الأحد، 14 ديسمبر 2014

لقد كان يُلبسني فستاني ، ويُحكم غلق أزرار معطفي ، كي لايترك لقلبي منفذًا لخوض مغامرة حبٍ عشوائيةٍ مع غيره *
رينات فالونين *

وكأن رينات تغمزني ساخرة ، وهي تنطق كلماتها الآنفة ، ولسان حالها :أيّ حبيبٍ هو رجلك ؟!
ثم لا أملك إلا أن أطأطئ رأسي خجلاً ، وأنا أتساءل: كيف ألِحّ بطلب الحب ، وأنا أدرك أنه ليس فستانًا يستعارًا ، ولا رصيدًا زائدًا يُنفق منه !
ووالله ، لقد حدثني قلبي الذي لم أجرّب عليه كذبًا من قبل ، أنك سائرٌ بي في دروبٍ من العذاب ، والخيبات ، كيف لا ؛ وأنا التي أقسمتْ دنياها ألاّ تصافيها أبدا ،
مذ وعيتها ، لم تُسلِم لي شيئًا أحبه كما أحب ، وكل ماتعلّقتُ به ، يكون مني على بعد زفرتيّ صدر ، ودمعتيّ عين ، ولقد تحققتُ أن الدنيا ماكانت لتحرمَنِي مقبلةً ، ثم تعتذرُ منّي مدبرة ، ولو أنها منحتني إياك لغفرت لها كل ماسلف .

ياجاحدًا عطاياي ، يامنكرًا هداياي ، كيف لي أن أغريك بالولوج لعالمي ، وتذوّق أطايبه ، وإدمانه ،
كيف لي أن أحدِث زلزالاً في محيط هذا الكائن الساكن في صدرك الأيسر !
أنا التي تتحسس حبها في قلبك تحسس طفلٍ لنقوده التي خبّأها بين قلبه وجيبه !
لماذا أشعر بأنك تضع حبي في ميدالية مفاتيحك ، بينما أجد حبك قد نزل عميقًا في قلبي ، حتى باتت يدي لاتستطيع الوصول إليه !
وكأن ماناولتني إياه "تصبيرة حب" لاتقِم صلبًا ، ولاتورث اكتفاءً ، ولاتبلّغ غاية !
يازاهدًا في قلبي ، حين طمع الكل في ودّه ، يامدبِرًا ، حين أقبل الكل يطلبني ، قد كانت صدمتي بحجم الكون ، والفراغ المحيط به ، حين وجدتك بارد الإحساس تجاه هذا القلب الذائب في حضرة ذاتك ، وهاأنذا ، لا أملك من نفسي أبعد من حلم يقظة ، وأمنيةٍ مخبّأة ، وخيالٍ يمتطي غيمة !
لقد كنتَ ياسلوتي ، خاطرًا رائقًا... سيظل حبيس صدري ، وكنت وهجًا ساطعًا في سماء القلب ، ظهر أمامي في ليلةٍ ظلماء ، فأنار لي جنبات الوجود بمثل سورة الفرقان... ،ويكفيني الآن أن أغمض جفني الأحلام على هذا الطيف الجميل ،
لقد وقفتُ عليك ياهاجري حبي ، سواء أثمر أم أجدب ، يكفيني أنّي أسير في سمائه حافيةً من زيف الدنيا !

عواطف لم تغذ منها السنون
رجاءً.. ولا أنعشتْ مطمعا .
في فيلم The Vanishing لم يكن دافع " بارني" من وراء قتل " دايان " هو الثأر ، أو الحقد ، أو الاستمتاع بالقتل... أبدًا..
لقد ارتكب جريمته الوحشية بدفن " دايان" وهي حية فقط ليثبت لنفسه أنه قادر على القتل... فقط... تخيّل !
هكذا... وببساطة ، خطرت له هذه الفكرة حين وصفته ابنته بالبطل وبأنه ملاك ، كونه أنقذ ذلك الفتى من الغرق ، أخذ يتساءل في داخله : هل أنا فعلاً ملاك ؟! ... أنا الذي ألقيتُ نفسي دون تفكير أو تردد لإنقاذ شخصٍ غريب ، هل أقوى على القتل ، هل بإمكاني الإقدام على مثل هذا التحدي ؟!
وهكذا.... وبعد محاولاتٍ فاشلةٍ عديدة لاصطياد فريسةٍ مناسبة ، وقعت " دايان" في طريقه بمحض الصدفة... وكسب الرهان ! !


ربما ستُدهش ، أو يذهب قلبك حسرات حين تفكّر في كمّ العلاقات ، أو المناسبات ، أو الأمور التي حدثت لك ، والتي لم يكن داعيها أو الهدف من ورائها سوى أن أحدهم أراد إثبات أمرٍ ما لنفسه !

تصدّق عليك بابتسامة ، فقط ليثبت لنفسه أنه قادر على منحها لأعدائه..
تبسّط معك في الحديث ، ليبرهن لذاته أنه قادر على ضبط أعصابه مع غبيٍ بليد الحسِ كأنت !
تركك لتفوز عليه في لعبةٍ ما ، ليؤكد لنفسه كم هو نبيل ، يقدّم قطعة فرحٍ للبسطاء أمثالك !
انحنى لمساعدتك ، لاحبًا ولا كرامة ، بل ليقول لنفسه - وربما للآخرين - أنا فعلاً متواضع !
استمات في الدفاع عنك ، فقط لاستعراض بلاغته ، وفصاحته ، وقدراته الخطابية !
خاض حروبًا لأجلك ... ليتأكد من إقدامه ، وحسن تصرفه ، ويسجلها كدورةٍ تدريبية !!
غضّ الطرف عن عيبك ، ليختبر ذاكرته في إحصائها مع أخواتها غيبا !
أغواك... بل وشاركك المتع الرخيصة ، فقط ليدلّل على مدى براعته في التحكّم بعقلك ، والسيطرة عليك !
تركك في منتصف طريقٍ قادك إليه ، فقط ليثبت لذاته أنه قادر على لجم رغباته ، وامتلاك زمام نفسه !

السبت، 13 ديسمبر 2014

القلوب الظمأى ترى شَعْر الجفون شلالاتٍ باردة !
.
.
.
في صغري ، كنت أعشق الشوكولاته جدًا ، وأتناولها بنهمٍ شديد ، حدّ أن والدتي كانت تخبئها في دولاب ملابسها ، بعد أن أعيتْها كل الحيل في إخفائها عني،
طبعًا والدتي حفظها الله ، وغفر لها ، لم تحُلْ بيني وبينها حفاظًا على صحتي ، أو خوفًا عليّ من السمنة ، بل حفاظًا على التقاليد التعيسة ، المُتبعة في ذلك الوقت ، عند بعض الأهالي البائسين ، من أن إكرام الضيف مُقدّم على رفاهية الأبناء ، بل وعلى تلبية حاجاتهم الأساسية في بعض الأحيان ،
لذلك كانت الشوكولا ، كما الحلوى الفاخرة ، والعصير اللذيذ ، والروائح الجميلة ، والأثاث المميّز ، لاتظهر إلا للضيوف ، ولاينعم بها إلا الضيوف ، ولايمسّها إلا هؤلاء الأغراب !
حتى أننا ظللنا أنا وأخواتي نضع أحد ثيابنا على نافذة غرفتنا ، نحجب به ضوء الشمس ، لأن الأولوية كانت لتزيين غرف الضيوف بالستائر الفخمة ، والإكسسورات الثمينة !

المهم.... أن والدتي سامحها الله ، بعد أن تعبت من مطاردتي الدائمة لعلب الشوكولا ، وملاحقتي لها في كل مخبأ ، وتنقيبي الدؤوب عنها في كل ثغر ، وتفتيشي المستمر لها في كل زاوية ، حدّ أنني لُقّبت بـ " هولمز الشوكولاتة " ، ذلك أن حاسةً جديدةً نبتت في روحي ، كانت خاصةً بتتبّع الشوكولاته ، واقتفاء أثرها ، ورائحتها ، واستخراجها من سابع أرض !
أقول... إن والدتي اهتدت إلى حيلةٍ جهنميّةٍ ماكرةٍ ، تأمن بها على علبها مني مابقي من السنة ، فقد دعتني في أحد الأيام إلى غرفتها ، ثم قالت لي بصوتٍ واثقٍ متزن : اسمعي ياهند ، هذا العام ، إن حققتِ المركز الأول على مدرستكِ ، سأهديكِ هديّةً محببةً إلى قلبكِ ، سألتُها، وقد قطّبتُ جبيني : ماهذه الهدية ؟ ، أجابت بابتسامة السياسيّ المخادِع : علبة شوكولاتة كبيرة جدًا ياهند ، لكِ... لكِ وحدك ! فغرتُ فاهي مندهشة : لي وحدي ماما ؟
نعم ، لكِ وحدك... ، فقط ياصغيرتي حققي المركز الأول .
خرجتُ من الغرفة ، ولعابي يقطر على ملابسي ، وأنا أتخيلني أفترس كل تلك الشوكولاتة ، وألتهمها دون رحمةٍ ، أو هوادة ! ،
كانت والدتي تعلم يقينًا أنني سأحقق المركز الأول ، كما كل عام ، لكنها أرادت بعرضها ذاك ، أن تضع حدًا لغرامي ، ومعاناتها ، وهذا ماحدث بالفعل .

ما إن حلّت نهاية العام ، وظهرت النتائج المتوقعة ، حتى كانت والدتي تناولني ، وكما وعدت، علبةً كبيرةً من الشوكولا ، وسريعًا.... سريعًا ، كالنمر، الجائع، النهم ، كنت أصعد الدرجات ، لأستفرد بالعلبة وحدي فوق سطح المنزل ،
أخذتُ ألتهم الشوكولا قطعةً ، وراء قطعة، وراء قطعة، وراء قطعة ، حتى أتخِمت تمامًا ، وحين كان موعد الغداء ، لم أستطع تناوله ، أغمي عليّ لشدة الإرهاق ، والتخمة ،
وفي الليل... كنتُ أنظر لعلبة الشوكولا دون أي رغبة ، لكني لم أصدق إحساسي ذاك ، ولم أنقاد له ، أنكرته ، وبصلابةٍ رفضته ، تناولتُ قطعًا جديدة.... وفجأة..... تقيأت !

لقد نجحت خطة والدتي ، وكانت تلك، آخر قطعة شوكولاته تناولتها في حياتي !
لقد كرهت الشوكولاتة تمامًا ، كرهتها جدًا ، حدّ أني كلما رأيتها أقاوم رغبةً عارمةً في التقيؤ !


اليوم.... كم أتمنّى أن يسوق لي أحدهم قاطراتٍ ملأى بأحلامي ، كي أتقيّأها حلمًا ... حلما ، كي تهدأ جنباتي ، وتخلد إلى أرض السكينة ، كي تتوقف عن ملاحقة الجمال وتصيّده ، فترى القمر كوكبًا كسائر الكواكب ، والريح هواء ، وعيناكَ كما عيون البشر .