الأحد، 31 ديسمبر 2017


بالنسبة لي ، الأصعب من مرحلة الحمل والولادة مرحلة مابعد الوضع ، كما أن مرحلة التعافي والنقاهة أقسى وطأةً وظلمة من مرحلة شدة المرض . ربما لأن الإنسان في ذلك الطور ينشغل بكل حواسه ليواجه الألم والموت ، يستنفر كل دفاعات جسده المادية والذهنية كي ينجو ، فلا ينتبه لأي كدماتٍ وجروح وتشوهات قد تصيبه في حربه المصيرية تلك . وقد عبر القرآن عن هذه الحالة في قصة النبي يونس ، في الآية الكريمة ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم) وسقيم تعني ضعيف ، كهيئة الصبي المنفوس ، والفرخ ليس له ريش !
حينها فقط ، تبدأ بتحسس جروحك ، وإحصاء خسائرك ، وتقييم وضعك . تعاود الحياة من حولك المسير فيما أنت منهكٌ هزيل . مضطر لأن تزدرد مع قوتك أوجاعك ، لتعاود تلقيم بدنك وروحك . تشرق الشمس ، تغيب الشمس ، فيما أنت قابعٌ على ذات الهيئة وفي ذات المكان ، تنتظر تعويذة طائر الفينيق ، ويقطينة يونس ، دون أملٍ في خلود ولا رغبةٍ في قداسة ، فقط عبورٌ وادع هاديء .

الأربعاء، 27 ديسمبر 2017


الفكرة التي لخصت أهمية القراءة وفضلها ، والمتمثلة في العبارة " أقرأ ، لأن حياةً واحدًة لاتكفيني " هي بالتأكيد لم تجانب الصواب أبدًا . بيد أن ماتلاها من حصرٍ للقراءة ، في كونها وحدها من تعطي الإنسان أكثر من حياة ، قد جاءت مجحفة بحق السفر والترحال ، ذاك الذي يمنح صاحبه ثراءً لايتأتّى بغيره .
ماتهبه الكتب من معارف ، ومعلومات ومساحات وعي ، وحيوات فوق الحياة ، لايمكن لغيرها أن يقدمه للإنسان . بيد أن السفر هو الآخر ، يفتح أمام المرء عوالم ، ويمنحه آفاقًا وثراءً ، لايُكتسب إلا به ومن خلاله ، والمحظوظ من امتلك بعد العافية ، الحسنيين : الكتب والسفر . خصوصًا إن كان ذا ذهنٍ متقدٍ متأمل ، وقلبٍ نابضٍ متوهج ، وروح محلّقة مترددة الأطياف.

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

يوما إثر يوم أشعر باقترابي من هامش قلبك . ومع كل وجبة برودٍ تقدمها لي، يزداد يقيني بسقوطي الوشيك.

الأحد، 24 ديسمبر 2017


في اليوم الثالث ، وبعد أن تخلصت من آثار المخدر ، انتبهت إلى أن كل من بالمشفى يبتسم لي بطريقٍة غريبة !
- أشعر أن الجميع ينظرون إليّ وهم يقاومون ضحكًة أو تعليقًا ما ...
-ربما في القرن القادم سيتمكنون من نسيانك .
- ماذا تقصدين ؟!
- ماذا أقصد ؟ ربااااه ، ألا تذكرين الفوضى التي أحدثتِها ....
كان الطبيب قد وصل في تلك اللحظة ليطمئن على أحوالي : كيف حالكِ أيتها المزعجة ؟
- بخير ، فقط خلصني من هذا الخازوق المزروع في ظهري .
- الخازوق ليس إلا في دماغك ، هل تريدينني أن أصدق أنكِ تشعرين به...
- نعم ، نعم ، أشعر به جدًا ، وهو يكتم أنفاسي .
- هه... نحن إذن أمام أميرةٍ حقيقية ! استرخي ، لن نزيل حبة البازلاء الآن ياأميرتي .
انتهزت وقت الفحص ، لأطرح عليه السؤال الذي حيرني : دكتور ...
ودون أن يرفع بصره نحوي ، رد : نعم
- كنا قد اتفقنا على تخديرٍ نصفي ، فلماذا وضعت الكمامة وأفقدتني وعيي .
نظر إليّ وقد استوى واقفًا : كي أخرسكِ ياعزيزتي ، أنتِ لم تتوقفي عن الحديث أبدًا ، كنتِ تحدقين في أعيننا قائلة : عمّان تعيسة ، فنجيبك : نعم ، هي كذلك بالفعل . تعاودين : عمّان تعيسة . فنرد عليك : ونحن كذلك تعساء . مرة أخرى تهمسين : عمّان تعيسة . فنخبرك : وكل من فيها تعيس . لكنك لاتتوقفين ، تنظرين في الأفق وترددين : عمّان تعيسة . كان لابد من إخراسك ، كي نركز على عملنا بعيدًا عن نبوءاتك .
- لاتلق بالاً لما تتفوّه به يادكتور . ماذا تنتظر من امرأة فتى أحلامها المعريّ ، وفلمها المفضل " البحر في داخلي" . والصحيح أن التعاسة في داخلها ، بل إنها رهينة تعاسات الكون كله . كان هذا تعليق شقيقتي التي ظلت تنظر إليّ شزرا طوال حديث الدكتور .
- لا أظن أن المعريّ كان جبانًا كأختك...
- بل كان كذلك ، ثم أن الخوف في حد ذاته ليس سبة ، وإنما ماقد ينجم عنه من خضوع ، سيدنا موسى كان خوّافًا ، لكنه في لحظة الفصل انحاز لفصيل الحق ، و...
قاطعني الدكتور قائلاً : هند ، اشربي الكثير من السوائل ، وأريحي ذهنك من كل هذي التأملات والخيال المسرف ، ستعانين كثيرًا من نوبات القولون العصبي إن لم تهدأي .

في النمسا وألمانيا ، التدخين ممنوع في كل مكان ، في المطاعم والمقاهي ، والفنادق والأسواق ، والتكاسي ، لاتستطيع أن تدخن إلا في الشارع . في عمّان ، العكس تمامًا ، بإمكانك أن تدخن في كل مكان ، ويبدو أن الوضع خرج عن السيطرة ، حد أن إدارة المشفى وضعت إعلانًا داخل الغرف تحذر فيه من التدخين ، وتتوعد المخالفين بدفع غرامة قدرها 25 دينارًا . الأتراك ذوو النزعة التجارية ، وجدوا حلاً مناسبًا ومربِحًا ، في كل مطعم ومقهى ، الجزء المفتوح على الهواء الطلق هو للمدخنين ، والمغلق لسواهم ، في الفنادق يمنحونك الغرفة المعدة للمدخنين إن كنت منهم ، في التكاسي ، بإمكانك الاستئذان من صاحب السيارة ، وإنت ونصيبك. في عمان لن تضطر لخوض غمار تجربة اليانصيب ، فالكرم الأردني لن يقول لمدخن " لاءً" أبدا . بل إن أحد السائقين ، والذي ثبّت في ظهر المقعد الخلفي لسيارته لوحًة تحذر من الأكل والتدخين ، ماأن رآني أخرج علبة سجائري ، حتى ناولني القداحة ( : .

في الحادي عشر من ديسمبر استمعت لنعي أبو بكر سالم بلفقيه ، وفي اليوم التالي كنت أتخيل المشادة التي دارت بين المخرج التركي مصطفى أوزون وذاك الممثل ، والتي انتهت بطعن أوزون وسقوطه ميتًا . كنت ممدة على سريري في الفندق ، دون حراك ، إلى يميني نافذةٌ كبيرة ، أحدق في السقف حينًا ، وحينًا في السماء ، أستعيد حديث أبو بكر بلفقيه عن الحب ولذة عذاباته ، واستدلاله بقول ابن الشاه :
ورأيته في الطرس يكتب مرًة ... غلطاً ويمحو خطه برضابه
فوددت لو أني أكون صحيفًة ... ووددت أن لا يهتدي لصوابه
تلك المعاناة العذبة ، التي صورها أحمد رامي في قوله : عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك ، ثم يستطرد بلفقيه مسهبًا في عرض جماليات هذه الذلة التي ليست بذلة ، فهي لاتكسر ولا تحقر ، ولسان حالها قول ذاك المتيّم : أيا من صادني باللحظ مهلاً... فها قلبي قد تخرّق بالسهام
فخذه وغربل العشاق فيه... تجدني الزبد من أهل الغرام !
وقريبٌ منه قول صاحبه :
كم صبا قلب بهـا ولهـا... كم أذابت مهجتـي ولهـا
كم حفظت العهد لي ولهـا.. قبل سن الحلـم بالحلـم
أنا فـى تأليـف قافيتـى... غير منحـاز إلـى فئـةِ
سقمي فى الحب عافيتـي.. ووجودي فى الهوى عدمي !
ربما يكون بلفقيه من أواخر المطربين العرب الممتلئين أدبًا وحكمة الذين يغادرون عالمنا . أومأت برأسي ، وفتحت صفحة الأخبار ، لأجد أمامي خبر رحيل الشاعر طه ولد بلعمش . يبدو أن ديسمبر شهر حصاد أرواح الأدباء وأهل الفن ، قد يكون شهرًا مناسبًا للرحيل ، لكن... من قال أنني لم أرحل بعد ، قد أكون ميتة فعلاً ، و ماأنا فيه الآن مجرد حلم . لربما صعدت روحي في غرفة العمليات تلك ، على كتف ذاك الطبيب اللطيف... هل أفقت حقًا وعادت إليّ أنفاسي ، لماذا غاب صوت فيروز ، فلم أعد أسمعه ، وأين اختفى طبيب التخدير... هل أنا موجودة حقًا ، أم هو طيفي ذاك الذي يحلق في سماء عمان .

#الجزء_الثاني

أجمل وأسوأ ما يمكن أن يمتلكه الكاتب ؛ الخيال الممتد !

- انظر يادكتور ، بالنسبة لي ، الفرق بين التخدير النصفي والتخدير الكلي ، هو تمامًا كالفرق بين حادثة بالطيارة وأخرى بالسيارة ، في الأولى نسبة النجاة تكاد تكون معدومة ، و99.9% هي نسبة الموت المحقق ، وهذا في حد ذاته أمرٌ مريح ، بينما في حادثة السيارة ، أنت تواجه خيارات عدة ، قد تصاب بالشلل ، بالعمى ، بالتشوه ، بفقد أحد الأعضاء ، وكلها خيارات قد يكون الموت أهونها..
-وإذن ؟
- أنا أفضل حادثة الطيارة...
- أخبرتكِ أنني لن أجري العملية إلا بالتخدير النصفي .
- أتوسل إليك دكتور ، لا أريد إبرة الظهر ، مجرد تخيلها ، يبث الرعب في أوصالي ، ثم أنني أجريت العملية الأولى بتخديرٍ كليّ .
- كان هذا في السعودية ، أنتِ الآن في عمّان ، التخدير لدينا ليس كأي تخدير في مكانٍ آخر . سيدة هند اطمئني ، لن يكون للتخدير النصفي أيّ سلبيات حين يتم بطريقٍة صحيحة .

إنها المرة الأولى التي أقصد فيها عمّان ، والمرة الأولى التي أزور فيها بلدًا عربياً ، والحق أنني تلقيت صدمًة لم أتوقعها ، منذ الدقائق الأولى شعرت أنني أمام مدينةٍ منهَكة ، لايمكن أن تكمِل فيها كيلومترًا واحدًا فتجده بطابعٍ واحد دون تناقضٍ يرهقه . مبنى حديث تجاوره خرابة ، وبنايةٍ متهالكة تستند إلى أخرى مهندمة ، ودكان يتكيء على كتف سوبر ماركت ، ومقهى فريد زمان إلى جانب بيتزا هت !
فيروز حاضرة في كل مكان في عمّان ، في التكاسي ، في المقاهي ، في المطاعم ، في الفنادق ، وحتى في غرفة العمليات ! كانت مفاجأة جميلة أن أجد فيروز في استقبالي في غرفة الموت تلك ، في مستشفياتنا لايضعون الأغاني ، تخيلت لو أنهم قرروا السماح بالأناشيد الإسلامية في غرف العمليات ، ثم دخلت لأجد في استقبالي أنشودة " فرشي التراب يضمني وهو غطائي " ، يالها من كوميديا بائسة . بادرني طبيب التخدير : الآن حتروقي مع فيروز . حلقت معها قليلاً ، بيد أنها غنت أغنيةً حزينة ، لم أعد أتذكرها ، وداهمتني الوحشة ، في الوقت الذي أمسكت فيه الممرضة بيدي هامسة : الآن ستشعرين بمايشبه الكهرباء تسري في ظهرك ، لاتجزعي ولا تتحركي ، واجتاح جسدي تيارٌ قاسٍ جهدت في مقاومته . الآن سيحرك الدكتور الإبرة بشكل دائري في داخل الفقرة ، لن تؤلمك ، فقط الوخزة الأولى ، لاتقلقي ولاتتحركي . وفجأة تدفق تحت فخذيّ سائلٌ حار ، ظل يجري إلى الأسفل . هناك سائلٌ حار أشعر به تحت فخذيّ . لاتخافي إنه دمٌ قليل (جاوبتني الممرضة). هذا ليس بقليل أبدًا ، ثم أنه... وأكملتُ بصوتٍ ضعيف : خفة كثافته لايمكن أن تكون لدم . وتخيلت سائلاً أصفرًا يخرج من فتحة ظهري ، ومادة الفقرات تنبعث من تلك الفتحة ، ثم النخاع ، وكل قِوام العامود الفقري ، يظل يقذف محتواه حتى يجف تمامًا و يتيبس ، وهاأنذا جالسة على سرير العمليات ، وإذ بي أميل نحو اليمين وأتهشم . خفتت الأضواء في عينيٌ ، ودارت حولي وبي جدران الغرفة ، وارتفع موجٌ قاتم من جزئي السفلي صاعدًا نحو صدري ، ولم أعد أجد أنفاسي : ياإلهي ، ماالذي يحدث ، قلتم أنه تخدير نصفي فقط .
-نعم ، هو كذلك .
لكني لاأستطيع التنفس ، وتسارعت نبضات قلبي حد الجنون . ياالله ، ماذا فعلتم ، أنا أختنق . وتقدم طبيب التخدير ليواجهني ، وقف إلى يساري ، وبحنان أرسل : هند... هند ، تعالي إليّ ، لاحقًا تساءلت أكان يقصد الالتصاق به ، أم فقط الاتكاء على كتفه ، بيد أني في جزعي وتوهتي تلك لم أتردد في الارتماء في حضنه ، أمسك بي في اللحظة التي غرزت فيها إحدى الممرضات إبرة في ساعدي ، وسارعت الأخرى لوضع إبرة في محلولٍ معلق . ثوانٍ ربما ، وعادت الأمور إلى نصابها ، هدأتْ وامتلكتُ أنفاسي من جديد . ظل طبيب التخدير إلى جواري ممسكًا بيدي ، يمسد على شعري ويحدثني : أين تسكنين في السعودية ؟... في المدينة النبوية (أجبت) ، هل تعملين ؟... هل بدأو ؟ ( رددت عليه) ... نعم بدأوا .
قلت لي أنني لن أشعر بشيء ، لكنني أحس . لن تشعري بأي ألم ، فقط بضغط أياديهم . نعم أحس بهم وهم يعبثون بجسدي (حدثت نفسي)... أخبريني ماهو تخصصك ؟... فيزياء ... جميل ، هل لديكِ أطفال ؟... هل هناك مشكلة ، لماذا تريد إشغال ذهني ؟.... ياإلهي ، مامن مشكلة ، أنا فقط أردت التحدث معكِ . وانصرف ، وحزنت . كان لذيذ الحديث بهيّ الطلة ، وفكرت أنه بإمكاني الوقوع في حبه ولو في هذه الغرفة ، هذا مابحت به لاحقًا لشقيقتي التي ردت مشدوهة : حتى وأنتِ على وشك الموت تفكرين في الحب !
- بل هو أنسب وقت للوقوع في الحب . ثم أن أحدهم أخبرني مرة ، أنه مامن وقت لا يلائم الحب .
- وبأيّ وجهٍ كنتِ ستقابلين الله ؟
- بوجه الحب . الله محبة ، ولايليق بلقائه إلا طقوس الحب .

النساء في عمان جميلات ، الجميع هناك يمتلكون عيونًا جميلة . والطعام لذيذ ، لذيذ جدًا ، وقد أتى مؤكِدًا لما كنت أردده دومًا : لا الطعام الفرنسي، ولا الإيطالي ، ولا الصيني ، ولا التركي ، ولا غيره ينافس المطبخ العربي ، مدار الأمر حول الروح التي تعد وتطهو . حتى القهوة التركية لم أجد مذاقها المعتق عند قومها ، بل في عمان ، وبأيدي العرب .
كنت أحدث نفسي بأنني إن تجاوزت الثامن من ديسمبر ، فسأنجو . كان لديّ اعتقاد شبه جازم بأن وفاتي ستكون يوم الجمعة الثامن من ديسمبر . وفي التاسع منه ، كنت أمام الشاشة ، أشاهد تشييع جنازة الفنان الفرنسي جوني هاليداي . في اليوم السابق ، وفي بهو المشفى ، جلست أنتظر وصول التاكسي الذي سيقلني إلى الفندق ، وفي الوقت الذي انشغلت فيه عائلتي بإتمام إجراءات المغادرة ، وطلب سيارة الأجرة ، حدقت عبر الزجاج في تناقض عمّان المرهِق ، ولم أكترث بالمجموعة التي تنامت إلى يميني ، إلا حينما دخل ذلك الرجل الأسمر ، ليعترضه أحدهم محتضِنًا ومواسيًا ، لم يرفع الرجل يديه لمبادلة الاحتضان ، وأكمل مشدوهًا سيره ، ليتلقفه الجميع مصافحًة وتعزية . توجه رأسًا إلى موظفة الاستقبال ، يجاهد دموعه كيلا تتناثر ، وفيما أنا أغادر ، التفت نحوه ، ورأيته يوقع عددًا من الأوراق . تساءلت في سري ، من فقد ، أكانت صبية أم فتى ، طفلاً أم كهلا ، أو ربما سيدة ، قضت أيامها تدندن مع فيروز وهي تعد قهوتها ، تعض الشفة ندمًا على فرصٍ لم تقتنصها ، وحبٍ لم يحط رحاله في باحة منزلها .

#الجزء_الأول