السبت، 14 فبراير 2015



من البؤس أن يكون الحلم بهذا الجمال وهذا البعد ، وأنا لا أملك يديّ سارق ولا مركبةً فضائية ،
وقلبي واسع ، يستطيل خياله كـ لسان شاعرٍ مأجور ، يظل يُحصي جمالاً مُغيّباً ، ويرسم أنجمًا ساحرات،وليلِي كما ثرثارةٍ خرجتْ من حبسٍ انفراديّ ، يظل يغزل سماوات الكون أرديةً لأعياد الحلم ، يظل يجوب بي أرجاء المستحيل لأعلّم دروبه بعلاماتٍ أهتدي إليها لاحقا ، فتلمع في صدري نشوة الأمل ، وأرى حلمي كـ روما العتيقة ، كل الطرق تؤدي إليه !

وماإن يُطِل الصباح حتى تُقاد الثرثارة إلى الحبس ، وتحرق الشمس لسان الشاعر ، فألملم رقاع حلمي كـ يتيمةٍ أخفتْ حلواها عن عيون النمل ، أكوّره سرًا في متاهاتٍ لاتظِلّ ولاتنسى !

وتسرف الشمس في عطاياها ، تجفف كل الأحلام الآسنة ، تطهّر وجه الأرض من عوالق الماضي وثماره الفاسدة ، وأعرِضني عليها بنيّة تقيٍ ، وعزم كسول ، أعِدُ بأنّي سأيمم شطر الغد ، أحملُ عدّة الطريق وأمضي ، أغيّر أصباغي ، أحقن أوردتي بعقاقير جديدة ، أتناول الِعظات ، وألوك فائض الوصايا،
وأتناسى ،أتناسى.. أتناسى حلمي البعيد ، ثم أقسم بأنّي قد فعلت ، قد ودّعته ، وتخليّت عنه، حتى إذا ما أقبل الليل ، انحنيتُ على أضلعي أنكأ المتاهات القديمة ، وأسقط أمام سطوة الحقيقة !

أبدًا أظل أعود نحو حلمي البعيد ، كما الريح تتخلل العشب ، كما الغيم يحمل حنينه الأبيض ، كما المرتحِل.. يعطش ويسقي ذكرياته !

الجمعة، 13 فبراير 2015

كتب فيكتور هيجو لحبيبته ذات يوم :
كم هو الحب عقيم ، إنه لا يكفّ عن تكرار كلمة "أحبك" ، وكم هو خصبٌ لاينضب ، هنالك ألف طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها ! *

ولقد سُقتُ إليك هذه الكلمة بألف غلافٍ ولون ، عطرّتها بأزاهير الكون ، وزينتها شرائط شعري ، همستُ في الأثير أنك مادة قلبي وخفقته وسرّ روحه ،
أخبرتُ عينيك أنك قنديلي الذي أحرص على ضيائه من أن يتشرّد في ردهات الكون ،
كنت أجدك بين الوريد والوريد نبضا ، وبين الجفن والبؤبؤ ضوءا ، وبين الكف والكف وردة ، وبين الساعة والساعة فرحة ، وبين الأمل والأمل فردوسا !
كم بحتُ للرضا الذي يُظلّك أنك تراتيل سعادتي ، ومهجة روحي ، وتاجي ، وألَقي ، كم أسمعتُ الدنيا أني أحبك.... أحبك ..
أحبك..
ومن جمّل عينيك بالجرأة ، وزيّنك في صدري كالإيمان !
أحبك... عدد ماسبحت المجرات في أفلاكها ، وعدد الأنسام التي زارت بيت الله مذ بردت سخونة الأرض والجبال !
أحبك ، أحب روحك المشعّة ، قلبك المعشوشب ، أعماقك المتوضئة بالحق ، أحب جمالك الذي طيّر أوراقي من رف السكون ، نزقك الذي يهبّ كالعاصفة ، كبريائك الذي يتطاول على ذاتك ، شهدك الذي أذابني ، وملحك الذي أغواني !

ياقافية القصيدة ، ونزيل الأوردة ، وطهر الغمام ، كم يفيض خاطري ثم يلجمني الحياء ، ولو أنّي أطلقتُ لحبي العنان لصنع بك صنيع العرم ، لكني أقطّره رأفةً بك وصونًا لذاتي !

يا آيةً أشرقتْ في ليلٍ ماكنتُ أظن به شموسا ، أنت لي حلمٌ مديد ، عشقتُ تكوينه الممزوج من الخرافة والواقع ، جُنِنتُ ببحره الذي لا ينسى ولا يستكين ،
يا أسمى من السحاب حين ينتهي قطره ، كم يمنحني وجودك دفئاً وسكينة... قلقًا وجنونا... لذةً وألما ، وكم يفيض... يفيض قلبي حبًا لك...
أنت الذي تآمرتَ مع مرآة قلبي عليّ ، حتى ماعادتْ تعكسُ سواك ، حتى بتُ لا أبصر إلا إيّاك ، ولا أجد إلا ريحك !

ياعطري المنسرب في عروقي ، يا أسطورتي التي ماكفرتُ بها يوما ، مهما تكاثر غيرك ياحبي فهو في عيني قليل ، ملأتَ أرض خاطري ، حتى توحّد وعيي ولا وعيي ، حتى أضحيتَ معياري لموازين الحياة !
سلامٌ عليك ياعشقي الأبديّ ،
سلامٌ عدد أهل الأرض ، وآبائهم صعدا ، وأبنائهم أمدا أمدا ،
سلامٌ يفرّ أمامه البرد ، ويسلم ماكر الغابات،
سلامٌ... إذ أحببتك للحب وحده !

لك الحب لا لسواك عدا
حبيبي الذي لفؤادي اجتباك
وهبتك ماجمعته السنون
بكيس الأماني، فأين يداك
خذه... إليك.. هنيئاً مريئاً حلال
فقلبي لديك ، رضاه رضاك .

الأحد، 1 فبراير 2015

تبدأ قصة الفيلم - الذي نسيت اسمه وأبطاله بل وسنة عرضه - بمشهدٍ لأبوين مرعوبين يتفقدان ابنهما ذا السادسة أو السابعة عشر عاما والذي تعرّض لحادث اصطدام في سيارة صديقه أفقده الوعي بضع دقائق ، لكنه سرعان مايسترد وعيه ، ويهدأ روع والديه اللذين يرافقانه للمنزل فينام في سريره قرير العين ليستيقظ في اليوم التالي إنسانًا آخر !

مخلوق جديد لايكاد ينطق أو يفهم أو يعي ، ينظر إلى غرفته فينكرها… إلى أهله فيستوحشهم… إلى ألعابه… كؤوسه… كرته… ملابسه ..فلا يتبيّن شيئا !

عبثاً تحاول الأم المفجوعة إعادة الروح إلى فلذة كبدها وهي تنتقل من طبيبٍ لآخر ،مُنكِرة في يأسٍ تام كل ماتسمعه من تشخيصٍ حول إصابة ابنها وكيف أن خلايا حساسة في دماغه قد عطبت تمامًا ولايمكن استردادها .

كل ذكرياته… كل خبراته ..كل محصوله العلمي والرياضي.. بل وهواياته ورغباته وأحلامه واختلاجات روحه…. كل ذلك قد ولّى إلى غير رجعة ، أيّ أننا باختصار أمام إنسانٍ جديد لاعلاقة له أبداً بابنك ماقبل الحادث !

واقع مرير لم يكن للأم أن تتقبّله أو تصدّقه إلا حين واجهها ذلك الطبيب بالحقيقة المرعبة وهو يسأل ابنها :
هل تحب والدتك ؟
فيجيب الفتى إجابة آلية : نعم
ثم يسأله الطبيب : أين هي ماما ؟
فيتردد قليلاً ثم يلتفت لوالدته ويوميء أن هي هذه ،
تبتسم الأم براحة ليباغتها الطبيب وهو يسأل الفتى :
ماذا تعني (ماما )… من هي الأم ؟

ليخيّم صمتٌ طويل يقلّب خلاله الفتى عينيه حائراً لايملك حيلة ولايهتدي لجواب… تمر الثواني بطول الأرض وثقل الجبال والمخلوق الجديد يبحث عن معنى لسرّ الوجود… الـ (ماما )…. فيما الوالدين يُصعَقان بفقدٍ لم يعياه حتى اللحظة ،
تقطع الأم جلسة الرعب هذه ، تمسك يد ابنها وتغادر وهي تتمتم مخاطبة الطبيب : لم تُثبِت شيء .

وجه لايمكن أن يكون إلا لأمٍّ مكلومة ، العينان تتسعان بفزع وتحدقان في الفراغ… ووجه يتمعر خوفاً وعذابا ، وحركة جانبية لفمها الملتوي وهو يكتم صرخة بعمق الزمان وقِدم الأساطير، وكأنك تسمع آهتها المسحوقة لاتطلب سوى الموت الرحيم حين تردد : لم تُثبِت شيئا !


في النهاية كان لابُد مما لابد منه..
ينتهي الفيلم على مشهد الأسرة وهي تضع أشياء ابنها في صندوقٍ صغير ، بعض ملابسه… كؤوسه… كرته… قصصه… متلعقات شخصية له ، لتدفنها في قبر على تلةٍ مجاورةٍ للمنزل مودّعة ابنها ( ) ماقبل الحادث ومستقبلة هذا الوافد الجديد .


استعدتُ أحداث هذا الفيلم بعد لقائي ذات مساء بصديقة قديمة كنت أتحدث معها وأنا أحاول عبثاً البحث عن تلك اللمعة في عينيها ، عن حركة خاصة كانت تحرّك بها يديها ، عن بساطة كانت تفرش مكنونها عليها…
تشعّبنا في الحديث وضحكنا ، لكنّا أبداً لم نصل إلى تلك الضحكة القديمة في فناء مدرستنا ،
احتفظَتْ ذاكرتي حتى لقائي بها بتلك الضحكة الجميلة ، لكني أطلقتُ سراحها أخيرا ، ودّعتها كما ودّعتُ شغفي بدبوسٍ قديم أهداه لي أحدهم ذات عاطفة… كما أودعتُ سلة الحذف أرقام أناس باتوا مجرّد أرقام… كما تخليتُ عن حسن ظني وعن جلّ أحلامي ، كما تجاهَلْتَني حدّ أنّي نسيتَنِي… حدّ أنّي بتُ أحتاج صندوقًا أكبر من صندوق تلك العائلة لأودّع به حياة وربما.. دون استقبال أخرى .