الاثنين، 27 نوفمبر 2017


كتب أحدهم يومًا : ثلاثة أمور مالم تكن عربية فلن تكون جميلة ؛ الموسيقى، والنساء، والقهوة . ومع تحفظي على الأخيرة ، إلا أنني تساءلت حينها ؛ لماذا لم يختصرها في الروح العربية وكفى .
كنت أتجول بحثًا عن فرقةٍ أجنبية سمعتها ذات مرة ، تغني أغنية " على حسب وداد قلبي يابوي " لعبدالحليم حافظ ، فتعثرت بفيديو ، يُظهِر مجموعة من اليهود ، وهم يرتلون أدعيةً لهم على ذات لحن أغنية عبدالحليم ، وبدَوا منتشين طربًا وزهوا ، وكأنما يحيون تراثًا أصيلاً لهم ، ثم اكتشفت بعد التدقيق والتمحيص أن الفرقة الأجنبية ، ليست إلا فرقًة يهودية ، لها عديد تسجيلات لأغانٍ عربية شهيرة لكوكب الشرق وعبدالحليم . ولاأدري - حتى هذي اللحظة- على وجه التحديد أيّ شيء ساءني . فجأة شعرت بالحرقة والغيرة ، وكأن شيئا ثمينًا استلِب مني . حاولت أن أهوّن على نفسي بفكرة أن الفن إرثٌ إنساني يجمع القلوب ويقرّب الشعوب ، وأن اليهود الشرقيون إنما يساهمون في نشر الطرب العربي الأصيل ، وترسيخ جذوره . لكني لم أفلح في إقناعي ، ولاتهدئة غلياني . ربما لأن لؤم اليهود ، وتخطيطهم الشطرنجي البعيد المدى ، أصيلٌ بقدر أصالة الطرب العربي . ربما لأنني كنت قبلها بساعات قد قرأت مقالاً لأحد " الحبابين الكيوت"، يتساءل فيه عن السر وراء عدم اندماج العرب المهاجرين ، وتحديدًا المسلمين منهم مع المجتمع الأوروبي ، ذاكرًا في معرض بحثه أن عقدة التفوق الديني والاستعلاء لدى العرب المسلمين ، هي أحد أهم الأسباب وراء هذه العزلة ، متناسيًا حضرته ، أن الألمان طالبوا بأن يكون لهم رب خاص بهم ، لتميّزهم ورفعتهم عن بقية البشر ، وأن اليهود قبلهم صاحوا : نحن أبناء الله وأحباؤه . العجيب أنه وضع صورة في أعلى مقاله لامرأتين ترتديان الحجاب وعنونها بـ" فتاتان مسلمتان في محطة مترو لندن" !!!
والحق أنك لتقف فاغرًا مشدوهًا ، حائرًا متسائلاً : ماالذي يريده هؤلاء ؟ ماالذي يريدونه فعلاً . ماالذي يرمون إليه من وراء تذمرهم وتضجرهم هذا . ماشأن الاندماج الذي يتحدث عنه ، ويعيب على رافضيه، العزلة والإحساس بالفوقية (كما يدعي) بلباس السيدتين ؟ هل الاندماج الذي يُرضي أمثال هؤلاء أن تقف المرأة العربية في المحطات والساحات بلباسٍ لايستر إلا عورتها المغلّظة ! أكاد أقسم أن الغرب أنفسهم ، لايطالبون الآخر بالذوبان فيهم كما يطالب هذا المأفون الذي يُلبّس على الآخرين بتضليلهم عن الاندماج بالذوبان . المسألة ليست مسألة تكيّف واندماج ، لا ، هؤلاء يريدون محو هويتك بالكامل ، قطع دابرها وكأنها لم تكن يومًا شيئا مذكورا . ولو أن لهم من الأمر من شيء ، لاستبدلوا عينيك السوداوين بأخريين زرقاوين ، ولنزعوا شعرك الأسود وزرعوا عوضًا عنه أشقر يرضيهم ، ولسلخوا سمرة جلدك وأحالوها بيضاء حمراء تسر خواطرهم .
إنهم يريدون سلبك حتى حقك في المعاداة . حتى عدوك يجب أن يكون باختيارهم لا بميزان العدل الإلهي و الإنساني . في كل قوانين الكون مغتصِب الأرض عدو محتل ، إلا مغتصب أرضك أيها العربي ، الأمر هنا مختلف ، له مبرراته ، وحججه التاريخية ، وعلل مخدِّرة من قبيل أن أصحاب الأرض ذاتهم هم من باعوها . في محاولة مقيتة تتجاوز حقيقة أن فلسطين ملك للعرب كلهم ، لا للجزء منهم الذي سكنها . ثم إذا لم يفلح معك هذا الدواء ، جربوا معك حيل التطبيع ، والتحضر ، والتقارب ، وشعارات الإنسانية التي هم أكفر الناس بها . كل ذلك وعدوك كما الأفعى ، يزحف بنعومة ، يقتطع الأرض إثر الأرض ، ثم هو اليوم يستولي حتى على إرثك الفني . على أملٍ ليس ببعيد ، أن يصدق الناس ذات يوم أن بليغ حمدي هو من سرق اللحن اليهودي ، تمامًا كما سيصدقون ويباركون تهويد القدس وكامل فلسطين . عندها لن يعترض أحد على منظر امرأةٍ عربية تتباهى في محطة مترو أوروبية بنهديها العامرين ومؤخرتها المكتنزة ، فالمسارقة تقضي بأن من هانت عليه الأرض ، هان تبعاً لها عليه العرض .

السادة الداعرون ، ياأرباب الحسابات الضخمة ، والضمائر الهزيلة ، ياأصحاب الألف وجه ، بلا ربع قلب ، يامن لكم في كل أرضٍ نزل وماخور ، دون متكأٍ واحد يقال له وطنٌ وحضن ، ياأشباه الضباع إن لم تعترض الضباع ، ياقيحًا ماله من طب ، وعضوًا نتناً ليس له إلا البتر ؛ إلى أن تستحيل أعيننا خضراء زرقاء ، وشعورنا شقراء صهباء ، إلى أن ينقرض العود والضاد ، وتمسي " ياليل ياعين" أوووه ماي قاد . إلى أن يطوي الكون قيد الخيل و البيد ، وذكرى المعري والولادة وابن زيدون ، إلى أن تفقد منازل المتنبي الذاكرة ، إلى أن تجحد الأرض لسانها العربي المبين ، ستظل فلسطين لنا ، وسيظل مغتصبها عدونا.

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017


تستيقظ كل صباح ، وفكرة ملحة تطرق رأسك  : سأقاوم اليوم . سأكون أنا . سأصرخ بأعلى صوتي ، سأطلق العنان لرغائبي . ثم ماتلبث أن تجد نفسك في الدوامة اليومية والصراع المكرور  ، تناضل بيأسٍ وأسى ، مدركًا مشهد الختام المعتاد ، ستنتظم وكما كل يوم في ذات الطابور والسلسال . ذاتًا مربوطة إلى ذوات الآخرين  !
حين أفكر ، أجد أن مامضى من عمري كان محاطاً بغشاء النعاس الذي ذكره شكسبير ، نعاس عزلني في بوتقة حجزت عني كل ضجيج الكون  ، الأمر كان أقرب إلى العبث ، عبثٌ سادر في غيّ الجهل المُـطَمْـئِن الآمن ، حيث لا تطلعات ، ولاسبر أغوار ، ولابحث عن كينونة ، وأما اثبات الذات فكفيلٌ به رداءٌ غريب ، أو فوز في معركة كلام  ! وجهٌ واحد من أوجه الزوال ، كان صادمًا بما يكفي ليفتح العينين على حقيقة التقلّب والفناء . الفراق ! أول الدروس الموجعة الملهِمة  ، كان يحدث منذ البدء  دون تغيّبٍ أو استثناءات ، الفرق فقط أنني هذه المرة كنت أستقبله بوعي ممتليء ونضج كافٍ لأن يلقيني في بيدٍ ممتدة من الغربة والوحشة . ظمأٌ أصيلٌ قاسٍ ، ماكان لكل مزن الصحاري ووبلها الهمِل أن يروي المحل الذي اجتاحني على حين غرة ، وجدتني في الشتات أمام عواصف أسئلةٍ عاتية ، اجتثت جذوري من أرض الثبات ، وألقتني وجهًا لوجه أمام أحجيةٍ عتيقةٍ متجددة. الروح تموج وتضطرب ، واللسان عاجزٌ لايفصح ولا يبين ، يومًا عن يوم كانت المسافة تطول ، ظننتها بالعرض ، فإذا هي نحو العمق تسير  ، وماتوهمته وصولاً ، كان في الحقيقة غرقا  !
المؤلم أنه غرقٌ في الذات ، وسط الآخرين . قريب منهم  ، وأبعد مايكون عن رؤاهم ، تتوهم المضيّ  فيماأنت لم تغادر بقعتك ،  تكاد تصدق أنك تمايزت ، وتفضحك بدائيتك وحاجتك ، تتحسس . وإذ هو ذات الطوق الذي يحيط رقبتك ورقاب الآخرين  !

الخميس، 16 نوفمبر 2017


أثناء جولتي في أوروبا ، استوقف تأملي أمرٌ غريب . كل تلك الطبيعة الغنّاء ، بخضرتها الكثيفة ، وأشجارها الباسقة ، وأنهارها الجارية ، وروعتها الفاتنة التي تأخذ بلبك طوال اليوم ، تستحيل بقعًة موحشة ماأن تغيب الشمس ويحل الظلام . ذات الغابات والسهول التي امتلأ فؤادك بجمال خضرتها في النهار ، تعود لتلبس رداء الوحشة والنفور في الليل . وهو نقيض مايحدث في الصحراء . تظل الصحراء ماظلت الشمس مكانًا قفرًا كئيبًا ، يُشعِـرك باليأس والخواء ، حتى إذا ماأقبل الليل ، وتزينت السماء بثوبها المطعّم بالفصوص اللامعة ، عادت البيداء لتمنحك الدفء والسكينة ، وتتودد إليك بأنسٍ لم تعهده منها مع ضوء النهار .
تناقضٌ موزون ، لايمكن لمن يتأمله أن يستسلم لفكرة أن هذا الكون بلا مدبرٍ عظيمٍ حكيم . بل إن أعظم ماتستدل به على وجود هذا الصانع الجليل ، هو هذا النقص الذي لايخلو منه كائنٌ ولا مركبٌ ولاعمل . نقص يظل يهمس لك بأن الكمال هناك ، في مكانٍ لم تبلغه بعد .

الأربعاء، 15 نوفمبر 2017


بعد أن أخبرتني والدتي ، أن خمسة وسبعين كرتونًا طافحة بالكتب ، ماتزال نزيلة البدروم ، سألت شقيقي : أين ستفرِغ تلك الكراتين ؟ لا أظن أن زوجتك ستسمح لها باحتلال غرفٍة أخرى في هذا البيت الصغير .
رفع رأسه إلى السماء ، وأجاب وهو مغمض العينين : حين عاتب القاضي أبو سهل ، أبا حيان التوحيدي على جنايته آن إحراقه كتبه ، احتج بتأسيه بأبي داوودٍ الطائي الذي قال مناجيًا كتبه وهو يلقيها في البحر : نِعم الدليل كنتِ ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول ، وبلاء وخمول .
- والمقصد ؟
- المقصد أن التوحيدي وصل إلى اليقين الذي يصله كل متبحرٍ في العلم ، وهو أن الأنس ليس إلا في التفرغ للعبادة !
زممتُ شفتيّ ولويتها يُمنةً ويسرة ، فحدجني بنظرة وأتبع قائلاً : ماأتعسك إن كنتِ لم تتذوقي بعد لذة القرب من الله والأنس به.
- ليس هذا ماأردت قوله ، لكن يؤسفني أن أخبرك أن التوحيدي ، حاله كحال المتنبي ، حين وجد أن القوم لم ينزلوه قدره ، حقد عليهم وعلى الحياة وقدره ، وضنّ بعلمه أن ينتفع به أحدٌ من بعده ، فيوصله إلى مالم يبلغه هو ، أو أن يتخذه جاهلٌ أحمق وسيلًة للاستخفاف بأبي حيان والاستدلال على نواقصه .
- عدتِ للاستماع للمستشرقين والخبثاء ، وأعداء الأمة !
- رباااه ، نظرية المؤامرة مرة أخرى ! أيّ أعداء وأيّ بطيخ ! هذا تتبع تاريخي لحياة الرجل ، واستدلال عقلي مبني على سيرته . الرجل كان طموحًا ، اتصل بوجهاء عصره ومتنفذيه ، تمامًا كما فعل المتنبي ، وكما حاول المعري حين قدم إلى بغداد ، وجميعهم حين لم ينالوا ماكانوا يرونه لائقًا بقدرهم وتميزهم ، دخلوا في مرحلة اكتئاب وعزلة ونقمة على الحياة والمجتمع.. هذا هو السبب الذي جعله يحرق كتبه ، لا لأنه اكتشف أن الأنس الحقيقي في العبادة...
- بل هو ذات اليقين الذي وجده الغزالي ، وعبّر به حين لقيه تلميذه أبوبكر ابن العربي في الصحراء ، بعد أن ارتحل عن الكل وهجر المدن والتدريس ، ثم لما دعاه راجياً عودته إلى التدريس وطلابه أنشد قائلاً :
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل... وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه... منازل من تهوى رويدك فانزل 
غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد... لغزلي نساجاً فكسرتُ مِغزلي .
كل من غار في أعماق العلم ، سيصطدم بهذه الحقيقة ، كل هذا وهمٌ وعناء ، لاراحة ولا لذة إلا في مناجاة الله والخلوة به .
- الحمدلله أن علماء الغرب ، لايغورون في ذات النفق الذي تزحفون فيه ، وإلا لما كنا وجدنا الغسالة الأوتوماتيك ولا أدوية السكر والضغط ، ولا حتى العطور التي تتطيّب بها . المهم أعطني كتبي التي استعرتها مني منذ أكثر من سنة .
- كتب؟ ومنكِ ؟! وماذا سأستعير من زنديقة مثلكِ. بل أنتِ هات كتب الترغيب والترهيب التي أعرتكِ إياها على أمل أن تنير لك قلبك.
- هي قابعة في مكانها الأول ، لم أفد منها شيئا ، حديث في إثر حديث، يتلوه حديث، يتقدمه حديث... ثم ماذا ، لم أفهم المطلوب .
- هه.. حتى تفهمي جيدًا ماعنيته، حين قلت لكِ أن هذا الدين بناء راسخ شاهق ، لاينفع أن يأتيه قزم مثلكِ وأشباهكِ لينتقد لبنة في بنائه ، إن لم تتناول هذا العلم من أساس بنيانه ، مرتبةً إثر مرتبة فلن تعي أسراره ولا عظمته...
- نعم نعم ، مرتبة إثر مرتبة ، وطابق بعد طابق ، لنكتشف في نهاية المطاف أن كل هذا عبث ، فنلقيه وراء ظهورنا ونكتفي بالتسبيح والتهليل والترتيل...
- لاتحرفي كلامي أيتها المراوغة ، العلم الحق بطريقه الصحيح سيوصلك إلى الغاية الصحيحة ألا وهي...
- خلص خلص انت وياها ، حطينا العشا ، قوموا وابتروا هالنقاش . ( والدتي وقد أنهت جدالاً كاد يفضي إلى معركة داحسية غبرائية)


الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

ورد عن أحد السلف أنه قال : رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي . و يبدو أن المعري القائل :
ظننت أني وحدي مخطيء ، فإذا .. أفعال كل بني الدنيا كأفعالي ، لايوافقه الرأي . إذ هو - ضمنًا - يرفض الإشارة إلى عيوبه وأخطائه ، مستندًا إلى بشريته التي يشاركها فيه الكل ، ويشاركونه بالتالي في لوازمها المتمثلة في الوقوع الحتمي في الخطأ ، " كل ابن آدم خطاء" ، و" من كان منكم بلا خطيئة فليرمني بحجر "... ربما أدرك المعري أن الإشارة إلى عيوب الآخر ، حتى ولو بمساررته بها ليست هي الطريقة الأنجع لتقويم السلوك وتلافي الوقوع في الخطأ أو تكراره ، ربما قدَر الإنسان أن يكون استيعابه التام ونضجه الخالص هو ماتمخض عن تجربة معاشة لذعته بمرارتها وكوته بلهيب الندم ، قد تخدمه العظة المستخلصة من تجربة الغير ، وقد يفيده إلى أجلٍ مسمى همس مخلص ينبهه إلى عيبٍ ما وضرورة التخلص منه ، لكن المحك الحقيقي هو في قوة الإرادة ، ثم في هذه الطبائع الأصيلة في تكوين الإنسان ، والتي قد تخذله مهما بلغ مستوى نضجه .

السبت، 11 نوفمبر 2017


في تلك اللحظات من عمر الزمن ، التي يتعاظم فيها حنيني لأخي ، ينتابني شعور واثق بأن العالم كله قد خسر لموته وليس أنا فقط . ربما إحساس الغربة هو من يضخّم شعور الفقد . الجيد في الأمر أنني اكتسبت مع الأيام مهارة التخلص من ذكراه في أقصر مدةٍ ممكنة . ماأن يمر طيفه بخاطري ، حتى أطرده دون تردد . أغور مع ألمي في أعماقٍ موحشة ، وسريعًا أرتفع نحو السطح . آخذ نفسًا طويلاً ، ثم أهز رأسي ، وأنفض طيفه كما تُـنفَض الأحلام من ثنايا لحاف مشتاق . أحاول ألا أستمع لطلال مداح فقد كان يحبه كثيرًا . أبتعد قدر الإمكان عن بعض أفراد عائلتي الذين يشابهونه في الصوت ، أو الملامح ، أو بعض اللفتات والحركات . ثم أن خيالي تفتق عن أملٍ بات يخفف عني كثيرًا . فكرت أن العلم في تطورٍ مذهل . يتحدثون عن إكسير الحياة وعن الخلود ، ولا أستبعد أنهم سيتوصلون لطريقةٍ يُخرجون بها الأموات من قبورهم ليعيدوا لهم الحياة . قد يتم ذلك على الأرض أو على كوكبٍ آخر ، وقد يقوم بهذه المهمة مخلوقات تشبه البشر إلا قليلا . ربما سيتم ضمّنا حسب تصنيفات معينة ، بمقتضى الموهبة أو الرغبة ، لست متأكدة ، المهم أنني قررت أن أرفِق في مدونتي نصًا أخط فيه أمنيتي ، بأن أكون ضمن مجموعة العائدين من العصر العباسي ، شعرائه ومتكلميه وزنادقته وماجنيه . يجب أن يُصحح الخطأ الزماني الذي أسقطني في هذه الحقبة . وبالطبع سيكون أخي معنا . لم أعد أتحدث عن أخي . حد أن إحدى صديقاتي المقربات دهِشت حين علمت أنه أخي لأبي ، وقد ظنته شقيقي الذي توفي مع والدي . تقول أن الأمر مشابه لقصة الخنساء وأخيها معاوية ، حيث الرجلان بالغا السخاء .
لاشئ يأخذ بلبّ المرأة كـ كرم الرجل . ليس الكرم المادي فقط ، وإنما الأهم كرم النفس ، وإن كنت أؤمن أشد الإيمان أنهما متلازمان لاينفصلان ، إذ من المحال أن تجد باسط كف شحيح لطف ، أو مقتّرًا في وده وتواضعه ، وقد قيل : من جاد بماله جاد بنفسه ، ذلك أنه جاد بما لا قِوام للنفس إلا به . وأذكر قصةً قديمة لعربيّ اشتُهر بالكرم ، انفضّ مجلسه ذات ليلة وبقي ضيفٌ أخير ، وقبل أن يجلس إليه أطفأ مصباحه ، ثم سأله عن أحواله ، ذلك أنه قرأ الحاجة في وجهه ، فخشي لكرم نفسه أن يُخجِله بالنظر في عينيه آن طلب حاجته !
الكرماء ينقرضون . منذ موت أخي لم ألتق إلا برجلٍ كريمٍ واحد . لقد كان كريمًا نبيلاً . كريمُ نفسٍ ومال . قد يكون آخر الرجال النبلاء . يجب ألا أنسى وضع اسمه في المدونة ، كي يكون برفقتي وبقية الشلة من العصر العباسي . انظر لهذه الحياة القذرة ، كيف تتزيّن بما لا تملكه في ذاتها . تجمّل أيامها بالعظماء النبلاء ، ثم هي لاتجود بخلودهم ، ولا عليهم بما يعينهم على مرارتها . تبًا.

الجمعة، 10 نوفمبر 2017


كنت أقرأ في قصة المغني الأمريكي رودريغز الذي أصدر في السبعينات ألبومين غنائيين لم يحققا أي نجاح ، مما جعله يتوقف عن الغناء ويعود لإكمال حياته كعامل بناء . في الوقت الذي وصل أحد ألبوماته إلى جنوب أفريقيا ، وانتشر انتشارًا واسعًا وبيع منه ملايين النسخ . واشتهر الرجل هناك دون أن يدري . إلى الحد الذي جعل اثنين من تلك البلاد ، وبعد مرور ثلاثين عاما ، يرتحلون لأمريكا للبحث عنه بعد أن بلغتهم إشاعة تفيد بانتحاره . لكنهم وجدوه حيًا يرزق ، واتفقوا معه على إقامة جولاتٍ وحفلاتٍ غنائية في جنوب أفريقيا ، وفعلاً سافر معهم ، واستقبِل هناك استقبال المشاهير . وحضر حفلاته عشرات الألوف . ثم انتشر ألبوميه في أمريكا ، وعرِف الرجل وقصته . كنت بين السطور أتخيل هذه السخرية العجيبة لأقدار هذا الرجل ، الذي استسلم لفكرة أنه دون قيمة أو تأثير ، في الوقت الذي توهجت قلوب الكثيرين بروحه ، وامتلأت بحبه . وفجأة وأنا بين أحداث قصته ، وصلني إشعار رسالة من أحدهم " السلام عليكم أختي هند" . أوشكت ألاّ أرد ، ولكن ولأن "مودي" في تلك اللحظة كان كُفريًا ، فقد شعرت بحنينٍ للدين وأهله . وهكذا هي الأمور معي ، تجري على حبل العناد لاسواه . ولقد زارنا المليك المفدى قبل يومين ، وقبل موعد هبوط طائرته حفظه الله ورعاه ، بعث جهاز المرور والشرطة والداخلية ومكافحة الكباب و الإرهاب ، برسائل لجميع المواطنين والمقيمين ، تطلب منهم عدم مغادرة بيوتهم ، لأن الطرق ستكون مغلقة . وكالعادة انتفخت أوداج الجنية في داخلي ، وركبتني لعنة العناد ، وصرخت في الجموع ، ولاجموع إلا أشباحي وعفاريتي : هيهات منا الذلة ، لا والله ليست هند من يقال لها امكثي في دارك ولا تغادريه . وصحت بالعامل بدرالدين اللاهوري ، أن اسْبِـقني إلى المركبة ، لنقتحم شوارع المدينة رغمًا عن ال.. رغمًا عن الـ... رغمًا عن أنف الجميع . وهكذا خرجت من حيّنا ، واستقبلتني الشوارع الرئيسية بعتادها وعدتها ، وتنحنح بدر الدين ، وتقهقهر بالمركبة ، وجأرت من خلفه : اثبت ياغلام ، ادعس على البنزين ولا تبال ، لانجوت إن نجوا . وشققنا غبار الأرصفة والمحطات ، ولمحت سيارات الشرطة والدوريات ، في الأنفاق وعلى الجسور ، وبين التقاطعات وعند إشارات المرور ، وعند كل مدخل ، وفي كل زنقة زنقة . وتهاديت كأميرةٍ أندلسية وسط الشوارع الخالية ، وابتعت حاجاتي وماأريد ، وماأردت إلا التحدي والعناد ، وعدت إلى داري سالمًة غانمة ، مشحونًة بوهم انتصار . وإذن فالعناد هو محور شخصيتي ، وهو ماجعلني في المود الشيطاني ذاك ، أرد على تحية الفتى ب " وعليكم السلام" ، ليبادرني قائلاً : هل أنت هند وأطيافها ؟
- نعم ، أنا هي ، حياكم الله.
- وبياك وجعل الجنة مثواي ومثواك .
-آمين اللهم .
- أختي من أين تأتين بهذه الأسطر النيرة ، لقد نمت لغتكِ كثيرًا .
- حقًا؟ هذا جيد.. لم أنتبه لذلك ، لأني لم أعد أركز على الكتابة .
-أنا من رواد هذا الحائط الأزرق منذ 2008 ، ووالله ما رأيت صفحة أفضل من صفحتك في تسليط الضوء على العبارات ...
- ماشاء الله... صفحتك من 2008 ! وفي نفسي أكملت ( اشمعنى أنا تتسكر صفحاتي يامارك ياابن الوسخة )
- لذلك كنت أبحث عنك ، حتى وجدت مقالاتك قد نشرها أحدهم في blog .
😳😳😳😳😳😳😳 -
ماذا ؟... من؟... أيّ مدونة ، لاتوجد لدي مدونة إلا التي أضع رابطها في أعلى صفحتي ، ومنذ شهرين فقط بدأت بالانتظام في توثيق ماأكتب هنا من خلالها.
- مدونة باسم هند وأطيافها ، فيها بعض مقالاتك من 2015 .
- ماذا ؟ من أنشأها ؟... أعطني رابط المدونة لو تكرّمت .
لحظات ، وكنت بين حروف هند وأطيافها القديمة. وفهمت كلام الفتى حين قال : لغتكِ نمت كثيرًا . ياالله ، نصوص كنت قد نسيتها تمامًا ، عبارات ركيكة وأسلوب طفولي ، وقلبٌ غض . كل الكلمات تعجز عن شعور الغبطة والامتنان الذي اجتاحني وأنا أنتقل بين بداياتي القديمة . لو لم يكن للكتابة من فضل إلا هذا لكفاها . نعم ، أن تعتقد العبث فيما تمارس ، فيما أنت خالدٌ في وجدان أحدهم... يااااه ، شعور ولا أروع ، ولذة لاتعادلها لذة . سيدي النبيل ، صاحب الظل الطويل ، والوفاء العتيق . أمام سخاء لطفك تتهيّب الحروف الانتظام ، وترتخي بإذعان التبجيل دون تراص. هكذا... تقع تباعًا أمام عظيم ماصنعت. ليتك فقط تدلني إليك .

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017


الترويج لمبدأ التجاهل و"التطنيش" ، المستند إلى فكرة العبثية واللاجدوى ، أو إلى وسادة إراحة القلب ، والتخفف من الحمول المنهِكة.. أمر سافل ، لايتزعمه إلا خبيث له مآربه ومنافعه الموضوعة نصب عينيه ، أو خبيث لم يتكشّف له وللآخرين بعد خبث نفسه . كل ساكتٍ عن الحق ، راضٍ بالظلم ، خانعٍ لأرباب الفساد ، متصالح مع الخراب وطغمته ، هو في حقيقة الأمر مشروع طاغية لم يحن دوره بعد . أوشِك أن أصل إلى قناعة بأن كل مظلوم يستحق ماحل به . نعم.. المظلوم الخانع يستحق ، يستحق لأن خنوعه ابتداءً هو سبب بلائه ، ولأن خنوعه ماكان لولا إيمان خفيّ في داخله بالدونية ، وبأحقية من ظلمه باعتلائه وسلبه ، والتسلّط عليه ، هذا الإيمان الذي سيجيز له ذات يومٍ تنعكس فيه الأدوار بممارسة ذات الظلم والفجور . وصدق النبي الكريم " المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" . اليوم فقط استوعبت هذا الحديث ، وفهمت المغزى منه . نعم ، الضعيف الخانع بذرة طاغية مدفونة في الأعماق ، ما أضعفه وأناخه وأذله إلا خبث طويّة ، كما أرضته بالمهانة سترضيه ذات يومٍ بالظلم . لذلك كان المؤمنون حقًا عزيزي نفس . أشداء هناك ، رحماء هنا . إنه التوازن الصعب. والمنزلة الفصل . لايُلقّاها إلا ذو إنصافٍ عظيم وهمّةٍ تجاوز السحاب . لاتُـصالِح ولو قيل رأس برأس . أكل الرؤوس سواء ؟! . من تتساوى في عينيه الرؤوس هم أصحاب المنطقة الرمادية ، والبراجماتية المؤجلة . يدٌ تمسك بالرغيف ، وعينٌ لها على الرغيف البعيد ، المؤمنين بمبدأ " عشان تعلى لازم تطاطي" . رضوا بالركوع فما استقاموا . وأركِسوا في وحل النفعية حتى غدت لهم لباسا . فلا تسل عن مظلومٍ بينهم أو ظالم .
كيف هُـنّـا فقادنا أغبياء.. ولصوصٌ متوّجون أكارم .
كيف كنا نقتات جوعًا ونعطي.. أرذل المتخمين أشهى المطاعم .
وجراحاتنا على باب "مولانا".. تقيم الذباب منها ولائم .

السبت، 4 نوفمبر 2017


#إعادة_نشر....

نصيحة لك أيها الرجل : لاتقبل نقودًا من امرأة أبداً !
تركيبة روح المرأة لم تُخلق للإنفاق والبذل المادي . صدقني ستُـذِلّك ماحييت بأي دراهم تنفقها عليك ، أو على منزلك ، أو حتى على أبنائكما . وإن كنتَ ولابد فاعل فاجعل مشاركتها مقتصرة على أغراضها الشخصية . أمّا ما يخصك ويخص منزلك ؛ فاحذر احذر أن يكون من نقودها أو حتى بمساهمة منها . أقسم لك ستعيّرك به طال الزمن أو قصر ، وحتى وإن لم تفعل - وأشك في ذلك- فإنها في داخلها ستزهد فيك وتستصغرك ، ستظل تتابعك وأنت تستخدم ذلك التلفاز الذي ابتاعته بمالها ، تراقب أصابعك وأنت تقلّب في جهاز التحكم ، وتحدّث نفسها حين تضع قناة لاتريدها هي (التلفزيون بفلوسي وهو اللي بيتحكم في القنوات إفـف) ....
المرأة ليست مثلك تذكّر ذلك . لقد خلِقتَ للإنفاق ، للقوامة ، لتحمّل مسؤليتها وأولادك . لذلك فأنت تدفع و تنفق دون أن يستوقفك مايستوقفها من تحسّر ومنّ وضيق .
لطالما كان المُتحكّم في الاقتصاد هو صاحب الصوت الأعلى واليد الطولى والكلمة الفصل . ومتى ما خُولفت هذه الفطرة وتحمّلت المرأة مسؤلية السعي والإنفاق بدلاً من الرجل ، كان ذلك إيذانًا بانقلاب الموازين وتدمير هيبة الرجولة بل وضياع أخصّ خصائص الأنوثة من رقةٍ وحياء . والحديث لا يناقض الإيمان بحرية المرأة في اختيار عمل يناسبها وأن يكون لها دخلها المستقل عن الرجل ، لكن الواقع والمُلاحظ أن المرأة تنفق بسعادة ورضا في كل ماتعلم يقينًا أنه من لوازم الرفاهية والترف ، وما أن يصل الأمر لأساسيات الحياة المتعارف عليها وضرورياتها ، فإن الضيق ينتابها ويعلو صوت خفيّ بداخلها يذكّرها بأنها أنثى ، وبأن هذا الدور لا يناسبها ، وبأن من يشاركها الحياة هو ربّان السفينة الذي منحته ثقتها وولاءها كي يتحمل هو عناء القيادة بدلاً عنها !

الخميس، 2 نوفمبر 2017


الأمر الوحيد الذي ينبغي أن تكون موقنًا به تمام اليقين ، أنك ستظل تخطيء حتى ماقبل آخر لحظات عمرك... بل لربما قد تخطيء حتى مابعد ذلك !
يقولون أن المرء يصل دومًا إلى ذلك الظل الهاديء المسمى النضج ، حيث لن يجازف أبدًا بالتورط بعلاقةٍ عابرة أو صداقةٍ باردة أو موقفٍ هشٍ لا يمتاز لطرفٍ فصل . بيد أن ذلك لا يحصل كما يتوقعون ، وحتى في تلك البقعة التي تبدو مستقرة ، ستعرف الريح الحائرة طريقها إليك . يبدو الأمر دومًا مرتبط بذلك العدو الخفيّ ، القديم الأبديّ ، سرطان الروح الذي لايمكن لأيّ كيماوي خيبة القضاء عليه... الأمل ! الأمل الذي اندس بخبثٍ في حذاء يتيمةٍ فقيرة فأحالها أميرةً أسطورية ، الأمل الذي تعلّق بمطرقةٍ هزيلة لينقل صاحبها آندي من ظلام السجن إلى اتساع المحيط الهادي ، الأمل الذي حوّل ضفدعًا مقززًا إلى أميرٍ عاشقٍ وسيم . الأمل الذي يظل يوهمك أن وراء الأبواب الجديدة عوالم مغايرة ، وأن الرحلة القادمة استثنائية ، وأن الموجة التالية نقطة تحوّل !
الأمل الذي أدرك سينكيا كنهه جيدًا ، فأرسل موصيًا : يبدأ الحكيم يومه معتقدًا أن الحظ لن يمنحه شيئاً ليملكه فعلاً ! سينكيا الذي اعتقد أن أقدار الناس إنما بيد آلهةٍ للحظ ، مُصوّرة على هيئة امرأة متقلّبة المزاج، رسالتها الدائمة " مهما كنت عقلانيًا فإنك لن تقدر أن تتحكم بمصيرك " ! ظل يردد أن الفلسفة تحفظ عقلك في أوقات الاضطرابات بواسطة إتقان التشاؤم والارتياح له !
وهكذا... يغدو التشاؤم حزام الأمان الذي ينقذك في الأوقات الحرجة ، يشدك بعيدًا عن الانجراف الأهوج ، عن التعلّق الأحمق بخيطٍ واهٍ . هذا الإيمان لايُلزِم بالضرورة أن يكون التشاؤم هاجسًا وعقيدة ، ومايطلبه فقط أن تصغي مرتاحًا لوسوسته قبل أن تخطو أولى خطواتك نحو تلك العلاقة ، أو التسليم بذاك القرار ، أو الاطمئنان لتلك الصفقة . يأمل التشاؤم أن تتريث قبيل مصافحة الأمل ، أن تظل وفيًا لفراستك ، لحذاقتك ، لذكائك وحاستك السادسة ، أن تشحذ همة أنفك ، تستنهضه ليدرك رائحة الحرائق قبل وقوعها . لكن... يبدو أن التشاؤم مسرفٌ هو الآخر فيما يأمل ! ونافذة اللعنة ستظل مواربة ، توهمك بالانغلاق ، فيما هي تسرب هفهفة الضعف لتدب في أطراف روحك ، تنفث بـ ربما ، ولعل . وقد يكون هذا استثناء ، والحقيقة أنه لا استثناء ، وأن الثابت عبر الزمان هي خطيئة الإنسان التي تأبى الفناء والاندثار . تأبى إلا الظهور كمكوّنٍ أصيلٍ قابلٍ للتكرار .
مهما بلغ صاحبها من شأن ، مهما أوغلت أيامه في المضي ، مهما كدّس من تجارب وخيبات ، لا يملك إلا الخضوع أمام إغراء الأمل ، مديرًا ظهره لحكمة التجارب ، ونصائح المشفقين ، بل وحتى لرجاء حدسه الذي لم يخنه يوما .