الجمعة، 29 سبتمبر 2017


رسالة إلى الدود الذي ينتظرني ...

مرحبًا عزيزاتي اليرقات ، سمعت أن أمهاتكن تضع بيضها في فتحتي أنف الميت ، وحول زوايا فمه وعينيه ، لتبدأ من هناك مسيرتكن في النهش والأكل . آلمني جدًا تخيّل هذا المنظر . أنا التي أنهيت للتو وضع قناعٍ على وجهي ، ومرطبٍ لشفتيّ و حول عينيّ ، وكنت سأضع بعد ساعات خلطًة لتكثيف شعري وزيادة لمعانه . لكني تذكرت أنه بعد خمسة أيامٍ من موتي ، سيتساقط هذا الشعر الذي طالما تباهيت به . الحق أخبركِ أنني شعرت بوحشةٍ لامثيل لها ، أغمضت عينيّ وقد تصدّع كل مابداخلي ، مشفقًا من عبثيةٍ يتعاظم إدراكها يومًا بعد يوم . فكرت للحظة في الانتحار . أن أوقف هذي المهزلة بدلاً من أن أظل في انتظارها كالبلهاء . لكني جبُـنت ، نعم... أنا جبانة جدًا ، لا أقوى على إيذاء نفسي ، صدقيني تمنيت أن أعجّل لكِ وجبتكِ ، بيد أني انتفضت رعبًا بمجرد تخيل منظر الدماء التي ستسيل مني ، وصورة دماغي المهشّم وقد تبعثر فتاته على الأرض . صوت تكسر عظامي لازال يرنّ في أذني ، لا ، لن أفعلها... محال أن أفعل ذلك ، ثم لم العجلة ، أنتِ لن تعيشي طويلاً بعد إلتهامي ، قرأت أنكم بعد التهام جسد الميت تتوجهون لالتهام بعضكم البعض حتى لايبقى منكم أحد. أنتم تشبهوننا نحن العرب في هذا الأمر . نحن أيضًا نأكل بعضنا البعض . لذلك يفرّ الأكراد منا اليوم ، ويطالبون بالاستقلال عنا . هل أخبرتك أن فتى كرديًا أحبني ذات يوم . كان وسيمًا يمتلك عينين خضراوين . كنت في سنتي الجامعية الأولى حين تقدم لخطبتي . لكن شقيقي أصرّ على أنني عربية ولن أتزوج إلا عربيًا مثلي . والدتي واستني قائلة ، أنني سأشكر لهم رفضهم هذا في قابل الأيام ، فالرجل الكردي يابس الراس صعب المراس . بيد أن قلبي تألم كثيرًا في تلك الفترة . لا أعلم كيف ستجرؤين على الاقتراب من قلبي لالتهامه. كيف تفعلين ؟ قلبي منجم حكايا وأسرار . كل خفقةٍ من خفقاته انثنت على بهاءٍ ، لم يتسنّى لجلّ البشر التقاطه . هل تظنين شغاف قلبي مجرد نسيجٍ رقيق . أبدًا أيتها البليدة النهمة . إنه حقل تأوهاتي وهمهمات رغائبي ، ولثغات دهشتي . من أيّ زاويةٍ ستعاجلين قلبي بقضماتكِ ، وفي كل موضعٍ فيه شاهد قصة ، وأثر مغامرة ، وبقايا عطرٍ انسل وأبى المغادرة . يقولون أنه بعد مضي أسبوع على الوفاة ، يتساقط الجلد وتسيل مقلة العين ! أووااه .. ياضياع العمر والمغزى ، ويا لهف نفسي على عينين طالما ساحتا في ملكوت الكون وآفاق الحياة . أهكذا أيتها اليرقات البغيضة ! بكل سهولة تنّـقضين على جوهرتي الرأس وشرفتي الروح ! العينان اللتان جالتا في حقل العمر ، وأطلقتا من جعبة السهام ماأطلقتا ، تمسيان اليوم في مرمى الطعن والإبادة !
شاهدت فيلمًا تعليميًا يتحدث عن فوائد الموت ، ويحصي مضارًا كثيرة على الكون والإنسان فيما لو كان الخلود مصير الكل . لكن ذلك لم يقنعني . هناك أناس ماكان ينبغي لهم أن يموتوا . المعري مثلاً ، كان يجب أن يظل خالدًا نستقي من معين حكمته وفلسفته . أبو نواس أيضًا ، ماكان يليق بالموت اختطافه . تخيلي معي أيتها اليرقات... لكن من أين لكِ فسحة الخيال أيتها القميئة . سأتخيل أنا لوحدي كيف كانت ستغدو الحياة حلوةً لذيذة برفقة هذا المشاغب . ياااه ، كنت سأتمرد على كل القوانين ، وأتسلل كل ليلة من منزلي لأسمر معه . اينشتاين أيضًا كان يجب أن يُخلّد في هذي الحياة . لو أنه مازال موجودًا فمن المؤكد أنه سيجد تلك الأنفاق الدودية التي ستحل لنا الكثير من المعضلات . نعم ، أعرف ماالذي يدور في خلدك أيتها الحقيرة . لست شاعرة ، ولا أديبة أو فيلسوفة ، ولا عالمًة عبقرية كي أستحق الخلود . رغم ذلك أجد نفسي كما الإسلام ، صالحة لكل زمانٍ ومكان ، أستطيع التأقلم مع كل جيل.. صدقيني . ثم أنني عذبة الحديث ، حسنة المظهر ، وقلبي كما المقابر لايرد وافد . أستطيع أن أجد لي حبيبًا في كل عصر ، وأصدقاء من كل جنسٍ وعِرق . روحي شاسعة ، أوسع من الصحراء التي وجدت نفسي فيها . سيفنى أقوام ويأتي آخرون ، وسأظل كالفوت عصيّة على التكرار ، وكما الطاقة مستحيلة الفناء .

أحيطكِ علمًا يا آكلتي ، أنه سيفد إليكِ جسد روحٍ جوّابة ، توقها بعمر الأرض ، وشغفها بلانهائية الكون ، وفيض عاطفتها بحارٌ تعلوها بحار . وهج قلبي الذي ستلتهمين ، سيعبرك ، لن تطفئه أحشاؤك ، ولن تدفنه كل رمال الأرض ، سيتمدد في كل اتجاه ، يخترق السدود ويتجاوز أعالي الجبال ، سينفذ إلى أعماق الكهوف والبحار ، يتسلل إلى قلوب العشاق ، ويستكين في زاوية مسرحٍ ينصت لعذب الألحان . سيهمس لصبيّةٍ تتهيّب الحب أن تقدمي ولاتترددي . سيحيّ الثوار . ويبتهل لأجل التائهين . سيتكيء على القمر يطرب لحداء المشتاقين . ستعتريه النشوة ويتساقط الندى من جنباته ، حبًا ولهيبـًا ، بردًا وسلاما ، شغفًا وسكرة .
والآن . هل علمتِ أيتها الديدان ، أيّ قلبٍ هذا الذي ستلتهمين ؟!

الخميس، 28 سبتمبر 2017


تخيّـروا لقلوبكم ، فما كل حبيبٍ يروي ظمأها !

7/1
.
.
لو قدّر لي أن أعود إلى إحدى سنين عمري الماضيات كي أحياها من جديد ، لاخترت سنتي الأولى في المرحلة الثانوية .
كنت في السادسة عشر من عمري. أخطو للمرة الأولى خارج نطاق حارتنا المتواضعة ، لأدخل أكبر مدرسة حكومية أنشئت في مدينتنا حتى هذا اليوم. مبنى كبير ، بفناء واسع جدًا يحيط بالمدرسة ، فناء لربما استوعب مدرستين إضافيتين . كانت الطالبات يأتين من عدة متوسطات وأحياء متفاوتة . وكان الترتيب المتبع لتوزيع الطالبات في تلك السنة هو بحسب الحروف الأبجدية ، لذا كان فصلي هو الفصل الأخير ، وهناك التقيت للمرة الأولى بـ نجوى الموصلية . هكذا اعتادت الفتيات أن يشرن إليها رغم أن والدها ينتمي للقبائل الحجازية ، لكنها اشتهرت بلقب والدتها الموصلية المنشأ . كما اشتهرت بصخبها وضحكتها العالية وشغبها الذي لايتوقف. وفي 7/1 تعرفت أيضًا إلى نهال الجزائري ، ونوال داغستاني البيضاء ذات العينين الخضراوين ، وهلا النخلي التي ظننتها للوهلة الأولى أفريقية الأصل ، حيث كل أسود اللون أفريقيّ لامحالة حسب اعتقادي . لاحقًا أخبرتني أن النخلي عائلة شيعية كبيرة جدًا تسكن منطقة العوالي . حيث لم أسمع من قبل لا بالعوالي ولا بالشيعة ولا بالنخلي ، ولم أسمع كذلك بـ ببنات القصر .
هند... إحدى بنات القصر المنتسبات للمدرسة ، واللاتي تميّزن بجمالٍ باهٍر لا يُضاهى . لكن هند كانت الأكثر روعة . إنه ذلك الجمال الذي لا تقوى معه على إبعاد ناظريك عن صاحبه ، تراقبه يتحدث فيما أنت لاتعي مايقول ، حيث ذهنك مشغول برصد التفاصيل ، والجمال الذي شق قميصه ، عارضًا نفسه مع كل رمشة عين وحركة شفة وإيماءةٍ و تثنٍ . كانت مفاجأة صادمة لي حين علمت أن بنات القصر تسمين بهذه التسمية نسبًة لأهاليهن الذين يعملون خدمًا في قصر الملك الكائن أعلى الجبل ، وبقية قصور الأمراء ، واستنادًا إلى المثل القائل " يابخت من كان الوزير خاله" فقد بدت بنات القصر أميرات مقارنًة بنا !
أستطيع القول بامتنان أن تلك السنة كانت أسعد أيام عمري، ذلك أن سعادتها ظلت نقيًة ، لم تعكرها_لاحقًا_ قتامة ندم أو طعنة خيبات . لقد كانت وبامتياز سنة الضحك. وأظنني ضحكت إلى الحد الذي استنفدت معه كل حدي الإئتماني من الضحك . وأذكر جيدًا إفسادي لصلاة الظهر التي كنت أؤديها حال عودتي من المدرسة ، حين كنت أستعيد وقائع يومي المدرسي الحافل بالمقالب والمشاغبات ، ثم لا ألبث أنفجر ضحكًا وأنا قائمة و راكعة و ساجدة .
كان من ضمن فصلنا فتاة تعاني عرجًا شديدًا ، ومراعاةً لظروفها فقد تم نقلنا إلى الدور الأول ، حيث طالبات الصف الثالث ثانوي علمي . وتم وضعنا في آخر فصٍل في ذلك الرواق . طالبات تخرج ، وتخصص علمي ، من الطبيعي إذن أن يغرق الرواق في هدوءٍ قاتل ، لم يبدده إلا صخب 7/1 بزعامة الموصلية نجوى . لقد تزعمت نجوى وباقتدار ودون منافسة ، زعامة الشغب ، ليس في فصلنا فقط ، بل في المدرسة كلها ، واستطاع فصلنا بفضل جهودها أن يُمسي على كل لسان ، أشهر من نارٍ على علم . وحتى هند القصر ( هكذا تم اختصار اسمها ، حيث حوى الفصل خمس هنداتٍ أخريات) اضطرت مجبرة على الخضوع لزعامتها ، رغم تأفف غرورها . غرور ربما لمسته معلمة اللغة العربية ، التي أرسلت لامزة ذات يوم : أتعلمين أن هند هو اسم للإبل حين تبلغ المئة من العدد . هند التي لم يرق لها هذا التلميح ، لوت شفتيها بعد أن ضمتهما ، في الوقت الذي تساءلت فيه : أليس من الطبيعي لفتنةٍ مثلها أن ينادمها الغرور ، وفكرت وأنا أتأملها : حين انتهى الله من صنعها كيف لم يصطفيها لتكون ملكًا ، أو خازنًة لأسرار الجمال !
كنا سعداء في حصة الفراغ تلك التي ترِكنا فيها وشأننا ، حيث لم تحضر معلمة لمراقبتنا ، وتجمعت مجموعة من الفتيات حول نادية ، يصلحن لها ثنية غطاء الوجه ، ويدربنها على حركة مثيرة للبس العباءة ، ذلك أن حبيبها سيكون في انتظارها في البقالة القريبة من المدرسة عند الإنصراف. في الوقت الذي توجهت فيه نجوى مع مجموعةٍ أخرى للتسكع في أرجاء المدرسة . ولا أدري أيّ هاجسٍ أغراني بالسير فوق مسار البلاط الأوسط لذاك الرواق ، لأجدني أسير عليه بحذر ، خطوةً إثر خطوة ، وكأنني على حبلٍ معلقٍ في السماء . تلتصق مقدمة حذائي بمؤخرته في استقامةٍ جهدت ألا أميل عنها . وحين كنت أبتعد تدريجيًا عن ضجيج فصلنا ، انتبهت إلى أحد الفصول قد أوصِد بابه ووضع مزلاجٌ له من الخارج . وقبل أن أقترب من نهاية الرواق داهمني شعور غريب ، ألحّ عليّ بضرورة رفع رأسي ، وفعلت.. لأصطدم بسهام الأعين التي كانت تراقبني من فصول الرواق ، ليصبح مسمى هند السحاب ملازمًا لي لعديد سنوات .
قبيل نهاية الحصة عادت نجوى ومجموعتها إلى الفصل مشحوناتٍ بحماسٍ ملتهب وحزمة قهقهات . وبعد رنين الجرس بمايقرب العشر دقائق تعالت طرقات و أصواتٌ غريبة في الرواق . لقد أغلِق باب الفصل إياه بذاك المزلاج ، وحبِست معلمة اللغة العربية وطالباتها داخل الفصل إلى أن تم فتحه لهن من الخارج . قامت قيامة معلمة العربي الصارمة ولم تهدأ . وتوجهت بكل حزمها ونارها نحو الإدارة ، تلتمس من مديرتنا عقابًا صارمًا للصف 7/1 الذي أيقنت بشدة أن لاسواه يجرؤ على تلك الحركة الوقحة ، واقتحمت المديرة بكامل طاقمها فصلنا ، وعاجلتنا دون إبطاء بسيلٍ من التوعدات والتهديدات والتوبيخات . توقفت فجأة، ثم سألت بهدوء ونفاد صبر : من التي أغلقت الباب على ( أبلا) عائشة . ورغم أن نصف الفصل كان يعرف يقينًا الفاعلة ، والنصف الآخر يظن ظنًا مؤكدا ، إلا أن الأمر كان أقرب إلى ميثاق الشرف ، وعهدٍ قطِع دون كلام بأن نظل يدًا واحدة . ومازلت حتى هذا اليوم أتساءل كيف استطاعت تلك المديرة الداهية سبر أغوار أعماقنا ، والتفرس في أرواحنا بكل تلك الحنكة ، لقد أدركت جيدًا نقطة ضعفنا . وكيف تنتزع منا ماتريد . وقفت أمامنا مباشرة ثم أرسلت : حسنًا . التفتت نحو أول طالبة تجلس إلى اليمين : أنتِ... قفي . وماأن وقفت الفتاة حتى عاجلتها : أقسمي أنكِ لستِ الفاعلة. ورددت الصبية القَسم رغم الدهشة العظيمة التي اجتاحتها ، لتطلب من الثانية : والآن أنتِ... أقسمي كما أقسمت زميلتك ، وخيّم وجومٌ ثقيل على الفصل ، وتوجٌس باقتراب حدثٍ مؤسف . وماأن انتهت الفتاة الثانية من قسمها حتى سارعت المديرة توقف طالبًة جديدة وتضيف هذه المرة قسمًا جديدًا بأن صاحبته لاتعرف من الفاعل . وهنا شق الفضاء صوتٌ حادّ مرتبك : أستاذة أرجوكِ توقفي . وتقدمت نجوى : أرجوكِ يكفي ، أنا من أغلقت الباب . وتعلقت أنظارنا وقلوبنا بنجوى التي اقتيدت للخارج . ومضيت إلى المنزل وحيدة لأول مرة ، تاركًة نجوى في انتظار والدتها التي تم استدعاؤها . وفي اليوم التالي تنفسنا الصعداء حين علمنا باقتصار العقوبة على خصٍم من درجات السلوك ، وفصلٍ عن المدرسة لمدة أسبوع .
كانت نجوى عرّابة ثورتي ، وأيقونة التمرد بالنسبة لي ، في حين رأت والدتي أنها ساقية بذرة الانحراف التي آمنت بتأصلها فيّ . وهكذا ، ماأن حلّ اليوم الرابع لغياب نجوى حتى بلغ بي الشوق إليها حدّه ، واحتلت على والدتي كي أخرج من المنزل لأزورها. وفي الوقت الذي ارتفع فيه صوت أذان العشاء كنا نجلس على درجات السلم المؤدي لبيتها ، أرسلت معاتبة : لماذا يانجوى... لماذا فعلتِ ذلك ، لقد كانت المعلمة عائشة تحسن معاملتك ؟ أطرقت قليلاً قبل أن تجيب : الحكمة تقتضي ياهند أن أحتذي بك وأصغي إليك ، لكنني بدلاً من ذلك كنت أصغي لهند القصر
- هند القصر !! وماشأنها في هذا الموضوع ؟!
- لقد كانت هي من دفعني لإسقاط المزلاج ، ظلت تحرضني وتغريني هامسة : الوضع آمن.. هيا ، دعينا نمرغ أنف هذه المتعالية في التراب... هيا أدخِلي المزاج . بل إنني حين ترددت في اللحظة الأخيرة ، ورفعت يدي ، وضعت قبضتها عليها ودفعت المزلاج.
- ماذا ؟! ماذا تقولين ؟! أمسكت بيدك !... وإذن فهي فعليا من أوصدت الباب !
-نعم.
أدركت منذ ذلك اليوم أن تربية أهل القصور لايمكن أن تشابهنا أو تقترب من أرواحنا ، وأنهم مهما أظهروا لك من مسايرٍة وخضوعٍ ولين ، فلست في اعتبارهم إلا فأر تجارب ، وكبش فداء ، وممر عبور .
أَشْتَهي في الغناء بُحّة َ حَلْقٍ ناعم الصَّوتِ مُتْعَبٍ مكدودِ
كأَنينِ المُحِبِّ أضعَفَهُ الشّوقُ فَضَاهَى بهِ أَنينَ العُودِ

الأحد، 24 سبتمبر 2017

إنه أفظع خبر قادر على إفساد يومي !

أن يقضي أحدهم نحبه في زنزانةٍ عربية ، أن يكون آخر ماتقع عليه عيناه صور أعدائه وهم يتشفون به ، ويضحكون لألمه !
لا الموت غرقاً ، ولا حرقاً ، ولا بالبراميل المتفجرة ، ولا بالدبابات أو الصواريخ ، ولا بأي سلاح ، قادر على أن يبلغ بك أعماق الوحشة والعذاب ، والمهانة ، التي توصلك إليها أقبية التعذيب العربية !
أن يزورك الموت كل يومٍ وليلة وما أنت بميت ، أن يُقسّـط لك الوجع جرعات ، حدّاً يفقِدك تأوّه الـ آه ، أن تصرخ طلباً للرحمة ، فتؤخذ الرحمة وتنحر على أطراف قدميك ، أن يفر قلبك إلى أعماقك من شدة الألم ، فتبتسم أملاً في توقفه ، وإذ به يخونك كما كل شئ هنا ، ويعاود نبضاً ماله من داع ، أن يصرخ كلك ، يطلب الفكاك من كلك ، ممن حولك ، من وجه الحياة التي لاتشبه الحياة ، أن تطلب الأنين فلا تقوى أضلعك على التلبية ، أن تتعرف ولأول مرة على أجزاء من جسدك ، تُـطِـلّ ناتئة ، متورمة ، نازفة ، متقطعة ، متقيحة ، أن تصغي ولأول مرة لصوت تكسر عظامك ، واختناق رئتيك ، وحشرجة صدرك ، وانسداد شرايينك وأوردتك ، أن تراقب ملامحك تضيع منك ، حد أنك تتحسسك فتنكرك ، أن تغيب صور أحبتك داخل حجارة هذه الأقبية ، وتختفي أصواتهم تحت رداء جلادك الذي سدّ الأفق ، وحال بينك وبين مساماتٍ تنفذ منها رائحة العالم الخارجي...!
إنها أيقونة الزنزانة العربية !

هناك.... يموت الآخرون وهم يركضون سويا ، يمسكون أيدي أحبتهم ، يسمعون أصوات بعضهم ، الموت هناك دافئ ، تتشبث العيون بالعيون على وعد لقاءٍ قريب ، فيما أنت هنا تموت في الصقيع ، في الضياع ، في غربةٍ مقيتة ، حيث السواد يبتلع كل خيوط الضوء والأمل ، حيث لا وجه إلا للانهاية ، ولا صوت إلا للنداءات القديمة اليائسة ، حيث أحافير الشقاء تحكي قصص رحلاتها المخيفة !
أن تموت هنا ، ذلك يعني أن كل ألوان الكراهية قد احتفلت بك ، الزنزانة تمقتك ، وصاحبها يبغضك ، الجدران تلعنك ، الطعام يكرهك ، الممرات تبصق عليك ، اللحاف المهترئ يسخر من ضعفك ، السقف المسخ يتوعدك بالسقوط ، الأرض في شوقٍ لابتلاعك ، كل ماهنا يلعن وجودك ، يتوق للخلاص منك ، ووحدك تسأل : لماذا ؟ متى كنت عدواً لكل هؤلاء ؟!

أن تموت في سجنٍ عربيّ ، ذلك يعني أنك قد حصلت أخيراً على بطاقة عبور ، على ختم خلاص ، أنك قد دفعت كل ضرائب الإنسانية المستحقة لوجه الطغيان الذي لايشبع ، في حين توهمت أنه قد أتخِم بعد بلعك !
الآن... في منتصف الرحلة بين عالمين تأمل أن يكونا متناقضين ، في هذا البرزخ ، يمكنك أن تهدأ ، أن تُـسـلِم ماتبقى منك للسكينة ، ليس عليك أن تقلق بشأن شئ بعد الآن ، لم يعد هناك ماتخسره.... فقط كن واثقاً أن هذا الغيم الناعم الذي تستلقي عليه ، سيستحيل سعيراً متقدا حين يفد إليه جلادك .

السبت، 23 سبتمبر 2017

من معيري سمعه ، أسكب في سمعه أنّات قلبي المجهدِ !

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى العالم لوحة جمال !  لأصغي لصوت الأمل . لألهث مع سباق الأيام ، بقلبٍ غضٍّ لايتوقف عن الخفقان ..
كنت صغيرةً بما يكفي لأشفق على الجميع ، لأفتح قلبي على مصراعيه ، لأصدّق كل وعود الحب ، كل قصائد الشوق ، وكل نداءات الحنين ، لأبصر وجهاً واحداً لكل من عرفتْ ، لأرى لوناً واحداً لكل الكلام ،  لأتعامى عن ما وراء الأكمة ، بل عن الأكمة ذاتها  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأنكر وجود المتغيّر ، لأتخيّل كل ماحولي ثوابت لها قيمةٌ لاتتبدل ! لأرى القلوب البيضاء ، لا سواها ، لأحسب الأفق بداية مسير ، وميثاق سعادة  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأرى أمي قويةً لاتنكسر ،  لأظن أبي أسطورة الرجال… !!
كانت قدماي ناعمتان ، وكنت أؤمن أنهما ستظلان كذلك ، مادام الطريق الموصل للحلم تزيّنه ألف غيمةٍ بيضاء…
كنت صغيرةً بما يكفي لأخلّد لحظات الجمال ، لأصدق خرافات الوفاء ،  لأوقن أن السلام هو مسك الختام . لأصدق أن المسافة بين الذكاء والسعادة  أقرب من حبل الوريد ، وأن ليس بيني وبين تلك المنعّمة إلا وثيقة التخرج وفرسخي فرحة !
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المحن تصنع الرجال ، وأن الآلام تهذب النفوس ، وأن الصعاب تقويّ العود ، وأن نقشة الذهب الرائعة كانت بفعل الطرقات المتتالية عليه !
كنت صغيرةً بمايكفي لأصدق أن من أطال لحيته فهو آمن ، ومن قصّر ثوبه فهو آمن ، ومن تسوّك فهو آمن ، وأن وحدهم المخيفون هم المقبلون على الحياة  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأعتقد أن جارنا التركي هو من ذات قبيلتنا ، وأن أم سلمان الكشميرية هي جدة أخي الحقيقية ، وأن حنان إنما غسلت شعرها بالكلوركس ليصبح بهذا الشكل  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأدوّن في مذكرات الآخرين اسمي وتاريخ توقيعي ،  لأتوهم أن الحنين عصيّ  على الشيخوخة  ،  مستحيل الفناء  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن الغربة منتجٌ خاصٌ بالمرتحلين ، أولئك المرسومة ملامحهم على الحدود  ، لأردد بإخلاص :  العين بعد فراقها الوطنا لاساكناً ألِفتْ ولا سكنا  !
وكبرت….
كبرت لأدرك أن البقاء لصاحب الوجوه الكثيرة ،  وأن الزوايا هي ملاذ أحاديي الوجه ،  وأن الكلام يتعرّى كل نفاق  ، فلا يتمنّع لمس الأصباغ  !
كبرت لأدرك أن لاثوابت إلا في صدور الغرباء ،  الناصبين خيامهم على حافة الموت  ،  وأن الكلّ متغيرات ، تحمل كل يوم اسماً وخانة  !
كبرت لأفهم الخيبة في عينيّ والدتي ، حين يخيّرنا والدي  نهاية الأسبوع بين دجاجة أو مثلجات.. لأدرك أن حدود مملكة والدي الأسطورة كانت تنتهي  عند عتبة بيتنا  ،  وأن مصنع المحن ينتج بضاعةً " مضروبة " ، وأن الآلام تشوّه الروح ، وأن الصعاب تكسر الظهر  والعود  !
كبرت لأكتشف أن الأقدار كانت خلفي تكتم ضحكةً ساخرة  وهي تراني  أسطّر توقيعي في " أوتجراف " الرفاق  !
كبرت لأدرك أن الفقر سمةٌ وراثية ، وأن هويّة الفقير في عينيه ، وأن ذكاءه إنما لتجميل فقره ، لا لتلويث باحات الأغنياء به ، وأن الفرسخين الفاصلين بيني وبين المنعّمة تكاثرا بفعل حرارة القهر  ، وتعاظما أميالاً بطول الأرض ، وأن وثائق تخرجنا هي للصناديق المغلقة حين عجزت جدراننا المهترئة وقاماتنا الهزيلة عن حملها  .
كبرت لأستمع لتاريخ جارنا التركي البغيض ، الحاقد على العرب ، ولأكتشف أن أم سلمان ليست منّا ولا من قبائلنا ، وأنها إنما قطعت سُرة أخي ورعتْ والدتي في مرضها ، وأن شعر حنان ماهو  إلا باروكة أخفت به عار مرضها  !
كبرت لأكتشف أن للحى الطويلة استخدامات عدة ،  تبدأ بتجارة المخدرات ، مروراً بتسهيل  المعاملات  ، ولا تنتهي عند مسح بلاط  الولاة  ، وأن جارنا الـ بدون لحية مات ساجدًا في صلاة القيام ،  وأن أم أحمد الفاسقة التي كانت تصافح أبو العبد حين تلقاه ، بكتها حجارة الحي قبل أطفاله عند رحيلها  !
كبرت واخشوشنت قدماي الناعمتان ،  ولم يعد يجدي معهما أي مرطب ،  لقد كان الطريق شاقا وطويلا ،  وكلي امتنان أني لم أفقدهما حتى الآن  !
كبرت وتغضّن قلبي الصغير وانكمش ، بات يلمح وجه السماء الباكي آن المطر ، ويرى لساناً هازئاَ يطل من ثنايا قوس قزح  !
كبرت لأتحسس غربتي وضياعي بين وعود الوطن وجدب القلوب  ،  لأجدني أغمس روحي كل ليلة في زحامهم  فلا أرجع إلا بخفيّ توهة  !
كبرت وتفتّق عن حزني ألف طيف ، كلٌ في وادٍ  من الخيبة يعمهون .

الجمعة، 22 سبتمبر 2017

لا إله إلا الله. أنعم به رحيمًا كريما.

.
أفكر أحيانًا أن هذا النفق الطويل من الصمت ، الذي وجدنا أنفسنا فيه ، ليس إلا شعورًا صادقًا ، لم نقف أنا وأنت على حقيقته ، ولم نحاول تبـيـّن ملامحه ، أشعر بقوة أن الذي بيننا هو أعظم من أن نفهمه أو ندركه ، وفي كل مرة أتحسس فيها قلبي ، أجدك أكثر الساكنين فيه هدوءًا وثباتا .

لقد حافظنا على صمتٍ ، أقرب ما يكون إلى الغباء !
كان ذلك هو إعلان العصيان الذي أصدرته مجموعة الدفاع عن مدينة لاباث ، عام١٨٠٩م !


هو خيطٌ رفيع ونقطةٌ فاصلة ، شعرة وضع بها معاوية حجر أساس الدبلوماسية ، فيما التقطها ابن المقفع وصاغ من خلالها حكمته : إنك إن خلطت بالجد هزلاً هجنته ، وإن خلطت بالهزل جداً كدرته !
هي شعرة التردد التي راودت ابن رواحة عن نفسه ، فقطعها بسيفه ومقاله : أقسمت يانفس لتنزلنه... مالي أراك تكرهين الجنة !
منطقة الفراغ بين اللاء والنعم ، البقعة الحائرة بين الضباب والصحو ، التعثر بين الإقدام والإحجام المثقلة بألف ظنٍ وخيال ، تتنازعها أيادي الخوف والرجاء !

وأنت الواقف مابين البين ، تنظر للمصائد ولاتجزم بوجودها ، تموت في حنجرتك كل يومٍ ألوف الكلمات ، تزدرد الغصص ، وتطلق تحت لحاف الليل الصرخات ، أنت القابع في مدينة الثلج ، تتأمل الشوارع واللافتات ، كل عنوان.. شتيمةٌ واتهام ، وفي كل زقاق عينٌ تغمزك ولسانٌ ممدودٌ يسخر منك ، تتابع أخبار الذين غادروا مناطق الصمت وتقضم مؤخرة الوقت ، يحاصرك استنزال ابن رواحة : أقسمت لتنزلنه... لتنزلنه... لتنزلنه... ، يزلزلك صهيل الخيول ، وقرع الطبول ، ونشنشة الدروع ، تمزقك الأوصال المقطعة ، وتخنق صوتك رائحة الدماء ، وينعقد اللسان على آآهٍ حائرة !
أنت الهارب إلى أطراف المنافي ، لن تتذكرك إلا شمس القطب ، تلعنك كل الحدود والمواقف الفصل ، يمقتك البياض والسواد ، ولايؤنس ضياعك إلا يقين الأشباح !

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017


كان يدرك جيدًا مأساة هذي الحياة ، وقدرها المحتوم ، كان يعي أن الفرحة بعشر ترحاتٍ أمثالها ، ويضاعف الحظ البائس لمن يشاء ، كان يعرف كل مخارج التعاسة ، ولم يحاول أن يكون محارب طواحين الهواء... فقط ماتاق إليه ورغبه بكل جوارحه ملاكٌ يخفف عنه وحشة الطريق  !

.


إن الجو المتطرّف برودةً أو حرارة لايصنع مناظرًا جميلة ، فإما جليد وإما قفارٌ حارقة . والإبداع غالبًا بحاجة لجوّ متعادل ، كذاك الذي يصنع المروج الخضراء . وقد يكون لدى الكاتب بركان كتابة ، لكن الحياة تضرب على روحه قشرًة صخريّةً صلبة ، تخنقه ليتوارى إبداعه احتقانًا داخليا ، حتى إذا ما صالحته الحياة ، لانت تلك القشرة ، ونفذ منها ما يصنع شفقًا يسلب الألباب ويعيد صياغة الحياة ، وهكذا يكون الإنتاج الإنساني الواقع تحت نيّر الحاجات الملحّة . وفي ذلك يقول المنفلوطي : وما نبغ النابغون فلاسفًة و علماء وحكماء وأدباء إلا في مهود الفقر وجحور الإملاق.
ومن الخلق من هو مهيأ بعوامل إبداعٍ كامنةٍ فيه ، أشبه بالجمل الذي يشرب من سنامه ، أبدًا مايظل سلطان البيئة عليه ضئيل. بعكس الآخر الذي هو كنباتات الزينة ، سريعًا ما ذبلت عند أول ضربة شمس ، وانكسرت عند أول لطمة ريح.

كل مافي الأمر أننا التقينا في ذات اللحظة التي أطلق فيها القطار نداء المغادرة...
كانت روعتك حقيقية أكثر من قدرتي على التصديق ، وماأن لمستُ عيبك البشري ، حتى سارعت أضعه تحت المجهر ، أكبّره وأمدده ذات اليمين وذات الشمال... كان من السهل حينها أن أعطيك ظهري وأقفز نحو القطار ، منتشية بوهم انتصار ، مربتة على قلبي أن بوركت، قد تجاوزتْ الامتحان ، وليس العابر إلا كما غيره... سريعاً ماسيطويه النسيان .  
يوم يومان ، محطة ومحطتان... وجوه عديدة وعابرون بعدد الرمال... ووحده وجهك يتبدى وسط الزحام ، وحده صوتك يطغى على أكاذيبي وحيلي التي لم تنطلي على قلبي وما جاوزتْ له عتبة شغاف.. أدس روحي بين كثبان الأيام ، أوغل في نفق التشاغل ، لأصطدم في نهايته بحقيقة أن كلماتي الأولى لك ، تلك التي اجتهدتْ في التزيّن وعجلت إليك لترضى كانت الأصدق ، وكان صوت روحي فيها أعلى سهمًا من صوت فمي...
كان يمكن لكل شيء أن يزول ويفنى من ذاكرتي  ، إلا صوت أنفاسك ونداء عينيك ، كانت إطالة التحديق في عينيك خيارًا ملحّا ، ورغبةً طاغية ،  تلذذتُ بسكرتها المدوّخة وعمرها الـ أقصر من حلم يائس...
ماأقسى أن تحدق في عينين تحبهما فيما أنت موقن بفراقهما .

لست أدري عند أيّ محطة خيبة أضعتني !
أذكر أني ذات أمل كنت أتوق للحب ، كنت أؤمن به، أصدقه... كنت أرى المنكرين له تماثيل محنّطة لاتعي ولا تفقه... كنت أرى العالم أصغر من أحلامي ، وأضيق من خيالاتي..
لم أصدق أن في البشر من يقوى على الأذيّة ، كل الوجوه بدت لي ذات مسحةٍ ملائكيّة .
كنت ألمح الجمال في كل التفاتة ، أذكر أني ذات ليلةٍ حالمة ، سهرت أتأمل خيوط القمر المنسابة على وسادتي ، وشعرت وكأنها صورة هاربة من روايةٍ خيالية . كان قلبي شفافًا ، صغيرًا... هشّا !
اليوم... أبحث عنه فأصطدم بالوجوه القديمة ويرعبني تشوهها ، أفتش عنه فتربكني ابتسامات التماثيل المحنّطة الساخرة. عبثًا أدور وأنقّب فلا أجد إلا خيوط القمر الذابلة.. الوسادة القديمة انتهت ، ولم تتبقى إلا الرواية الخيالية .

كان والدي رحمه الله يمنعنا من قلي السمك في البيت إن كانت كميته قليلة لاتكفي لاقتسامه مع جيراننا ، يقول : السمك رائحته قوية ، كيف تصل لجيراننا الرائحة ثم لايطعمون منه . فإن وجد رغبة قوية من إخوتي في أكله ، تناوله وتوجه به لأحد المحال لقليه ، وعاد به ملفوفًا في سبعين ألف ورقة. هذا مع أن جيراننا لم يكونوا فقراء معدومي الحال . لكن كان هذا مما تعارف عليه الناس آنذاك ، وحين تطبخ إحدى الجارات ملوخية ، ثم " تقدح" رائحة "كشنة" الثوم مع الزيت في الحارة ، فلابد أن يُمرر لكل الجيران صحن ولو بحجم الكف منها .
اليوم . مع إيقاع السناب وحمى الاستعراض ، وانقطاع الروائح الأصيلة ، بات الرهان على من هو الأشد أذيةً وقهرا . وكأنه لايكفي قهر حكامنا لنا ، فتعاونا على بعضنا استعلاءً وتجبرا . لن تروا فقط طعامنا الوافر ، وموائدنا العامرة ، بل سنأخذكم إلى غرفنا الجميلة ، وألحفنا الدافئة ، ودواليبنا المتخمة ، ومجوهراتنا الثمينة ، وحفلاتنا الصاخبة ، سنتلذذ على مرأى ومسمع منكم بالمثلجات الباردة في عز الصيف ، وبالمشروبات الساخنة في أحلى إطلالة . ستسمعون ضحكاتنا . وتشاهدون اجتماعاتنا العائلية. وأصدقاءنا الرائعين ، سنصور لكم حتى هداياهم لنا في أعيادنا وأفراحنا ، وليالينا الملاح التي لاتنتهي... أنتم ، أنتم المعدمون ، أنت ياصاحب البيت المتهالك ، أنتِ يا ذات الفستانيْن ، وأنت المحروم من العافية ، وأنتِ الـ بلا عائلة ، أنتم البسطاء رغمًا عن الأنف ، الزاهدون دون خيار ، المتخففون بفعل سياط الدهر .
كانوا يقولون بأن البشرية قد تنتهي بفعل قنبلة نووية ، هيدروجينية ، كيماوية . نعم سنفنى ، سننتهي ، لكن ليس بأثر قنبلة أو سلاح آلي . ما سيفنينا هي قنبلة الجنون ، السعار البشري المتعطش للاستعلاء والظهور ، للارتقاء على أرواح البشر ، لعقد المشانق للمسالمين ، المستكينين في دورهم هادئين . نحن على الطريق السليم نحو الهاوية . الحمد للمولى . في الشرق الأوسط قمنا بدورنا على أتم وجه ، ماعجزت عنه الحروب ومعارك الطائفية ، توليناه بوسائل "القهر" الاجتماعية . وأما الغرب فهم في سباقٍ جيد مع الزمن لإيصالنا للوحل ، زواج المثليين ، والتصريح بممارسة الجنس مع البهائم ، وقريبا جنس المحارم ....
المجد للخراب. المجد للفناء . المجد لهذي الأرض البوار. لهذا الكون دوننا ، لابد أن نفنى عن بكرة أبينا ، لربما نبت من بقايانا من هو خيرٌ منا . بل لا أمل يلوح إلا عبر هذه الصورة .

وحين اتجهت بنظرها صوب مغيب الشمس ، سمعته يهمس :
- لماذا أشعر أن قلبكِ عصيّ على الحب؟
تأملت عينيه وأرسلت :
- قلت لي ذات يوم أنك تضعني في منزلةٍ أرفع من الصداقة وأدنى من الحب ، ومذ علمتُ قدري لم أجرؤ على مبارحة خانتي ،  ولو أنك تقدمت شبرًا لسبقتك ذراعاً ، ولو أعليتني شعرةً لوهبتك فوق العمر عمرًا !.

.

مقولة أن الأديب قد نضب معينه ، فقدَ قدرته وبات يكرر نفسه ؛ مقولة خاطئة ، تنفي مبتدأها ، من حيث أن المعني بها لم يكن أديبًا من الأساس . لايمكن لمن امتلك الموهبة أن يفقدها . هذا محال . مايحدث هو أن وهج الأديب يخبو ويخفت بسبب فقدانه للدافع ، للحماس ، لما يثيره و يربكه ويشتته... نعم ، السكون لايناسب الأديب ، والاكتفاء يلجم توقه وإبداعه ، وهاهما سيدا الشعر والحكمة والفلسفة ( المتنبي والمعري) صنعت لهما الأقدار حاجة ، لتجلي في مرآة نفسيهما الناصعة صور حاجاتنا البكماء . وماقيل عن أن كل ذي عاهةٍ جبار يؤكد أن الثغرات الروحية قد تكون مخارج للإبداع . وقد يصنع الحرمان مما في أيدي الطين أرواحًا تشرئب لما في غيب السماء ، ولو امتلأت أيدي الأدباء مما في أيدي المترفين لما وجدوا وقتًا للبحث عن الجمال في فتافت الحروف و زوايا الصور .
وكما يظهر الجفاف على أديم الجسد ، يظهر قرينه على أديم الروح ، حين يبخل الكون بغيثٍ تزهر به جنة الأديب . إما ذاك وإما فهو لايعدو عن كونه سارقًا. والسارق لايكتب إلا في ظل المسروق ، وتحت شمعة فكره ، فلا تأتي كلماته إلا بظل سيدها الحقيقي . وليس إلا الأديب الحق من يستحضر المرارات التي أصبحت جزءً من طاقةٍ أحفورية . ليس إلا هو من يجيد غرز إبرته من ثوبٍ إلى ثوب ، رغم تباعد الأقمشة ، ليحيك منها في النهاية ثوبًا قشيبا.
الأديب جوّاب آفاق ، ينهب أطراف فكرته من حواف السماوات ، يخط ملاك موهبته النور في وجدانه ، لتخرج حروفه لنا بيضاء من غير سوء تشع فتنةً وهداية !
الأدباء واسعو مدى التردد بين الأطياف ، يقرأون ما لم يكتب في السطور ، ويسمعون مالم تنطق به الشفاه ، يتخطون مدنهم والأقدار والحدود ، يصغون لصوتٍ من أعماق المدى ، على ترددٍ مرسل لهم لا لغيرهم .
ليس معينهم من ينضب ، ولا خيالهم من يتبخر ، ولا لغتهم من تشيخ ، ولا سحرهم من يزول ، هي استراحة محارب. قد يوافيه الأجل وهو يهمّ بمغادرة الظل . لكنه لن يفعل إلا وقد بث الكون حنينه وعوالج نفسه ، تلمع نجمة ، ويعوي ذئب ، وتظل تدوي الريح ، تبذر بصماته في الحقول ، وتنشر آهاته على الطرقات وبين الجفون.



يشبه الأمر استيقاظي كل ليلة ، أبحث عن أقمار أضعتها ، حين تكدست قناديل الشوارع ؛
يشبه الأمر نداءاً خفيا ، أصيخ السمع له ، وأسير في أثره ، لأجد أحلامي القديمة قد مسها الضر والهزال ، أمد يد العون لها ، فإذ بها تأكل قلبي ، ثم لا تلعق أصابع الذكرى  ؛
يشبه الأمر فراغاً لايمتلئ ، وشوقاً لاينضب ، وتوقاً لا يعرف انطفاء  !


أن أراك تبتعد.... ماذا يعني ذلك !
أنت الذي لم تكن لي يوماً ، ولم أكن لسواك أبدا ، أنت الذي لمحتك في عيون الكلّ ، وحين عثرت عليك ، استطال ظلك كي أبقى معلقةً مابينه وبين خطاك التي غابت في الضباب ، أنا التي ظنّت أنها حين تجدك ستفقأ عين الخيبات ، وإذ بك وعلى سبيل الوجع تمسي أعظم خيباتي  !

يشبه الأمر جراحي القديمة تظل تئن تحت لحاف اندمالها ، وأظل أحتال حتى لاتسيل دماؤها ؛
يشبه الأمر سفري الطويل نحوي ، بعيداً عن محيطي ، ودون إذنٍ من واقعي ، أن أظل أنقب عن شئ لا أعرفه ، عن شبحٍ لم يره سواي ، وأسطورةٍ لم يؤمن بها غيري  !
إنه الضياع... حين أنكر واقعي  ، وتجحدني أحلامي ، فلا تحملني خطى ، ولا أجد رغبةً في الاستمرار  !

أن يهز صدى الأنين أضلعي ، حتى لا أقوى على تناول الأنفاس ، أن تؤرقني كل هذي الأحداث والأطياف ، أن أشعر دوماً أني سرِقت ، وأكيل الاتهامات لكل من عبر حقولي ، أو مرّ بسياج روحي   ؛
حين أظل أحدّق في خرائطي القديمة التي تجاوزتها جغرافيا الكون  ، ذلك يعني أني خسرت  ،  تلجمني الدهشة ، ويمنعني كبريائي من أن أرفع راية الاستسلام   !

أن يظل بعضي يركض خلفي ، ثم لا أدرك إلا الفوت  !
أن أصل دوماً بعد تفرّق الجمع ، وتوقف المطر  ، أن لا أجد في استقبالي إلا المحطات الفارغة ، و أثراً من تلويح ؛
أن أقف... أدير وجهي نحو الماضي ، علّني أقع على تعويذتي ، أو أعثر على ما وقع مني ، وإذ بشئ سريعٍ يمرني  ، يلفح  وجهي ، يخطف أنفاسي وبصري  ، حتى إذا ما غادرني  ، تبيـّنـته ، فإذ هو أيامي وعمري   !

يشبه الأمر أن أكون أنا في كل زمانٍ ومكانٍ قُيّد بإسمي  ، ويصدف أنّي لا أشبهني   !

الذي حدث ، أنني أمضيت فترة استيقاظ أحاسيسي ، وتفـتـح رغائبي  ، وتوهجي ، في بيئةٍ جدباء ، شهباء ، قاسية ، لاتعرف الحب ، ولا تتقن فك رموز الجمال ، تضيق ذرعاً بكل انطلاقة  ، وترتاب في كل آهة ، تنكر الشغف ، وتقص أجنحة التوق والأحلام المتوثبة  !
وهاأنذا اليوم ، قد فتحت لي الدنيا أبوابها ، مال ، حرية ، وبدن موفور العافية ، أحاول تهجئة السبيل ومامن فائدة  ، قد جفت منابعي ، وتيبست أغصان اللهفة ، فلا رغبة ، ولا إرادة  ، لي قلبٌ اليوم لايجرؤ على المناوشة ، ولا يطلب إلا العزلة والسلامة  !

فحذار أن تتركوا زهرة أيامكم تتفتح وسط الخرائب  ، حذار أن تتقد عواطفكم في فراغٍ مسلوب الهواء  ، حذار أن تختنق أحلامكم في قبضة من لايحسن البسط والتسامح  !
حذار من القيد ، من التردد ، من مخافة اللوم ، من زيارات الندم في الليالي الحالكة  .

وكبدويةٍ قادمةٍ من الصحراء ، لم يكن من السهل عليّ تجاوز ذينك العاشقين اللذين التصقا ببعضهما عناقًا وتقبيلا ، تسمّرت لثوانٍ أرقبهما ، أتأمل الهيام الذي أحاطهما ، واللهيب الأذابهما ، أنا الآتية من بلاد المحجب والمقدس والممنوع ، حيث الجدران تنبّـه : إياك والتدخين ، أنت في مدينة الرسول . حيث الأصوات تعلو : اتقِ الله ياأمة الله "غطي وجهك" . حيث أسير ، أستشعر رمل الأرض يهمس : خفف الوطء ، إنما أديمي أجساد المهاجرين و الأنصار ، وعبر الأثير صوت طلال : في موطني بزغت نجوم نبيهِ ، والمخلصون استشهدوا في حماهُ . أنا التي تلقيت لكمةً على عيني ، حين وضعت الكحل فيها لأول مرة ، وخرجت أطلب الغزل ، لا شيء سوى الغزل ، كلمة إعجابٍ صغيرة من أحمقٍ عابر ، سينهار أمام كيسٍ أسود في أعلاه ثقبان يبرقان ، لكنها كلمة كانت كفيلة بأن تبلل ريق القلب الناشف حد التشقق . وظللت أمشي الهوينا ، خطواتي إلى الأمام ، وعيناي على العاشقين ، هما على حالهما وأنا أمضي.. أتقدم... تمر الثانية تلو الأخرى ، وهما مازالا في سكرتهما ، جاوزتهما ، هما المقابلان لي على الشارع الموازي تحت ذلك البنك ، وموظفوا البنوك في مدينتي كانوا لايُزوجون ، لأن مالهم سحتٌ وحرام ، وبحسب فتوى ابن باز في الثمانينات " لو كنتَ في يومٍ قائظ وعليك أشد حمى ، ولم تجد إلا ظل بنك فلا تستظل به " ! وأنا هنا وتحت ظل البنك عاشقان يتبادلان الغرام . أصبحا خلفي ، جسدي يتقدم ، وعيناي حيث هما . قدماي تنهبان الأرض ، وقبلاتهما تنهب قلبي . وسرت القشعريرة في جسدي ، حرارةٌ فبرودة ، رجفةٌ فغثيان ، غيرةٌ فألم . ورأيت القبضة التي امتدت لعيني ذات رغبة ، تعاود عقابها بعلة الزنا هذه المرة ، زنا العين ، جُرم تأمل فعل الحب. نظرت مجددًا .. ياإلهي، متى يتوقفان . هل هما جادان. ألا يخجلان . شعرت حينها بأنني مذنبة. كيف ولماذا ، لست أدري ، كل ماأدريه أنني مطالبة بالاعتذار . وتخلصت أخيرًا منهما ، وإذ بي أمامي في مقهى باردٍ بعيد ، حيث الضباب وبخار القهوة والأحلام ، أسألني بدهشة : أعتذر ممن ، ولماذا ؟ أعتذر عن جرأتهما أم عن غرابتي ، أعتذر منهما أم مني ، أعتذر للحياة ، أم هي من يتوجب عليها طلب الصفح مني . لربما كان يكفي أن أقول أنني قادمة من المدينة المقدسة ، حيث الخندق القديم باقٍ ويتمدد . سيدرك الجميع حينها سر تخبطي ، وأيّ حصنٍ عظيم ذاك الذي يسيّجنا . نحن الـ" مامثلنا بهالدنيا بلد" لسان حالنا : لن تصلوا إلينا . لن تتمكنوا منّـا ، مابيننا وبينكم ليس فقط بوارج وصواريخ تُصنّع ، ولا أدوية وعقاقير تعَد ، ولا معامل ومصانع ، وموسيقى وفنون ، ولا مسافاتٍ ضوئية من اختراعات واكتشافات ونظريات ، لا لا ، مابيننا وبينكم أمدٌ أبسط و أعمق ؛ قلبٌ يخفق دون خوف ، ولسانٌ ينطق دون قيد ، وحبٌ ينمو دون سحق !

استيقظت على صوت والدتي :
- هيا... أريد أن أصلي في الحرم.
- لاحول ولاقوة إلا بالله (قلتها في سري). أمي أرجوكِ ، هذا ليس الوقت المناسب لزيارة الحرم . المنطقة المركزية تعج بالحجاج. أرجوكِ .
- عهدي بالحرم في صلاة المشهد. اشتقت له. إما أن تأخذيني إليه وإلا سوف أطلب سيارة أجرة.
- حسنًا، حسنًا. يننعننن دي اتخفو ام تيت الدنيا اسخفوس اتبتتت أشلؤؤؤ..
توجهنا إلى الحرم في هذه الأجواء الـ ولا أروع ، حيث قطرات الندى.. أقصد العرق ، تظل تقطر وتقطر وتقطر حتى تمسي نهرًا جارفًا تغرق فيه ، ثم تختنق برائحة الأنهار المتدفقة من الأجساد المجاورة . فلا تبلغ الحرم إلا وقد بلغت روحك حنجرتك ، ودخلتَ في غيبوبةٍ شمسية أنستك اسمك ورسمك ويوم مولدك . وفي الوقت الذي توجهتْ فيه والدتي للعبادة، كنت أتأمل بنيان المسجد ، أعمدته، رخام أرضيته ، صلابة جدرانه ، قوة إنشائه ،  وتذكرت تلك الموعظة التي انتشرت في وقتٍ ما ، أجزم اليوم أن مبتدعها أحد اللصوص الذين تعج بهم أراضينا !
تقول الموعظة  : أن المتأمّل في كنائس الغرب، سيلحظ قوةً عجيبةً في بنيانها ، مهما امتد الزمن بها تظل صامدًة  دون تشققٍ  أو تصدّع  ، وذلك عكس مايحدث لمساجد المسلمين ، التي سريعًا ماينال العطب جدرانها ، ويسري التصدّع في سائر أرجائها ،  ويكون  الزوال  مآلها ،  إن لم ينقذها ترميمٌ يرفق بحالها  ،  وماذلك إلا _ بحسب فتيا اللص_  لقوة الآذان المتردد بين جنباتها ،  والذي تخشع له الجمادات قبل الأفئدة  ،  وتهتز له الأعمدة قبل القلوب ،  وتئن لوقعه الجدران  قبل الأرواح  ، ثم يورِد المحتال دليلاً  يؤيد حجته ، ويردد بمسكنٍة وتذلل ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ  لرأيته خاشعاً متصدّعًا من خشية الله  )   !
وطبعًا ، عشرات " الله أكبر" صدحت بها حناجر المتقين حينها ، ومئات ال "سبحان الله" لهجت بها ألسنة الموحدين المشدوهين ، و عدد الرمال " لاإله إلا الله" ضجت بها جنبات المسجد المتهالك ، المشرف على الترميم ! وكأن الذي يُتلى في الحرم النبوي ليس ذات القرآن الذي تصدعت له جدران بقية المساجد !!!
هذا هو الحال عندما يكون الدين مطيّة اللصوص . تمسي الجدران صلبًة أو هشة بمقدار موعظة لاتعدو عن كونها " افتح ياسمسم " لعلي بابا وبقية اللصوص .

7/1
.
.
لو قدّر لي أن أعود إلى إحدى سنين عمري الماضيات كي أحياها من جديد ، لاخترت سنتي الأولى في المرحلة الثانوية .
كنت في السادسة عشر من عمري. أخطو للمرة الأولى خارج نطاق حارتنا المتواضعة ، لأدخل أكبر مدرسة حكومية أنشئت في مدينتنا حتى هذا اليوم. مبنى كبير ، بفناء واسع جدًا يحيط بالمدرسة ، فناء لربما استوعب مدرستين إضافيتين . كانت الطالبات يأتين من عدة متوسطات وأحياء متفاوتة . وكان الترتيب المتبع لتوزيع الطالبات في تلك السنة هو بحسب الحروف الأبجدية ، لذا كان فصلي هو الفصل الأخير ، وهناك التقيت للمرة الأولى بـ نجوى الموصلية . هكذا اعتادت الفتيات أن يشرن إليها رغم أن والدها ينتمي للقبائل الحجازية ، لكنها اشتهرت بلقب والدتها الموصلية المنشأ . كما اشتهرت بصخبها وضحكتها العالية وشغبها الذي لايتوقف. وفي 7/1 تعرفت أيضًا إلى نهال الجزائري ، ونوال داغستاني البيضاء ذات العينين الخضراوين ، وهلا النخلي التي ظننتها للوهلة الأولى أفريقية الأصل ، حيث كل أسود اللون أفريقيّ لامحالة حسب اعتقادي . لاحقًا أخبرتني أن النخلي عائلة شيعية كبيرة جدًا تسكن منطقة العوالي . حيث لم أسمع من قبل لا بالعوالي ولا بالشيعة ولا بالنخلي ، ولم أسمع كذلك بـ ببنات القصر .
هند... إحدى بنات القصر المنتسبات للمدرسة ، واللاتي تميّزن بجمالٍ باهٍر لا يُضاهى . لكن هند كانت الأكثر روعة . إنه ذلك الجمال الذي لا تقو معه على إبعاد ناظريك عن صاحبه ، تراقبه يتحدث فيما أنت لاتعي مايقول ، حيث ذهنك مشغول برصد التفاصيل ، والجمال الذي شق قميصه ، عارضًا نفسه مع كل رمشة عين وحركة شفة وإيماءةٍ و تثنٍ . كانت مفاجأة صادمة لي حين علمت أن بنات القصر تسمين بهذه التسمية نسبًة لأهاليهن الذين يعملون خدمًا في قصر الملك الكائن أعلى الجبل ، وبقية قصور الأمراء ، واستنادًا إلى المثل القائل " يابخت من كان الوزير خاله" فقد بدت بنات القصر أميرات مقارنًة بنا !
أستطيع القول بامتنان أن تلك السنة كانت أسعد أيام عمري، ذلك أن سعادتها ظلت نقيًة ، لم تعكرها_لاحقًا_ قتامة ندم أو طعنة خيبات . لقد كانت وبامتياز سنة الضحك. وأظنني ضحكت إلى الحد الذي استنفدت معه كل حدي الإئتماني من الضحك . وأذكر جيدًا إفسادي لصلاة الظهر التي كنت أؤديها حال عودتي من المدرسة ، حين كنت أستعيد وقائع يومي المدرسي الحافل بالمقالب والمشاغبات ، ثم لا ألبث أنفجر ضحكًا وأنا قائمة و راكعة و ساجدة .
كان من ضمن فصلنا فتاة تعاني عرجًا شديدًا ، ومراعاةً لظروفها فقد تم نقلنا إلى الدور الأول ، حيث طالبات الصف الثالث ثانوي علمي . وتم وضعنا في آخر فصٍل في ذلك الرواق . طالبات تخرج ، وتخصص علمي ، من الطبيعي إذن أن يغرق الرواق في هدوءٍ قاتل ، لم يبدده إلا صخب 7/1 بزعامة الموصلية نجوى . لقد تزعمت نجوى وباقتدار ودون منافسة ، زعامة الشغب ، ليس في فصلنا فقط ، بل في المدرسة كلها ، واستطاع فصلنا بفضل جهودها أن يُمسي على كل لسان ، أشهر من نارٍ على علم . وحتى هند القصر ( هكذا تم اختصار اسمها ، حيث حوى الفصل خمس هنداتٍ أخريات) اضطرت مجبرة على الخضوع لزعامتها ، رغم تأفف غرورها . غرور ربما لمسته معلمة اللغة العربية ، التي أرسلت لامزة ذات يوم : أتعلمين أن هند هو اسم للإبل حين تبلغ المئة من العدد . هند التي لم يرق لها هذا التلميح ، لوت شفتيها بعد أن ضمتهما ، في الوقت الذي تساءلت فيه : أليس من الطبيعي لفتنةٍ مثلها أن ينادمها الغرور ، وفكرت وأنا أتأملها : حين انتهى الله من صنعها كيف لم يصطفيها لتكون ملكًا ، أو خازنًة لأسرار الجمال !
كنا سعداء في حصة الفراغ تلك التي ترِكنا فيها وشأننا ، حيث لم تحضر معلمة لمراقبتنا ، وتجمعت مجموعة من الفتيات حول نادية ، يصلحن لها ثنية غطاء الوجه ، ويدربنها على حركة مثيرة للبس العباءة ، ذلك أن حبيبها سيكون في انتظارها في البقالة القريبة من المدرسة عند الإنصراف. في الوقت الذي توجهت فيه نجوى مع مجموعةٍ أخرى للتسكع في أرجاء المدرسة . ولا أدري أيّ هاجسٍ أغراني بالسير فوق مسار البلاط الأوسط لذاك الرواق ، لأجدني أسير عليه بحذر ، خطوةً إثر خطوة ، وكأنني على حبلٍ معلقٍ في السماء . تلتصق مقدمة حذائي بمؤخرته في استقامةٍ جهدت ألا أميل عنها . وحين كنت أبتعد تدريجيًا عن ضجيج فصلنا ، انتبهت إلى أحد الفصول قد أوصِد بابه ووضع مزلاجٌ له من الخارج . وقبل أن أقترب من نهاية الرواق داهمني شعور غريب ، ألحّ عليّ بضرورة رفع رأسي ، وفعلت.. لأصطدم بسهام الأعين التي كانت تراقبني من فصول الرواق ، ليصبح مسمى هند السحاب ملازمًا لي لعديد سنوات .
قبيل نهاية الحصة عادت نجوى ومجموعتها إلى الفصل مشحوناتٍ بحماسٍ ملتهب وحزمة قهقهات . وبعد رنين الجرس بمايقرب العشر دقائق تعالت طرقات و أصواتٌ غريبة في الرواق . لقد أغلِق باب الفصل إياه بذاك المزلاج ، وحبِست معلمة اللغة العربية وطالباتها داخل الفصل إلى أن تم فتحه لهن من الخارج . قامت قيامة معلمة العربي الصارمة ولم تهدأ . وتوجهت بكل حزمها ونارها نحو الإدارة ، تلتمس من مديرتنا عقابًا صارمًا للصف 7/1 الذي أيقنت بشدة أن لاسواه يجرؤ على تلك الحركة الوقحة ، واقتحمت المديرة بكامل طاقمها فصلنا ، وعاجلتنا دون إبطاء بسيلٍ من التوعدات والتهديدات والتوبيخات . توقفت فجأة، ثم سألت بهدوء ونفاد صبر : من التي أغلقت الباب على ( أبلا) عائشة . ورغم أن نصف الفصل كان يعرف يقينًا الفاعلة ، والنصف الآخر يظن ظنًا مؤكدا ، إلا أن الأمر كان أقرب إلى ميثاق الشرف ، وعهدٍ قطِع دون كلام بأن نظل يدًا واحدة . ومازلت حتى هذا اليوم أتساءل كيف استطاعت تلك المديرة الداهية سبر أغوار أعماقنا ، والتفرس في أرواحنا بكل تلك الحنكة ، لقد أدركت جيدًا نقطة ضعفنا . وكيف تنتزع منا ماتريد . وقفت أمامنا مباشرة ثم أرسلت : حسنًا . التفتت نحو أول طالبة تجلس إلى اليمين : أنتِ... قفي . وماأن وقفت الفتاة حتى عاجلتها : أقسمي أنكِ لستِ الفاعلة. ورددت الصبية القَسم رغم الدهشة العظيمة التي اجتاحتها ، لتطلب من الثانية : والآن أنتِ... أقسمي كما أقسمت زميلتك ، وخيّم وجومٌ ثقيل على الفصل ، وتوجٌس باقتراب حدثٍ مؤسف . وماأن انتهت الفتاة الثانية من قسمها حتى سارعت المديرة توقف طالبًة جديدة وتضيف هذه المرة قسمًا جديدًا بأن صاحبته لاتعرف من الفاعل . وهنا شق الفضاء صوتٌ حادّ مرتبك : أستاذة أرجوكِ توقفي . وتقدمت نجوى : أرجوكِ يكفي ، أنا من أغلقت الباب . وتعلقت أنظارنا وقلوبنا بنجوى التي اقتيدت للخارج . ومضيت إلى المنزل وحيدة لأول مرة تاركًة نجوى في انتظار والدتها التي تم استدعاؤها . وفي اليوم التالي تنفسنا الصعداء حين علمنا باقتصار العقوبة على خصٍم من درجات السلوك ، وفصلٍ عن المدرسة لمدة أسبوع .
كانت نجوى عرّابة ثورتي ، وأيقونة التمرد بالنسبة لي ، في حين رأت والدتي أنها ساقية بذرة الانحراف التي آمنت بتأصلها فيّ . وهكذا ، ماأن حلّ اليوم الرابع لغياب نجوى حتى بلغ بي الشوق إليها حدّه ، واحتلت على والدتي كي أخرج من المنزل لأزورها. وفي الوقت الذي ارتفع فيه صوت أذان العشاء كنا نجلس على درجات السلم المؤدي لبيتها ، أرسلت معاتبة : لماذا يانجوى... لماذا فعلتِ ذلك ، لقد كانت المعلمة عائشة تحسن معاملتك ؟ أطرقت قليلاً قبل أن تجيب : الحكمة تقتضي ياهند أن أحتذي بك وأصغي إليك ، لكنني بدلاً من ذلك كنت أصغي لهند القصر
- هند القصر !! وماشأنها في هذا الموضوع ؟!
- لقد كانت هي من دفعني لإسقاط المزلاج ، ظلت تحرضني وتغريني هامسة : الوضع آمن.. هيا ، دعينا نمرغ أنف هذه المتعالية في التراب... هيا أدخِلي المزاج . بل إنني حين ترددت في اللحظة الأخيرة ، ورفعت يدي ، وضعت قبضتها عليها ودفعت المزلاج.
- ماذا ؟! ماذا تقولين ؟! أمسكت بيدك !... وإذن فهي فعليا من أوصدت الباب !
-نعم.
أدركت منذ ذلك اليوم أن تربية أهل القصور لايمكن أن تشابهنا أو تقترب من أرواحنا ، وأنهم مهما أظهروا لك من مسايرٍة وخضوعٍ ولين ، فلست في اعتبارهم إلا فأر تجارب ، وكبش فداء ، وممر عبور .