الأحد، 31 ديسمبر 2017


بالنسبة لي ، الأصعب من مرحلة الحمل والولادة مرحلة مابعد الوضع ، كما أن مرحلة التعافي والنقاهة أقسى وطأةً وظلمة من مرحلة شدة المرض . ربما لأن الإنسان في ذلك الطور ينشغل بكل حواسه ليواجه الألم والموت ، يستنفر كل دفاعات جسده المادية والذهنية كي ينجو ، فلا ينتبه لأي كدماتٍ وجروح وتشوهات قد تصيبه في حربه المصيرية تلك . وقد عبر القرآن عن هذه الحالة في قصة النبي يونس ، في الآية الكريمة ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم) وسقيم تعني ضعيف ، كهيئة الصبي المنفوس ، والفرخ ليس له ريش !
حينها فقط ، تبدأ بتحسس جروحك ، وإحصاء خسائرك ، وتقييم وضعك . تعاود الحياة من حولك المسير فيما أنت منهكٌ هزيل . مضطر لأن تزدرد مع قوتك أوجاعك ، لتعاود تلقيم بدنك وروحك . تشرق الشمس ، تغيب الشمس ، فيما أنت قابعٌ على ذات الهيئة وفي ذات المكان ، تنتظر تعويذة طائر الفينيق ، ويقطينة يونس ، دون أملٍ في خلود ولا رغبةٍ في قداسة ، فقط عبورٌ وادع هاديء .

الأربعاء، 27 ديسمبر 2017


الفكرة التي لخصت أهمية القراءة وفضلها ، والمتمثلة في العبارة " أقرأ ، لأن حياةً واحدًة لاتكفيني " هي بالتأكيد لم تجانب الصواب أبدًا . بيد أن ماتلاها من حصرٍ للقراءة ، في كونها وحدها من تعطي الإنسان أكثر من حياة ، قد جاءت مجحفة بحق السفر والترحال ، ذاك الذي يمنح صاحبه ثراءً لايتأتّى بغيره .
ماتهبه الكتب من معارف ، ومعلومات ومساحات وعي ، وحيوات فوق الحياة ، لايمكن لغيرها أن يقدمه للإنسان . بيد أن السفر هو الآخر ، يفتح أمام المرء عوالم ، ويمنحه آفاقًا وثراءً ، لايُكتسب إلا به ومن خلاله ، والمحظوظ من امتلك بعد العافية ، الحسنيين : الكتب والسفر . خصوصًا إن كان ذا ذهنٍ متقدٍ متأمل ، وقلبٍ نابضٍ متوهج ، وروح محلّقة مترددة الأطياف.

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

يوما إثر يوم أشعر باقترابي من هامش قلبك . ومع كل وجبة برودٍ تقدمها لي، يزداد يقيني بسقوطي الوشيك.

الأحد، 24 ديسمبر 2017


في اليوم الثالث ، وبعد أن تخلصت من آثار المخدر ، انتبهت إلى أن كل من بالمشفى يبتسم لي بطريقٍة غريبة !
- أشعر أن الجميع ينظرون إليّ وهم يقاومون ضحكًة أو تعليقًا ما ...
-ربما في القرن القادم سيتمكنون من نسيانك .
- ماذا تقصدين ؟!
- ماذا أقصد ؟ ربااااه ، ألا تذكرين الفوضى التي أحدثتِها ....
كان الطبيب قد وصل في تلك اللحظة ليطمئن على أحوالي : كيف حالكِ أيتها المزعجة ؟
- بخير ، فقط خلصني من هذا الخازوق المزروع في ظهري .
- الخازوق ليس إلا في دماغك ، هل تريدينني أن أصدق أنكِ تشعرين به...
- نعم ، نعم ، أشعر به جدًا ، وهو يكتم أنفاسي .
- هه... نحن إذن أمام أميرةٍ حقيقية ! استرخي ، لن نزيل حبة البازلاء الآن ياأميرتي .
انتهزت وقت الفحص ، لأطرح عليه السؤال الذي حيرني : دكتور ...
ودون أن يرفع بصره نحوي ، رد : نعم
- كنا قد اتفقنا على تخديرٍ نصفي ، فلماذا وضعت الكمامة وأفقدتني وعيي .
نظر إليّ وقد استوى واقفًا : كي أخرسكِ ياعزيزتي ، أنتِ لم تتوقفي عن الحديث أبدًا ، كنتِ تحدقين في أعيننا قائلة : عمّان تعيسة ، فنجيبك : نعم ، هي كذلك بالفعل . تعاودين : عمّان تعيسة . فنرد عليك : ونحن كذلك تعساء . مرة أخرى تهمسين : عمّان تعيسة . فنخبرك : وكل من فيها تعيس . لكنك لاتتوقفين ، تنظرين في الأفق وترددين : عمّان تعيسة . كان لابد من إخراسك ، كي نركز على عملنا بعيدًا عن نبوءاتك .
- لاتلق بالاً لما تتفوّه به يادكتور . ماذا تنتظر من امرأة فتى أحلامها المعريّ ، وفلمها المفضل " البحر في داخلي" . والصحيح أن التعاسة في داخلها ، بل إنها رهينة تعاسات الكون كله . كان هذا تعليق شقيقتي التي ظلت تنظر إليّ شزرا طوال حديث الدكتور .
- لا أظن أن المعريّ كان جبانًا كأختك...
- بل كان كذلك ، ثم أن الخوف في حد ذاته ليس سبة ، وإنما ماقد ينجم عنه من خضوع ، سيدنا موسى كان خوّافًا ، لكنه في لحظة الفصل انحاز لفصيل الحق ، و...
قاطعني الدكتور قائلاً : هند ، اشربي الكثير من السوائل ، وأريحي ذهنك من كل هذي التأملات والخيال المسرف ، ستعانين كثيرًا من نوبات القولون العصبي إن لم تهدأي .

في النمسا وألمانيا ، التدخين ممنوع في كل مكان ، في المطاعم والمقاهي ، والفنادق والأسواق ، والتكاسي ، لاتستطيع أن تدخن إلا في الشارع . في عمّان ، العكس تمامًا ، بإمكانك أن تدخن في كل مكان ، ويبدو أن الوضع خرج عن السيطرة ، حد أن إدارة المشفى وضعت إعلانًا داخل الغرف تحذر فيه من التدخين ، وتتوعد المخالفين بدفع غرامة قدرها 25 دينارًا . الأتراك ذوو النزعة التجارية ، وجدوا حلاً مناسبًا ومربِحًا ، في كل مطعم ومقهى ، الجزء المفتوح على الهواء الطلق هو للمدخنين ، والمغلق لسواهم ، في الفنادق يمنحونك الغرفة المعدة للمدخنين إن كنت منهم ، في التكاسي ، بإمكانك الاستئذان من صاحب السيارة ، وإنت ونصيبك. في عمان لن تضطر لخوض غمار تجربة اليانصيب ، فالكرم الأردني لن يقول لمدخن " لاءً" أبدا . بل إن أحد السائقين ، والذي ثبّت في ظهر المقعد الخلفي لسيارته لوحًة تحذر من الأكل والتدخين ، ماأن رآني أخرج علبة سجائري ، حتى ناولني القداحة ( : .

في الحادي عشر من ديسمبر استمعت لنعي أبو بكر سالم بلفقيه ، وفي اليوم التالي كنت أتخيل المشادة التي دارت بين المخرج التركي مصطفى أوزون وذاك الممثل ، والتي انتهت بطعن أوزون وسقوطه ميتًا . كنت ممدة على سريري في الفندق ، دون حراك ، إلى يميني نافذةٌ كبيرة ، أحدق في السقف حينًا ، وحينًا في السماء ، أستعيد حديث أبو بكر بلفقيه عن الحب ولذة عذاباته ، واستدلاله بقول ابن الشاه :
ورأيته في الطرس يكتب مرًة ... غلطاً ويمحو خطه برضابه
فوددت لو أني أكون صحيفًة ... ووددت أن لا يهتدي لصوابه
تلك المعاناة العذبة ، التي صورها أحمد رامي في قوله : عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك ، ثم يستطرد بلفقيه مسهبًا في عرض جماليات هذه الذلة التي ليست بذلة ، فهي لاتكسر ولا تحقر ، ولسان حالها قول ذاك المتيّم : أيا من صادني باللحظ مهلاً... فها قلبي قد تخرّق بالسهام
فخذه وغربل العشاق فيه... تجدني الزبد من أهل الغرام !
وقريبٌ منه قول صاحبه :
كم صبا قلب بهـا ولهـا... كم أذابت مهجتـي ولهـا
كم حفظت العهد لي ولهـا.. قبل سن الحلـم بالحلـم
أنا فـى تأليـف قافيتـى... غير منحـاز إلـى فئـةِ
سقمي فى الحب عافيتـي.. ووجودي فى الهوى عدمي !
ربما يكون بلفقيه من أواخر المطربين العرب الممتلئين أدبًا وحكمة الذين يغادرون عالمنا . أومأت برأسي ، وفتحت صفحة الأخبار ، لأجد أمامي خبر رحيل الشاعر طه ولد بلعمش . يبدو أن ديسمبر شهر حصاد أرواح الأدباء وأهل الفن ، قد يكون شهرًا مناسبًا للرحيل ، لكن... من قال أنني لم أرحل بعد ، قد أكون ميتة فعلاً ، و ماأنا فيه الآن مجرد حلم . لربما صعدت روحي في غرفة العمليات تلك ، على كتف ذاك الطبيب اللطيف... هل أفقت حقًا وعادت إليّ أنفاسي ، لماذا غاب صوت فيروز ، فلم أعد أسمعه ، وأين اختفى طبيب التخدير... هل أنا موجودة حقًا ، أم هو طيفي ذاك الذي يحلق في سماء عمان .

#الجزء_الثاني

أجمل وأسوأ ما يمكن أن يمتلكه الكاتب ؛ الخيال الممتد !

- انظر يادكتور ، بالنسبة لي ، الفرق بين التخدير النصفي والتخدير الكلي ، هو تمامًا كالفرق بين حادثة بالطيارة وأخرى بالسيارة ، في الأولى نسبة النجاة تكاد تكون معدومة ، و99.9% هي نسبة الموت المحقق ، وهذا في حد ذاته أمرٌ مريح ، بينما في حادثة السيارة ، أنت تواجه خيارات عدة ، قد تصاب بالشلل ، بالعمى ، بالتشوه ، بفقد أحد الأعضاء ، وكلها خيارات قد يكون الموت أهونها..
-وإذن ؟
- أنا أفضل حادثة الطيارة...
- أخبرتكِ أنني لن أجري العملية إلا بالتخدير النصفي .
- أتوسل إليك دكتور ، لا أريد إبرة الظهر ، مجرد تخيلها ، يبث الرعب في أوصالي ، ثم أنني أجريت العملية الأولى بتخديرٍ كليّ .
- كان هذا في السعودية ، أنتِ الآن في عمّان ، التخدير لدينا ليس كأي تخدير في مكانٍ آخر . سيدة هند اطمئني ، لن يكون للتخدير النصفي أيّ سلبيات حين يتم بطريقٍة صحيحة .

إنها المرة الأولى التي أقصد فيها عمّان ، والمرة الأولى التي أزور فيها بلدًا عربياً ، والحق أنني تلقيت صدمًة لم أتوقعها ، منذ الدقائق الأولى شعرت أنني أمام مدينةٍ منهَكة ، لايمكن أن تكمِل فيها كيلومترًا واحدًا فتجده بطابعٍ واحد دون تناقضٍ يرهقه . مبنى حديث تجاوره خرابة ، وبنايةٍ متهالكة تستند إلى أخرى مهندمة ، ودكان يتكيء على كتف سوبر ماركت ، ومقهى فريد زمان إلى جانب بيتزا هت !
فيروز حاضرة في كل مكان في عمّان ، في التكاسي ، في المقاهي ، في المطاعم ، في الفنادق ، وحتى في غرفة العمليات ! كانت مفاجأة جميلة أن أجد فيروز في استقبالي في غرفة الموت تلك ، في مستشفياتنا لايضعون الأغاني ، تخيلت لو أنهم قرروا السماح بالأناشيد الإسلامية في غرف العمليات ، ثم دخلت لأجد في استقبالي أنشودة " فرشي التراب يضمني وهو غطائي " ، يالها من كوميديا بائسة . بادرني طبيب التخدير : الآن حتروقي مع فيروز . حلقت معها قليلاً ، بيد أنها غنت أغنيةً حزينة ، لم أعد أتذكرها ، وداهمتني الوحشة ، في الوقت الذي أمسكت فيه الممرضة بيدي هامسة : الآن ستشعرين بمايشبه الكهرباء تسري في ظهرك ، لاتجزعي ولا تتحركي ، واجتاح جسدي تيارٌ قاسٍ جهدت في مقاومته . الآن سيحرك الدكتور الإبرة بشكل دائري في داخل الفقرة ، لن تؤلمك ، فقط الوخزة الأولى ، لاتقلقي ولاتتحركي . وفجأة تدفق تحت فخذيّ سائلٌ حار ، ظل يجري إلى الأسفل . هناك سائلٌ حار أشعر به تحت فخذيّ . لاتخافي إنه دمٌ قليل (جاوبتني الممرضة). هذا ليس بقليل أبدًا ، ثم أنه... وأكملتُ بصوتٍ ضعيف : خفة كثافته لايمكن أن تكون لدم . وتخيلت سائلاً أصفرًا يخرج من فتحة ظهري ، ومادة الفقرات تنبعث من تلك الفتحة ، ثم النخاع ، وكل قِوام العامود الفقري ، يظل يقذف محتواه حتى يجف تمامًا و يتيبس ، وهاأنذا جالسة على سرير العمليات ، وإذ بي أميل نحو اليمين وأتهشم . خفتت الأضواء في عينيٌ ، ودارت حولي وبي جدران الغرفة ، وارتفع موجٌ قاتم من جزئي السفلي صاعدًا نحو صدري ، ولم أعد أجد أنفاسي : ياإلهي ، ماالذي يحدث ، قلتم أنه تخدير نصفي فقط .
-نعم ، هو كذلك .
لكني لاأستطيع التنفس ، وتسارعت نبضات قلبي حد الجنون . ياالله ، ماذا فعلتم ، أنا أختنق . وتقدم طبيب التخدير ليواجهني ، وقف إلى يساري ، وبحنان أرسل : هند... هند ، تعالي إليّ ، لاحقًا تساءلت أكان يقصد الالتصاق به ، أم فقط الاتكاء على كتفه ، بيد أني في جزعي وتوهتي تلك لم أتردد في الارتماء في حضنه ، أمسك بي في اللحظة التي غرزت فيها إحدى الممرضات إبرة في ساعدي ، وسارعت الأخرى لوضع إبرة في محلولٍ معلق . ثوانٍ ربما ، وعادت الأمور إلى نصابها ، هدأتْ وامتلكتُ أنفاسي من جديد . ظل طبيب التخدير إلى جواري ممسكًا بيدي ، يمسد على شعري ويحدثني : أين تسكنين في السعودية ؟... في المدينة النبوية (أجبت) ، هل تعملين ؟... هل بدأو ؟ ( رددت عليه) ... نعم بدأوا .
قلت لي أنني لن أشعر بشيء ، لكنني أحس . لن تشعري بأي ألم ، فقط بضغط أياديهم . نعم أحس بهم وهم يعبثون بجسدي (حدثت نفسي)... أخبريني ماهو تخصصك ؟... فيزياء ... جميل ، هل لديكِ أطفال ؟... هل هناك مشكلة ، لماذا تريد إشغال ذهني ؟.... ياإلهي ، مامن مشكلة ، أنا فقط أردت التحدث معكِ . وانصرف ، وحزنت . كان لذيذ الحديث بهيّ الطلة ، وفكرت أنه بإمكاني الوقوع في حبه ولو في هذه الغرفة ، هذا مابحت به لاحقًا لشقيقتي التي ردت مشدوهة : حتى وأنتِ على وشك الموت تفكرين في الحب !
- بل هو أنسب وقت للوقوع في الحب . ثم أن أحدهم أخبرني مرة ، أنه مامن وقت لا يلائم الحب .
- وبأيّ وجهٍ كنتِ ستقابلين الله ؟
- بوجه الحب . الله محبة ، ولايليق بلقائه إلا طقوس الحب .

النساء في عمان جميلات ، الجميع هناك يمتلكون عيونًا جميلة . والطعام لذيذ ، لذيذ جدًا ، وقد أتى مؤكِدًا لما كنت أردده دومًا : لا الطعام الفرنسي، ولا الإيطالي ، ولا الصيني ، ولا التركي ، ولا غيره ينافس المطبخ العربي ، مدار الأمر حول الروح التي تعد وتطهو . حتى القهوة التركية لم أجد مذاقها المعتق عند قومها ، بل في عمان ، وبأيدي العرب .
كنت أحدث نفسي بأنني إن تجاوزت الثامن من ديسمبر ، فسأنجو . كان لديّ اعتقاد شبه جازم بأن وفاتي ستكون يوم الجمعة الثامن من ديسمبر . وفي التاسع منه ، كنت أمام الشاشة ، أشاهد تشييع جنازة الفنان الفرنسي جوني هاليداي . في اليوم السابق ، وفي بهو المشفى ، جلست أنتظر وصول التاكسي الذي سيقلني إلى الفندق ، وفي الوقت الذي انشغلت فيه عائلتي بإتمام إجراءات المغادرة ، وطلب سيارة الأجرة ، حدقت عبر الزجاج في تناقض عمّان المرهِق ، ولم أكترث بالمجموعة التي تنامت إلى يميني ، إلا حينما دخل ذلك الرجل الأسمر ، ليعترضه أحدهم محتضِنًا ومواسيًا ، لم يرفع الرجل يديه لمبادلة الاحتضان ، وأكمل مشدوهًا سيره ، ليتلقفه الجميع مصافحًة وتعزية . توجه رأسًا إلى موظفة الاستقبال ، يجاهد دموعه كيلا تتناثر ، وفيما أنا أغادر ، التفت نحوه ، ورأيته يوقع عددًا من الأوراق . تساءلت في سري ، من فقد ، أكانت صبية أم فتى ، طفلاً أم كهلا ، أو ربما سيدة ، قضت أيامها تدندن مع فيروز وهي تعد قهوتها ، تعض الشفة ندمًا على فرصٍ لم تقتنصها ، وحبٍ لم يحط رحاله في باحة منزلها .

#الجزء_الأول

الاثنين، 27 نوفمبر 2017


كتب أحدهم يومًا : ثلاثة أمور مالم تكن عربية فلن تكون جميلة ؛ الموسيقى، والنساء، والقهوة . ومع تحفظي على الأخيرة ، إلا أنني تساءلت حينها ؛ لماذا لم يختصرها في الروح العربية وكفى .
كنت أتجول بحثًا عن فرقةٍ أجنبية سمعتها ذات مرة ، تغني أغنية " على حسب وداد قلبي يابوي " لعبدالحليم حافظ ، فتعثرت بفيديو ، يُظهِر مجموعة من اليهود ، وهم يرتلون أدعيةً لهم على ذات لحن أغنية عبدالحليم ، وبدَوا منتشين طربًا وزهوا ، وكأنما يحيون تراثًا أصيلاً لهم ، ثم اكتشفت بعد التدقيق والتمحيص أن الفرقة الأجنبية ، ليست إلا فرقًة يهودية ، لها عديد تسجيلات لأغانٍ عربية شهيرة لكوكب الشرق وعبدالحليم . ولاأدري - حتى هذي اللحظة- على وجه التحديد أيّ شيء ساءني . فجأة شعرت بالحرقة والغيرة ، وكأن شيئا ثمينًا استلِب مني . حاولت أن أهوّن على نفسي بفكرة أن الفن إرثٌ إنساني يجمع القلوب ويقرّب الشعوب ، وأن اليهود الشرقيون إنما يساهمون في نشر الطرب العربي الأصيل ، وترسيخ جذوره . لكني لم أفلح في إقناعي ، ولاتهدئة غلياني . ربما لأن لؤم اليهود ، وتخطيطهم الشطرنجي البعيد المدى ، أصيلٌ بقدر أصالة الطرب العربي . ربما لأنني كنت قبلها بساعات قد قرأت مقالاً لأحد " الحبابين الكيوت"، يتساءل فيه عن السر وراء عدم اندماج العرب المهاجرين ، وتحديدًا المسلمين منهم مع المجتمع الأوروبي ، ذاكرًا في معرض بحثه أن عقدة التفوق الديني والاستعلاء لدى العرب المسلمين ، هي أحد أهم الأسباب وراء هذه العزلة ، متناسيًا حضرته ، أن الألمان طالبوا بأن يكون لهم رب خاص بهم ، لتميّزهم ورفعتهم عن بقية البشر ، وأن اليهود قبلهم صاحوا : نحن أبناء الله وأحباؤه . العجيب أنه وضع صورة في أعلى مقاله لامرأتين ترتديان الحجاب وعنونها بـ" فتاتان مسلمتان في محطة مترو لندن" !!!
والحق أنك لتقف فاغرًا مشدوهًا ، حائرًا متسائلاً : ماالذي يريده هؤلاء ؟ ماالذي يريدونه فعلاً . ماالذي يرمون إليه من وراء تذمرهم وتضجرهم هذا . ماشأن الاندماج الذي يتحدث عنه ، ويعيب على رافضيه، العزلة والإحساس بالفوقية (كما يدعي) بلباس السيدتين ؟ هل الاندماج الذي يُرضي أمثال هؤلاء أن تقف المرأة العربية في المحطات والساحات بلباسٍ لايستر إلا عورتها المغلّظة ! أكاد أقسم أن الغرب أنفسهم ، لايطالبون الآخر بالذوبان فيهم كما يطالب هذا المأفون الذي يُلبّس على الآخرين بتضليلهم عن الاندماج بالذوبان . المسألة ليست مسألة تكيّف واندماج ، لا ، هؤلاء يريدون محو هويتك بالكامل ، قطع دابرها وكأنها لم تكن يومًا شيئا مذكورا . ولو أن لهم من الأمر من شيء ، لاستبدلوا عينيك السوداوين بأخريين زرقاوين ، ولنزعوا شعرك الأسود وزرعوا عوضًا عنه أشقر يرضيهم ، ولسلخوا سمرة جلدك وأحالوها بيضاء حمراء تسر خواطرهم .
إنهم يريدون سلبك حتى حقك في المعاداة . حتى عدوك يجب أن يكون باختيارهم لا بميزان العدل الإلهي و الإنساني . في كل قوانين الكون مغتصِب الأرض عدو محتل ، إلا مغتصب أرضك أيها العربي ، الأمر هنا مختلف ، له مبرراته ، وحججه التاريخية ، وعلل مخدِّرة من قبيل أن أصحاب الأرض ذاتهم هم من باعوها . في محاولة مقيتة تتجاوز حقيقة أن فلسطين ملك للعرب كلهم ، لا للجزء منهم الذي سكنها . ثم إذا لم يفلح معك هذا الدواء ، جربوا معك حيل التطبيع ، والتحضر ، والتقارب ، وشعارات الإنسانية التي هم أكفر الناس بها . كل ذلك وعدوك كما الأفعى ، يزحف بنعومة ، يقتطع الأرض إثر الأرض ، ثم هو اليوم يستولي حتى على إرثك الفني . على أملٍ ليس ببعيد ، أن يصدق الناس ذات يوم أن بليغ حمدي هو من سرق اللحن اليهودي ، تمامًا كما سيصدقون ويباركون تهويد القدس وكامل فلسطين . عندها لن يعترض أحد على منظر امرأةٍ عربية تتباهى في محطة مترو أوروبية بنهديها العامرين ومؤخرتها المكتنزة ، فالمسارقة تقضي بأن من هانت عليه الأرض ، هان تبعاً لها عليه العرض .

السادة الداعرون ، ياأرباب الحسابات الضخمة ، والضمائر الهزيلة ، ياأصحاب الألف وجه ، بلا ربع قلب ، يامن لكم في كل أرضٍ نزل وماخور ، دون متكأٍ واحد يقال له وطنٌ وحضن ، ياأشباه الضباع إن لم تعترض الضباع ، ياقيحًا ماله من طب ، وعضوًا نتناً ليس له إلا البتر ؛ إلى أن تستحيل أعيننا خضراء زرقاء ، وشعورنا شقراء صهباء ، إلى أن ينقرض العود والضاد ، وتمسي " ياليل ياعين" أوووه ماي قاد . إلى أن يطوي الكون قيد الخيل و البيد ، وذكرى المعري والولادة وابن زيدون ، إلى أن تفقد منازل المتنبي الذاكرة ، إلى أن تجحد الأرض لسانها العربي المبين ، ستظل فلسطين لنا ، وسيظل مغتصبها عدونا.

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017


تستيقظ كل صباح ، وفكرة ملحة تطرق رأسك  : سأقاوم اليوم . سأكون أنا . سأصرخ بأعلى صوتي ، سأطلق العنان لرغائبي . ثم ماتلبث أن تجد نفسك في الدوامة اليومية والصراع المكرور  ، تناضل بيأسٍ وأسى ، مدركًا مشهد الختام المعتاد ، ستنتظم وكما كل يوم في ذات الطابور والسلسال . ذاتًا مربوطة إلى ذوات الآخرين  !
حين أفكر ، أجد أن مامضى من عمري كان محاطاً بغشاء النعاس الذي ذكره شكسبير ، نعاس عزلني في بوتقة حجزت عني كل ضجيج الكون  ، الأمر كان أقرب إلى العبث ، عبثٌ سادر في غيّ الجهل المُـطَمْـئِن الآمن ، حيث لا تطلعات ، ولاسبر أغوار ، ولابحث عن كينونة ، وأما اثبات الذات فكفيلٌ به رداءٌ غريب ، أو فوز في معركة كلام  ! وجهٌ واحد من أوجه الزوال ، كان صادمًا بما يكفي ليفتح العينين على حقيقة التقلّب والفناء . الفراق ! أول الدروس الموجعة الملهِمة  ، كان يحدث منذ البدء  دون تغيّبٍ أو استثناءات ، الفرق فقط أنني هذه المرة كنت أستقبله بوعي ممتليء ونضج كافٍ لأن يلقيني في بيدٍ ممتدة من الغربة والوحشة . ظمأٌ أصيلٌ قاسٍ ، ماكان لكل مزن الصحاري ووبلها الهمِل أن يروي المحل الذي اجتاحني على حين غرة ، وجدتني في الشتات أمام عواصف أسئلةٍ عاتية ، اجتثت جذوري من أرض الثبات ، وألقتني وجهًا لوجه أمام أحجيةٍ عتيقةٍ متجددة. الروح تموج وتضطرب ، واللسان عاجزٌ لايفصح ولا يبين ، يومًا عن يوم كانت المسافة تطول ، ظننتها بالعرض ، فإذا هي نحو العمق تسير  ، وماتوهمته وصولاً ، كان في الحقيقة غرقا  !
المؤلم أنه غرقٌ في الذات ، وسط الآخرين . قريب منهم  ، وأبعد مايكون عن رؤاهم ، تتوهم المضيّ  فيماأنت لم تغادر بقعتك ،  تكاد تصدق أنك تمايزت ، وتفضحك بدائيتك وحاجتك ، تتحسس . وإذ هو ذات الطوق الذي يحيط رقبتك ورقاب الآخرين  !

الخميس، 16 نوفمبر 2017


أثناء جولتي في أوروبا ، استوقف تأملي أمرٌ غريب . كل تلك الطبيعة الغنّاء ، بخضرتها الكثيفة ، وأشجارها الباسقة ، وأنهارها الجارية ، وروعتها الفاتنة التي تأخذ بلبك طوال اليوم ، تستحيل بقعًة موحشة ماأن تغيب الشمس ويحل الظلام . ذات الغابات والسهول التي امتلأ فؤادك بجمال خضرتها في النهار ، تعود لتلبس رداء الوحشة والنفور في الليل . وهو نقيض مايحدث في الصحراء . تظل الصحراء ماظلت الشمس مكانًا قفرًا كئيبًا ، يُشعِـرك باليأس والخواء ، حتى إذا ماأقبل الليل ، وتزينت السماء بثوبها المطعّم بالفصوص اللامعة ، عادت البيداء لتمنحك الدفء والسكينة ، وتتودد إليك بأنسٍ لم تعهده منها مع ضوء النهار .
تناقضٌ موزون ، لايمكن لمن يتأمله أن يستسلم لفكرة أن هذا الكون بلا مدبرٍ عظيمٍ حكيم . بل إن أعظم ماتستدل به على وجود هذا الصانع الجليل ، هو هذا النقص الذي لايخلو منه كائنٌ ولا مركبٌ ولاعمل . نقص يظل يهمس لك بأن الكمال هناك ، في مكانٍ لم تبلغه بعد .

الأربعاء، 15 نوفمبر 2017


بعد أن أخبرتني والدتي ، أن خمسة وسبعين كرتونًا طافحة بالكتب ، ماتزال نزيلة البدروم ، سألت شقيقي : أين ستفرِغ تلك الكراتين ؟ لا أظن أن زوجتك ستسمح لها باحتلال غرفٍة أخرى في هذا البيت الصغير .
رفع رأسه إلى السماء ، وأجاب وهو مغمض العينين : حين عاتب القاضي أبو سهل ، أبا حيان التوحيدي على جنايته آن إحراقه كتبه ، احتج بتأسيه بأبي داوودٍ الطائي الذي قال مناجيًا كتبه وهو يلقيها في البحر : نِعم الدليل كنتِ ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول ، وبلاء وخمول .
- والمقصد ؟
- المقصد أن التوحيدي وصل إلى اليقين الذي يصله كل متبحرٍ في العلم ، وهو أن الأنس ليس إلا في التفرغ للعبادة !
زممتُ شفتيّ ولويتها يُمنةً ويسرة ، فحدجني بنظرة وأتبع قائلاً : ماأتعسك إن كنتِ لم تتذوقي بعد لذة القرب من الله والأنس به.
- ليس هذا ماأردت قوله ، لكن يؤسفني أن أخبرك أن التوحيدي ، حاله كحال المتنبي ، حين وجد أن القوم لم ينزلوه قدره ، حقد عليهم وعلى الحياة وقدره ، وضنّ بعلمه أن ينتفع به أحدٌ من بعده ، فيوصله إلى مالم يبلغه هو ، أو أن يتخذه جاهلٌ أحمق وسيلًة للاستخفاف بأبي حيان والاستدلال على نواقصه .
- عدتِ للاستماع للمستشرقين والخبثاء ، وأعداء الأمة !
- رباااه ، نظرية المؤامرة مرة أخرى ! أيّ أعداء وأيّ بطيخ ! هذا تتبع تاريخي لحياة الرجل ، واستدلال عقلي مبني على سيرته . الرجل كان طموحًا ، اتصل بوجهاء عصره ومتنفذيه ، تمامًا كما فعل المتنبي ، وكما حاول المعري حين قدم إلى بغداد ، وجميعهم حين لم ينالوا ماكانوا يرونه لائقًا بقدرهم وتميزهم ، دخلوا في مرحلة اكتئاب وعزلة ونقمة على الحياة والمجتمع.. هذا هو السبب الذي جعله يحرق كتبه ، لا لأنه اكتشف أن الأنس الحقيقي في العبادة...
- بل هو ذات اليقين الذي وجده الغزالي ، وعبّر به حين لقيه تلميذه أبوبكر ابن العربي في الصحراء ، بعد أن ارتحل عن الكل وهجر المدن والتدريس ، ثم لما دعاه راجياً عودته إلى التدريس وطلابه أنشد قائلاً :
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل... وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه... منازل من تهوى رويدك فانزل 
غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد... لغزلي نساجاً فكسرتُ مِغزلي .
كل من غار في أعماق العلم ، سيصطدم بهذه الحقيقة ، كل هذا وهمٌ وعناء ، لاراحة ولا لذة إلا في مناجاة الله والخلوة به .
- الحمدلله أن علماء الغرب ، لايغورون في ذات النفق الذي تزحفون فيه ، وإلا لما كنا وجدنا الغسالة الأوتوماتيك ولا أدوية السكر والضغط ، ولا حتى العطور التي تتطيّب بها . المهم أعطني كتبي التي استعرتها مني منذ أكثر من سنة .
- كتب؟ ومنكِ ؟! وماذا سأستعير من زنديقة مثلكِ. بل أنتِ هات كتب الترغيب والترهيب التي أعرتكِ إياها على أمل أن تنير لك قلبك.
- هي قابعة في مكانها الأول ، لم أفد منها شيئا ، حديث في إثر حديث، يتلوه حديث، يتقدمه حديث... ثم ماذا ، لم أفهم المطلوب .
- هه.. حتى تفهمي جيدًا ماعنيته، حين قلت لكِ أن هذا الدين بناء راسخ شاهق ، لاينفع أن يأتيه قزم مثلكِ وأشباهكِ لينتقد لبنة في بنائه ، إن لم تتناول هذا العلم من أساس بنيانه ، مرتبةً إثر مرتبة فلن تعي أسراره ولا عظمته...
- نعم نعم ، مرتبة إثر مرتبة ، وطابق بعد طابق ، لنكتشف في نهاية المطاف أن كل هذا عبث ، فنلقيه وراء ظهورنا ونكتفي بالتسبيح والتهليل والترتيل...
- لاتحرفي كلامي أيتها المراوغة ، العلم الحق بطريقه الصحيح سيوصلك إلى الغاية الصحيحة ألا وهي...
- خلص خلص انت وياها ، حطينا العشا ، قوموا وابتروا هالنقاش . ( والدتي وقد أنهت جدالاً كاد يفضي إلى معركة داحسية غبرائية)


الثلاثاء، 14 نوفمبر 2017

ورد عن أحد السلف أنه قال : رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي . و يبدو أن المعري القائل :
ظننت أني وحدي مخطيء ، فإذا .. أفعال كل بني الدنيا كأفعالي ، لايوافقه الرأي . إذ هو - ضمنًا - يرفض الإشارة إلى عيوبه وأخطائه ، مستندًا إلى بشريته التي يشاركها فيه الكل ، ويشاركونه بالتالي في لوازمها المتمثلة في الوقوع الحتمي في الخطأ ، " كل ابن آدم خطاء" ، و" من كان منكم بلا خطيئة فليرمني بحجر "... ربما أدرك المعري أن الإشارة إلى عيوب الآخر ، حتى ولو بمساررته بها ليست هي الطريقة الأنجع لتقويم السلوك وتلافي الوقوع في الخطأ أو تكراره ، ربما قدَر الإنسان أن يكون استيعابه التام ونضجه الخالص هو ماتمخض عن تجربة معاشة لذعته بمرارتها وكوته بلهيب الندم ، قد تخدمه العظة المستخلصة من تجربة الغير ، وقد يفيده إلى أجلٍ مسمى همس مخلص ينبهه إلى عيبٍ ما وضرورة التخلص منه ، لكن المحك الحقيقي هو في قوة الإرادة ، ثم في هذه الطبائع الأصيلة في تكوين الإنسان ، والتي قد تخذله مهما بلغ مستوى نضجه .

السبت، 11 نوفمبر 2017


في تلك اللحظات من عمر الزمن ، التي يتعاظم فيها حنيني لأخي ، ينتابني شعور واثق بأن العالم كله قد خسر لموته وليس أنا فقط . ربما إحساس الغربة هو من يضخّم شعور الفقد . الجيد في الأمر أنني اكتسبت مع الأيام مهارة التخلص من ذكراه في أقصر مدةٍ ممكنة . ماأن يمر طيفه بخاطري ، حتى أطرده دون تردد . أغور مع ألمي في أعماقٍ موحشة ، وسريعًا أرتفع نحو السطح . آخذ نفسًا طويلاً ، ثم أهز رأسي ، وأنفض طيفه كما تُـنفَض الأحلام من ثنايا لحاف مشتاق . أحاول ألا أستمع لطلال مداح فقد كان يحبه كثيرًا . أبتعد قدر الإمكان عن بعض أفراد عائلتي الذين يشابهونه في الصوت ، أو الملامح ، أو بعض اللفتات والحركات . ثم أن خيالي تفتق عن أملٍ بات يخفف عني كثيرًا . فكرت أن العلم في تطورٍ مذهل . يتحدثون عن إكسير الحياة وعن الخلود ، ولا أستبعد أنهم سيتوصلون لطريقةٍ يُخرجون بها الأموات من قبورهم ليعيدوا لهم الحياة . قد يتم ذلك على الأرض أو على كوكبٍ آخر ، وقد يقوم بهذه المهمة مخلوقات تشبه البشر إلا قليلا . ربما سيتم ضمّنا حسب تصنيفات معينة ، بمقتضى الموهبة أو الرغبة ، لست متأكدة ، المهم أنني قررت أن أرفِق في مدونتي نصًا أخط فيه أمنيتي ، بأن أكون ضمن مجموعة العائدين من العصر العباسي ، شعرائه ومتكلميه وزنادقته وماجنيه . يجب أن يُصحح الخطأ الزماني الذي أسقطني في هذه الحقبة . وبالطبع سيكون أخي معنا . لم أعد أتحدث عن أخي . حد أن إحدى صديقاتي المقربات دهِشت حين علمت أنه أخي لأبي ، وقد ظنته شقيقي الذي توفي مع والدي . تقول أن الأمر مشابه لقصة الخنساء وأخيها معاوية ، حيث الرجلان بالغا السخاء .
لاشئ يأخذ بلبّ المرأة كـ كرم الرجل . ليس الكرم المادي فقط ، وإنما الأهم كرم النفس ، وإن كنت أؤمن أشد الإيمان أنهما متلازمان لاينفصلان ، إذ من المحال أن تجد باسط كف شحيح لطف ، أو مقتّرًا في وده وتواضعه ، وقد قيل : من جاد بماله جاد بنفسه ، ذلك أنه جاد بما لا قِوام للنفس إلا به . وأذكر قصةً قديمة لعربيّ اشتُهر بالكرم ، انفضّ مجلسه ذات ليلة وبقي ضيفٌ أخير ، وقبل أن يجلس إليه أطفأ مصباحه ، ثم سأله عن أحواله ، ذلك أنه قرأ الحاجة في وجهه ، فخشي لكرم نفسه أن يُخجِله بالنظر في عينيه آن طلب حاجته !
الكرماء ينقرضون . منذ موت أخي لم ألتق إلا برجلٍ كريمٍ واحد . لقد كان كريمًا نبيلاً . كريمُ نفسٍ ومال . قد يكون آخر الرجال النبلاء . يجب ألا أنسى وضع اسمه في المدونة ، كي يكون برفقتي وبقية الشلة من العصر العباسي . انظر لهذه الحياة القذرة ، كيف تتزيّن بما لا تملكه في ذاتها . تجمّل أيامها بالعظماء النبلاء ، ثم هي لاتجود بخلودهم ، ولا عليهم بما يعينهم على مرارتها . تبًا.

الجمعة، 10 نوفمبر 2017


كنت أقرأ في قصة المغني الأمريكي رودريغز الذي أصدر في السبعينات ألبومين غنائيين لم يحققا أي نجاح ، مما جعله يتوقف عن الغناء ويعود لإكمال حياته كعامل بناء . في الوقت الذي وصل أحد ألبوماته إلى جنوب أفريقيا ، وانتشر انتشارًا واسعًا وبيع منه ملايين النسخ . واشتهر الرجل هناك دون أن يدري . إلى الحد الذي جعل اثنين من تلك البلاد ، وبعد مرور ثلاثين عاما ، يرتحلون لأمريكا للبحث عنه بعد أن بلغتهم إشاعة تفيد بانتحاره . لكنهم وجدوه حيًا يرزق ، واتفقوا معه على إقامة جولاتٍ وحفلاتٍ غنائية في جنوب أفريقيا ، وفعلاً سافر معهم ، واستقبِل هناك استقبال المشاهير . وحضر حفلاته عشرات الألوف . ثم انتشر ألبوميه في أمريكا ، وعرِف الرجل وقصته . كنت بين السطور أتخيل هذه السخرية العجيبة لأقدار هذا الرجل ، الذي استسلم لفكرة أنه دون قيمة أو تأثير ، في الوقت الذي توهجت قلوب الكثيرين بروحه ، وامتلأت بحبه . وفجأة وأنا بين أحداث قصته ، وصلني إشعار رسالة من أحدهم " السلام عليكم أختي هند" . أوشكت ألاّ أرد ، ولكن ولأن "مودي" في تلك اللحظة كان كُفريًا ، فقد شعرت بحنينٍ للدين وأهله . وهكذا هي الأمور معي ، تجري على حبل العناد لاسواه . ولقد زارنا المليك المفدى قبل يومين ، وقبل موعد هبوط طائرته حفظه الله ورعاه ، بعث جهاز المرور والشرطة والداخلية ومكافحة الكباب و الإرهاب ، برسائل لجميع المواطنين والمقيمين ، تطلب منهم عدم مغادرة بيوتهم ، لأن الطرق ستكون مغلقة . وكالعادة انتفخت أوداج الجنية في داخلي ، وركبتني لعنة العناد ، وصرخت في الجموع ، ولاجموع إلا أشباحي وعفاريتي : هيهات منا الذلة ، لا والله ليست هند من يقال لها امكثي في دارك ولا تغادريه . وصحت بالعامل بدرالدين اللاهوري ، أن اسْبِـقني إلى المركبة ، لنقتحم شوارع المدينة رغمًا عن ال.. رغمًا عن الـ... رغمًا عن أنف الجميع . وهكذا خرجت من حيّنا ، واستقبلتني الشوارع الرئيسية بعتادها وعدتها ، وتنحنح بدر الدين ، وتقهقهر بالمركبة ، وجأرت من خلفه : اثبت ياغلام ، ادعس على البنزين ولا تبال ، لانجوت إن نجوا . وشققنا غبار الأرصفة والمحطات ، ولمحت سيارات الشرطة والدوريات ، في الأنفاق وعلى الجسور ، وبين التقاطعات وعند إشارات المرور ، وعند كل مدخل ، وفي كل زنقة زنقة . وتهاديت كأميرةٍ أندلسية وسط الشوارع الخالية ، وابتعت حاجاتي وماأريد ، وماأردت إلا التحدي والعناد ، وعدت إلى داري سالمًة غانمة ، مشحونًة بوهم انتصار . وإذن فالعناد هو محور شخصيتي ، وهو ماجعلني في المود الشيطاني ذاك ، أرد على تحية الفتى ب " وعليكم السلام" ، ليبادرني قائلاً : هل أنت هند وأطيافها ؟
- نعم ، أنا هي ، حياكم الله.
- وبياك وجعل الجنة مثواي ومثواك .
-آمين اللهم .
- أختي من أين تأتين بهذه الأسطر النيرة ، لقد نمت لغتكِ كثيرًا .
- حقًا؟ هذا جيد.. لم أنتبه لذلك ، لأني لم أعد أركز على الكتابة .
-أنا من رواد هذا الحائط الأزرق منذ 2008 ، ووالله ما رأيت صفحة أفضل من صفحتك في تسليط الضوء على العبارات ...
- ماشاء الله... صفحتك من 2008 ! وفي نفسي أكملت ( اشمعنى أنا تتسكر صفحاتي يامارك ياابن الوسخة )
- لذلك كنت أبحث عنك ، حتى وجدت مقالاتك قد نشرها أحدهم في blog .
😳😳😳😳😳😳😳 -
ماذا ؟... من؟... أيّ مدونة ، لاتوجد لدي مدونة إلا التي أضع رابطها في أعلى صفحتي ، ومنذ شهرين فقط بدأت بالانتظام في توثيق ماأكتب هنا من خلالها.
- مدونة باسم هند وأطيافها ، فيها بعض مقالاتك من 2015 .
- ماذا ؟ من أنشأها ؟... أعطني رابط المدونة لو تكرّمت .
لحظات ، وكنت بين حروف هند وأطيافها القديمة. وفهمت كلام الفتى حين قال : لغتكِ نمت كثيرًا . ياالله ، نصوص كنت قد نسيتها تمامًا ، عبارات ركيكة وأسلوب طفولي ، وقلبٌ غض . كل الكلمات تعجز عن شعور الغبطة والامتنان الذي اجتاحني وأنا أنتقل بين بداياتي القديمة . لو لم يكن للكتابة من فضل إلا هذا لكفاها . نعم ، أن تعتقد العبث فيما تمارس ، فيما أنت خالدٌ في وجدان أحدهم... يااااه ، شعور ولا أروع ، ولذة لاتعادلها لذة . سيدي النبيل ، صاحب الظل الطويل ، والوفاء العتيق . أمام سخاء لطفك تتهيّب الحروف الانتظام ، وترتخي بإذعان التبجيل دون تراص. هكذا... تقع تباعًا أمام عظيم ماصنعت. ليتك فقط تدلني إليك .

الثلاثاء، 7 نوفمبر 2017


الترويج لمبدأ التجاهل و"التطنيش" ، المستند إلى فكرة العبثية واللاجدوى ، أو إلى وسادة إراحة القلب ، والتخفف من الحمول المنهِكة.. أمر سافل ، لايتزعمه إلا خبيث له مآربه ومنافعه الموضوعة نصب عينيه ، أو خبيث لم يتكشّف له وللآخرين بعد خبث نفسه . كل ساكتٍ عن الحق ، راضٍ بالظلم ، خانعٍ لأرباب الفساد ، متصالح مع الخراب وطغمته ، هو في حقيقة الأمر مشروع طاغية لم يحن دوره بعد . أوشِك أن أصل إلى قناعة بأن كل مظلوم يستحق ماحل به . نعم.. المظلوم الخانع يستحق ، يستحق لأن خنوعه ابتداءً هو سبب بلائه ، ولأن خنوعه ماكان لولا إيمان خفيّ في داخله بالدونية ، وبأحقية من ظلمه باعتلائه وسلبه ، والتسلّط عليه ، هذا الإيمان الذي سيجيز له ذات يومٍ تنعكس فيه الأدوار بممارسة ذات الظلم والفجور . وصدق النبي الكريم " المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" . اليوم فقط استوعبت هذا الحديث ، وفهمت المغزى منه . نعم ، الضعيف الخانع بذرة طاغية مدفونة في الأعماق ، ما أضعفه وأناخه وأذله إلا خبث طويّة ، كما أرضته بالمهانة سترضيه ذات يومٍ بالظلم . لذلك كان المؤمنون حقًا عزيزي نفس . أشداء هناك ، رحماء هنا . إنه التوازن الصعب. والمنزلة الفصل . لايُلقّاها إلا ذو إنصافٍ عظيم وهمّةٍ تجاوز السحاب . لاتُـصالِح ولو قيل رأس برأس . أكل الرؤوس سواء ؟! . من تتساوى في عينيه الرؤوس هم أصحاب المنطقة الرمادية ، والبراجماتية المؤجلة . يدٌ تمسك بالرغيف ، وعينٌ لها على الرغيف البعيد ، المؤمنين بمبدأ " عشان تعلى لازم تطاطي" . رضوا بالركوع فما استقاموا . وأركِسوا في وحل النفعية حتى غدت لهم لباسا . فلا تسل عن مظلومٍ بينهم أو ظالم .
كيف هُـنّـا فقادنا أغبياء.. ولصوصٌ متوّجون أكارم .
كيف كنا نقتات جوعًا ونعطي.. أرذل المتخمين أشهى المطاعم .
وجراحاتنا على باب "مولانا".. تقيم الذباب منها ولائم .

السبت، 4 نوفمبر 2017


#إعادة_نشر....

نصيحة لك أيها الرجل : لاتقبل نقودًا من امرأة أبداً !
تركيبة روح المرأة لم تُخلق للإنفاق والبذل المادي . صدقني ستُـذِلّك ماحييت بأي دراهم تنفقها عليك ، أو على منزلك ، أو حتى على أبنائكما . وإن كنتَ ولابد فاعل فاجعل مشاركتها مقتصرة على أغراضها الشخصية . أمّا ما يخصك ويخص منزلك ؛ فاحذر احذر أن يكون من نقودها أو حتى بمساهمة منها . أقسم لك ستعيّرك به طال الزمن أو قصر ، وحتى وإن لم تفعل - وأشك في ذلك- فإنها في داخلها ستزهد فيك وتستصغرك ، ستظل تتابعك وأنت تستخدم ذلك التلفاز الذي ابتاعته بمالها ، تراقب أصابعك وأنت تقلّب في جهاز التحكم ، وتحدّث نفسها حين تضع قناة لاتريدها هي (التلفزيون بفلوسي وهو اللي بيتحكم في القنوات إفـف) ....
المرأة ليست مثلك تذكّر ذلك . لقد خلِقتَ للإنفاق ، للقوامة ، لتحمّل مسؤليتها وأولادك . لذلك فأنت تدفع و تنفق دون أن يستوقفك مايستوقفها من تحسّر ومنّ وضيق .
لطالما كان المُتحكّم في الاقتصاد هو صاحب الصوت الأعلى واليد الطولى والكلمة الفصل . ومتى ما خُولفت هذه الفطرة وتحمّلت المرأة مسؤلية السعي والإنفاق بدلاً من الرجل ، كان ذلك إيذانًا بانقلاب الموازين وتدمير هيبة الرجولة بل وضياع أخصّ خصائص الأنوثة من رقةٍ وحياء . والحديث لا يناقض الإيمان بحرية المرأة في اختيار عمل يناسبها وأن يكون لها دخلها المستقل عن الرجل ، لكن الواقع والمُلاحظ أن المرأة تنفق بسعادة ورضا في كل ماتعلم يقينًا أنه من لوازم الرفاهية والترف ، وما أن يصل الأمر لأساسيات الحياة المتعارف عليها وضرورياتها ، فإن الضيق ينتابها ويعلو صوت خفيّ بداخلها يذكّرها بأنها أنثى ، وبأن هذا الدور لا يناسبها ، وبأن من يشاركها الحياة هو ربّان السفينة الذي منحته ثقتها وولاءها كي يتحمل هو عناء القيادة بدلاً عنها !

الخميس، 2 نوفمبر 2017


الأمر الوحيد الذي ينبغي أن تكون موقنًا به تمام اليقين ، أنك ستظل تخطيء حتى ماقبل آخر لحظات عمرك... بل لربما قد تخطيء حتى مابعد ذلك !
يقولون أن المرء يصل دومًا إلى ذلك الظل الهاديء المسمى النضج ، حيث لن يجازف أبدًا بالتورط بعلاقةٍ عابرة أو صداقةٍ باردة أو موقفٍ هشٍ لا يمتاز لطرفٍ فصل . بيد أن ذلك لا يحصل كما يتوقعون ، وحتى في تلك البقعة التي تبدو مستقرة ، ستعرف الريح الحائرة طريقها إليك . يبدو الأمر دومًا مرتبط بذلك العدو الخفيّ ، القديم الأبديّ ، سرطان الروح الذي لايمكن لأيّ كيماوي خيبة القضاء عليه... الأمل ! الأمل الذي اندس بخبثٍ في حذاء يتيمةٍ فقيرة فأحالها أميرةً أسطورية ، الأمل الذي تعلّق بمطرقةٍ هزيلة لينقل صاحبها آندي من ظلام السجن إلى اتساع المحيط الهادي ، الأمل الذي حوّل ضفدعًا مقززًا إلى أميرٍ عاشقٍ وسيم . الأمل الذي يظل يوهمك أن وراء الأبواب الجديدة عوالم مغايرة ، وأن الرحلة القادمة استثنائية ، وأن الموجة التالية نقطة تحوّل !
الأمل الذي أدرك سينكيا كنهه جيدًا ، فأرسل موصيًا : يبدأ الحكيم يومه معتقدًا أن الحظ لن يمنحه شيئاً ليملكه فعلاً ! سينكيا الذي اعتقد أن أقدار الناس إنما بيد آلهةٍ للحظ ، مُصوّرة على هيئة امرأة متقلّبة المزاج، رسالتها الدائمة " مهما كنت عقلانيًا فإنك لن تقدر أن تتحكم بمصيرك " ! ظل يردد أن الفلسفة تحفظ عقلك في أوقات الاضطرابات بواسطة إتقان التشاؤم والارتياح له !
وهكذا... يغدو التشاؤم حزام الأمان الذي ينقذك في الأوقات الحرجة ، يشدك بعيدًا عن الانجراف الأهوج ، عن التعلّق الأحمق بخيطٍ واهٍ . هذا الإيمان لايُلزِم بالضرورة أن يكون التشاؤم هاجسًا وعقيدة ، ومايطلبه فقط أن تصغي مرتاحًا لوسوسته قبل أن تخطو أولى خطواتك نحو تلك العلاقة ، أو التسليم بذاك القرار ، أو الاطمئنان لتلك الصفقة . يأمل التشاؤم أن تتريث قبيل مصافحة الأمل ، أن تظل وفيًا لفراستك ، لحذاقتك ، لذكائك وحاستك السادسة ، أن تشحذ همة أنفك ، تستنهضه ليدرك رائحة الحرائق قبل وقوعها . لكن... يبدو أن التشاؤم مسرفٌ هو الآخر فيما يأمل ! ونافذة اللعنة ستظل مواربة ، توهمك بالانغلاق ، فيما هي تسرب هفهفة الضعف لتدب في أطراف روحك ، تنفث بـ ربما ، ولعل . وقد يكون هذا استثناء ، والحقيقة أنه لا استثناء ، وأن الثابت عبر الزمان هي خطيئة الإنسان التي تأبى الفناء والاندثار . تأبى إلا الظهور كمكوّنٍ أصيلٍ قابلٍ للتكرار .
مهما بلغ صاحبها من شأن ، مهما أوغلت أيامه في المضي ، مهما كدّس من تجارب وخيبات ، لا يملك إلا الخضوع أمام إغراء الأمل ، مديرًا ظهره لحكمة التجارب ، ونصائح المشفقين ، بل وحتى لرجاء حدسه الذي لم يخنه يوما .




الأحد، 29 أكتوبر 2017


عادةً ، أكون من أواخر من يغادر مقر العمل ، وكنت قبيل خروجي من المكتب أحرص جيدًا على اطفاء جميع المكيفات واللمبات ، أفعل ذلك مع كل ممر أو غرفة أمر بها . طبعًا كان داعي فعلي هذا هو طلب الأجر من الله ، وإحساس برضا داخلي ناتج عن شعور بنبل ماأفعل ومدى تحضره ، وإلا فهو عمل ليس من مهامي ، وهناك غيري من هو مكلّف به . ومنذ التحول الذي اجتاح قناعاتي ونظرتي للكون والحياة ، أصبحت لا أكترث أبدًا لهذا الأمر . أجمع أغراضي ورأسًا أغادر ، ولو كانت كل المكيفات واللمبات والأجهزة الكهربائية على وضع التشغيل . أمر بها وأبرر تجاهلي بـ : خليها شغالة أفضل ، تبرّد هالجحيم الين نجي بكرا ، أو : لاتخافين ياهند بعمره شي للحكومة مااخترب ، والله لو نتركها سنة تشتغل ماراح تخرب . أو أنني أتذكر فواتير الكهرباء التي أسددها والتي تحوي مبالغ خيالية ومتجاوِزة ، فأحدث نفسي : طز بالحكومة وأموال الحكومة ، بالنهاية كله على راسنا والتسديد من جيوبنا . وهكذا أغادر مع مايشبه وخزة ضمير ، سرعان ماأدير ظهري لها وأتركها .
وقبل أشهر ، حدث معي موقف غريب . وكنت قد توقفت أمام إحدى المحلات لابتاع غرضًا ما ، وأذكر أنني قبيل الخروج من السيارة ، فتحت محفظة نقودي لأتأكد من وجود مايكفي من المال . اشتريت ماأريد ، ثم عدت للسيارة لأجد ابنتي تحمل في يدها مائة ريال وتخبرني بأن رجلاً وفيما أنا متوجهة للمحل التقطها من الأرض وأعطاها إياها قائلاً أنها سقطت مني . وفي ومضة ثوانٍ تزاحمت فيها الخواطر والأفكار ، كنت أضع المائة ريال في محفظتي !! كان المبرر أنها حتمًا سقطت مني ، خصوصًا وأنني فرزت بأصابعي بضع ورقات من فئة المائة لم أحصها ، ثم حين لاح شبح تلك الوخزة واجهته بعناد : وشنو يعني ، لو ماأخذتها أنا بتكون من نصيب غيري ، اعتبريها ياهند ورقة ياناصيب وفزتي بيها . فقط حين علمت من ابنتي أن الرجل الذي التقط النقود لم يكن سعوديًا ، بل أحد العمالة الوافدة ، رق قلبي وفكرت أنه سواء كانت الورقة غنيمة أم حقًا خالصًا فقد وجدت أنه يستحق اقتسامها معي في الحالة الأولى ، أو مكافأة منها في الحالة الثانية. لكن للأسف ضاعت محاولات إيجاده سدى ، ومضيت في طريقي للبيت ، أنا التي عشت عمري كله ملتزمة دون تهاون بتحريم لقطة المدينة النبوية. أحمل في حقيبتي لُقطةً منها ومبررات تسفّه حتى هذا التحريم !
وتحسست للمرة الأولى هندًا جديدة تظهر أمامي . وتساءلت في حيرة : من أنا حقًا ؟! هل أنا في حقيقتي انسانة دون أخلاق ، وفقط كان التدين هو مايردعني ويُجمّلني . أم أن الأمر كما يصفه أهل الفلسفة مجرد تحول من الإيمان بالأخلاق كمبدأ إلى اعتناق ماتسمى بالأخلاق النفعية ، حيث التخلي عن زيف المثالية والمضي في صفقة الفوائد والفواقد ، هم الذين فلسفوا حتى مانعمله لوجه الله ، فأحالوه عملاً أخلاقيًا نفعيًا تحكمه جنة الثواب ونار العقاب . وتوقفت فجأة ، كمن أفاق على إحساسٍ يخبره بأنه قد أضاع الطريق . فمد يده إلى جيبه الخلفي يبحث عن خرائطه القديمة . وانبعث من أعماقي صوتٌ يسأل : إلى أين أمضي ؛ وإلى ماذا يقود هذا الطريق ؟!

الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017


ولو لاحظت الإشارة اللطيفة في فيلم العراب godfather ، التي تمثلت في المفارقة بين زعامة فيتو كورليوني ، ثم من بعده ابنه مايكل . فبالرغم من أن الأب فيتو كان زعيم للمافيا منذ سنوات طويلة ، ولص قديم أيام صباه . لكن كانت لديه مباديء لايحيد عنها . تسمعه يكرر أمام أبنائه وأصدقائه " العائلة مهمة جدًا . الرجل النبيل لايفرط في عائلته " رجل دبلوماسي ، يهتم بالصداقات القديمة والولاءات ، يعرف كيف يجامل ويحافظ على الشعرة التي تربطه بالآخر . بل وحتى سبب خلافه مع بقية عائلات المافيا كانت قضية المخدرات التي رفض ترويجها أو التعاطي معها . في المقابل ، ابنه مايكل ، وهو الضابط السابق في الجيش الأمريكي ، نراه حين تولى الزعامة ، يتحول لوحش كاسر ، يقتل شقيقه لمجرد ارتيابه فيه ، ضاربًا بكل الاعتبارات الإنسانية وروابط الدم ، بل وخاطر والدته التي ماتزال على قيد الحياة عرض الحائط ، حيث لا همّ له إلا زعامته ومصلحته التي يضعها نصب عينيه ، وماعدا ذلك سيتخلى عنه بكل سهولة. وبغض النظر عن خيانة شقيقه له من عدمها ، فالمعنى الملتقط هنا هو الخلفية البشعة للروح العسكرية ، والتي تؤكد أن أي عسكري لايمكن أن يصلح لأي زعامة حتى ولو كانت زعامة عصابة مثل المافيا ، وأنه في الغالب سيقودها للخراب .
وهكذا العسكر.. مادخلوا قرية إلا وأفسدوها .

السبت، 21 أكتوبر 2017


زمان ، أيام ماكنت في الجامعة ، رافقتني ومجموعتي زميلة لم أكن أستسيغها ، كنت أجدها ثقيلة الطينة ، متصنّعة بصورة مرهقة ؛ متصنّعة في كلامها وحركاتها ، متكلّفة حتى في ماكياجها وأرواجها الصارخة . كانت تعمل مندوبة لأحد شركات التجميل ، لذلك لم يكن كتالوج الشركة يغادر حقيبتها أو يفارق يديها . لاأذكر أنني ابتعت منها شيئا ، أولا بسبب حالتي المادية اللي يادوب ، وثانيا لأنني ولسببٍ مجهول لم أكن أثق بها . وإكرامًا للصحبة المشتركة بيننا لم أحاول إعلان ضيقي منها ، ولم أصارح أحد بحقيقة مشاعري نحوها . ولكني تفاجأت ذات يوم ، بصديقتي المقربة جدًا مني ، وهي زميلة سابقة لها من أيام الثانوي ، تُـسِر لي ونحن نتمشى في الفناء الخلفي لمبنى المعامل بأن "فاتن" أخبرتها أنها لاتطيق رؤيتي . رفعتُ حاجبيّ وأنا مطرقة رأسي للأرض ، دون أن ألتفت لصديقتي، التي أكملت ضاحكة : لقد حدثت والدتها عن روحكِ الكريهة ونفورها القوي منكِ ، فما كان من والدتها إلا أن أكدت لها ، أنني حتمًا إنسانة بعيدة عن الله ، ومن المؤكد أنني لا أصلي ، لذلك زرع الله لي بغضًا وكراهيةً في قلوب الآخرين ! في تلك الفترة لم أحاول تقليب نظري في هذه الفكرة التي كانت من المسلّمات بالنسبة لنا ، ألا وهي ارتباط مدى شعبوية المرء وسماحته بقربه من الله وحسن طويته . خصوصًا وأنني في ذلك العمر كنت متدينة جدًا ، حريصة حتى على النوافل ، ولا تفوتني - ياحليلي- أي ندوة دينية من الندوات التي تقام في مصلّى الجامعة .
اليوم ، ومع نظرة سريعة على الكمّ المهول لمتابعي نيمار ، ومحبي شاكيرا ( بتعبير أدق مؤخرة شاكيرا) وعلى مدى تعلقهم وافتتانهم بهما ، لن تجد مناصًا من الارتياب في مسألة القبول في الأرض التي جذرها "أحبك في الله ياشيخنا " ، ومتكأها " أنتم شهود الله في أرضه" ، ومن كون هذا الاستدلال مقياس لايُعتد به ، وإلا لكان لإمام الحرم المكي والمرجع الأعلى الشيعي ، من الأتباع والمريدين الأضعاف المضاعفة مما لأهل الفن ومشاهير الرياضة ، والسوشال ميديا .

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017


نفسي أعرف العبقري صاحب مقولة " دولة الظلم ساعة ، ودولة الحق إلى قيام الساعة " !
فبعيداً عن نسبية الأشياء - لأنها قد تكون ظالمة لغيرها من الدول ، وعادلة ورائعة جداً مع رعاياها - فإن المسار التاريخي للأمم يؤكد خطأ هذه المقولة ، إذ أين هي دولة الحق التي مازالت صامدة ؟!
المسألة مسألة تدافع ، وموازين قوى ، دولة قوية باقتصاد قوي ستصمد سواء كانت ظالمة أم عادلة ، ستصمد ،... لأبد الدهر ؟ لأ طبعاً ، لكنها ستبقى حتى يحين ضعفها ، تنضب مواردها ، وتسقط هيبتها ، أو حتى يأتمر بها من حولها خشية تعاظم سلطانها !
لو كان الأمر منوطاً بالظلم والعدل ، فهذا يعني أن قارة أفريقيا عن بكرة أبيهم ظلمة ، ظُلام ، ظالمون ، وأن أهل أوروبا قاطبةً - يخزي العين - هم أعدل أهل الأرض !

لكل زمان دولة ورجال ، هذا كل مافي الأمر ، رجال يعرفون كيف يسوسون أمور بلادهم ، ويعلون شأنها لتسود ، أو أشباه رجال ، يبيعونها بثمنٍ بخس ، لأجل مصالحهم الشخصية ، لتصبح تابعة ، وعالة ، ومنتـهَكة !

بات الأمر مرهقًا مؤلما ، مثيرًا للشفقة ، وكأنّي أسمع تهامس ثيابي ترثي حالي ، وفؤادي ينشد الفكاك مني !
مامن روحٍ سويّةٍ قادرة على المضيّ بعيدًا في لعبة التحايل هذه ، أظلُ أردد : قد نسيت ... هاقد نسيت ، أنا قادرة على النسيان ، وما أن يجنّ الليل حتى ينام كبريائي ، تجتاحني لهفتي وأشواقي ، ويتمرّغ قلبي في طين حاجتي الهائلة إليك . بل إن الأمر بائس إلى درجةٍ أبعد وأقسى ، ذلك أنّي بعد التفكير مليّا ،أجدني أقرّ بحقيقة أنك لم تغبْ عن خواطر روحي أبدا ، حيث حلّ الصمت زاحمتَه ، وحيث رقص الضجيج أخرسْته ، وحيث الضباب كنتَ أنامل النور ، وجدتكُ في كل اسمٍ شابه اسمك ، في كل رسمٍ قارَبك ، في كل فكرةٍ رفضتَها ، وكل فكرةٍ روّجتَ لها ، وجدتك في كل الكون... حيث الكون لم يعد إلا أنت .
.

الأحد، 8 أكتوبر 2017


وامنحنا ياالله صبراً يليق بانتسابنا لدينك ..
اللهم يارب الضياء ، والليل الطويل ، والحكايا الموجعة . يا ملاذ الضعفاء وركن الأرواح المغلوبة ...
بلطفك يامنـّان ، نسألك ثباتاً لكل مالا تستقيم الحياة بدونه . بقدرتك ياعظيم ، نسألك زوالاً لكل مايشـوّه معاني الجمال التي أردتها لهذا الكون  ...
حسبنا علمك بخفايا صدورنا   ؛
حسبنا رحمتك التي ستتداركنا في نهاية المطاف  ؛
حسبنا أن كل هذا إلى زوال  ، وأن الختام ، ونقطة النهاية منك ، ولديك ، وإليك  .
... .. ___________________.. ...

وجدت هذا الدعاء في مذكراتي القديمة . ياإلهي.. أكنت روحًا جميلة أم مجرد آلة مُلقّنة ؟ أكنت حكيمًة مبصرة أم فتاةً بسيطة ضعيفة ! الحق أنني لم أعد أذكر ، والأكيد الموقنة به الآن ، هذا اللطف الخفي الذي تسلل لقلبي حال قراءة هذه المناجاة . اطمئنان لم أشعر بمثله منذ زمنٍ بعيد . يشبه الأمر أن تجد نفسك وعلى حين غرة أمام بيتك القديم ، فتجيش عواطفك بألوان الحنين . خصيمي يوم المعاد رجل الدين الذي شوّهه . تشدد حتى ضيّق ونفّر وأقصى . أبعدنا حتى تاهت خطانا وسط تشابك الدروب . ياالله.. أفتقد تلك الطمأنينة الوادعة . منذ ذلك الإعصار لم أجد سقفًا ولا مأوى . منتهى البؤس ؛ التسليم بالشتات وطنًا وملاذا .

الجمعة، 6 أكتوبر 2017


انتهينا ولم أحبك أنا بما فيه الكفاية ، ولم تحبني أنت من الأساس .. مخجلٌ  جدًا ! *           
بل مؤلمٌ جدا . مؤلم كوقع مفاجئةٍ سيئة  ، كارتحال الشمس وقت الصقيع . تقول الأغنية القديمة  : وانتهينا  ، كمثل الكتاب الذي تُطوى صفحته  ، كشخٍص تبسّم ، ثم ذابت ابتسامته  ! نعم ، إنه انطفاء.. انطفاءٌ موحش  ، عتمةٌ مفاجئة ، لم تحسب لها حسبان وأنت تمضي في اقتفاء ذلك الأثر ، وإذ بك وحيدًا دون دليل ، منبوذًا دون دعوة . إنه أملٌ هزيل ، كان يحتضر منذ زمن ، وكنت تدير رأسك نحو الأفق المعاكس ، كي لاترى وجهه الشاحب . كانت كل علائم الطقس تنذر بهذه العاصفة المدمّرة ، لكن الأمل المخادع زيّن لك صمت المقابر ، أوهمك بأن الحياة قد تعود مجدداً لمن فارقته ، أوهمك بأن زهرة الياسمين قد تنبت في القفار ، وأن المزن تمطر الأمانيّ جسدًا بقلبٍ ونداء !
إنه الموقف الأشد خزياً وبؤساً ، ذاك الذي يتوهم صاحبه ، كل نظرة من أحدهم ، كل إيماءةٍ وحرف ، مرسٌل له ، مبذولٌ لأجل عينيه  ! يظل يلهث بين الأسطر ، باحثًا عن لمحةٍ يجد وجهه فيها ، عن إشارةٍ تقود إليه ، عن ذكرى لاتخصه ، يسمعها تهمس له  : أنت... نعم أنت المعنيّ بهذا الشوق ، المقصود بهذا الحنين  ، وفي حين أن الظمآن يتابع السير حتى يبلغ القيعة فيصطدم بالسراب ، يظل هذا المحموم يتخبط في دائرة قلبه ، يُخرِس عقله ، فلا يسمع إلا نداء رغبته ، يظل يهش إلحاح الحقيقة عن فؤاده ، يغمض عينيه كي لايراها ، يدير وجهه شطر رجاءه الهزيل وحلمه اللقيط . وحين تمسك الحقيقة بتلابيبه  ، على غفلةٍ من قلبه ، يدرك بأسى أن حبه لم يكن يوماً ابناً شرعياً لقلبه ، وأنه ليس إلا متطفلٌ على مائدة من يهوى .
الحق أن ما وصلتَ إليه مخجلٌ بالفعل  ، مخجلٌ جدا ، ولأن أكثر ما يقتل التائهين هو الشعور بالعار  ، هاأنت ذا تسقط ألمًا وسط حقلك الجاف . تأكل نيران العار والألم فؤادك ، وهامة كرامتك ، تتمنى أن تغور في باطن النسيان واللاشعور ، أن تعود بعقارب الساعة إلى ماقبل الخفقة الأولى... بكومة برد ، ورداء كرامة   !

سمعت -  ولا أدري مدى صحة هذه القصة  - أن الوليد بن طلال ، نزل أحد الفنادق المشهورة في دولةٍ أوروبيةٍ ما ، فـ  راقه جدًا ذلك الفندق ، وأحب أن يمتلكه ، وحين بعث رجاله للسؤال عنه ، ومفاوضة صاحبه كي يشتريه منه ، اكتشف أنه هو نفسه مالك ذلك الفندق  !
أذكر في فيلم  " The Edge "  ، وبعد أن حكى انتوني هوبكنز(الرجل الثري ) لـ إليك بالدوين  ، قصصه مع المحيطين به  ، وكيف أن الكل يسعى للإفادة منه واستغلاله ، رد " إليك " مواسيًا  : هذا أمرٌ مؤسف ،  فقاطعه أنتوني : لاتأسف على رجلٍ يمتلك طائرةً خاصة  ! لكن الحق أنني أشفقت على الوليد حين سمعت بقصته مع ذلك الفندق . أيّ أحلامٍ تبقّت ليحلم بها ؟  وأيّ آمالٍ يسعى جاهدًا لنيلها  ؟!  لقد حيزت له كل الأماني والرغبات  ، وحتى وإن ظلّ منها شيئا ، فكل مايتطلّبه من جهدٍ لتحقيقها ، هو أن ينقر بإصبعيه ، فيقال له شبيك لبيك !  ما أجمل ، وأحكَم دوستويفسكي حين كتب  :
"  ثِقوا أن كولمبوس لم يكن سعيدًا حين اكتشف أمريكا ، بل حين أشرف على اكتشافها ،  كونوا على يقين من أن لحظة سعادته القصوى كانت قبل اكتشافه العالم الجديد بثلاثة أيام ، أيّ حين استبدّ اليأس بصحبه فتمرّدوا ، وأوشكوا أن يرجعوا أدراجهم إلى أوروبا  .  لم يكن المقصود هو العالم الجديد ، لقد مات كولمبوس وهو لمّا يكد يراه ، وهو لمْ يعرف في حقيقة الأمر ماذا اكتشف ، إن الأمر الهام هو الحياة ، الحياة وحدها ، هو البحث المتصل عن الحياة ، هو السعي الأبديّ إليها ، وليس اكتشافها  !    
إن التوق هو ذروة السعادة ومنتهاها ، كل ذلك الخيال الممتد ، تظل تركض فيه الأحلام بجموحٍ ورغبة ، وقلب يخفق جنونا ، هو ساحة الرقص التي يتمايل فيها خصر السعادة ، و بقدر المعيقات والمنغّصات ، سيبدو الحلم أبهى وأجمل  ، بقدر قطرات العرق المتساقطة في الطريق نحو تحقيقه ، ستنبت أزاهير الرضا  والنشوة  !

الجمعة، 29 سبتمبر 2017


رسالة إلى الدود الذي ينتظرني ...

مرحبًا عزيزاتي اليرقات ، سمعت أن أمهاتكن تضع بيضها في فتحتي أنف الميت ، وحول زوايا فمه وعينيه ، لتبدأ من هناك مسيرتكن في النهش والأكل . آلمني جدًا تخيّل هذا المنظر . أنا التي أنهيت للتو وضع قناعٍ على وجهي ، ومرطبٍ لشفتيّ و حول عينيّ ، وكنت سأضع بعد ساعات خلطًة لتكثيف شعري وزيادة لمعانه . لكني تذكرت أنه بعد خمسة أيامٍ من موتي ، سيتساقط هذا الشعر الذي طالما تباهيت به . الحق أخبركِ أنني شعرت بوحشةٍ لامثيل لها ، أغمضت عينيّ وقد تصدّع كل مابداخلي ، مشفقًا من عبثيةٍ يتعاظم إدراكها يومًا بعد يوم . فكرت للحظة في الانتحار . أن أوقف هذي المهزلة بدلاً من أن أظل في انتظارها كالبلهاء . لكني جبُـنت ، نعم... أنا جبانة جدًا ، لا أقوى على إيذاء نفسي ، صدقيني تمنيت أن أعجّل لكِ وجبتكِ ، بيد أني انتفضت رعبًا بمجرد تخيل منظر الدماء التي ستسيل مني ، وصورة دماغي المهشّم وقد تبعثر فتاته على الأرض . صوت تكسر عظامي لازال يرنّ في أذني ، لا ، لن أفعلها... محال أن أفعل ذلك ، ثم لم العجلة ، أنتِ لن تعيشي طويلاً بعد إلتهامي ، قرأت أنكم بعد التهام جسد الميت تتوجهون لالتهام بعضكم البعض حتى لايبقى منكم أحد. أنتم تشبهوننا نحن العرب في هذا الأمر . نحن أيضًا نأكل بعضنا البعض . لذلك يفرّ الأكراد منا اليوم ، ويطالبون بالاستقلال عنا . هل أخبرتك أن فتى كرديًا أحبني ذات يوم . كان وسيمًا يمتلك عينين خضراوين . كنت في سنتي الجامعية الأولى حين تقدم لخطبتي . لكن شقيقي أصرّ على أنني عربية ولن أتزوج إلا عربيًا مثلي . والدتي واستني قائلة ، أنني سأشكر لهم رفضهم هذا في قابل الأيام ، فالرجل الكردي يابس الراس صعب المراس . بيد أن قلبي تألم كثيرًا في تلك الفترة . لا أعلم كيف ستجرؤين على الاقتراب من قلبي لالتهامه. كيف تفعلين ؟ قلبي منجم حكايا وأسرار . كل خفقةٍ من خفقاته انثنت على بهاءٍ ، لم يتسنّى لجلّ البشر التقاطه . هل تظنين شغاف قلبي مجرد نسيجٍ رقيق . أبدًا أيتها البليدة النهمة . إنه حقل تأوهاتي وهمهمات رغائبي ، ولثغات دهشتي . من أيّ زاويةٍ ستعاجلين قلبي بقضماتكِ ، وفي كل موضعٍ فيه شاهد قصة ، وأثر مغامرة ، وبقايا عطرٍ انسل وأبى المغادرة . يقولون أنه بعد مضي أسبوع على الوفاة ، يتساقط الجلد وتسيل مقلة العين ! أووااه .. ياضياع العمر والمغزى ، ويا لهف نفسي على عينين طالما ساحتا في ملكوت الكون وآفاق الحياة . أهكذا أيتها اليرقات البغيضة ! بكل سهولة تنّـقضين على جوهرتي الرأس وشرفتي الروح ! العينان اللتان جالتا في حقل العمر ، وأطلقتا من جعبة السهام ماأطلقتا ، تمسيان اليوم في مرمى الطعن والإبادة !
شاهدت فيلمًا تعليميًا يتحدث عن فوائد الموت ، ويحصي مضارًا كثيرة على الكون والإنسان فيما لو كان الخلود مصير الكل . لكن ذلك لم يقنعني . هناك أناس ماكان ينبغي لهم أن يموتوا . المعري مثلاً ، كان يجب أن يظل خالدًا نستقي من معين حكمته وفلسفته . أبو نواس أيضًا ، ماكان يليق بالموت اختطافه . تخيلي معي أيتها اليرقات... لكن من أين لكِ فسحة الخيال أيتها القميئة . سأتخيل أنا لوحدي كيف كانت ستغدو الحياة حلوةً لذيذة برفقة هذا المشاغب . ياااه ، كنت سأتمرد على كل القوانين ، وأتسلل كل ليلة من منزلي لأسمر معه . اينشتاين أيضًا كان يجب أن يُخلّد في هذي الحياة . لو أنه مازال موجودًا فمن المؤكد أنه سيجد تلك الأنفاق الدودية التي ستحل لنا الكثير من المعضلات . نعم ، أعرف ماالذي يدور في خلدك أيتها الحقيرة . لست شاعرة ، ولا أديبة أو فيلسوفة ، ولا عالمًة عبقرية كي أستحق الخلود . رغم ذلك أجد نفسي كما الإسلام ، صالحة لكل زمانٍ ومكان ، أستطيع التأقلم مع كل جيل.. صدقيني . ثم أنني عذبة الحديث ، حسنة المظهر ، وقلبي كما المقابر لايرد وافد . أستطيع أن أجد لي حبيبًا في كل عصر ، وأصدقاء من كل جنسٍ وعِرق . روحي شاسعة ، أوسع من الصحراء التي وجدت نفسي فيها . سيفنى أقوام ويأتي آخرون ، وسأظل كالفوت عصيّة على التكرار ، وكما الطاقة مستحيلة الفناء .

أحيطكِ علمًا يا آكلتي ، أنه سيفد إليكِ جسد روحٍ جوّابة ، توقها بعمر الأرض ، وشغفها بلانهائية الكون ، وفيض عاطفتها بحارٌ تعلوها بحار . وهج قلبي الذي ستلتهمين ، سيعبرك ، لن تطفئه أحشاؤك ، ولن تدفنه كل رمال الأرض ، سيتمدد في كل اتجاه ، يخترق السدود ويتجاوز أعالي الجبال ، سينفذ إلى أعماق الكهوف والبحار ، يتسلل إلى قلوب العشاق ، ويستكين في زاوية مسرحٍ ينصت لعذب الألحان . سيهمس لصبيّةٍ تتهيّب الحب أن تقدمي ولاتترددي . سيحيّ الثوار . ويبتهل لأجل التائهين . سيتكيء على القمر يطرب لحداء المشتاقين . ستعتريه النشوة ويتساقط الندى من جنباته ، حبًا ولهيبـًا ، بردًا وسلاما ، شغفًا وسكرة .
والآن . هل علمتِ أيتها الديدان ، أيّ قلبٍ هذا الذي ستلتهمين ؟!

الخميس، 28 سبتمبر 2017


تخيّـروا لقلوبكم ، فما كل حبيبٍ يروي ظمأها !

7/1
.
.
لو قدّر لي أن أعود إلى إحدى سنين عمري الماضيات كي أحياها من جديد ، لاخترت سنتي الأولى في المرحلة الثانوية .
كنت في السادسة عشر من عمري. أخطو للمرة الأولى خارج نطاق حارتنا المتواضعة ، لأدخل أكبر مدرسة حكومية أنشئت في مدينتنا حتى هذا اليوم. مبنى كبير ، بفناء واسع جدًا يحيط بالمدرسة ، فناء لربما استوعب مدرستين إضافيتين . كانت الطالبات يأتين من عدة متوسطات وأحياء متفاوتة . وكان الترتيب المتبع لتوزيع الطالبات في تلك السنة هو بحسب الحروف الأبجدية ، لذا كان فصلي هو الفصل الأخير ، وهناك التقيت للمرة الأولى بـ نجوى الموصلية . هكذا اعتادت الفتيات أن يشرن إليها رغم أن والدها ينتمي للقبائل الحجازية ، لكنها اشتهرت بلقب والدتها الموصلية المنشأ . كما اشتهرت بصخبها وضحكتها العالية وشغبها الذي لايتوقف. وفي 7/1 تعرفت أيضًا إلى نهال الجزائري ، ونوال داغستاني البيضاء ذات العينين الخضراوين ، وهلا النخلي التي ظننتها للوهلة الأولى أفريقية الأصل ، حيث كل أسود اللون أفريقيّ لامحالة حسب اعتقادي . لاحقًا أخبرتني أن النخلي عائلة شيعية كبيرة جدًا تسكن منطقة العوالي . حيث لم أسمع من قبل لا بالعوالي ولا بالشيعة ولا بالنخلي ، ولم أسمع كذلك بـ ببنات القصر .
هند... إحدى بنات القصر المنتسبات للمدرسة ، واللاتي تميّزن بجمالٍ باهٍر لا يُضاهى . لكن هند كانت الأكثر روعة . إنه ذلك الجمال الذي لا تقوى معه على إبعاد ناظريك عن صاحبه ، تراقبه يتحدث فيما أنت لاتعي مايقول ، حيث ذهنك مشغول برصد التفاصيل ، والجمال الذي شق قميصه ، عارضًا نفسه مع كل رمشة عين وحركة شفة وإيماءةٍ و تثنٍ . كانت مفاجأة صادمة لي حين علمت أن بنات القصر تسمين بهذه التسمية نسبًة لأهاليهن الذين يعملون خدمًا في قصر الملك الكائن أعلى الجبل ، وبقية قصور الأمراء ، واستنادًا إلى المثل القائل " يابخت من كان الوزير خاله" فقد بدت بنات القصر أميرات مقارنًة بنا !
أستطيع القول بامتنان أن تلك السنة كانت أسعد أيام عمري، ذلك أن سعادتها ظلت نقيًة ، لم تعكرها_لاحقًا_ قتامة ندم أو طعنة خيبات . لقد كانت وبامتياز سنة الضحك. وأظنني ضحكت إلى الحد الذي استنفدت معه كل حدي الإئتماني من الضحك . وأذكر جيدًا إفسادي لصلاة الظهر التي كنت أؤديها حال عودتي من المدرسة ، حين كنت أستعيد وقائع يومي المدرسي الحافل بالمقالب والمشاغبات ، ثم لا ألبث أنفجر ضحكًا وأنا قائمة و راكعة و ساجدة .
كان من ضمن فصلنا فتاة تعاني عرجًا شديدًا ، ومراعاةً لظروفها فقد تم نقلنا إلى الدور الأول ، حيث طالبات الصف الثالث ثانوي علمي . وتم وضعنا في آخر فصٍل في ذلك الرواق . طالبات تخرج ، وتخصص علمي ، من الطبيعي إذن أن يغرق الرواق في هدوءٍ قاتل ، لم يبدده إلا صخب 7/1 بزعامة الموصلية نجوى . لقد تزعمت نجوى وباقتدار ودون منافسة ، زعامة الشغب ، ليس في فصلنا فقط ، بل في المدرسة كلها ، واستطاع فصلنا بفضل جهودها أن يُمسي على كل لسان ، أشهر من نارٍ على علم . وحتى هند القصر ( هكذا تم اختصار اسمها ، حيث حوى الفصل خمس هنداتٍ أخريات) اضطرت مجبرة على الخضوع لزعامتها ، رغم تأفف غرورها . غرور ربما لمسته معلمة اللغة العربية ، التي أرسلت لامزة ذات يوم : أتعلمين أن هند هو اسم للإبل حين تبلغ المئة من العدد . هند التي لم يرق لها هذا التلميح ، لوت شفتيها بعد أن ضمتهما ، في الوقت الذي تساءلت فيه : أليس من الطبيعي لفتنةٍ مثلها أن ينادمها الغرور ، وفكرت وأنا أتأملها : حين انتهى الله من صنعها كيف لم يصطفيها لتكون ملكًا ، أو خازنًة لأسرار الجمال !
كنا سعداء في حصة الفراغ تلك التي ترِكنا فيها وشأننا ، حيث لم تحضر معلمة لمراقبتنا ، وتجمعت مجموعة من الفتيات حول نادية ، يصلحن لها ثنية غطاء الوجه ، ويدربنها على حركة مثيرة للبس العباءة ، ذلك أن حبيبها سيكون في انتظارها في البقالة القريبة من المدرسة عند الإنصراف. في الوقت الذي توجهت فيه نجوى مع مجموعةٍ أخرى للتسكع في أرجاء المدرسة . ولا أدري أيّ هاجسٍ أغراني بالسير فوق مسار البلاط الأوسط لذاك الرواق ، لأجدني أسير عليه بحذر ، خطوةً إثر خطوة ، وكأنني على حبلٍ معلقٍ في السماء . تلتصق مقدمة حذائي بمؤخرته في استقامةٍ جهدت ألا أميل عنها . وحين كنت أبتعد تدريجيًا عن ضجيج فصلنا ، انتبهت إلى أحد الفصول قد أوصِد بابه ووضع مزلاجٌ له من الخارج . وقبل أن أقترب من نهاية الرواق داهمني شعور غريب ، ألحّ عليّ بضرورة رفع رأسي ، وفعلت.. لأصطدم بسهام الأعين التي كانت تراقبني من فصول الرواق ، ليصبح مسمى هند السحاب ملازمًا لي لعديد سنوات .
قبيل نهاية الحصة عادت نجوى ومجموعتها إلى الفصل مشحوناتٍ بحماسٍ ملتهب وحزمة قهقهات . وبعد رنين الجرس بمايقرب العشر دقائق تعالت طرقات و أصواتٌ غريبة في الرواق . لقد أغلِق باب الفصل إياه بذاك المزلاج ، وحبِست معلمة اللغة العربية وطالباتها داخل الفصل إلى أن تم فتحه لهن من الخارج . قامت قيامة معلمة العربي الصارمة ولم تهدأ . وتوجهت بكل حزمها ونارها نحو الإدارة ، تلتمس من مديرتنا عقابًا صارمًا للصف 7/1 الذي أيقنت بشدة أن لاسواه يجرؤ على تلك الحركة الوقحة ، واقتحمت المديرة بكامل طاقمها فصلنا ، وعاجلتنا دون إبطاء بسيلٍ من التوعدات والتهديدات والتوبيخات . توقفت فجأة، ثم سألت بهدوء ونفاد صبر : من التي أغلقت الباب على ( أبلا) عائشة . ورغم أن نصف الفصل كان يعرف يقينًا الفاعلة ، والنصف الآخر يظن ظنًا مؤكدا ، إلا أن الأمر كان أقرب إلى ميثاق الشرف ، وعهدٍ قطِع دون كلام بأن نظل يدًا واحدة . ومازلت حتى هذا اليوم أتساءل كيف استطاعت تلك المديرة الداهية سبر أغوار أعماقنا ، والتفرس في أرواحنا بكل تلك الحنكة ، لقد أدركت جيدًا نقطة ضعفنا . وكيف تنتزع منا ماتريد . وقفت أمامنا مباشرة ثم أرسلت : حسنًا . التفتت نحو أول طالبة تجلس إلى اليمين : أنتِ... قفي . وماأن وقفت الفتاة حتى عاجلتها : أقسمي أنكِ لستِ الفاعلة. ورددت الصبية القَسم رغم الدهشة العظيمة التي اجتاحتها ، لتطلب من الثانية : والآن أنتِ... أقسمي كما أقسمت زميلتك ، وخيّم وجومٌ ثقيل على الفصل ، وتوجٌس باقتراب حدثٍ مؤسف . وماأن انتهت الفتاة الثانية من قسمها حتى سارعت المديرة توقف طالبًة جديدة وتضيف هذه المرة قسمًا جديدًا بأن صاحبته لاتعرف من الفاعل . وهنا شق الفضاء صوتٌ حادّ مرتبك : أستاذة أرجوكِ توقفي . وتقدمت نجوى : أرجوكِ يكفي ، أنا من أغلقت الباب . وتعلقت أنظارنا وقلوبنا بنجوى التي اقتيدت للخارج . ومضيت إلى المنزل وحيدة لأول مرة ، تاركًة نجوى في انتظار والدتها التي تم استدعاؤها . وفي اليوم التالي تنفسنا الصعداء حين علمنا باقتصار العقوبة على خصٍم من درجات السلوك ، وفصلٍ عن المدرسة لمدة أسبوع .
كانت نجوى عرّابة ثورتي ، وأيقونة التمرد بالنسبة لي ، في حين رأت والدتي أنها ساقية بذرة الانحراف التي آمنت بتأصلها فيّ . وهكذا ، ماأن حلّ اليوم الرابع لغياب نجوى حتى بلغ بي الشوق إليها حدّه ، واحتلت على والدتي كي أخرج من المنزل لأزورها. وفي الوقت الذي ارتفع فيه صوت أذان العشاء كنا نجلس على درجات السلم المؤدي لبيتها ، أرسلت معاتبة : لماذا يانجوى... لماذا فعلتِ ذلك ، لقد كانت المعلمة عائشة تحسن معاملتك ؟ أطرقت قليلاً قبل أن تجيب : الحكمة تقتضي ياهند أن أحتذي بك وأصغي إليك ، لكنني بدلاً من ذلك كنت أصغي لهند القصر
- هند القصر !! وماشأنها في هذا الموضوع ؟!
- لقد كانت هي من دفعني لإسقاط المزلاج ، ظلت تحرضني وتغريني هامسة : الوضع آمن.. هيا ، دعينا نمرغ أنف هذه المتعالية في التراب... هيا أدخِلي المزاج . بل إنني حين ترددت في اللحظة الأخيرة ، ورفعت يدي ، وضعت قبضتها عليها ودفعت المزلاج.
- ماذا ؟! ماذا تقولين ؟! أمسكت بيدك !... وإذن فهي فعليا من أوصدت الباب !
-نعم.
أدركت منذ ذلك اليوم أن تربية أهل القصور لايمكن أن تشابهنا أو تقترب من أرواحنا ، وأنهم مهما أظهروا لك من مسايرٍة وخضوعٍ ولين ، فلست في اعتبارهم إلا فأر تجارب ، وكبش فداء ، وممر عبور .
أَشْتَهي في الغناء بُحّة َ حَلْقٍ ناعم الصَّوتِ مُتْعَبٍ مكدودِ
كأَنينِ المُحِبِّ أضعَفَهُ الشّوقُ فَضَاهَى بهِ أَنينَ العُودِ

الأحد، 24 سبتمبر 2017

إنه أفظع خبر قادر على إفساد يومي !

أن يقضي أحدهم نحبه في زنزانةٍ عربية ، أن يكون آخر ماتقع عليه عيناه صور أعدائه وهم يتشفون به ، ويضحكون لألمه !
لا الموت غرقاً ، ولا حرقاً ، ولا بالبراميل المتفجرة ، ولا بالدبابات أو الصواريخ ، ولا بأي سلاح ، قادر على أن يبلغ بك أعماق الوحشة والعذاب ، والمهانة ، التي توصلك إليها أقبية التعذيب العربية !
أن يزورك الموت كل يومٍ وليلة وما أنت بميت ، أن يُقسّـط لك الوجع جرعات ، حدّاً يفقِدك تأوّه الـ آه ، أن تصرخ طلباً للرحمة ، فتؤخذ الرحمة وتنحر على أطراف قدميك ، أن يفر قلبك إلى أعماقك من شدة الألم ، فتبتسم أملاً في توقفه ، وإذ به يخونك كما كل شئ هنا ، ويعاود نبضاً ماله من داع ، أن يصرخ كلك ، يطلب الفكاك من كلك ، ممن حولك ، من وجه الحياة التي لاتشبه الحياة ، أن تطلب الأنين فلا تقوى أضلعك على التلبية ، أن تتعرف ولأول مرة على أجزاء من جسدك ، تُـطِـلّ ناتئة ، متورمة ، نازفة ، متقطعة ، متقيحة ، أن تصغي ولأول مرة لصوت تكسر عظامك ، واختناق رئتيك ، وحشرجة صدرك ، وانسداد شرايينك وأوردتك ، أن تراقب ملامحك تضيع منك ، حد أنك تتحسسك فتنكرك ، أن تغيب صور أحبتك داخل حجارة هذه الأقبية ، وتختفي أصواتهم تحت رداء جلادك الذي سدّ الأفق ، وحال بينك وبين مساماتٍ تنفذ منها رائحة العالم الخارجي...!
إنها أيقونة الزنزانة العربية !

هناك.... يموت الآخرون وهم يركضون سويا ، يمسكون أيدي أحبتهم ، يسمعون أصوات بعضهم ، الموت هناك دافئ ، تتشبث العيون بالعيون على وعد لقاءٍ قريب ، فيما أنت هنا تموت في الصقيع ، في الضياع ، في غربةٍ مقيتة ، حيث السواد يبتلع كل خيوط الضوء والأمل ، حيث لا وجه إلا للانهاية ، ولا صوت إلا للنداءات القديمة اليائسة ، حيث أحافير الشقاء تحكي قصص رحلاتها المخيفة !
أن تموت هنا ، ذلك يعني أن كل ألوان الكراهية قد احتفلت بك ، الزنزانة تمقتك ، وصاحبها يبغضك ، الجدران تلعنك ، الطعام يكرهك ، الممرات تبصق عليك ، اللحاف المهترئ يسخر من ضعفك ، السقف المسخ يتوعدك بالسقوط ، الأرض في شوقٍ لابتلاعك ، كل ماهنا يلعن وجودك ، يتوق للخلاص منك ، ووحدك تسأل : لماذا ؟ متى كنت عدواً لكل هؤلاء ؟!

أن تموت في سجنٍ عربيّ ، ذلك يعني أنك قد حصلت أخيراً على بطاقة عبور ، على ختم خلاص ، أنك قد دفعت كل ضرائب الإنسانية المستحقة لوجه الطغيان الذي لايشبع ، في حين توهمت أنه قد أتخِم بعد بلعك !
الآن... في منتصف الرحلة بين عالمين تأمل أن يكونا متناقضين ، في هذا البرزخ ، يمكنك أن تهدأ ، أن تُـسـلِم ماتبقى منك للسكينة ، ليس عليك أن تقلق بشأن شئ بعد الآن ، لم يعد هناك ماتخسره.... فقط كن واثقاً أن هذا الغيم الناعم الذي تستلقي عليه ، سيستحيل سعيراً متقدا حين يفد إليه جلادك .

السبت، 23 سبتمبر 2017

من معيري سمعه ، أسكب في سمعه أنّات قلبي المجهدِ !

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى العالم لوحة جمال !  لأصغي لصوت الأمل . لألهث مع سباق الأيام ، بقلبٍ غضٍّ لايتوقف عن الخفقان ..
كنت صغيرةً بما يكفي لأشفق على الجميع ، لأفتح قلبي على مصراعيه ، لأصدّق كل وعود الحب ، كل قصائد الشوق ، وكل نداءات الحنين ، لأبصر وجهاً واحداً لكل من عرفتْ ، لأرى لوناً واحداً لكل الكلام ،  لأتعامى عن ما وراء الأكمة ، بل عن الأكمة ذاتها  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأنكر وجود المتغيّر ، لأتخيّل كل ماحولي ثوابت لها قيمةٌ لاتتبدل ! لأرى القلوب البيضاء ، لا سواها ، لأحسب الأفق بداية مسير ، وميثاق سعادة  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأرى أمي قويةً لاتنكسر ،  لأظن أبي أسطورة الرجال… !!
كانت قدماي ناعمتان ، وكنت أؤمن أنهما ستظلان كذلك ، مادام الطريق الموصل للحلم تزيّنه ألف غيمةٍ بيضاء…
كنت صغيرةً بما يكفي لأخلّد لحظات الجمال ، لأصدق خرافات الوفاء ،  لأوقن أن السلام هو مسك الختام . لأصدق أن المسافة بين الذكاء والسعادة  أقرب من حبل الوريد ، وأن ليس بيني وبين تلك المنعّمة إلا وثيقة التخرج وفرسخي فرحة !
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المحن تصنع الرجال ، وأن الآلام تهذب النفوس ، وأن الصعاب تقويّ العود ، وأن نقشة الذهب الرائعة كانت بفعل الطرقات المتتالية عليه !
كنت صغيرةً بمايكفي لأصدق أن من أطال لحيته فهو آمن ، ومن قصّر ثوبه فهو آمن ، ومن تسوّك فهو آمن ، وأن وحدهم المخيفون هم المقبلون على الحياة  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأعتقد أن جارنا التركي هو من ذات قبيلتنا ، وأن أم سلمان الكشميرية هي جدة أخي الحقيقية ، وأن حنان إنما غسلت شعرها بالكلوركس ليصبح بهذا الشكل  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأدوّن في مذكرات الآخرين اسمي وتاريخ توقيعي ،  لأتوهم أن الحنين عصيّ  على الشيخوخة  ،  مستحيل الفناء  !
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن الغربة منتجٌ خاصٌ بالمرتحلين ، أولئك المرسومة ملامحهم على الحدود  ، لأردد بإخلاص :  العين بعد فراقها الوطنا لاساكناً ألِفتْ ولا سكنا  !
وكبرت….
كبرت لأدرك أن البقاء لصاحب الوجوه الكثيرة ،  وأن الزوايا هي ملاذ أحاديي الوجه ،  وأن الكلام يتعرّى كل نفاق  ، فلا يتمنّع لمس الأصباغ  !
كبرت لأدرك أن لاثوابت إلا في صدور الغرباء ،  الناصبين خيامهم على حافة الموت  ،  وأن الكلّ متغيرات ، تحمل كل يوم اسماً وخانة  !
كبرت لأفهم الخيبة في عينيّ والدتي ، حين يخيّرنا والدي  نهاية الأسبوع بين دجاجة أو مثلجات.. لأدرك أن حدود مملكة والدي الأسطورة كانت تنتهي  عند عتبة بيتنا  ،  وأن مصنع المحن ينتج بضاعةً " مضروبة " ، وأن الآلام تشوّه الروح ، وأن الصعاب تكسر الظهر  والعود  !
كبرت لأكتشف أن الأقدار كانت خلفي تكتم ضحكةً ساخرة  وهي تراني  أسطّر توقيعي في " أوتجراف " الرفاق  !
كبرت لأدرك أن الفقر سمةٌ وراثية ، وأن هويّة الفقير في عينيه ، وأن ذكاءه إنما لتجميل فقره ، لا لتلويث باحات الأغنياء به ، وأن الفرسخين الفاصلين بيني وبين المنعّمة تكاثرا بفعل حرارة القهر  ، وتعاظما أميالاً بطول الأرض ، وأن وثائق تخرجنا هي للصناديق المغلقة حين عجزت جدراننا المهترئة وقاماتنا الهزيلة عن حملها  .
كبرت لأستمع لتاريخ جارنا التركي البغيض ، الحاقد على العرب ، ولأكتشف أن أم سلمان ليست منّا ولا من قبائلنا ، وأنها إنما قطعت سُرة أخي ورعتْ والدتي في مرضها ، وأن شعر حنان ماهو  إلا باروكة أخفت به عار مرضها  !
كبرت لأكتشف أن للحى الطويلة استخدامات عدة ،  تبدأ بتجارة المخدرات ، مروراً بتسهيل  المعاملات  ، ولا تنتهي عند مسح بلاط  الولاة  ، وأن جارنا الـ بدون لحية مات ساجدًا في صلاة القيام ،  وأن أم أحمد الفاسقة التي كانت تصافح أبو العبد حين تلقاه ، بكتها حجارة الحي قبل أطفاله عند رحيلها  !
كبرت واخشوشنت قدماي الناعمتان ،  ولم يعد يجدي معهما أي مرطب ،  لقد كان الطريق شاقا وطويلا ،  وكلي امتنان أني لم أفقدهما حتى الآن  !
كبرت وتغضّن قلبي الصغير وانكمش ، بات يلمح وجه السماء الباكي آن المطر ، ويرى لساناً هازئاَ يطل من ثنايا قوس قزح  !
كبرت لأتحسس غربتي وضياعي بين وعود الوطن وجدب القلوب  ،  لأجدني أغمس روحي كل ليلة في زحامهم  فلا أرجع إلا بخفيّ توهة  !
كبرت وتفتّق عن حزني ألف طيف ، كلٌ في وادٍ  من الخيبة يعمهون .

الجمعة، 22 سبتمبر 2017

لا إله إلا الله. أنعم به رحيمًا كريما.

.
أفكر أحيانًا أن هذا النفق الطويل من الصمت ، الذي وجدنا أنفسنا فيه ، ليس إلا شعورًا صادقًا ، لم نقف أنا وأنت على حقيقته ، ولم نحاول تبـيـّن ملامحه ، أشعر بقوة أن الذي بيننا هو أعظم من أن نفهمه أو ندركه ، وفي كل مرة أتحسس فيها قلبي ، أجدك أكثر الساكنين فيه هدوءًا وثباتا .

لقد حافظنا على صمتٍ ، أقرب ما يكون إلى الغباء !
كان ذلك هو إعلان العصيان الذي أصدرته مجموعة الدفاع عن مدينة لاباث ، عام١٨٠٩م !


هو خيطٌ رفيع ونقطةٌ فاصلة ، شعرة وضع بها معاوية حجر أساس الدبلوماسية ، فيما التقطها ابن المقفع وصاغ من خلالها حكمته : إنك إن خلطت بالجد هزلاً هجنته ، وإن خلطت بالهزل جداً كدرته !
هي شعرة التردد التي راودت ابن رواحة عن نفسه ، فقطعها بسيفه ومقاله : أقسمت يانفس لتنزلنه... مالي أراك تكرهين الجنة !
منطقة الفراغ بين اللاء والنعم ، البقعة الحائرة بين الضباب والصحو ، التعثر بين الإقدام والإحجام المثقلة بألف ظنٍ وخيال ، تتنازعها أيادي الخوف والرجاء !

وأنت الواقف مابين البين ، تنظر للمصائد ولاتجزم بوجودها ، تموت في حنجرتك كل يومٍ ألوف الكلمات ، تزدرد الغصص ، وتطلق تحت لحاف الليل الصرخات ، أنت القابع في مدينة الثلج ، تتأمل الشوارع واللافتات ، كل عنوان.. شتيمةٌ واتهام ، وفي كل زقاق عينٌ تغمزك ولسانٌ ممدودٌ يسخر منك ، تتابع أخبار الذين غادروا مناطق الصمت وتقضم مؤخرة الوقت ، يحاصرك استنزال ابن رواحة : أقسمت لتنزلنه... لتنزلنه... لتنزلنه... ، يزلزلك صهيل الخيول ، وقرع الطبول ، ونشنشة الدروع ، تمزقك الأوصال المقطعة ، وتخنق صوتك رائحة الدماء ، وينعقد اللسان على آآهٍ حائرة !
أنت الهارب إلى أطراف المنافي ، لن تتذكرك إلا شمس القطب ، تلعنك كل الحدود والمواقف الفصل ، يمقتك البياض والسواد ، ولايؤنس ضياعك إلا يقين الأشباح !

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017


كان يدرك جيدًا مأساة هذي الحياة ، وقدرها المحتوم ، كان يعي أن الفرحة بعشر ترحاتٍ أمثالها ، ويضاعف الحظ البائس لمن يشاء ، كان يعرف كل مخارج التعاسة ، ولم يحاول أن يكون محارب طواحين الهواء... فقط ماتاق إليه ورغبه بكل جوارحه ملاكٌ يخفف عنه وحشة الطريق  !

.


إن الجو المتطرّف برودةً أو حرارة لايصنع مناظرًا جميلة ، فإما جليد وإما قفارٌ حارقة . والإبداع غالبًا بحاجة لجوّ متعادل ، كذاك الذي يصنع المروج الخضراء . وقد يكون لدى الكاتب بركان كتابة ، لكن الحياة تضرب على روحه قشرًة صخريّةً صلبة ، تخنقه ليتوارى إبداعه احتقانًا داخليا ، حتى إذا ما صالحته الحياة ، لانت تلك القشرة ، ونفذ منها ما يصنع شفقًا يسلب الألباب ويعيد صياغة الحياة ، وهكذا يكون الإنتاج الإنساني الواقع تحت نيّر الحاجات الملحّة . وفي ذلك يقول المنفلوطي : وما نبغ النابغون فلاسفًة و علماء وحكماء وأدباء إلا في مهود الفقر وجحور الإملاق.
ومن الخلق من هو مهيأ بعوامل إبداعٍ كامنةٍ فيه ، أشبه بالجمل الذي يشرب من سنامه ، أبدًا مايظل سلطان البيئة عليه ضئيل. بعكس الآخر الذي هو كنباتات الزينة ، سريعًا ما ذبلت عند أول ضربة شمس ، وانكسرت عند أول لطمة ريح.

كل مافي الأمر أننا التقينا في ذات اللحظة التي أطلق فيها القطار نداء المغادرة...
كانت روعتك حقيقية أكثر من قدرتي على التصديق ، وماأن لمستُ عيبك البشري ، حتى سارعت أضعه تحت المجهر ، أكبّره وأمدده ذات اليمين وذات الشمال... كان من السهل حينها أن أعطيك ظهري وأقفز نحو القطار ، منتشية بوهم انتصار ، مربتة على قلبي أن بوركت، قد تجاوزتْ الامتحان ، وليس العابر إلا كما غيره... سريعاً ماسيطويه النسيان .  
يوم يومان ، محطة ومحطتان... وجوه عديدة وعابرون بعدد الرمال... ووحده وجهك يتبدى وسط الزحام ، وحده صوتك يطغى على أكاذيبي وحيلي التي لم تنطلي على قلبي وما جاوزتْ له عتبة شغاف.. أدس روحي بين كثبان الأيام ، أوغل في نفق التشاغل ، لأصطدم في نهايته بحقيقة أن كلماتي الأولى لك ، تلك التي اجتهدتْ في التزيّن وعجلت إليك لترضى كانت الأصدق ، وكان صوت روحي فيها أعلى سهمًا من صوت فمي...
كان يمكن لكل شيء أن يزول ويفنى من ذاكرتي  ، إلا صوت أنفاسك ونداء عينيك ، كانت إطالة التحديق في عينيك خيارًا ملحّا ، ورغبةً طاغية ،  تلذذتُ بسكرتها المدوّخة وعمرها الـ أقصر من حلم يائس...
ماأقسى أن تحدق في عينين تحبهما فيما أنت موقن بفراقهما .

لست أدري عند أيّ محطة خيبة أضعتني !
أذكر أني ذات أمل كنت أتوق للحب ، كنت أؤمن به، أصدقه... كنت أرى المنكرين له تماثيل محنّطة لاتعي ولا تفقه... كنت أرى العالم أصغر من أحلامي ، وأضيق من خيالاتي..
لم أصدق أن في البشر من يقوى على الأذيّة ، كل الوجوه بدت لي ذات مسحةٍ ملائكيّة .
كنت ألمح الجمال في كل التفاتة ، أذكر أني ذات ليلةٍ حالمة ، سهرت أتأمل خيوط القمر المنسابة على وسادتي ، وشعرت وكأنها صورة هاربة من روايةٍ خيالية . كان قلبي شفافًا ، صغيرًا... هشّا !
اليوم... أبحث عنه فأصطدم بالوجوه القديمة ويرعبني تشوهها ، أفتش عنه فتربكني ابتسامات التماثيل المحنّطة الساخرة. عبثًا أدور وأنقّب فلا أجد إلا خيوط القمر الذابلة.. الوسادة القديمة انتهت ، ولم تتبقى إلا الرواية الخيالية .

كان والدي رحمه الله يمنعنا من قلي السمك في البيت إن كانت كميته قليلة لاتكفي لاقتسامه مع جيراننا ، يقول : السمك رائحته قوية ، كيف تصل لجيراننا الرائحة ثم لايطعمون منه . فإن وجد رغبة قوية من إخوتي في أكله ، تناوله وتوجه به لأحد المحال لقليه ، وعاد به ملفوفًا في سبعين ألف ورقة. هذا مع أن جيراننا لم يكونوا فقراء معدومي الحال . لكن كان هذا مما تعارف عليه الناس آنذاك ، وحين تطبخ إحدى الجارات ملوخية ، ثم " تقدح" رائحة "كشنة" الثوم مع الزيت في الحارة ، فلابد أن يُمرر لكل الجيران صحن ولو بحجم الكف منها .
اليوم . مع إيقاع السناب وحمى الاستعراض ، وانقطاع الروائح الأصيلة ، بات الرهان على من هو الأشد أذيةً وقهرا . وكأنه لايكفي قهر حكامنا لنا ، فتعاونا على بعضنا استعلاءً وتجبرا . لن تروا فقط طعامنا الوافر ، وموائدنا العامرة ، بل سنأخذكم إلى غرفنا الجميلة ، وألحفنا الدافئة ، ودواليبنا المتخمة ، ومجوهراتنا الثمينة ، وحفلاتنا الصاخبة ، سنتلذذ على مرأى ومسمع منكم بالمثلجات الباردة في عز الصيف ، وبالمشروبات الساخنة في أحلى إطلالة . ستسمعون ضحكاتنا . وتشاهدون اجتماعاتنا العائلية. وأصدقاءنا الرائعين ، سنصور لكم حتى هداياهم لنا في أعيادنا وأفراحنا ، وليالينا الملاح التي لاتنتهي... أنتم ، أنتم المعدمون ، أنت ياصاحب البيت المتهالك ، أنتِ يا ذات الفستانيْن ، وأنت المحروم من العافية ، وأنتِ الـ بلا عائلة ، أنتم البسطاء رغمًا عن الأنف ، الزاهدون دون خيار ، المتخففون بفعل سياط الدهر .
كانوا يقولون بأن البشرية قد تنتهي بفعل قنبلة نووية ، هيدروجينية ، كيماوية . نعم سنفنى ، سننتهي ، لكن ليس بأثر قنبلة أو سلاح آلي . ما سيفنينا هي قنبلة الجنون ، السعار البشري المتعطش للاستعلاء والظهور ، للارتقاء على أرواح البشر ، لعقد المشانق للمسالمين ، المستكينين في دورهم هادئين . نحن على الطريق السليم نحو الهاوية . الحمد للمولى . في الشرق الأوسط قمنا بدورنا على أتم وجه ، ماعجزت عنه الحروب ومعارك الطائفية ، توليناه بوسائل "القهر" الاجتماعية . وأما الغرب فهم في سباقٍ جيد مع الزمن لإيصالنا للوحل ، زواج المثليين ، والتصريح بممارسة الجنس مع البهائم ، وقريبا جنس المحارم ....
المجد للخراب. المجد للفناء . المجد لهذي الأرض البوار. لهذا الكون دوننا ، لابد أن نفنى عن بكرة أبينا ، لربما نبت من بقايانا من هو خيرٌ منا . بل لا أمل يلوح إلا عبر هذه الصورة .

وحين اتجهت بنظرها صوب مغيب الشمس ، سمعته يهمس :
- لماذا أشعر أن قلبكِ عصيّ على الحب؟
تأملت عينيه وأرسلت :
- قلت لي ذات يوم أنك تضعني في منزلةٍ أرفع من الصداقة وأدنى من الحب ، ومذ علمتُ قدري لم أجرؤ على مبارحة خانتي ،  ولو أنك تقدمت شبرًا لسبقتك ذراعاً ، ولو أعليتني شعرةً لوهبتك فوق العمر عمرًا !.

.

مقولة أن الأديب قد نضب معينه ، فقدَ قدرته وبات يكرر نفسه ؛ مقولة خاطئة ، تنفي مبتدأها ، من حيث أن المعني بها لم يكن أديبًا من الأساس . لايمكن لمن امتلك الموهبة أن يفقدها . هذا محال . مايحدث هو أن وهج الأديب يخبو ويخفت بسبب فقدانه للدافع ، للحماس ، لما يثيره و يربكه ويشتته... نعم ، السكون لايناسب الأديب ، والاكتفاء يلجم توقه وإبداعه ، وهاهما سيدا الشعر والحكمة والفلسفة ( المتنبي والمعري) صنعت لهما الأقدار حاجة ، لتجلي في مرآة نفسيهما الناصعة صور حاجاتنا البكماء . وماقيل عن أن كل ذي عاهةٍ جبار يؤكد أن الثغرات الروحية قد تكون مخارج للإبداع . وقد يصنع الحرمان مما في أيدي الطين أرواحًا تشرئب لما في غيب السماء ، ولو امتلأت أيدي الأدباء مما في أيدي المترفين لما وجدوا وقتًا للبحث عن الجمال في فتافت الحروف و زوايا الصور .
وكما يظهر الجفاف على أديم الجسد ، يظهر قرينه على أديم الروح ، حين يبخل الكون بغيثٍ تزهر به جنة الأديب . إما ذاك وإما فهو لايعدو عن كونه سارقًا. والسارق لايكتب إلا في ظل المسروق ، وتحت شمعة فكره ، فلا تأتي كلماته إلا بظل سيدها الحقيقي . وليس إلا الأديب الحق من يستحضر المرارات التي أصبحت جزءً من طاقةٍ أحفورية . ليس إلا هو من يجيد غرز إبرته من ثوبٍ إلى ثوب ، رغم تباعد الأقمشة ، ليحيك منها في النهاية ثوبًا قشيبا.
الأديب جوّاب آفاق ، ينهب أطراف فكرته من حواف السماوات ، يخط ملاك موهبته النور في وجدانه ، لتخرج حروفه لنا بيضاء من غير سوء تشع فتنةً وهداية !
الأدباء واسعو مدى التردد بين الأطياف ، يقرأون ما لم يكتب في السطور ، ويسمعون مالم تنطق به الشفاه ، يتخطون مدنهم والأقدار والحدود ، يصغون لصوتٍ من أعماق المدى ، على ترددٍ مرسل لهم لا لغيرهم .
ليس معينهم من ينضب ، ولا خيالهم من يتبخر ، ولا لغتهم من تشيخ ، ولا سحرهم من يزول ، هي استراحة محارب. قد يوافيه الأجل وهو يهمّ بمغادرة الظل . لكنه لن يفعل إلا وقد بث الكون حنينه وعوالج نفسه ، تلمع نجمة ، ويعوي ذئب ، وتظل تدوي الريح ، تبذر بصماته في الحقول ، وتنشر آهاته على الطرقات وبين الجفون.



يشبه الأمر استيقاظي كل ليلة ، أبحث عن أقمار أضعتها ، حين تكدست قناديل الشوارع ؛
يشبه الأمر نداءاً خفيا ، أصيخ السمع له ، وأسير في أثره ، لأجد أحلامي القديمة قد مسها الضر والهزال ، أمد يد العون لها ، فإذ بها تأكل قلبي ، ثم لا تلعق أصابع الذكرى  ؛
يشبه الأمر فراغاً لايمتلئ ، وشوقاً لاينضب ، وتوقاً لا يعرف انطفاء  !


أن أراك تبتعد.... ماذا يعني ذلك !
أنت الذي لم تكن لي يوماً ، ولم أكن لسواك أبدا ، أنت الذي لمحتك في عيون الكلّ ، وحين عثرت عليك ، استطال ظلك كي أبقى معلقةً مابينه وبين خطاك التي غابت في الضباب ، أنا التي ظنّت أنها حين تجدك ستفقأ عين الخيبات ، وإذ بك وعلى سبيل الوجع تمسي أعظم خيباتي  !

يشبه الأمر جراحي القديمة تظل تئن تحت لحاف اندمالها ، وأظل أحتال حتى لاتسيل دماؤها ؛
يشبه الأمر سفري الطويل نحوي ، بعيداً عن محيطي ، ودون إذنٍ من واقعي ، أن أظل أنقب عن شئ لا أعرفه ، عن شبحٍ لم يره سواي ، وأسطورةٍ لم يؤمن بها غيري  !
إنه الضياع... حين أنكر واقعي  ، وتجحدني أحلامي ، فلا تحملني خطى ، ولا أجد رغبةً في الاستمرار  !

أن يهز صدى الأنين أضلعي ، حتى لا أقوى على تناول الأنفاس ، أن تؤرقني كل هذي الأحداث والأطياف ، أن أشعر دوماً أني سرِقت ، وأكيل الاتهامات لكل من عبر حقولي ، أو مرّ بسياج روحي   ؛
حين أظل أحدّق في خرائطي القديمة التي تجاوزتها جغرافيا الكون  ، ذلك يعني أني خسرت  ،  تلجمني الدهشة ، ويمنعني كبريائي من أن أرفع راية الاستسلام   !

أن يظل بعضي يركض خلفي ، ثم لا أدرك إلا الفوت  !
أن أصل دوماً بعد تفرّق الجمع ، وتوقف المطر  ، أن لا أجد في استقبالي إلا المحطات الفارغة ، و أثراً من تلويح ؛
أن أقف... أدير وجهي نحو الماضي ، علّني أقع على تعويذتي ، أو أعثر على ما وقع مني ، وإذ بشئ سريعٍ يمرني  ، يلفح  وجهي ، يخطف أنفاسي وبصري  ، حتى إذا ما غادرني  ، تبيـّنـته ، فإذ هو أيامي وعمري   !

يشبه الأمر أن أكون أنا في كل زمانٍ ومكانٍ قُيّد بإسمي  ، ويصدف أنّي لا أشبهني   !

الذي حدث ، أنني أمضيت فترة استيقاظ أحاسيسي ، وتفـتـح رغائبي  ، وتوهجي ، في بيئةٍ جدباء ، شهباء ، قاسية ، لاتعرف الحب ، ولا تتقن فك رموز الجمال ، تضيق ذرعاً بكل انطلاقة  ، وترتاب في كل آهة ، تنكر الشغف ، وتقص أجنحة التوق والأحلام المتوثبة  !
وهاأنذا اليوم ، قد فتحت لي الدنيا أبوابها ، مال ، حرية ، وبدن موفور العافية ، أحاول تهجئة السبيل ومامن فائدة  ، قد جفت منابعي ، وتيبست أغصان اللهفة ، فلا رغبة ، ولا إرادة  ، لي قلبٌ اليوم لايجرؤ على المناوشة ، ولا يطلب إلا العزلة والسلامة  !

فحذار أن تتركوا زهرة أيامكم تتفتح وسط الخرائب  ، حذار أن تتقد عواطفكم في فراغٍ مسلوب الهواء  ، حذار أن تختنق أحلامكم في قبضة من لايحسن البسط والتسامح  !
حذار من القيد ، من التردد ، من مخافة اللوم ، من زيارات الندم في الليالي الحالكة  .

وكبدويةٍ قادمةٍ من الصحراء ، لم يكن من السهل عليّ تجاوز ذينك العاشقين اللذين التصقا ببعضهما عناقًا وتقبيلا ، تسمّرت لثوانٍ أرقبهما ، أتأمل الهيام الذي أحاطهما ، واللهيب الأذابهما ، أنا الآتية من بلاد المحجب والمقدس والممنوع ، حيث الجدران تنبّـه : إياك والتدخين ، أنت في مدينة الرسول . حيث الأصوات تعلو : اتقِ الله ياأمة الله "غطي وجهك" . حيث أسير ، أستشعر رمل الأرض يهمس : خفف الوطء ، إنما أديمي أجساد المهاجرين و الأنصار ، وعبر الأثير صوت طلال : في موطني بزغت نجوم نبيهِ ، والمخلصون استشهدوا في حماهُ . أنا التي تلقيت لكمةً على عيني ، حين وضعت الكحل فيها لأول مرة ، وخرجت أطلب الغزل ، لا شيء سوى الغزل ، كلمة إعجابٍ صغيرة من أحمقٍ عابر ، سينهار أمام كيسٍ أسود في أعلاه ثقبان يبرقان ، لكنها كلمة كانت كفيلة بأن تبلل ريق القلب الناشف حد التشقق . وظللت أمشي الهوينا ، خطواتي إلى الأمام ، وعيناي على العاشقين ، هما على حالهما وأنا أمضي.. أتقدم... تمر الثانية تلو الأخرى ، وهما مازالا في سكرتهما ، جاوزتهما ، هما المقابلان لي على الشارع الموازي تحت ذلك البنك ، وموظفوا البنوك في مدينتي كانوا لايُزوجون ، لأن مالهم سحتٌ وحرام ، وبحسب فتوى ابن باز في الثمانينات " لو كنتَ في يومٍ قائظ وعليك أشد حمى ، ولم تجد إلا ظل بنك فلا تستظل به " ! وأنا هنا وتحت ظل البنك عاشقان يتبادلان الغرام . أصبحا خلفي ، جسدي يتقدم ، وعيناي حيث هما . قدماي تنهبان الأرض ، وقبلاتهما تنهب قلبي . وسرت القشعريرة في جسدي ، حرارةٌ فبرودة ، رجفةٌ فغثيان ، غيرةٌ فألم . ورأيت القبضة التي امتدت لعيني ذات رغبة ، تعاود عقابها بعلة الزنا هذه المرة ، زنا العين ، جُرم تأمل فعل الحب. نظرت مجددًا .. ياإلهي، متى يتوقفان . هل هما جادان. ألا يخجلان . شعرت حينها بأنني مذنبة. كيف ولماذا ، لست أدري ، كل ماأدريه أنني مطالبة بالاعتذار . وتخلصت أخيرًا منهما ، وإذ بي أمامي في مقهى باردٍ بعيد ، حيث الضباب وبخار القهوة والأحلام ، أسألني بدهشة : أعتذر ممن ، ولماذا ؟ أعتذر عن جرأتهما أم عن غرابتي ، أعتذر منهما أم مني ، أعتذر للحياة ، أم هي من يتوجب عليها طلب الصفح مني . لربما كان يكفي أن أقول أنني قادمة من المدينة المقدسة ، حيث الخندق القديم باقٍ ويتمدد . سيدرك الجميع حينها سر تخبطي ، وأيّ حصنٍ عظيم ذاك الذي يسيّجنا . نحن الـ" مامثلنا بهالدنيا بلد" لسان حالنا : لن تصلوا إلينا . لن تتمكنوا منّـا ، مابيننا وبينكم ليس فقط بوارج وصواريخ تُصنّع ، ولا أدوية وعقاقير تعَد ، ولا معامل ومصانع ، وموسيقى وفنون ، ولا مسافاتٍ ضوئية من اختراعات واكتشافات ونظريات ، لا لا ، مابيننا وبينكم أمدٌ أبسط و أعمق ؛ قلبٌ يخفق دون خوف ، ولسانٌ ينطق دون قيد ، وحبٌ ينمو دون سحق !

استيقظت على صوت والدتي :
- هيا... أريد أن أصلي في الحرم.
- لاحول ولاقوة إلا بالله (قلتها في سري). أمي أرجوكِ ، هذا ليس الوقت المناسب لزيارة الحرم . المنطقة المركزية تعج بالحجاج. أرجوكِ .
- عهدي بالحرم في صلاة المشهد. اشتقت له. إما أن تأخذيني إليه وإلا سوف أطلب سيارة أجرة.
- حسنًا، حسنًا. يننعننن دي اتخفو ام تيت الدنيا اسخفوس اتبتتت أشلؤؤؤ..
توجهنا إلى الحرم في هذه الأجواء الـ ولا أروع ، حيث قطرات الندى.. أقصد العرق ، تظل تقطر وتقطر وتقطر حتى تمسي نهرًا جارفًا تغرق فيه ، ثم تختنق برائحة الأنهار المتدفقة من الأجساد المجاورة . فلا تبلغ الحرم إلا وقد بلغت روحك حنجرتك ، ودخلتَ في غيبوبةٍ شمسية أنستك اسمك ورسمك ويوم مولدك . وفي الوقت الذي توجهتْ فيه والدتي للعبادة، كنت أتأمل بنيان المسجد ، أعمدته، رخام أرضيته ، صلابة جدرانه ، قوة إنشائه ،  وتذكرت تلك الموعظة التي انتشرت في وقتٍ ما ، أجزم اليوم أن مبتدعها أحد اللصوص الذين تعج بهم أراضينا !
تقول الموعظة  : أن المتأمّل في كنائس الغرب، سيلحظ قوةً عجيبةً في بنيانها ، مهما امتد الزمن بها تظل صامدًة  دون تشققٍ  أو تصدّع  ، وذلك عكس مايحدث لمساجد المسلمين ، التي سريعًا ماينال العطب جدرانها ، ويسري التصدّع في سائر أرجائها ،  ويكون  الزوال  مآلها ،  إن لم ينقذها ترميمٌ يرفق بحالها  ،  وماذلك إلا _ بحسب فتيا اللص_  لقوة الآذان المتردد بين جنباتها ،  والذي تخشع له الجمادات قبل الأفئدة  ،  وتهتز له الأعمدة قبل القلوب ،  وتئن لوقعه الجدران  قبل الأرواح  ، ثم يورِد المحتال دليلاً  يؤيد حجته ، ويردد بمسكنٍة وتذلل ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ  لرأيته خاشعاً متصدّعًا من خشية الله  )   !
وطبعًا ، عشرات " الله أكبر" صدحت بها حناجر المتقين حينها ، ومئات ال "سبحان الله" لهجت بها ألسنة الموحدين المشدوهين ، و عدد الرمال " لاإله إلا الله" ضجت بها جنبات المسجد المتهالك ، المشرف على الترميم ! وكأن الذي يُتلى في الحرم النبوي ليس ذات القرآن الذي تصدعت له جدران بقية المساجد !!!
هذا هو الحال عندما يكون الدين مطيّة اللصوص . تمسي الجدران صلبًة أو هشة بمقدار موعظة لاتعدو عن كونها " افتح ياسمسم " لعلي بابا وبقية اللصوص .

7/1
.
.
لو قدّر لي أن أعود إلى إحدى سنين عمري الماضيات كي أحياها من جديد ، لاخترت سنتي الأولى في المرحلة الثانوية .
كنت في السادسة عشر من عمري. أخطو للمرة الأولى خارج نطاق حارتنا المتواضعة ، لأدخل أكبر مدرسة حكومية أنشئت في مدينتنا حتى هذا اليوم. مبنى كبير ، بفناء واسع جدًا يحيط بالمدرسة ، فناء لربما استوعب مدرستين إضافيتين . كانت الطالبات يأتين من عدة متوسطات وأحياء متفاوتة . وكان الترتيب المتبع لتوزيع الطالبات في تلك السنة هو بحسب الحروف الأبجدية ، لذا كان فصلي هو الفصل الأخير ، وهناك التقيت للمرة الأولى بـ نجوى الموصلية . هكذا اعتادت الفتيات أن يشرن إليها رغم أن والدها ينتمي للقبائل الحجازية ، لكنها اشتهرت بلقب والدتها الموصلية المنشأ . كما اشتهرت بصخبها وضحكتها العالية وشغبها الذي لايتوقف. وفي 7/1 تعرفت أيضًا إلى نهال الجزائري ، ونوال داغستاني البيضاء ذات العينين الخضراوين ، وهلا النخلي التي ظننتها للوهلة الأولى أفريقية الأصل ، حيث كل أسود اللون أفريقيّ لامحالة حسب اعتقادي . لاحقًا أخبرتني أن النخلي عائلة شيعية كبيرة جدًا تسكن منطقة العوالي . حيث لم أسمع من قبل لا بالعوالي ولا بالشيعة ولا بالنخلي ، ولم أسمع كذلك بـ ببنات القصر .
هند... إحدى بنات القصر المنتسبات للمدرسة ، واللاتي تميّزن بجمالٍ باهٍر لا يُضاهى . لكن هند كانت الأكثر روعة . إنه ذلك الجمال الذي لا تقو معه على إبعاد ناظريك عن صاحبه ، تراقبه يتحدث فيما أنت لاتعي مايقول ، حيث ذهنك مشغول برصد التفاصيل ، والجمال الذي شق قميصه ، عارضًا نفسه مع كل رمشة عين وحركة شفة وإيماءةٍ و تثنٍ . كانت مفاجأة صادمة لي حين علمت أن بنات القصر تسمين بهذه التسمية نسبًة لأهاليهن الذين يعملون خدمًا في قصر الملك الكائن أعلى الجبل ، وبقية قصور الأمراء ، واستنادًا إلى المثل القائل " يابخت من كان الوزير خاله" فقد بدت بنات القصر أميرات مقارنًة بنا !
أستطيع القول بامتنان أن تلك السنة كانت أسعد أيام عمري، ذلك أن سعادتها ظلت نقيًة ، لم تعكرها_لاحقًا_ قتامة ندم أو طعنة خيبات . لقد كانت وبامتياز سنة الضحك. وأظنني ضحكت إلى الحد الذي استنفدت معه كل حدي الإئتماني من الضحك . وأذكر جيدًا إفسادي لصلاة الظهر التي كنت أؤديها حال عودتي من المدرسة ، حين كنت أستعيد وقائع يومي المدرسي الحافل بالمقالب والمشاغبات ، ثم لا ألبث أنفجر ضحكًا وأنا قائمة و راكعة و ساجدة .
كان من ضمن فصلنا فتاة تعاني عرجًا شديدًا ، ومراعاةً لظروفها فقد تم نقلنا إلى الدور الأول ، حيث طالبات الصف الثالث ثانوي علمي . وتم وضعنا في آخر فصٍل في ذلك الرواق . طالبات تخرج ، وتخصص علمي ، من الطبيعي إذن أن يغرق الرواق في هدوءٍ قاتل ، لم يبدده إلا صخب 7/1 بزعامة الموصلية نجوى . لقد تزعمت نجوى وباقتدار ودون منافسة ، زعامة الشغب ، ليس في فصلنا فقط ، بل في المدرسة كلها ، واستطاع فصلنا بفضل جهودها أن يُمسي على كل لسان ، أشهر من نارٍ على علم . وحتى هند القصر ( هكذا تم اختصار اسمها ، حيث حوى الفصل خمس هنداتٍ أخريات) اضطرت مجبرة على الخضوع لزعامتها ، رغم تأفف غرورها . غرور ربما لمسته معلمة اللغة العربية ، التي أرسلت لامزة ذات يوم : أتعلمين أن هند هو اسم للإبل حين تبلغ المئة من العدد . هند التي لم يرق لها هذا التلميح ، لوت شفتيها بعد أن ضمتهما ، في الوقت الذي تساءلت فيه : أليس من الطبيعي لفتنةٍ مثلها أن ينادمها الغرور ، وفكرت وأنا أتأملها : حين انتهى الله من صنعها كيف لم يصطفيها لتكون ملكًا ، أو خازنًة لأسرار الجمال !
كنا سعداء في حصة الفراغ تلك التي ترِكنا فيها وشأننا ، حيث لم تحضر معلمة لمراقبتنا ، وتجمعت مجموعة من الفتيات حول نادية ، يصلحن لها ثنية غطاء الوجه ، ويدربنها على حركة مثيرة للبس العباءة ، ذلك أن حبيبها سيكون في انتظارها في البقالة القريبة من المدرسة عند الإنصراف. في الوقت الذي توجهت فيه نجوى مع مجموعةٍ أخرى للتسكع في أرجاء المدرسة . ولا أدري أيّ هاجسٍ أغراني بالسير فوق مسار البلاط الأوسط لذاك الرواق ، لأجدني أسير عليه بحذر ، خطوةً إثر خطوة ، وكأنني على حبلٍ معلقٍ في السماء . تلتصق مقدمة حذائي بمؤخرته في استقامةٍ جهدت ألا أميل عنها . وحين كنت أبتعد تدريجيًا عن ضجيج فصلنا ، انتبهت إلى أحد الفصول قد أوصِد بابه ووضع مزلاجٌ له من الخارج . وقبل أن أقترب من نهاية الرواق داهمني شعور غريب ، ألحّ عليّ بضرورة رفع رأسي ، وفعلت.. لأصطدم بسهام الأعين التي كانت تراقبني من فصول الرواق ، ليصبح مسمى هند السحاب ملازمًا لي لعديد سنوات .
قبيل نهاية الحصة عادت نجوى ومجموعتها إلى الفصل مشحوناتٍ بحماسٍ ملتهب وحزمة قهقهات . وبعد رنين الجرس بمايقرب العشر دقائق تعالت طرقات و أصواتٌ غريبة في الرواق . لقد أغلِق باب الفصل إياه بذاك المزلاج ، وحبِست معلمة اللغة العربية وطالباتها داخل الفصل إلى أن تم فتحه لهن من الخارج . قامت قيامة معلمة العربي الصارمة ولم تهدأ . وتوجهت بكل حزمها ونارها نحو الإدارة ، تلتمس من مديرتنا عقابًا صارمًا للصف 7/1 الذي أيقنت بشدة أن لاسواه يجرؤ على تلك الحركة الوقحة ، واقتحمت المديرة بكامل طاقمها فصلنا ، وعاجلتنا دون إبطاء بسيلٍ من التوعدات والتهديدات والتوبيخات . توقفت فجأة، ثم سألت بهدوء ونفاد صبر : من التي أغلقت الباب على ( أبلا) عائشة . ورغم أن نصف الفصل كان يعرف يقينًا الفاعلة ، والنصف الآخر يظن ظنًا مؤكدا ، إلا أن الأمر كان أقرب إلى ميثاق الشرف ، وعهدٍ قطِع دون كلام بأن نظل يدًا واحدة . ومازلت حتى هذا اليوم أتساءل كيف استطاعت تلك المديرة الداهية سبر أغوار أعماقنا ، والتفرس في أرواحنا بكل تلك الحنكة ، لقد أدركت جيدًا نقطة ضعفنا . وكيف تنتزع منا ماتريد . وقفت أمامنا مباشرة ثم أرسلت : حسنًا . التفتت نحو أول طالبة تجلس إلى اليمين : أنتِ... قفي . وماأن وقفت الفتاة حتى عاجلتها : أقسمي أنكِ لستِ الفاعلة. ورددت الصبية القَسم رغم الدهشة العظيمة التي اجتاحتها ، لتطلب من الثانية : والآن أنتِ... أقسمي كما أقسمت زميلتك ، وخيّم وجومٌ ثقيل على الفصل ، وتوجٌس باقتراب حدثٍ مؤسف . وماأن انتهت الفتاة الثانية من قسمها حتى سارعت المديرة توقف طالبًة جديدة وتضيف هذه المرة قسمًا جديدًا بأن صاحبته لاتعرف من الفاعل . وهنا شق الفضاء صوتٌ حادّ مرتبك : أستاذة أرجوكِ توقفي . وتقدمت نجوى : أرجوكِ يكفي ، أنا من أغلقت الباب . وتعلقت أنظارنا وقلوبنا بنجوى التي اقتيدت للخارج . ومضيت إلى المنزل وحيدة لأول مرة تاركًة نجوى في انتظار والدتها التي تم استدعاؤها . وفي اليوم التالي تنفسنا الصعداء حين علمنا باقتصار العقوبة على خصٍم من درجات السلوك ، وفصلٍ عن المدرسة لمدة أسبوع .
كانت نجوى عرّابة ثورتي ، وأيقونة التمرد بالنسبة لي ، في حين رأت والدتي أنها ساقية بذرة الانحراف التي آمنت بتأصلها فيّ . وهكذا ، ماأن حلّ اليوم الرابع لغياب نجوى حتى بلغ بي الشوق إليها حدّه ، واحتلت على والدتي كي أخرج من المنزل لأزورها. وفي الوقت الذي ارتفع فيه صوت أذان العشاء كنا نجلس على درجات السلم المؤدي لبيتها ، أرسلت معاتبة : لماذا يانجوى... لماذا فعلتِ ذلك ، لقد كانت المعلمة عائشة تحسن معاملتك ؟ أطرقت قليلاً قبل أن تجيب : الحكمة تقتضي ياهند أن أحتذي بك وأصغي إليك ، لكنني بدلاً من ذلك كنت أصغي لهند القصر
- هند القصر !! وماشأنها في هذا الموضوع ؟!
- لقد كانت هي من دفعني لإسقاط المزلاج ، ظلت تحرضني وتغريني هامسة : الوضع آمن.. هيا ، دعينا نمرغ أنف هذه المتعالية في التراب... هيا أدخِلي المزاج . بل إنني حين ترددت في اللحظة الأخيرة ، ورفعت يدي ، وضعت قبضتها عليها ودفعت المزلاج.
- ماذا ؟! ماذا تقولين ؟! أمسكت بيدك !... وإذن فهي فعليا من أوصدت الباب !
-نعم.
أدركت منذ ذلك اليوم أن تربية أهل القصور لايمكن أن تشابهنا أو تقترب من أرواحنا ، وأنهم مهما أظهروا لك من مسايرٍة وخضوعٍ ولين ، فلست في اعتبارهم إلا فأر تجارب ، وكبش فداء ، وممر عبور .