على حين غرة , دفعني غبائي وتسلّط الآخرين لمنصة الإعدام دون وعي مني ...لقد اختُزِلت كل مواجعي في نصيحة قطفها الآخرين ومضوا , فيما بقيت أرقبهم يسيرون في ذات الطريق الذي لم أبصر .
أطلقت علياء تنهيدةً واهنة , كانت تحدق في المدى عبر عينين غائمتين , أرسلت بعد برهة : هل تتخيلين قابعًا في نفق ظلام , كيف هو حاله آن خلاصه ! إنه سيندفع نحو الأمام دون رويّةٍ ولا إبطاء . هذا تمامًا ما حدث معي . ألقيت نفسي بين يدي أول عابرٍ التقطني . لم أفكر فيه كزوج أو شريك عمر .كل ما رأيته فيه هو خلاصي من قيدي . وهربت ..هربت نحو الناس , نحو الآخرين , ألتمس منهم ذاتي , أبحث عن رضاي عنيّ في أعينهم , عن محاسني في ثنائهم , وعيوبي من نقدهم ...حين أفكر , أجد أن مامضى من عمري كان محاطًا بغشاء النعاس الذي ذكره شكسبير , نعاس عزلني في بوتقة حجزت عني همس الكون حين ألقتني في ضجيجه , الأمر كان أقرب إلى العبث , عبثٌ سادرٌ في غيّ الجهل المطمئـِن الآمن , حيث لاتطلعات ولا سبر أغوار ولا بحث عن كينونة , حيث إثبات الذات كفيلٌ به رداءٌ جميلٌ غريب , أو فوزٌ في معركة كلام ...
- ماذا تقصدين ..لا أدري ماالذي تريدين قوله ياعلياء ..
- أردت أن أقول أنني هربت في الاتجاه الخاطيء ...خرجت من النفق ومضيت دون هدى , هائمة بلا دليل  ...ظننت أن الآخر بإمكانه أن يمنحني مالم تمنحه لي جذوري ...توهمت أن الآخر قد يساعدني في الوقت الذي لم أتوقف فيه لمساعدة نفسي ..أنا حقًا لم أتوقف ياريم ...لم أتوقف لالتقاط أنفاسي , لتأمل الطريق وتأمل ذاتي..لم أنظر لداخلي لأتعرف عليّ مجددًا ...كنت قد خرجت من ذلك النفق متسخة ومشوّهة ..كان الأحرى بي أن أمكث مليًّا معي ..أن أفهمني وأخطط جيدًا لباقي رحلتي ..لكني لم أفعل . انكفأت على ذلك النهر الذي حرِمت منه , وأخذت أشرب دون توقف..ألقيت بي بين أيدي الناس ...علاقات وعلاقات وعلاقات ...عرفت الكل إلا إياي .وهل عرفتهم حقًا ؟ أبدًا , لم أكترث لمعرفتهم...كل ماسعيت له هو القبول بي والرضا عني .
- لكنك كنتِ محبوبة حقًا لتميّزكِ لا شفقةً من الغير أو مداهنة .
أطلقت علياء ضحكةً عالية : أتظنين ذلك حقًا ؟

#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء

الجمعة، 12 أكتوبر 2018


أنا في الحضيض الآن ..
في الحياة معزولة عن الحياة ، لا تركيز ولا استيعاب ولا قدرة حتى على المجاراة . أقف وسط الجموع كالبلهاء ، أحملق بعينين غارقتين في الضباب . أجابه الحياة برأسي المنتفخ ماءً وكوابيسًا وأوهام .
في أول مرة ذهبت فيها إلى الطبيب ، ولجت سيارة الأجرة ، وهمست بإسم المشفى دون وعي . أظن أن صوتي كان خافتًا ، الأمر الذي حدا بالفتى معاودة الاستفهام ، لأكرر قائلة : مشفى الرحمة . جلست في غرفة الانتظار ريثما يحين دوري ، وماأن حلّ ، دخلت على الطبيب كمن يسوقه البخار ، ألقيت بجسدي على المقعد الكائن أمامه ، بادرني متسائلاً :
- من امتى بتتألمي ؟
- منذ الحادي عشر من سبتمبر...
- الله... الله ، هو انتي بقا اللي كنتي بتسوقي الطيارة ، ودخلتي في البرجين....
لم أنبس ببنت شفة ؛ ببساطة لم أستوعب كلامه . ظللت أحملق فيه كالبلهاء إلى أن قرر الانتقال للسؤال التالي ومن ثم تفحص نبضي وخفقات قلبي . أحالني إلى المبنى الآخر ، لإجراء عدد من التحاليل والأشعة . وهناك عاودتني ذكرى المرة الأولى التي زرت فيها هذا المشفى ، كان ذلك منذ سنوات بعيدة ، تحديدًا في يوم الإثنين . لم أنس الازدحام الشديد الذي عاينته في ذلك اليوم ، والذي أدركت علته لاحقًا حين علمت أن أصحاب المشفى قد خصصوا يوميّ الإثنين والخميس لاستقبال الفقراء وذوي الدخل البسيط من المرضى ، فجعلوا كامل التكاليف بمبلغٍ رمزي لايكاد يُذكر ، بل وبالمجان لبعض الحالات ، دون تركيزٍ على فرز الوضع المادي للمراجعين. فكل من يزور المشفى في ذينك اليومين سيحظى بالعلاج شبه المجاني . مازال المشفى على وضعه القديم ، مزدحم بالزوار والموظفين والبركات المطلة من الجدران . موظفون كثر ، فائضون عن الحاجة حتمًا ، مظهرهم البسيط الرث ، وشبه تبطلهم ، يوحي بأنهم شغلوا هذه الخانة من باب العون والمساعدة .
بعد ساعتين ونصف ، عدت للطبيب محمّلة بأوراق الأشعة ونتائج التحاليل ، وماأن رآني حتى حياني مبتسمًا :
- أهلاً 11 سبتمبر ..
هز رأسه باندهاش وهو يتأمل الأوراق : ياااه..11 سبتمبر !! همستُ بهدوء :
- أليس من السخرية يادكتور هذا الحوار في هذا المكان تحديدًا !
رفع بصره من تحت نظارته التي انزلقت إلى أرنبة أنفه ، ولاحت منه التفاتة صوب الممرضة التي وقفت قريبًا من الباب . أدرت رأسي أنا الأخرى أتفحصها ، كانت صغيرة بعمر ذاك الفتى الذي أوصلني هنا . وانتبهت فجأة... آآه ، لذلك عاودَ الاستفسار عن اسم المشفى ! يبدو أنني نطقتُ بالاسم القديم له : مستشفى بن لادن !
نعم ، كيف له وهذه الممرضة الصغيرة أن يعرفا بأن هذا هو اسم المشفى القديم ، نسبًة إلى العائلة التي تمتلكه. لا أدري لم تجسّد لي وأنا في طريق العودة المنزل الذي ولد فيه هتلر في النمسا ، والتي قررت صاحبته رفع قضية لدى مؤسسة الحقوق الإنسانية الأوروبية ضد حكومة بلدها التي تسعى لاستملاك المنزل وتغيير معالمه ، بحجة أنه بات مزارًا للنازيين الجدد وعشاق الرايخ الثالث.
مازال المنزل قائمًا ، ومازلت متعبة . أظن أنني متعبة منذ ماقبل الحادي عشر من سبتمبر .

السبت، 6 أكتوبر 2018


كالعادة ، أجلس في المقهى وحيدة ، أرتشف قهوتي ، وأراقب الناس . إلى يساري جلس شاب مع فتاتين ، إحداهما ، وهي حبيبته فيما يبدو ، إلى جواره ، بينما جلست الأخرى أمامهما . كان ينطبق عليها الوصف الذي وصفت به ابنة أخي يومًا نفسها ، حين أرادت أن تخبر صديقتها أنها الوسطى بين أشقاءها : "مزهرية" . ومزهرية بالمعنى المتداول عندنا تشير إلى كون صاحبها إنسان لامعنى لوجوده ، فائض عن الحاجة ، بالمختصر : مالوجوده أي داعٍ !
وهذا بالضبط ، ماكان من أمر الفتاة في تلك العلاقة الثلاثية . كان العاشقان يتلامسان ويتهامسان ويتشفشفان ( بمعنى يلصقان الشفة بالشفة) فيما هي تراقبهما كما كنغرٍ أبله يحدق في صيادٍ قادمٍ لالتقاطه . ولا تسألوني لم الكنغر تحديدًا . لكن جلوسها بتلك الطريقة ، بذلك الظهر المنحني و الشعر المجعد ، تلتهم مافي صحنها، ثم ترفع ناظريها لتحدق بهما وهما يتبادلان الحب ، أقرب لوضع حيوانٍ مسلوب الإرادة والفكر . تساءلت في سري : هل هي شقيقة الفتى الذي آمن أن لاحبيب لديها ، فدعاها شفقًة عليها كي تشاهد الفيلم الذي يؤديه مع حبيبته فيما هي تملأ معدتها . أم تراها شقيقة البطلة... أقصد الفتاة العاشقة ، التي أرادت حجًة كي تقابل حبيبها ، فسحبت أختها لتغطي عليها ، ورشتها مقابل ذلك بأصناف الطعام. لكن لا... الأتراك ليسوا مثلنا . إنهم يوشكون على التسافد علنًا . ولا أظن أن فتاةً هنا تجد صعوبًة في مقابلة من تريد وقت ماتريد .
وقبل أن أهتدي إلى حقيقة وضع الفتاة المزهرية ، جذبتني من ناصية قلبي حروفٌ عربية تراقصت إلى يميني ، وانتبهت ، وإذ بسيدةٍ عربية محجبة تجلس برفقة زوجها . كانت طاولتهما متقدمة قليلاً عن طاولتي ، بحيث تمكنت من رؤية وجه السيدة بوضوح . ولقد اشتهرت بين معارفي بامتلاكي لمهارة إخفاء نظراتي ، بمعنى أنني أستطيع دراسة تفاصيل الشخص الذي أعاين دون إشعاره بذلك . تحدث الزوجان عن موضوعٍ عالقٍ بينهما ، لم أتابع تفاصيله ، لكن بدا أن الزوجة متأزمة ومخنوقة جدًا منه ، رفعتْ عينيها فجأة عن الموبايل الذي كانت تنقر شاشته ، وثبتت ناظريها في وجه زوجها قائلة : خلاص، كفاية ، احنا حنفضل نعيد ونزيد في دا الموضوع كل يوم؟! ... كل يوم ؟! قالت كلماتها تلك بوجهٍ يوشك على التقيؤ من شدة القرف . أدرت رأسي كي أعاين زوجها . نعم... كان وغدًا . هذا مابدا واضحًا من شفتيه اللتين تهدلتا بشكلٍ مستفز .
كانت التفاتتي هذه المرة فاضحة. وهو مادعا الزوجين لتغيير مكانهما ، في الوقت الذي وضعت فيه حساب قهوتي وغادرت . طوال الطريق الموصل إلى الفندق كنت في أفكر في ابنتي ، همست لنفسي مرارًا : يجب ألا تصبح مزهرية . يجب أن أخبرها بأن لاتسمح لنفسها أن تمسي كذلك ، ألا تقبل الدخول في علاقٍة تحيلها لطرٍف ثالٍث هامشي ، ليس له من الأمر إلا أن يجتر ويشاهد . أو طرفٍ ثانٍ مغلوبٍ على أمره ، مسحوقٍ تحت روتينيةٍ بغيضةٍ متكررة حد السأم . يجب أن أملأ روحها بمعاني الإباء والثقة العالية . يجب أن تؤمن بأن الوحدة خيرٌ من المقعد الهامشي ، أنقى من الدور الخائر المستسلم ، أفضل من العلاقات الباردة الباهتة الصفراء . يجب أن تتعلم أن تصنع من روحها رفيقًا يملأ وحدتها ، يؤنس وحشتها، يكون عضدها حين يخلو بها الطريق.

الخميس، 4 أكتوبر 2018


قبيل موعد الزفاف بأسبوعين كانت علياء على موعٍد مع صديقتها " رجوى "  التي زارتها لتقدم للعروس هديتها , وهي صديقة لها مذ كانا في السادسة عشرة من عمريهما  . على يديها تعرفت علياء على روايات عبير الرومانسية التي كان من المحرّم والمخزي قراءتها , كثيرًا ماأعارتها رجوى إياها بالخفاء وقت الدوام المدرسي , أو حين تمر عليها في بيتها ، مخبأة داخل فستانٍ طُوي عدة طيات ، أو محشورة في ملفٍ وضع في ثانٍ ثم ثالث . لطالما اعتبرت علياء تلك الروايات بوابة عبورٍ نقلتها لعالمٍ لايشبه عالمها . مع رجوى عرفت  كيفية كيّ " غطاء الوجه " ببخاخ النشاء حتى يصبح منسابًا أنيقًا يجذب أعين الشباب ...تتذكر جيدًا كيف شاهدت لأول مرة رسالة حب تكتب على الريال - أو العشر ريالات في حال طالت الرسالة - لتنتقل إلى يد حبيب رجوى الذي كان ينتظرها في بقالة العم " حذيفة " الكائنة على الطريق الواصلة بين المدرسة وبيتها , في ذلك الوقت لم تكن هناك جوالات ولا أنترنت , كانت وسيلة الاتصال بين العشاق هي الرسائل المكتوبة يدويًا إما على الورق ، أو مناديل الكلينكس والأوراق النقدية في الحالات الطارئة العجلى  , أو عن طريق الهاتف الأرضي والذي غالبًا ماوضع في مكانٍ مكشوف وسط صالة المنزل ، على مرأى ومسمع جميع من في البيت , وفي منزلها تحديدًا تذكر علياء جيدًا كيف كان الهاتف إحدى المحظورات التي يحرم الاقتراب منها إلا للضرورة القصوى , ابتسمت وهي تستعيد صورة شقيقتها ريم التي أرسلت ذات دهشة بعد أن راقبت والدتهما وهي تنزع قابس الهاتف كما كل ليلة لتضعه في غرفتها حتى اليوم التالي : إنهم يقومون بحماية هذا الجهاز كما يحمون فروجهم !
- الأمر مرتبط بالفرْج على كل حال , هم يرونه على هذه الصورة  , مهاتفة فموعد فقبلة ف جنس وعار !
- نعم , إننا عار , احم ْعارك  , لـ نحمه , لنأخذ هذا الجهاز اللعين ونغلق عليه الأبواب   !!

حرصت علياء على تقديم أصناف عديدة  وفخمة من الضيافة لصديقتها رجوى , لم تشأ أن تظهر في مستوى أقل منها في الاحتفاء بالضيوف , أضف إلى ذلك معرفتها بحب صديقتها الشديد للطعام ، وتذوّقه بلسان المحب الناقد  , أدركت كل هذا منذ الزيارة الأولى لمنزل رجوى وأهلها قبل قرابة ثلاثين عامًا , حين تفاجأت بكمية الطعام الذي قُدّم على مائدة الفطور . كان الوقت هو اختبارات نهاية العام  , وهو وقتٌ مناسبٌ للتغيّب عن المنزل دون أن ينتبه أهلها لذلك , فهي تستطيع إخبارهم بأنها تأخرت في الاختبار , إذ كان محرّمًا في تلك الفترة على الفتيات تبادل الزيارات مع صديقاتهن , كان يومًا مميّزًا بكل ماحمله من تمرّدٍ على المألوف , ودهشة بعالمٍ جديد لم تعتده  , حيث البيوت الرحبة , والطعام المتنوّع الوفير , و الملابس الجميلة التي ارتدتها أخوات رجوى , والأهم فسحة تحرر لم تكن تتوفر في بيتها . لاحقًا حين اقترحت رجوى أن يكون فطور اليوم الأخير من الاختبارات في منزل علياء , بعد أن حل الدور قبله على صديقتهما أمل , التي لم يقل مستواها الاجتماعي عن رجوى  , قادتهما علياء قبل الذهاب لمنزلها إلى مخبز العم " هبّاش " , ابتاعت بريالين خبز القمح الأسمر الذي تشتهر به المدينة النبوية , ثم قدمت لهما الشاي الأحمر بالنعناع الحساوي والجبن الأبيض البلدي ، دعتهما للأكل بحماس : هيا , تفضلوا ...لاتنتظروا المزيد ! لاحقًا ، لم تجد صعوبة في تصديقهما حين أخبرتاها كم أحبتا هذا الفطور وكم وجدتاه رائعًا لذيذًا , إذ أنه وبطريقةٍ غريبة كان كذلك بالفعل  .

يهبط الليل , فتذوي علياء كمخلوقٍ مرصودٍ بالموت من الظلام , لطالما وجدتْ الليل غادرًا مخاتلاً , يلهو بها كما تلهو الصبية الغرّة بحبلٍ متهدّل , كانت ترد على سخرية عائلتها وصديقاتها من عزوفها عن السهر : إن الصباح ميدان العقل , والمساء مروج شقيقه , في النهار أكون للناس , بينهم , أخرج لهم ..أما في الليل , فأفتش في الدكاكين القديمة عن بقايا تركتها في العتمة , ولذا يتسع بؤبؤاي وأنا أنظر فيّ , خيباتٍ وأفراحا , انكساراتٍ ونشوات , فأنشطر بين بسمةٍ ودمعة , كما الشاعر حين يدندن : ياعين ياليل  !!

وقفت أمام النافذة التي لم تجرؤ على فتحها في ظل هذا الجو الحار . لاجديد ...هكذا فكرت , فناء منزلها وخزان الغاز الرئيسي القابع في زاويته اليمنى , ثم إلى الأمام جزء من واجهة منزل جيرانها الذين لاتعرف عنهم أيّ شيء , عدا أنهم يزينون نوافذهم  في رمضان بقناديل جميلة . أسدلت الستارة . صعدت إلى سريرها وأسندت ظهرها إلى الخلف . لانور في المكان إلا النور الأحمر الخافت لقابس المكيف ، والذي منح الغرفة برودةً لذيذة لم تكن أبدًا لتفضلها على البرودة الطبيعية . قفزت إلى ذهنها فجأة تلك الظهيرة القديمة من سنوات طفولتها , وقد جلست تحت المكيّف الصحراوي لمنزل جارهم محمد التركي . كانت قد حطمت طقم أسنان والدها حين تعثرت به وهي تركض في المجلس المعد للرجال , ويبدو أن والدها قد وضعها على الأرض وهو مطمئن إلى أنه لن يعبث في المجلس طفل . ارتعب قلبها الصغير من رؤية طقم الأسنان المحطم , ثم ما جرّه إليها خيالها من صورة وجه والدها وقد تجعد وانكمش فمه إلى الداخل , وبدا حزينًا يائسًا قد أضناه الجوع لا يستطيع مضغًا ولا تقطيعا . أطلقت ساقيها للريح  هاربة إلى أبعد ما صورته ظنونها . كانت الساعة الثانية ظهرًا ويزيد , الحرارة مرتفعة جدًا , والمكان يكاد يستغيث من وطأة الصمت وثقله . هدوء ممتد لايشبه إلا الثواني السابقات لقيام القيامة .وهناك وتحت ذلك المكيف الصحراوي غفت . لتوقظها فجأة قطرة ماءٍ ساقطة من سقف المكيف . انتبهت فزعة تلتفت يمينًا وشمالاً , تنظر للأمام تبحث عن والدها الذي تخيلته قادمًا إليها بعصا الخيزران ...لكن لاشيء , لم يكن هناك إلا الفراغ والحرارة والصمت الموحش . صمتٌ حمل في طيّاته المخاوف والأوهام والأماني .

#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء


الاثنين، 1 أكتوبر 2018


قال لي أحد الشعراء يومًا : أكاد أقسم أن كل من عاصر المتنبي من الشعراء ، في الجنة ؛ لقد غسل الله جميع آثامهم في الدنيا حين عاقبهم بالمتنبي بينهم محسوسًا ملموسًا محسودا ، لا يستطيعون له مجاراةً ، ولايبلغ انتقاصهم منه مبلغا . غادر المتنبي تاركًا لمعاصريه نار الغيرة تنهش أفئدتهم ، ولمن بعده إحساس الدونية آن كل ذكٍر له ، وللدنيا أثٌر خالٌد أبد الدهر يشدو به .
وأكاد أجزم أنه ذات حال من عاصر أم كلثوم وبليغ ؛ الحسد ممن عاينهم من أندادهم ، والإحساس بالدونية فيمن جاء من بعدهم ، باستثناء طبعًا من يدخلن عالم الطرب بمؤخراتهن وأثدائهن ، كحال هيفاء ومريام ومن لفّ لفيفهما ، فهؤلاء لسن إلا مؤخرات على هيئة بشر ، إحساسهن متكدس في همٍ واحٍد لاسواه . يشابهن في الضحالة والسخف ، رفاقهم المؤدون الجمبازيون ، المتقافزون كقردة السيرك بين نغمٍة وأختها .
هذا الجمال السماوي الذي يتنقّـل بك على بساط الدهشة بين عوالم من الحنين واللذة المعتّقة ، جمالّ متفرّد يتيم ، لا يمكن أن يتكرر بذات التفاصيل ، إنه كالحب الحقيقي ، لايحدث إلا مرًة واحدة في العمر ، وليس كل عمر . دوستويفسكي والإخوة كارامازوف ، كوبولا و العرّاب ، المعري وفلسفة الفناء ، شوبان ومقطوعة الخريف ، بيان الجاحظ ومجون أبو نواس ، دينكلاج وصراع العروش ، الرحابنة وفيروز ، شكسبير وهاملت ، سابوجنيك ومعركة اللقطاء ، نجيب محفوظ وخان الخليلي.... روائع ، مهما استمات البشر ، أو ضربوا لأجلها الأقداح ، أوعقدوا ونفثوا ماوسعهم النفث ، فلن يأتوا بذات الدهشة التي تخلّقت مع تلك الأعمال .
لن تتكرر أم كلثوم ، وإن تكررت فلن يصاحبها بليغ وعبدالوهاب ، وإن رافق مثلهما مثلها ، فلن يكون ثالثهم الشناوي ولا الهادي آدم ، وإن حصلت المعجزة ، وتحققت الثلاثية العجيبة ، فلن تكون بمعية ذلك الجمهور الدافيء الأصيل ؛ يتبع الآهة آهاتٍ وحنين ، يسكر في أمواجٍ من الشوق والأنين ، يتمايل طربًا ووجدا ، وينثني حبًا وامتنانا . تلك الأرواح انقرضت أو تكاد ، من العبث أن تفتش عنها بين الأرواح الصاعدة ؛ هذه التي تابعت أصحابها في فيديو مصوّر في أحد المركبات ، يضحكون سخريًة واستهجانًا من يدٍ تتقرب لأخرى توددًا وغزلا ، مشهدٌ كانت القلوب العتيقة تذوب لرؤيته غرامًا وتخيّلا ، لايثير اليوم في الأرواح الكرتونية إلا القهقهة . إنهم يسخرون من الحب ؛ لاتبحث الفتيات إلا عن مموّلٍ مادي ، ولا يحلم الشباب إلا بالتنصّل التام من أيّ مسؤولية ، إنهم على استعداد أن يُخصوا أنفسهم مقابل الحصول على التبطّل الكامل والحرية الباردة....

الجمعة، 28 سبتمبر 2018


استيقظت من نومها قبيل حلول المساء , تشعر بجسدها أكثر إرهاقًا بفعل تلك الكوابيس المزعجة , ارتأت أن تدخن سيجارة قبل أن تخرج لأبنائها  , دخلت حمامها وفتحت مروحة التهوية , ثم أخرجت علبة السجائر والولاعة من الدرج وجلست على كرسي الحمام بعد أن أغلقت غطاءه , مالت زاوية فمها بابتسامة مريرة وهي تتمتم : لو لم يكن للأمر الذي عقدت العزم عليه من حسنة سوى التدخين بحرية لكان كافيًا . نفثت دخان سيجارتها وهي تحدق في السقف , إنها لاتعد نفسها من المدخنين , تناولت أولى سجائرها وهي في السادسة عشر من عمرها , وحتى اليوم لم تدمن التدخين  , تدخن شهرًا وتترك سنة , تعاود يومًا ثم تفارق شهرًا , قطبت جبينها وهي تفكر: نعم أنا لم أدمن على أمرٍ في حياتي ولم أخلص لرغبة . لم أواظب على برنامج غذائي أو تجميلي , ولم أستمر في علاقةٍ عاطفيّة للحد الذي يضعها تحت مسمّى ما , روحي عصيّة على الإدمان , ربما أنا تجسيدٌ جيد لمقولة : كن في الدنيا كأنك عابر سبيل . أظل دومًا على عجل , في توقٍ خفيّ للرحيل , لملاقاة المجهول المترصّد . انطلقت منها فجأة ضحكة عالية لم تستطع كبحها , تخيلت نفسها وهي تدخن علانيةً في تلك الصالة الكئيبة في منزل أهلها , تنفث دخان سيجارتها في وجه شقيقها " وليد " الذي وقف يحملق فيها مشدوهًا مصعوقا . كان سيكون يومًا مشهودًا .هكذا فكرت : أن أدخن علنًا ووسطهم !...ياإلهي كانت ستحل عليّ  ألوان اللعنات والشتائم , سأشعر تمامًا بأني عاهرة , ستصب على رأسي من قذائف السخط مايجعلني أصدق أنني ساقطة تقبل بمضاجعة أيّ عابرٍ يمر بها ، حتمًا سأجلد حتى أنزف , لقد لكمني ذلك المعتوه على عيني مخلّفًا في بياضها بقعةً حمراء لم تبارحها إلا بعد شهرين , فقط لأني خرجت للشارع دون أن أغطي عينيّ . آآآآه , كيف انقضت تلك السنون..لقد قضيتها على الهامش ... نعم على الهامش ...بعيدًا عن مركز كل شيء وحقيقته , بعيدًا عن معنى الطفولة الحقة , قريبة من مسخ مراهقة , تائهة في دوامة الشباب وأخيلته ...أظن أن المركز الوحيد الذي وقفت فيه هو عين الإعصار , آن لكل ذلك أن ينتهي , أن يُمحى تمامًا , أن يُلغى من سيرة أيامي ...هذه ليست حياتي , لم تكن يومًا حياتي .
خرجتْ من الحمام لتتلقى مكالمة هاتفية من الخياطة المكلّفة بإعداد فستانها الخاص بحفل العرس , كانت علياء قد نسيت تمامًا أنه اليوم المحدد للبروفة الأخيرة , وحيث أن ابنها مروان اعتذر عن إيصالها كونه مشغول بالاستعداد لاختبار إحدى المواد , فقد أبلغت الخياطة بأنها سوف تأت للبروفة  في الغد . وبما أنها لن تستطيع الخروج هذا المساء , فقد قررت أن تستغل الوقت للإنتهاء من بعض الأعمال المتأخرة . كانت قد عزمت أمرها على ترتيب أدراج غرفة نومها حين دخلت ابنتها سارا عليها , سارا في العشرين من عمرها , سمراء اللون ذات شعرٍ فاحمٍ أسودٍ غزير ، ينساب كالماء لشدة نعومته , تمتلك ابتسامة والدتها , وعينين لوزيتين كعينيها لكنهما أوسع وأهدأ موجا , وعلياء التي كانت تفخر بها , أدركت سريعًا مدى نضج ابنتها وكمّ الاتزان والأناة التي امتلكتهما هذه الفتاة في عمرٍ مبكّر مقارنًة بها , هي الحمقاء التي امتدت رعونتها وهياجها العاطفي حتى وقتٍ قريب ...
- ماما ...أريد أن أحدثك في موضوعٍ هام
- نعم , هات مالديك  .
- أرجو ألا تغضبي  , وأن تصبري حتى أنهي كلامي .
- امممم ...حسنًا  , ماذا هناك .
- ماما ..أنا لم أعد ...أنا أريد ...أن ...أريد أن أسافر للخارج كي أدرس  .
- تدرسين ؟ تدرسين ماذا ؟! أنت تدرسين هنا !
- أتوسل إليك ماما , تعلمين جيدًا أن الخيارات هنا محدودة جدًا ...طموحي وقدراتي أعلى شأنًا .
- لم أجبرك على تخصصك الحالي , أنتِ من اختار دراسة الكيمياء , أرجو ألا تحمليني أوإخوتك تبعات خياراتكم ...لقد تركت لكم حرية التصرف في كل شؤون حياتكم .
- أعلم ماما , لم أقل أنكِ أجبرتني , الوضع هنا هو من أجبرني ...أريد أن أدرس الفلسفة , الأدب الإنجليزي , علم الحضارات القديمة أن أتعلم لغات عدة ...أنا هنا مقيّدة , وهذا ظلم , ظلم لفتاة  مثلي تخرجت بنسبة 99% , متفوقة وطموحة ...
- وماالذي بيدي وأقوى على تقديمه ولم أبذله لكِ , الأمر يحتاج نقودًا كثيرة , وأنتِ تعرفين جيدًا وضعنا المالي .
- وضعنا المالي لابأس به , تستطيعين بيع المنزل , والاكتفاء بشقة صغيرة تسكنينها , هاهي هدية ستنتقل لبيت زوجها , ومروان سيكون موظفًا بحلول السنة القادمة ويستطيع الاستقلال بنفسه , و....
- أبيع المنزل ؟!! هل أنتِ مجنونة  !!
- لماذا مجنونة ؟ لقد قلتِ أنكِ ابتعته لأجلنا ...حسنًا , لتبيعيه الآن , وتعطي كل واحدٍ منا نصيبه ليتصرف به وفق مايراه مناسبًا لوضعه , فيما ترتاحين أنتِ من هذا القرض الذي يثقل كاهلكِ , وتنعمي دون ضغوط براتبك التقاعدي ...أرجوكِ ماما , انتظري ..لاتتسرعي في الرفض , موقع المنزل ممتاز , وسنحصل من وراء بيعه على سعرٍ جيد ....
- يبدو أنكِ فقدتِ صوابك ...أبيع المنزل لأجل...تبًا ...كل ماتريدينه تستطيعين الحصول عليه عن طريق القراءة والإطلاع , تستطيعين دراسة الفلسفة وتعلم كل لغات الدنيا من خلال مواقع الإنترنت ...
- أريد دراسة منهجية , أريد أن أتخصص في هذه الأمور , أن أحصل على شهادتيّ بكالوريوس... ثلاث ...هذا لايتوفر هنا ..أرجوكِ..أرجوك ماما..
- دعينا من هذا الموضوع الآن ...
- هل ستفكرين فيه ؟!
- لاتعقدي آمالاً واسعة ...يجب أن تسايري الواقع , لستِ المتفوقة الوحيدة في هذا البلد التي حرمت من أحلامها ..أرجو أن تكوني على قدر المسئولية , ولاتطالبيني بما يفوق طاقتي .
- ياإلهي ...لماذا أنتِ بليدة الإحساس معي هكذا !! لقد ملأتِ الدنيا نحيبًا وشكوى من ظروفك التي قيدتكِ وحرمتكِ من تحقيق أحلامكِ , لماذا لاتشعرين بي الآن ...لماذا لاتساعديني ...أنا لاأطلب التحرر من الحجاب مثل ابنتك , ولا أن تمنحوني المال كي أزيل شعر جسدي بالليزر , وأحقن وجهي بالبوتكس والفيللر , أو لأجري عمليات تجميلية كما تفعل خالتي ريم وبقية الفتيات , أنا أريد أن أتعلم ...أن أعرف العالم ...أن أعرفني ...أفتح روحي على آفاق الكون ..أثبّت قدميّ برسوخ وثقة ...أريد أن أكون أنا ..
- هذا يكفي ...يكفي ...اغربي عن وجهي أيتها اللعينة  .
بهذه الكلمات صرخت علياء في وجه ابنتها بعد أن ظلت تتابع ثورتها بعينين مفتوحتين على اتساعهما , وشفتين مرتعدتين , وقلبٍ مضطرم لم يتوقف عن الخفقان  .
.
.
عبثًا حاولت الاحتفاظ بتركيزها لإنجاز أعمالها ولم تفلح . خرجت للفناء الداخلي تتفقد النباتات وتتأكد من حصولها على الماء الكافي , كان الجو خانقًا حارا , سقت شجرة السدر ، واقتربت من شجرة التين تلمس أوراقها بحنان وتهمس :  مازلتِ مورقة بهية بذات الاخضرار الذي دخلتِ به علينا أول مرة . دفنت وجهها بين أغصان النبتة تشمها وتقبلها . ثم نثرت على أوراقها قطرات ماء بيديها . أبصرت عبر النافذة الواسعة لغرفة الاستقبال المطلة على الفناء الداخلي ابنتها هدية تتحدث في الهاتف بخجل مع خطيبها . أدارت وجهها الذي انقبضت أساريره فجأة . وضعت إبريق الماء على الأرض وخرجت . هدية التي تخرجت من قسم هندسة الديكور منذ سنة كانت تدرك جيدًا أنها لن تجد مجالاً للعمل بتخصصها الذي أحبته منذ صغرها . خصوصًا في مدينةٍ غالب سكانها من ذوي الدخل المحدود والطابع المحافظ المنغلق . لذا فقد وجدت في هذا العريس الذي سوف ينتقل بها إلى مدينة الخبر المتطورة المنفتحة ، فرصة قد تساعدها في تحقيق حلمها . قبل شهر ارتدت فستانها المخمل الكحلي اللون لتعيد والدتها تجديد قياسه . وضعت علياء الدبابيس في أنحائه في الوقت الذي رفعت فيه هدية شعرها البني الفاتح أعلى رأسها . بدت بشرتها أشد بياضًا ، ولمعتْ أرنبة أنفها المستدير حين باعدت بين شفتيها المكتنزتين الورديتين قائلة في فرح : ثلاثة وعشرون عامًا في بقعةٍ واحدة . هذا يكفي , آن أوان التغيير والانتقال . حدقت علياء في وجهها لبرهة , ثم أومأت برأسها وانحنت تضع دبوسًا في ذيل الفستان هامسة : نعم .
حين خرجت من الفناء كانت الساعة قد شارفت على التاسعة والنصف فكرت في التوجه للمطبخ لإعداد القهوة  , لكنها ارتأت أن تستحم أولاً . كانت قد انتهت من إعداد قهوتها حين دخلت ابنتها هدية المطبخ تدندن بإحدى الأغنيات , سكبت ماءً في كأسها وهمت بالخروج في اللحظة التي صاحت بها علياء  :
- هل تريدين قهوة ؟
ردت بابتسامة : لا ماما , تعلمين أنني لا أحب القهوة التركية ...
- وإذن ابق معي وحدثيني ريثما أنتهي من شربها .
اقتربت هدية بخجلٍ مشوبٍ باالحيرة , نظرت مبتسمة إلى وجه والدتها وهي تسحب مقعدًا إلى يسار مقعدها وجلست , مرت لحظات صمت عبثت خلالها هدية بجوالها , ثم رفعت عينيها نحو والدتها وكأنما تستفسر منها عن سر استبقائها  . شعرت علياء باستفهام عينيّ ابنتها . تنحنحت بشيء من الحرج والتردد ثم أرسلت :
.....................


#عيناكِ_يا_علياء
#أيلول_وقلب_علياء

مقطع من رواية، كحال أخواتها ؛ لم توضع لها نهاية ، وقد لا توضع !

الجمعة، 21 سبتمبر 2018


لأول مرة تُـفتح لي هذه النافذة في تطبيق الحجوزات ؛ نافذة تتيح لك اختيار المقعد الذي تفضل الجلوس فيه في الطائرة . تجولت سريعًا بناظري في الشاشة محاولًـة اكتشاف مكانٍ شاغر ، لايجلس أحد فيه ولا بالقرب منه ، وارتفع بصري فجأة نحو الزاوية اليسرى ، لأجد الرقم 66 مدونًا كسعٍر لهذا الخيار . أملت شفتي نحو الجهة اليسرى بابتسامةٍ ساخرة ، وأغلقت النافذة .
لم يحدث أن عانيت يومًا من المقعد الذي يختاره له موظفوا الخطوط ؛ لطالما أجلسوني بقرب النافذة ، بعيدًا عن الزحام ، بدون رفيقٍ في المقعد المجاور ، ولا حتى في المقاعد المحيطة أحيانًا . ربما يفعلون ذلك بداعي الشفقة ، وقد يكون التفهّم مايقودهم لهذا الأمر ؛ شخٌص يختار السفر وحيدًا ، حتمًا لارغبة له في الثرثرة ، أو تعاطي العلاقات السريعة... ربما تلوح لهم كلمات كافكا آن تحديدهم لمقعدي : عاجز عن الحياة مع الناس وعن الحديث معهم ، منغمٌس في ذاتي ولا أفكر إلا بنفسي ، متبلد وعاجز عن التفكير ، وليس عندي ماأقوله لأحد . قد لاتكون الحال على هذه الدرجة من القتامة ، لكني أستوعب تمامًا فكرة دوستويفسكي حين قال : إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئا في نفسي يدهشني ؛ كلما ازداد حبي للإنسانية جملًة واحدة، نقص حبي للبشر أفرادا.
يااااه ، لو كان لنا حرية اختيار مقاعدنا في هذي الحياة ، وانتقاء الأدوار التي نرغب في تأديتها ، والوالدين اللذين نحب الانتساب لهما ، والبقعة الجغرافية التي نود العيش فيها... لربما حينها تضاءلت كمية الخيبات التي سنكدسها في جيوب العمر وشقوق القلب .
هل تساءلت يومًا عن سر الوحشة التي تتلبس البيوت المبنية حديثًا ، هذه الكآبة الغائرة في جدرانها وبين ثناياها ! أدركت علتها في تلك اللحظة التي وقعت فيها عيني على ذلك البنّـاء ، يطل من شقٍ كبيرٍ في أحد الأدوار العلوية لمبنى شاهق ، أسند رأسه إلى الوراء وأطلق ناظريه نحو المدى . وقفت أستبين حاله تأملا" ؛ أهو الشوق سمّر قامته فلايميل حراكا ، قد أسلم كلّه دون سلطانٍ على جلّه لحنينٍ طار به إلى عهود الصبا وذكريات الأحبة ، أم هي رسالةٌ موسومةٌ بنعيق البومة ، تحمل مايهدّ الكيان ويمزق الفؤاد ، أم هي الرغبة المتوقدة لحضن امرأة تهوّن بلمساتها الحنون وصوتها الدافيء مايجد ويكابد من هموم هذي الحياة المنهكة . مهما كان ويكن ، من تأوهات الحنين ، وعوالج الوجد ، وآهات المرارة والندم ، هي الآن مبثوثة بين الطوبة والطوبة ، في قلب الحديد والحجر ، يلين فلايملك إلا مراسيل المواساة يعزفها حداء شجيا ، يلتقطها أول من تطأ قدماه هذا النزل ، ولايستبين منها إلا طيف وحشةٍ هائمة .
هو عين مايتكرر في أروقة المطارات ، ومقاعد المقاهي ، وغرف الفنادق الخرساء ، ثنائية الوجود والعدم ، الحياة والموت ، بين ترقب الانتظار ، وومضة اللقاء ، بين جذوة الخيال الملتهب ، وثلج الواقع المخيّب .
وصلت إلى الفندق الرابع لاهثة الأنفاس ، زاهدة الرجاء ، بعد أن سدت الفنادق الثلاثة السابقة أبوابها في وجهي : full كله full...، وحال الإرهاق بيني وبين فهم كلمات موظف الاستقبال ، ليهب لنجدتي في تلك اللحظة ذاك العربي الذي وقف إلى يميني ، تبادلنا أطيريف الأحاديث (إن جاز لي تصغير الأطراف وإيجازها ) بعد أن اطمأننت إلى وجود غرفٍ شاغرة ، أخبرني أنه يغادر في التو واللحظة ، وطلب مني رقم هاتفي ليعاود الاطئنان عليّ، وكالعادة يمنعني خجلي المريض من الصدع بالرفض القاطع ، ويحيلني إلى النصب البائس ، فأزوّده كما غيره بخوارزمية أرقام ، تشاء الأقدار في كل مرة أن تكون لهاتفٍ مغلق !
وانتبهت ، وإذ به يخاطب موظف الاستقبال طالبًا منه منحي الغرفة التي كان يحتلها ، معللاً ذلك لي بأنها رائعة الإطلالة ، وتسمرت هلعًا ، وبسرعةٍ جاوزت لمح البصر ، كنت أنتقل بعيني المذعورتين بينه وبين الموظف . ربااااه ؛ لقد رأيت وجهه ، واستمعت إلى صوته ، وعاينت هيأته ، وعرفت اسمه ، وعنوان إقامته... كيف سأتعامل مع مخلّفات روحه وقد أدركت شيئًا منها ، ياالله.. هذا مقزز ، الرجل لايعاني من أي سوء ، على العكس ، كان بهي الطلة ، جميل الهندام ، جذابًا كأبطال السينما ، لكني كنت سأجاري ندّل المقاهي ، الذين ينظرون في أعين الآخرين ، تقترب أناملهم منهم ، يستشفون أصواتهم وروائحهم ، ثم في نهاية المساء ، يكنسون آثارهم ، يمسحون ماتساقط من كلماتهم على طاولاتهم ، ماوقع من روائحهم على مقاعدهم ، لذلك يعودون إلى بيوتهم مرهقين بأعبائهم وماعلق بهم من خيبات الآخرين وأحلامهم... ياإلهي ؛ إنه حِملٌ ثلاثي الأس . هذا ماكنت أفكر فيه بينما المصعد ينهب بنا الطوابق أنا وذات الموظف . لم أنظر لشاشة المصعد ، لكني أذكر جيدًا رقم الغرفة ، 722 . وفتح المصعد أبوابه ، ومضيت خلف الموظف وقد أضمرت في نفسي الاعتراض على الغرفة بعيد دخولها والتجول فيها ، وتوقف الرجل... وجاورته ، وإذ بالرقم 918 في مواجهتي ، رفعت عيني نحو الموظف الذي مال نحوي بطيف ابتسامٍة لسان حالها : نعم ، أعرف .
ولم أعرف أنا أكان عنادًا تصرفه ، أم أنهم يدرسون أن بعض الأرواح المريضة ربما ، المجهدة ، الممزقة ، أو الشفافة مفرطة الحساسية ، لا يلائمها هذا التصرف ، أو أن الأمر لايعدو عن ماأخبرتني به صديقتي يومًا ، من كون عيناي الثرثارتان تفصِحان عن كل مايعتمل بداخلي ، وقد التقط هذا الأعجمي الغريب ما صرختا به . أغلقتُ الباب ، وجلست على حافة السرير ، هاهي غرفة مكدسة بالحكايا والأسرار ، لربما نزلها قبلي قاتلٌ مأجور ، أو عارضة أزياء ، أو سيدة أربعينية تطارد حبًا قديمًا ، قد يكون من سبقني رجل أعمال ، أو بائعة هوى في موعد صيدٍ جديد ، وربما مهاجر أضناه الارتحال والحنين . أيًا يكن هو ذات المحور والديدن ، ثنائية الانتظار واللقاء ، الوجود والعدم ، ترقبٌ قد ينضوي في سلسلة اللانهائية حين لايجد مبتغاه . هأنذا غريبٌ في كل مكان ، حيث لا يقطع الغربة إلا الوصول ، ولا وصول لمن لاينتهي انتظاره .

الأربعاء، 22 أغسطس 2018


مقولة أن الأديب قد نضب معينه ، فقدَ قدرته وبات يكرر نفسه ؛ مقولة خاطئة ، تنفي مبتدأها ، من حيث أن المعني بها لم يكن أديبًا من الأساس . لايمكن لمن امتلك الموهبة أن يفقدها . هذا محال . مايحدث هو أن وهج الأديب يخبو ويخفت بسبب فقدانه للدافع ، للحماس ، لما يثيره و يربكه ويشتته... نعم ، السكون لايناسب الأديب ، والاكتفاء يلجم توقه وإبداعه ، وهاهما سيدا الشعر والحكمة والفلسفة ( المتنبي والمعري) صنعت لهما الأقدار حاجة ، لتجلي في مرآة نفسيهما الناصعة صور حاجاتنا البكماء . وماقيل عن أن كل ذي عاهةٍ جبار يؤكد أن الثغرات الروحية قد تكون مخارج للإبداع . وقد يصنع الحرمان مما في أيدي الطين أرواحًا تشرئب لما في غيب السماء ، ولو امتلأت أيدي الأدباء مما في أيدي المترفين لما وجدوا وقتًا للبحث عن الجمال في فتافت الحروف و زوايا الصور .
وكما يظهر الجفاف على أديم الجسد ، يظهر قرينه على أديم الروح ، حين يبخل الكون بغيثٍ تزهر به جنة الأديب . إما ذاك وإما فهو لايعدو عن كونه سارقًا. والسارق لايكتب إلا في ظل المسروق منه ، وتحت شمعة فكره ، فلا تأتي كلماته إلا بظل سيدها الحقيقي . وليس إلا الأديب الحق من يستحضر المرارات التي أصبحت جزءً من طاقةٍ أحفورية . ليس إلا هو من يجيد غرز إبرته من ثوبٍ إلى ثوب ، رغم تباعد الأقمشة ، ليحيك منها في النهاية ثوبًا قشيبا.
الأديب جوّاب آفاق ، ينهب أطراف فكرته من حواف السماوات ، يخط ملاك موهبته النور في وجدانه ، لتخرج حروفه لنا بيضاء من غير سوء تشع فتنةً وهداية !
الأدباء واسعو مدى التردد بين الأطياف ، يقرأون ما لم يكتب في السطور ، ويسمعون مالم تنطق به الشفاه ، يتخطون مدنهم والأقدار والحدود ، يصغون لصوتٍ من أعماق المدى ، على ترددٍ مرسل لهم لا لغيرهم .
ليس معينهم من ينضب ، ولا خيالهم من يتبخر ، ولا لغتهم من تشيخ ، ولا سحرهم من يزول ، هي استراحة محارب. قد يوافيه الأجل وهو يهمّ بمغادرة الظل . لكنه لن يفعل إلا وقد بث الكون حنينه وعوالج نفسه ، تلمع نجمة ، ويعوي ذئب ، وتظل تدوي الريح ، تبذر بصماته في الحقول ، وتنشر آهاته على الطرقات وبين الجفون.

الخميس، 16 أغسطس 2018


في الحارة القديمة ، كان جارنا " مسار " مصابًا بداء السل . ابنه البكر" جود " أصبح مغرمًا بي .
هذا ماعرفه كل صبية الحي وفتياته. وحين رآني للمرة الأولى ، لم يتردد في أن يهمس لشقيقي : اللون الكحلي يناسب أختك تمامًا . في المقابل ؛ بدا لي الصبي أحمقا . لاأدري لماذا قررت ذلك ، ربما بسبب حجم رأسه الكبير وشعره الكث . المهم أنه لم يرق لي أبدًا ، كان أثقل من ضيفٍ وقف بباب بخيل ، بنكاته السمجة ، وضحكته المعاقة . ربما حقدت عليه لأنه حال بيني وبين ذلك الصبي الجذاب حين أشاع في الحارة أنني فتاته .
وفي عصر ذاك اليوم الذي توجهت فيه والدتي للسوق ، جلست مع بقية الفتيات على تلة الرمل التي غُرِز فيها عامود حديد لم يظهر منه إلا جزأه العلوي بطولٍ يزيد على المتر . زيّن حمق "جود" له الاستعراض بقوته بيننا . بدون أدنى داعٍ ، ودون أي مقدمات ، توجه لقضيب الحديد وجذبه بأقصى قوته إليه ، ثم صاح : هيا ابتعدن ، سأفلت العامود من يدي . وقبل أن يكمل عبارته ، كان الجمع قد انفض ، وبقيت وحيدة . لا أدري لماذا اعتبرتها فرصًة سانحة للاستهزاء به وتمريغ أنفه في التراب ؛ رددت بعنادٍ أبله : لن أتحرك ، أنا على أرض الله ، حبيب الله . ياإلهي ، تبدو هذه العبارة البعيدة اليوم أقرب للطلاسم ، لم أفهم إلى ماذا ترمي حبيب الله وأنا أرددها حينها ، ربما هي جملة رمزت لقدسية المكان ، حيث كنا نسكن على مسافةٍ قريبٍة من مسجد الرسول . المهم أنني رفضت رفضًا قاطعًا مغادرة بقعتي ، كانت قِوى جود قد بدأت تخور فيما يداه تتعرقان ، وهو يجهد في الإمساك بعامود الحديد ، ويصيح بي متوسلاً : أرجوكِ ابتعدي ، سينفلت العامود رغمًا عني... ابتعدي أرجوكِ . كررت ذات جملة الرفض ، لكني توقفت هذه المرة عند أرضــ... لأجدني أقفز فوقها كأخف ظبي يهرب من متصيّده ؛ لم يتطلب الأمر سوى قفزتين لأصبح في بيتنا تغطي وجهي الدماء الساخنة ، بينما أضع يدي على عيني التي ظننت حينها أنها اقتلِعت من مكانها ، وماأن تذكرت بعد صرختين أن والدتي ماتزال في الخارج ؛ حتى عدت أدراجي للشارع أشتم جود ووالده ووالدته . لطالما أراحتني الشتائم وخففت عني . ظللت أدور في بقعةٍ واحدة ، واضعًة يدي على جبيني المفتوح ، صائحًة بأعلى صوت تردد في جنبات الحارة : يلعن أبوك ياجود ، ياابن الكلب ياجود ، يلعن أمك ياجود ، ياابن السافلة... وبالغت في شتم والدته ، ليقيني بأن شتم الأمهات يؤلم الرجال أكثر ، أكملت بكل حقد : ياابن المجنونة ، ياابن الملعونة ، ياابن اللبوة ، وفي تلك اللحظة بالضبط كانت اللبوة قد أحكمت قبضتها عليّ .

لم أعرف ماهيّة الحشوة التي ملأت بها والدة جود فتحة جبيني ، لكني مازلت أذكر حتى هذه اللحظة طعم الشاي المهيّل الذي صنعته لي ، ربما بعد أول رشفةٍ منه أفقت من خدرة الألم لأجد جارنا " مسار " أمامي ، بعبارٍة أدق ؛ ماتبقّى منه . هيكٌل عظمي يجلس محني الرأس ، بشعرٍ كثيفٍ أسود اللون ، وعينين غائرتين في محجريهما ، وشفتين قد تشققتا يباسا ، ووجهٍ سلِبت من أرجائه نضرة الحياة وماؤها . أرسل نحوي نظرًة غائمة في الوقت الذي اقتربت منه زوجه ، كي تنهضه وتساعده في الوصول للحمام . استسلمتُ لإغفاءةٍ أفقت منها على صوت والدة جود وهي تهمس لي : والدتك الان في المنزل ، بإمكانك الذهاب . أذكر جيدًا أنني لبثت برهًة أتأمل صدر السماء وقد تزيّن بالنجوم اللامعة . بدت لي تلك اللحظات من عمر الزمان غريبة ، وحزينة بطريقةٍ لم أفهمها أو أتبيّن علتها ؛ أستلقي في فناء بيت جارنا الأقرب للشبح ، معصوبة الرأس بسبب ابنه المغرم بي والذي أحدث في رأسي فجوةً ستلازمني ماحييت .
ظلت والدتي مشغولًة بإفراغ الحاجيات التي أحضرتها من السوق ، لم تلتفت نحوي إلا حين قررت توبيخي : أيتها المتمردة ، لاأدري مِن أين أتيتي بكل هذا العناد ! . لهفي على الصبي ، انتصف الليل ومازال فارًا مرعوبا ، انظري إلى كل هذي الفوضى التي أحدثتها صلابة رأسك . إنه يستحق التهشيم . قالت ذلك وهي تخبطه بأصابعها . في تلك الليلة حلمت أنني في بيت السيد مسار ، أسير نحو حمّامه ، وبعد أن أغلقت الباب التفت فرأيت عدة أفاعٍ بعضها أسود اللون ، والآخر مرقع الجلد باللونين الأسود والأبيض ، تطل برؤوسها من المرحاض . كان منظرًا مرعبًا ، صحوت بسببه متقطعة الأنفاس ، أتفصد عرقا . بعد أقل من شهر ، فارق السيد "مسار" الحياة ، وبعد سنة تزوجت أرملته بشقيقه ، وانتقلت مع أبنائها إلى مدينةٍ أخرى .
يحدث في بعض الليالي أن أمرر أصابعي على ذلك الجرح القديم في جبيني ، ثم لا ألبث أتذكر السيد مسار ونظرته الغائمة ، توهمت حينها أنها نظرة عتابٍ لي وضيقٍ مني . أدركت لاحقًا أنها كانت ضيقًا من الألم ، ويأسًا من الحياة ، عتابًا خفيًا على أقدارٍ جعلته يكابد شقاءً طويلا . لقد كانت المرة الأولى التي أنظر فيها نحو وجه الموت . كان الهواء ثقيلاً كثيفًا ، ازدحمت أجزاؤه بأرواح كائناتٍ تعيسة . امتدت السماء ، ولمعت النجوم ، وتموّج الهواء ، ولم يبعث كل ذلك إلا على الشجن . الشجن الممزق بين حتمية التسليم ، والأسى من هذا التسليم. الشجن المشدوه من مسار الأيام وتقلب أحوالها ؛ من الحب يولد دون أسباب ، ويضمحل بفراق ، من الحياة تستمر رغم الألم ، والألم يجلبه أقرب قريب ، من الموت والميلاد ، النشوة واليأس ، التوهج والانطفاء .
كل ذلك في مسارٍ لاتجود به الحياة إلا عبر ومضةٍ من الزمان.

الاثنين، 6 أغسطس 2018


يُروى أن يزيد بن المهلب حين ذكر للخليفة عمر بن عبدالعزيز ، عفة يزيد بن أبي مسلم الثقفي عن الدرهم والدينار ، أن عمر رد عليه قائلاً : أفلا أدلك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه ، وهو شر خلق الله ؟ قال : من هو ؟ قال : إبليس . انتهى .
والواقع المُدرك ، أن من الرجال من لو ألقِـيت أجمل النساء عند قدميه عاريةً ماالتفت إليها ، ولا حركت في فؤاده ماتحركه صورة الدنانير وحسّها ، وهو مع ذلك يظل بشريًا ، لديه نقطة ضعفه التي يُؤتى منها ، تمامًا كما يُستدرج المفتون بالنساء أو الشراب . وتبقى العقدة المحيّرة في تلك الروح الشيطانية التي مامن دافعٍ يؤزها لفعل الشر إلا الحسد والغطرسة المقيتة. وانظر لحال كل طاغيةٍ أورد شعبه المهالك ، تجد في أعماقه روحًا تشبعت بالعظمة المريضة ، لسان حاله : لا أريكم إلا ماأرى ، ولا رشاد إلا ماأهديكم سبيله ، تؤجج غطرسته حاشيته التي تحيطه ، مابين عبد دينار ، ونفسٍ حسودة ، ومشابهٍ له في ذات المرض.

الجمعة، 3 أغسطس 2018

أريد مزيدًا من الوقت !

أتدري يا صديقي ، إنهم يرددون دومًا ذات العبارة : أريد مزيدًا من الوقت ! ودومًا لا وقت يكفي... صدقني ، مامن مساحةٍ زمنيةٍ قادرة على إشباع نهم الإنسان . يأتيه الموت في السادسة والعشرين فيطلب مزيدًا من الوقت كي يكمل قصة حبه ، أو يلتحق بوظيفته التي طالما أرادها ، أو ليودع أحبته بطريقٍة أليق ، ثم يزور الموت ذلك الخمسيني وإذ به أيضًا يطلب مزيدًا من الوقت ؛ فرصًة أخيرة ليصحح أخطاءه ، فلا يتزوج بتلك التي توهم حبها ، ولا يختار تلك الوظيفة المرهقة.. بل ربما لايريد لهذين الشخصين أن يكونا والديه بالأساس..! إنهم تجسيدٌ لحروف الجواهري :
إنما أشكو حياةً كلُّها.. تبعاتٍ كنت عنها في غنى !.. قلت لك ؛ مامن وقتٍ كافٍ.
الأمر ليس أنهم يريدون عمرًا آخر ، لا.. مناط الأمر كله هو حول الخوف.
الخوف ، ذاك الكائن الذي قيل أنه تواجد منذ الأزل ، لم يهرم ، ولم يتقهقر أو يضعف ، بل أنه لم يرفع الراية البيضاء في أي معركٍة خاضها الإنسان ضده ، ينشأ المرء خائفًا من الألم ، من فقد الأحبة ، من الآخر ، من الفشل ، من الحب ، والعار ، والهزيمة ، وإن لم يجد في واقعه شبحًا ترتعد له فرائصه ، انطلق بهواجسه نحو البرزخ وعالم الأموات . هذه هي الحقيقة ياصديقي التي من أجلها يطلبون مزيدًا من الوقت ؛ إنه الهروب خوفًا من المجهول .
انظر إليّ... في أبعد خيالاتي لم أتوقع أبدًا أنني سأستحيل نملًة تلتقط فتات البشر ؛ أذكر جيدًا المرارة الهائلة التي استقبلت بها واقعي الجديد ، كانت دهشًة تعيسة ، لقد ظللت قرابة الساعة أتحسس رأسي الصلب الضئيل وأطرافي الرفيعة البشعة ، تخيل امرأة كانت تغرق في أمواج الغزل ، يتسابق الرجال حولها طالبين وصلها ، تُـكتب في عينيها أرق الأبيات ، وتُـساق لخديها باقات السوسن والتوليب ، تمسي بين ليلٍة وضحاها حشرًة بشعة !
لم يسكُن روعي إلا بعد أن بدأت أصغي لحكايا الآخرين ، تلك النملة البطيئة أوهنها الحزن على ضناها ، لقد فقدته في الحرب التي اقتيد إليها قسرًا ، كان قد مضى على ذهابه للحرب سبع سنوات قبل أن يصلها خبر موته ، فيما تبقى من عمرها لم يكن لها من أمنية سوى اللحاق به ، صُعِقت مثلي حين وجدت نفسها في هذا العالم ، لأيام طويلة ظلت تبحث عن ابنها بين قبائل النمل ، أخيرًا أخبرها أحدهم أن مقاتلي الحروب يستحيلون في طورهم الأول نسورًا تسكن الجبال البعيدة ، وهذا مادفعني للسؤال عن مصير حبيبي الذي أضناني البحث عنه ، قلت لهم أنه كان منظّرًا لإحدى فصائل المقاتلين ، لكنهم عجزوا عن استيعاب هذا الأمر ، أخبروني أن الحروب صماء عمياء ، لاتحتاج نظرياتٍ وأفكار قدر حاجتها إلى أحقاد وأطماع ، وأن مسعّري الحروب كإخوتهم المحاربين ، يحلّـقون في عالمهم الأول نسورًا بعيدة ، كانت النملة الثكلى تنظر إليّ شزرا ، همست لي بضغينة : لن تهتدي لحبيبك .
كنت أقضي الـ....
- انتظري.. ماالذي قصدته بالطور الأول ؟
هذا مايتداوله الجميع هنا ، إنها دورة حياة مثل تلك التي قضيناها ونحن على هيئة بشر . ستنقضي مثل سابقتها ، لنستحيل كائناتٍ أُخر . وربما حين يحين الوقت الذي أمسي فيه أنثى نسر ، يكون حبيبي قد غادر طوره وأضحى فهدًا أو خفاشا . أتدري ؟ بينما كنت أغور في شقوق تلك الجدران أدحرج مؤونة الشتاء ، كان يتناهى إلى سمعي صوت تلك السيدة وهي توبخ أبناءها ، وتمتمات ذينك العاشقين وهما يمارسان الحب ، وصراخ تلك الفتاة وهي تعبث بحاجيات شقيقتها ، كنت أبتسم في سري وأقول : حين تأتي لحظة الحقيقة ، ستطلبون بندمٍ موجع ؛ مزيدًا من الوقت . شقوقٌ طويلةٌ مظلمة ، قطعتها وأنا أتذكر تلك الأنفاق الدودية التي سمعت بها وأنا بشرية ، تعلق بها خيال أمنياتي كثيرًا ، ورجوت بإخلاص أن تكون سبيلي بعد الموت للإلتقاء بحبيبي..أوصاني البعض هنا بألا أفقد الأمل ، حكوا لي عن ذلك النهر السحري ؛ حجارته سبائك ذهب ، ورمل حوافه عنبٌر فوّاح ، وماؤه الرقراق إكسير عجائب ، ماأن نرتشفه حتى نعود في أحسن صورٍة وأبهاها ، جميعنا سنكون هناك ، كلٌ يلتقي بخلّه وحبيبه . قيل أن البعض يصله بعد انقضاء ثلاثة أطوارٍ من دورة حياته ، فيما البعض لن يبلغه إلا بعد الطور السابع عشر ، وفقط المؤمنون هم من ينتقلون إليه مباشرًة بعد موتتهم الأولى . وحين سألتهم عن هؤلاء المؤمنين الذين طالما سمعت بهم قديمًا ، رفعوا أكتافهم حيرةً وأرسلوا : هذا ماقيل لنا .
ربما بعد الغمزة الخامسة من ذلك الشيصبان ، انتبهت إلى أن عدة شيصباناتٍ قبله قد غازلوني ، رغم أني لست إلا نملًة عاملة ، لن يكون لي منهم زوجٌ ولا ولد . تسمرت أمام هذا الاكتشاف المروّع ؛ هي ذات حياتي تتكرر في هذا الطور أيضًا ، أظل أكدح في وحدةٍ باردة ، أنتظر قَدَرًا عجائبيًا يجمعني بحبيبي البعيد ، هذا يعني أنني لن ألتقي به ، تمامًا كما ذكرت النملة الثكلى ! فقط... فقط إن استطعت تغيير خاتمتي ، لربما تغير معها خط أقداري ، نعم... ليس عليّ سوى أن ألقي جسدي في طريق بشريّ عابر لتسحقني أقدامه ، حينها قد أكون عبثت في تراتبية جدول الأطوار ، وقد ألتحق بحبيبي في طورٍ ما .

هذا ياصديقي ماكان من أمري في أول طورٍ لي ، منذ سبعة وستون طورًا قبل أن أستحيل أنثى نورس ، وحيدًة أجوب البحار ، لا "مزيدًا من الوقت" يعزيني ، وليس لي في غدي رجاء ، ترنيمتي في كل طور : أيها العابرون ؛ اقطعوا كل رجاءٍ لكم بالوصول .

الاثنين، 23 يوليو 2018


مرحباً ، اسمي أزمان....
أطلقت والدتي عليّ هذا الاسم الذي كثيراً ماأنكرته  ، مع كل ياء نداء كنت أشعر أنني ألقَى في فم الضياع ، تبتلعني متاهةٌ عملاقة ، حتى لاأعود أعرف أرضي من سمائي ، ووصولي من قاعي...
كنت صبيةً ذكية ، كانت عمتي تقول أنني أمتلك عقلين ، فيما كان يحلو لوالدي أن يناديني : الدكتورة خولة  ! أردت أن ألتحق بكلية الطب ، لكن محافظتنا المتواضعة لم يكن بها سوى كلية واحدة ، وكان لابد من الانتقال للعاصمة كي أحقق حلمي  ! استقر الأمر أخيراً على أن المسألة لاتستحق كل هذا العناء ، وأنني فتاة ، ولاضير من أن أصبح أي شيء . تسمّرت طويلاً أمام هذه الحقيقة الصادمة ، لكن جدتي هزتني قائلة  : هيه ياسلمى ، على المرأة أن تتقن تلوّن الحرباء ، عليها أن تمضي في لعبة التحايل ، وتخبيء أحلامها مع البائس اليتيم الذي لم يغادر صندوق باندورا !
جون ناريمور يقول  : يصبح الإنسان عجوزاً حين تحل الأعذار محل الأمل !
أقرأ عبارته وأتحسس وجهي ، أعذاري تكاثرت داخل ذلك الصندوق ، فيما التجاعيد احتلت قلبي ، لقد استنفدت ألواني لكثرة ماحايلت هذي الحياة  !!

كنت أكره الملحدين جداً ، كنت أعتقد اعتقاداً جازماً بوجوب حرقهم للخلاص من شرورهم ، اكتشفت لاحقاً أنهم أناسٌ مثلنا ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، لاأدري لم كنت أتخيلهم كائنات مختلفة ، على صورةٍ لاتشبهنا أبداً نحن الموحدين !  يذكرني ذلك بصدمتي الشديدة حين علمت بأمر تلك السيدة التي كانت تخون زوجها ، وقفت أتأمل وجهها وأنا مشدوهة ، لم يخطر ببالي أنني سألتقي بزانية ، لطالما استقر في داخلي أن المرأة التي تقترف الرذيلة لابد وأن تمتلك شيئاً فائضاً ، ثدياً ثالثاً ربما ، أو شامةً منتفخة ، أو ردفاً بثلاث طوابق  ! كنت أتقزز منها جداً وأتجنبها ، فيما بعد بت أرثي لحالها ، أصبحت أشفق عليها وعلى الملحدين والمؤمنين والناس أجمعين ، تقبلت حقيقة أن البشر كلهم موجوعون بهذي الحياة ، بالشعور المُبـهَم الذي يقود نحو اللايقين ، باليقين المطلق الذي يوصِل نحو السؤال ، بقافلة الظنون ورحلة الرجاء ، وحادي الندم   !

في الطريق الذي أسير فيه نحو العمل ، أمرّ كل يوم بجدارٍ خُط عليه باللون الأسود  : " مو فارقة " ! .. كل يوم تلطمني هذه العبارة ، كل يوم أستحضر معها فلاديمير واستراغون ، القابعين في انتظار غودو.... غودو الذي لايأتي أبداً ، فيما القابعون تحت رجاء الانتظار  تسحقهم دورة الأيام ! دائرة لاتعرف لها مبدأً من ختام ، ولا وجهاً من ظهر ، ولا حقيقةً من سراب ، كل يوم أعبر ذات الطريق ، أمرّ بذات الجدار ، أقرأ ذات العبارة ، ويقاطعني صوت متسائل  : أهو اليوم ذاته ، أم هي أيامٌ ترتدي ذات الخمار !
زمنٌ خاوٍ يمضي بنا نحو ذات النهاية ، أوميء لهذه الحقيقة وأرفع بصري نحو السماء ، تغمزني نجمة ، وتنادي : أزمان  !.... ويغور... يغور النداء بعيداً في أعماقي ، وأراني ذرة غبار تعبر الفضاء !

الاثنين، 16 يوليو 2018


المفترض بالفريق الذي يهزم البرازيل أن يكون هو بطل كأس العالم . إما ذاك أو أنها مؤامرة كونية من طرفٍ ما ، ولو كان " عم خليل" الجزار ؛ لإقصاء البرازيل عن البطولة ، والتنغيص علينا بحرماننا من أجمل وأحلى وألذ من لعبوا الكرة . الجمال آخٌذ في الانقراض للأسف. القبح يغزو العالم ، في الذائقة ، في الأخلاق ، في المخبر والمظهر ، في هذا الاستنساخ البغيض من شفاه الفلير وجباه البوتكس .
بعد هدف بلجيكا الأول ، غادرت سريعًا إلى غرفتي ، شعرت بطعنٍة مؤلمة غرزت عميقًا في روحي ، رفعت صوت السماعات حتى اهتزت الجدران بأغنية وردة " معندكش فكرة أنا ازاي ف حبك بضحي كتير"، وأخذت أرفع حتى طغى صوت وردة تمامًا على صوت المباراة . ثم تناولت هاتفي، وبعثت لصديقتي أخبرها أنني سأسهر الليلة عندها . قبيل خروجي كانت بلجيكا قد أحرزت الهدف الثاني .
في اليوم التالي خلا المونديال من البرازيل . وضعٌ غريب ، كما لوأن مدينًة ساحلية مكتضًة بالسياح والوافدين ، بالسابحين والراكضين واللاعبين ، بالراقصين ، والعازفين ، والمثرثرين ، بالمتوجهين نحو أعمالهم ، والمنشغلين بشؤونهم ، بالغارقين في الحب ، والباحثين عن فرصة نصب ، والمتصيدين للمتع العابرة ، بالسهر والسمر ، بتشابك الأيدي ودبك الأرجل ودق الطبول ، تمر بها في اليوم التالي ، فلا تسمع فيها حسًا ولا تجد لابن أنثى منهم أثرًا أو ركزا . حياةٌ ملتهبةٌ واعدة ، فجأة توقفت وخمدت أنفاسها .
هكذا يتنامى حقدي على أوروبا التي تأبى إلا تجريد الممارسات الروحية من سحرها ، وسكرتها ، ولذائذها الجنونية لتحيلها نشاطًا ماديًا خالصًا لوجه اليورو والدولار...
ولأجل ذلك حقدت ، ومازلت ، وسأظل ، على أسبانيا التي جعلت من المحافل الكروية أسواق نخاسة يباع فيها اللاعب مع ولائه وذاكرته لمن يدفع أكثر . ليحتفل مخانيث الشانزلزيه تحت قوس النصر ، بنصرٍ جلبه لهم في المرة الأولى زيدان الأسطورة ؛ من أرض المليون شهيد الذين قضوا تحت أقدام الفرنسيين ، ثم بفرحةٍ منحها لهم فتى أفريقي بذات العرق الذي تقاطر من أجداده حين كانوا عبيدًا لهم.
ولا عزاء للجمال وعاشقيه ، لاعزاء للمتعة الخالصة وللمسبحين بفتنتها... لاعزاء لمن يحب للحب ذاته ، لاعزاء لرفاق الأصالة.، الأوفياء للنكهة المعتقة ، المتمايلين طربًا وتيهًا برداءٍ رثٍ وحصيرٍ متهالك.

الأربعاء، 11 يوليو 2018


أنتِ تنتمين للزمن الجميل ، أتحسس في أحرفك بقايا عالمٍ كانت تضيئه قلوب تحلم.. زمن ماقبل تفسّخ العالم رزايا كـ ليل امريء القيس !

الأحد، 8 يوليو 2018


مررت بنصٍ نشره أحد الأصدقاء هنا ؛ أقسم بالله أنني أوشكت معه على إلغاء صداقة كل من وضع لايك الإعجاب عليه . شارفت على ذلك حقًا ، لكني تذكرت حديثًا للمصطفى ، عن فضل الاختلاط بالناس ، والصبر على أذاهم ، بل وضرورة ذلك . أومأت لنفسي هامسة : لابأس ، الحكمة تقتضي وجوب استيعاب الناس ، كل الناس على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم ، ومن لم يستوعب ياهند فلا أقل من أن يتجاهل . لكني لم أتجاهل ، ظللت لساعاتٍ طوال أعود لذات المنشور ، أنقّب عن معجبٍ جديد من الأصدقاء المشتركين ، وأقرأ الحديث من التعليقات ، علني أعثر من خلالها على رجٍل رشيد ، بيد أني عوضًا عن ذلك تعثرت بالحشائش والورود التي سيقت شكرًا وثناء لصاحب/ة العته المنشور . نصٌ بغيض، ينضح عنصريًة واستعلاء وفظاظة ، وليته صيغ بأسلوبٍ أدبي بليغ ، لربما هان الأمر ، فبلعنا ما عرِض على أعيننا ثم أعرضنا آسفين .

في فيلم الخطايا السبعة لمورغان فريمان ، يقوم " كيفن سبايسي" منفذ الجرائم السبع ، بجدع أنف سيدة متغطرسة بعد قتلها ، عقوبًة لها على خطيئة الغرور المقيتة ؛ إحدى الخطايا المميتة ، بل والتي عدها البعض مولّدة الخطايا المهلِكة وعلتها ، الخطيئة التي أخرجت الشيطان من النعيم وألبسته اللعنة إلى يوم الدين . يقول عنها دانتي في كوميدياه الإلهية : التائبون من الغطرسة ، أجبِروا على المشي بألواحٍ حجرية تُـحمَل على ظهورهم من أجل اجبارهم على الشعور بالتواضع . الشعرة الرفيعة بين الكبرياء والغطرسة ، منطقة مكدسة بالألغام ، لن ينجو منها إلا صاحب القلب السليم والاستبصار العميق ، وسبحان ربي القائل " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار "...

من بين الذين وضعوا شارة الإعجاب على المنشور إياه أحد الملحدين ، وماأن لمحت اسمه ، حتى تمتمت : يبدو أن ذلك الشيخ كان محقًا حين قال عن الملحدين أنهم حفنة مرضى نفسيين . لكنها طرفة عين ، حتى وجدت اسم ذلك الموحّد المهذب من بين المعجبين . توقفت كثيرًا عند هذا الحدث ، هذا التناقض العجيب ، والتبدل السريع في الأدوار . الأمر ليس أن القوم يداهنون صاحب/ة النص أو يجاملونه ، لا... الأمر أبعد من ذلك . الناس ابتداء لايعرفون أنفسهم . إي والله ، لا أدري، هل هو تسارع الأيام ، أم طبيعة العصر وإيقاعه التكنولوجي العجل ، أم الفراغ الداخلي للأرواح وهشاشتها ، لكن الناس توقفوا عن تأمل ذواتهم للتعرف عليها . إنهم يجهلون أنفسهم التي بين أضلعهم ، لايعرفون ماذا يريدون، ولا من يؤيدون، ولا إلى أين يتوجهون . هم حقًا مع كل ناعق ، يمتلكون ذاكرًة مجنونة تمسح بياناتها أولاً بأول ، فتراهم يتخذون دورًا مناقضًا لما نادوا به في الموقف السابق .

الناس توقفت عن التوقف . توقفت عن الرياضة الأسمى ؛ التأمل ، الرياضة التي لاتريد منك سوى أن تتوقف ، تمعن النظر وتتأمل جيدًا ، لتتخيل عواقب الخطوة التالية ، فلا تؤيد فعلاً قبل أن تتأكد من براءته من الظلم ، ولا تناصر شخصًا قبل برهانٍ صادحٍ بنزاهته ، ولاتتصدى لمسئولية قبل اليقين التام بتحمّلك لها . فإن عجزت عن التثبت والتيقن ، وتهت بين أمواج الظنون وشتات الحيرة، فما على حائرٍ من حرج . توجه لحديقة بيتك فامنحها رعايتك ، والزم كتابك وركنك ، ولاتكن عبئًا زائدًا على الحائرين ، وعونًا للمرضى المعاتيه ، ولو بجناح "لايكٍ" هزيل.


الجمعة، 29 يونيو 2018


" إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء ، الذين إن غابوا لم يُفتقدوا ، وإن حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل غبراء مظلمة "
صحوت اليوم كما أحب ، باكرًا مع إطلالة رأس النور ، مررت بالحديقة الداخلية ، كيما أتأكد من تعافي نباتاتي من الدود الذي هاجمها بالأمس ، والذي عالجته بأحد الأدوية . ولاحت مني التفاتة إلى الكتب القليلة المرصوصة على رفيّ مكتبة الصالة ، وحدثت نفسي أسألها : منذ متى لم أزح الغبار عن تلك الكتب ؟! ورأسًا توجهت إليها بمنفضتي والمنشفة . أزيح عنها ماتراكم عليها ، وأعيد رصها بعناية ، ولست أدري كيف غافلتني عيني ، واستقرت على هذا الكتاب تحديدًا ، لربما هي مراسيل الله التي طالما آمنت بها ، توقفت برهة أتأمل عنوانه " آداب النفوس" !!.... منذ متى وهذا الكتاب في مكتبتي ، أنا لا أذكره ، ولا أذكر يومًا ابتعته فيه ! هل هو أحد كتب أخي ؟!
والمهم أن إلحاح الفضول كان أقوى من واجب التنظيف ، جلست إلى طاولة الطعام التي تواجه " أرض الديار" وفتحت أقرأ ، وفي رأس الصفحة الثالثة كان هذا الحديث الذي باغتني ككتلة ضياءٍ ناعمة ، ورفعت رأسي نحو السماء وهامات نبتاتي التي بدا وكأنها شاركتني اللحظة ، فتمايلت أغصانها طربًا وربما شوقًا لهولاء البشر الملائكة ؛ قومٌ إن غابوا لم يُفتقدوا ، وإن حضروا لم يُعرفوا ، أتقياء أنقياء أخفياء ، قلوبهم مصابيح الهدى ! ياالله ، يارب اللطف الخفي ، من هؤلاء الهينين اللينين ، أشبه بالأطياف خفًة ، وبالقطن نعومًة ، وبالندى البارد وقعًا . هل حدث وأن التقيتهم يومًا ؟... لا أذكر ، ولا حتى بحكايا عن عهدٍ حديثٍ بهم . هل تواجدوا حينًا من الدهر ، كنا لم نزل فيه عوالق في أصلاب الأجداد . وكيف نهتدي إليهم أو نقتفي لهم أثرًا ، وهم الأخفياء الذين لايُفتقدون ولا يُعرفون .
ونتساءل عن سر الرحمات المفاجئة ، ولحظات الرضا المباغِتة ، وهدايا الفرح المجاني ، عن سكينٍة لانعرف لها سببًا ، وأملٍ لانفقه له داعيا ، وتسامٍح لانعثر له على علة... عن رغبٍة في العفو ، عن ركضٍ نحو نهر الحب ، عن رائحة المطر ، ودعوات الريح ، واقتفاء أثر صوتٍ مجهول يبشر بالأمان الممتد ، والضياء التام..
إنهم هم ، أولئك الأطهار الأخفياء ، يمرون خلسة ، دون ضوضاء ولا جلبة ، ينشرون السكينة الناعمة كما تتطاير زهيرات الأمل ، لتجلي غمام الهموم عن سقف الأرواح ، يعبرون دون ظل ، يبذرون في طريقهم الرضا ، وروائح الجنان والياسمين ؛ عناوينُ هُم للطف الخفي ، للقداسة ، ليقين الشفاء ، وتبخر المواجع . شفاعًة بهم ياالله ، ومنهم شفاعة .

الخميس، 28 يونيو 2018

كل مافي الأمر أننا التقينا في ذات اللحظة التي أطلق فيها القطار نداء المغادرة...
كانت روعتك حقيقية أكثر من قدرتي على التصديق ، وماأن لمستُ عيبك البشري ، حتى سارعت أضعه تحت المجهر ، أكبّره وأمدده ذات اليمين وذات الشمال... كان من السهل حينها أن أعطيك ظهري وأقفز نحو القطار ، منتشية بوهم انتصار ، مربتة على قلبي أن بوركت، قد تجاوزتَ الامتحان ، وليس العابر إلا كما غيره... سريعاً ماسيطويه النسيان .
يوم.. يومان ، محطة.. ومحطتان... وجوه عديدة وعابرون بعدد الرمال ! ووحده وجهك يتبدى وسط الزحام ، وحده صوتك يطغى على أكاذيبي وحيلي التي لم تنطل على قلبي وما جاوزتْ له عتبة شغاف.. أدس روحي بين كثبان الأيام ، أوغل في نفق التشاغل ، لأصطدم في نهايته بحقيقة أن كلماتي الأولى لك ، تلك التي اجتهدتْ في التزيّن وعجلت إليك لترضى كانت الأصدق ، وكان صوت روحي فيها أعلى سهمًا من صوت فمي...
كان يمكن لكل شيء أن يزول ويفنى من ذاكرتي ، إلا صوت أنفاسك ونداء عينيك ، كانت إطالة التحديق في عينيك خيارًا ملحّا ، ورغبةً طاغية ، تلذذتُ بسكرتها المدوّخة وعمرها الـ أقصر من حلم يائس...
ماأقسى أن تحدق في عينين تحبهما فيما أنت موقن بفراقهما .

السبت، 23 يونيو 2018


أظن أن الدماغ يولي بعض الذكريات اهتمامًا زائدًا ، يحرص على تنظيفها وإزالة الأغبرة عنها أولاً بأول ، لتظل أبدًا متجدّدة محتفظًة بلمعانها وكافة تفاصيلها ، إنه يختصها بإشرافه ، ويحفظها في مكانٍ أثيرٍ في أرشيفه !

من بين هذه الذكريات ، ذكرى المرة الأولى التي أمسكت فيها قلمًا ، وخططتُ فيها حرفا ، وكنتُ مذ صافحت مادة الإنشاء ، أحيل واجباتها لجارنا معلم اللغة العربية ، الذي تولّى طوال السنوات الخمس التالية كتابة كل موضوعاتي الإنشائية ، كنت مؤمنة إيمانًا راسخًا لايخالطه أدنى شك ، أنني فاشلة تمامًا في هذه المادة ، وأنه لايمكن لي بأيّ حالٍ من الأحوال خطّ كلمةٍ واحدة ، أو صنع جملةٍ مفيدة ، ودون تردد سمحت لهذا الشعور بالتعاظم داخلي يومًا بعد يوم ، وفي تلك الفترة بدأت ألقِي نفسي بين مسرحيات شكسبير ، وروايات كريستي ، وأعمال المنفلوطي ، وأدب العصر العباسي ، كنت مبهورة بكل ذاك الجمال الذي يُنظم ، والخيال الذي يُنسج ، وحيث أن جوارحي استسلمت تمامًا لاستحالة قدرتي على رسم جملةٍ مفيدة ، فقد اخترت التفرّغ للقراءة .
كنت قد بلغتُ الخامسة عشر من عمري ، حين صدر أمرٌ حكوميّ يقضي بهدم منازل حارتنا ، لإقامة مشروعٍ ما على أنقاضها ، ارتحلنا كما ارتحل الجميع ، ومضى كلٌ إلى سبيله ، وتباعدنا .... حدث ذلك في الصيف ، وحين بدأ العام الدراسي الجديد ، كانت معلمةُ اللغة العربية المعنيّة بتدريسنا مشهورةً بقسوتها ، وذكائها الشديديّن ، تتمتّع بحضورٍ طاغ و هيبةٍ عظيمة ألقت بظلالها في نفوس كل من التقاها ، وإذ كانت معروفةً لديّ ، فقد تناهى لها أيضًا ذِكْـري وماعُرِفتُ به من جهدٍ وتفان ، ومضت الأسابيع الثلاثة الأول من الدراسة على خير مايرام ، كنتُ فيها عند حسن ظن معلمتي ، وكما توقعتْ وأمُلتْ مني ، وعند بداية الأسبوع الرابع وقع ماكنت أخشاه وأرجوه ابتعادا ، إذ أعلنت المعلمة بصوتها الجهوري أنها ستستمع في الغد لموضوع إنشاءٍ حر ، يكون محتواه بحسب رغبة كل طالبة واختيارها ، وأنها ستقوم بجولةٍ تفتيشية بداية الحصة ، كيما تتأكد من إنجاز الجميع لواجبه !
كنت كـ حائرٍ يقف على رأس صخرة ، أحاط به الموج من كل جانب ، لايملك إلا أن يلقي نفسه للمصير الذي لافرار منه ، كان مُخلّصِي قد ارتحل إلى مكانٍ بعيد ، وبقيت وحيدة ، أواجه وحشًا طالما تهيّبته ، وأحسست بضعفي وعجزي أمامه !
ومضت الساعات... ساعةً تلو ساعة تلو ساعة ، وأنا أصول وأجول كما حيوانٍ بريّ وقع في أسرٍ مفاجيء ، يبحث بين القضبان عن منفذ خلاصٍ ، ينقذه من واقعٍ جديدٍ لم يألفه ويعتاده ، فكرّت في التغيّب عن المدرسة ، وسريعًا طردت هذه الفكرة من رأسي ، ليس فقط لأن والدتي سترفضها ، بل لأنها بدتْ حينها فكرةً غير منطقية ، إذ ليس من المعقول أني سأتغيّب عن حصص الإنشاء طيلة أيام السنة ، ولمّا أشارت عقارب الساعة إلى منتصف الليل ، كان الموج قد وصل إلى منتصف جسدي ، وكنت غارقةً لامحالة... تناولتُ دفتري ، ورسمتُ أولى أحرفي !
ولأن الموضوع حر ، فلم أجد أكثر ملائمةً من منزلي القديم كي أبثه حنيني واشتياقي ، وأظنني دون أن أشعر كنت أوجّه له رسالةً أنبئه فيها بأحوالي ، وكيف لعبت بي صروف الدهر من بعده ، فهاأنذا وحدي ، أواجه دون سند تنينًا عظيمًا ، طالما جبنت عن مواجهته وتجنّبتها ! خططتُ رسالتي تلك ، ثم أغلقتُ الدفتر وعيناي على قلبٍ لم يتوقف عن الخفقان ، وفي الصباح تسللت لغرفة والدتي ، والتقطت ساعتها الثمينة الوحيدة ، وضعتها حول معصمي الهزيل ، على أمل أن أحصي الدقائق الثقيلة التي ستنقذني من قنبلةٍ مميتة !!

كانت حصة الإنشاء هي الحصة التي تسبق مباشرةً موعد الفسحة ، وما إن بدأتْ حتى أخذتُ أراقب عقارب الساعة ! كل من أرادت قراءة موضوعها ، كانت المعلمة تلبي رغبتها ، وتدعوها لمقدمة الفصل ، كيما تقف في مواجهة الجميع ، وتقرأ بصوتٍ عالٍ نصها المختار ، لم أكن لألقي نفسي في التهلكة ، لذا لم أرفع يدي أبدًا ، كما لم أنتبه لأيّ موضوعٍ قُرِئ ، كنت محشورةً بين عقارب الساعة ، أصغي لتكّاتها التي تلاشت أمام خفقات قلبي ، وكلما هبّت طالبة لقراءة موضوعها ، كلما تنفست الصعداء ونعمت بثوان استرخاء ، حتى إذا ماانتهت ، وعاودت المعلمة السؤال : ها ، من التالية ؟ ، تلويّت من ألم أمعائي ، وتشبّـثت بأهداب أنفاسي التي أخذت تفرّ من جنون دقات قلبي ! كانت الحصة قد شارفت على الانتهاء ، نظرت في الساعة وهمست أطمئنني : هانت ، لم يتبقّى سوى تسع دقائق ،، طالبة واحدة فقط وأتخلّص من هذا الكابوس اللعين ، وفيما كنت أسبح نحو شاطي النجاة وأقترب من الحرية ، إذ بيدٍ باردةٍ تسحبني نحو الأعماق ، وتحول دوني ودون الهروب...
أظن أن معلمتي اليقظة قد تنبّهت لامتقاع لوني ، وذعري الذي أحالني أرنبًا منكمشًا في جحره ، يقلّب عينيه بين حبائل موتٍ وشيك ، ووعودٍ كاذبة تلوح من عقارب ساعة ! دوى صوتها في أذني كانفجار لغمٍ نال مني رغم حذري ورجائي : هند... تقدّمي لتقرأي لنا موضوعك !
لازلتُ بعد مرور كل تلك السنوات ، أتذكّر الطعم المر الذي نبت في حلقي ، والجفاف الذي يبّس شفتيّ ، وارتعاش قدميّ اللتين جاهدتا لحملي ، كنتُ كفاقد ذاكرته ، مسلوبًا قواه ، يمشي على الغيم دون هدى أو صواب ، فجأة... التهم الضباب كل ماحولي ، لم أعد أبصر شيئًا ، أو أسمع سوى دقات قلبي الذي غاص عميقًا.. عميقا، بحيث شعرت أني أفقده للأبد ، لا أدري كيف وصلتُ لمقدمة الفصل ، لا أدري أكانت عيونٌ من تنظرُ إليّ ، أم أشباحٌ تهزأ بي ، فتحت دفتري وقد تخبّط جسدي بين قشعريرةٍ تهزّه وحمّى تنهشه ، ضياعٌ لم يشابهه ضياع... ذاك الذي ألفيت نفسي فيه ! لقد حانت ساعة الصفر ، اليوم سينال مني الشامتون ، اليوم سأكون مزار الساخرين وأضحوكة المتطفّلين ، اليوم سأسقط من عليائي وتتلاشى أسطورتي ، اليوم تسحقني الأقدام ، وتركلني إلى المكان الذي أستحقه !
خرج عنوان موضوعي "منزلي" من بين أشواكٍ ومسامير ، كل ماء الحياة قد جفّ في داخلي ، قرأت سطري الأول برجفةٍ عتيقةٍ تعاورتْ عليها مآسي الكون أجمعين ، وحين كنت أجدّف بين السطور ، تراءى لي منزلي القديم بابتسامة والدٍ حنون ، كان يضع يده على قلبي ، يتلو معوّذات السكينة ، يبثّني دفئاً ترجوه أوصالي المتيبّسة ، وإذ أسلمتُ نفسي ليديه وارتميت في أحضانه ، وصلت للسطر الأخير ، ثم للجملة الأخيرة التي لن أنساها ماحييت : " لم يبقى من منزلي الآن إلا رمالاً تذروها الرياح "
الرياح... الرياح... الرياح....
ذاتُ الرياح التي طافت برمال منزلي أرجاء الكون ، كانت تمد يدها إليّ في تلك اللحظة ، تنشدني الوثوب على ظهرها كيما أغادر كل هذا الهراء ، كيما أبتعد عن عارٍ وشيك ، كيما أهرب بكرامتي عن سحق الأقدام والضحكات ، بيد أن معلمتي حالت دوني ودون نداء الريح ، صحوتُ على صوتها ينتشلني من كف السقوط : رائع... رائع... رائع هند ، ياله من جمال ، ياله من تعبير ، أنتِ رائعة عزيزتي !
كانت هذه الصدمة أشد وأقوى من سابقتها ، بحيث أني كنت فعلاً على وشك الإغماء ، لم تصدّق أذناي ثناءها ، لم تستوعب عيناي ابتسامة رضاها ، لأيامٍ وليالٍ عديدة كنت أستعيد ذكرى تلك الحادثة بوجدان عائدٍ من مملكة العجائب ، أقف أمام لوحة الشرف أبتسم بزهوّ ممزوجٍ بالدهشة ، للموضوع الحائز على جائزة المدرسة لهذا الشهر ، ثم لهذه السنة ، ثم المشترك في مسابقة مدارس المحافظة ... نص " منزلي" !!

لقد كانت هذه الحادثة منحًى هامًا في طريق حياتي ، علمتني أن المُحال محال ، وأن أرواحنا تحمل بين طياتها كنوزًا ثمينة ، لربما طمرتها السنون إن لم نعمل على اكتشافها والتنقيب عنها ، أمدتني بأعظم دروس الوجود ، وهي أن الاستسلام عار ، وأن أقسى الهزائم هزيمة الروح ، وأن الثقة بالنفس معول نجاح تتحطّم أمامه أعتى الصخور .