الجمعة، 31 أكتوبر 2014

قرأت مرةً لأحدهم يتحدث عن جاره الفرنسي ، الذي دوماً مايبدأ صباحه بتحية الله : صباح الخير ياربي !

أذكر حينها أني ابتسمت ، وأنا أفكر في هذه الحركة الفطرية اللطيفة ، تحيّة مُرسَلة بكل بساطة... دون تعقيد أو تكلّف ، أو زخرفة أو تهيّب .... تحية مباشرة من القلب إلى الله !
بقدر ماتشير إلى استشعار قرب الله ، بقدر ماتحمل من حميميّة ، وحب ، وحاجة .

" صباح الخير ياربي " !
أكاد أقسم أنه مامن مسلم بدأ يومه بهذه التحيّة ، ولكي لا أُتهَم بالصوفية أو الزندقة ، سأتحدث عن نفسي ومجتمعي الذي عرّفنا بالله شديد العذاب ، ولم يذكر لنا الله الرؤوف الرحيم ، حدّثنا عن قسوة عقابه ، ولم يحدثنا عن لطفه ورحمته ، قصّ علينا جبروته وانتقامه ، ولم يذكّرنا بعفوه وحلمه !
نشأنا وذاكرتنا مكدّسة بصور الرصاص المُصبّ في أذان من يستمعون للأغاني ، والحديد المحمّى لأجل نظرةٍ إلى صورٍ عارية ، وطردٍ ، ولعنٍ ، ونبذٍ لأجل ارتداء بنطال ، أو عينٍ مكحّلة لمحها عابرُ ما !!
كبرنا ونحن لانعرف إلا الله المُهاب ، الله المُعاقِب ، الله المُدقق ، الله الذي سوف يحصي عليك أنفاسك ، ونظراتك ، وإيماءاتك ، وخلجات صدرك !!

حياتنا كانت أشبه بمعسكر اعتقال ، أشرف عليه مسؤولون نصّبوا أنفسهم جنودًا لله في أرضه ، وليتهم أخلصوا لله... ليتهم أحبوا الله ، لو أنهم كانوا كذلك لمازرعوا كل هذا الخوف في قلوبنا من الله ، لما احتكروا طريقًا واحدًا مرعبًا كي يصِلونا به !
لما أسهبوا في الحديث عن عذاب القبر ، ومرّوا مرور الكرام على قول نبي الرحمة لمعاذ ابن جبل : حق العباد على الله أن لا يعذب من لايشرك به شيئا ! لما سوّدوا الصفحات الطوال بلعن الأشيمط الزان ، والواصلة ، والمنمّصة ، وأوجزوا عند الكلام عن الحديث القدسي : من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، ومن جاءني يمشي أتيته هرولة !
لما أصمّوا آذاننا ، وهزّوا أفئدتنا رعبًا بحديث " أكثر أهل النار النساء " ، واختصروا قول سيد الخلق " ماأكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم " و " حُبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء " !
لما ملأوا الدنيا تخويفًا وتهويلاً عن المسبل ، المنّان ، المدخن ، الشارب.... وتهامسوا على مضض بقول خير البشر : لمّا قضى الله الخلق كتب كتابًا ، فهو عنده فوق عرشه :إن رحمتي سبقت غضبي !
لو أنهم عرفوا الله حقًا لعرفوا أن الخير لايُعدَم من ربٍ يضحك *
.
.
.
.
.
صباح الخير ياربي.... مساء الخير ياربي ،
أحبك ياالله... أحبك بطريقتي ، أحبك بعيدًا عن تجهمهم وعقدهم ، أحبك وأعلم أنك تحبني... لقد عرّفتني إليك بأحب الطرق إليك... طريق الإسلام،
لو أنك لم تحبني لما ارشدتني إلى هذا الطريق ، لما جعلتني من ساكني أحب المدن إليك ، لما منحتني كل هذه النعم ، لماوهبتني هذا القلب المتقد بالعاطفة ، هاتان العينان الملتقِطتان لكل جمال ، هذه الأنامل التي تخط رسالة الحب لك ، هذه الذاكرة التي تحصي نعمك ، هذا اليقين الذي يستشعر الخير في قضائك وقدرك ، هذا الشوق للقياك ، هذا الحب لرسلك... لصحبهم ، لكل من سار على دربهم... للناس أجمعين كونهم خلقك ، وصنيعة يدك التي أحبها ...
أحب يدك ، ضحكتك ، عفوك ، رحمتك ، حكمتك... أحبك ياالله كما أعرف ، وكما أريد... بعيدًا عن خططهم ، وقوالبهم ، وتعاليمهم ..
لقد ضللوني طويلاً يا الله... توّهوني في دروبٍ شائكةٍ مظلمة ، أخافوني منك حد الرعب ، حذّروني من غضبك حد الفزع ، قصّوا عليّ مايريدون ، وحجبوا عني ماأريد وماتريد..

لكني أفقت.. التقطت إشاراتك ياحبيبي ، اهتديت إليك بفضلك ، عرفتك من محبتك التي قادتني إليك ،
أعلم يقينًا اليوم أنك تحبني... تحبني لأنك اخترتني ، أضأتَ لي بنور حبك ذاك الطريق الذي أطفأوا قناديله في وجهي .


.
.
.
.
.
. ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن أبي رزين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره قال : قلت يارسول الله أو يضحك الرب ؟ قال : نعم ، قلت : لن نعدم من ربٍ يضحك خيرا .

الأربعاء، 8 أكتوبر 2014

وقد كان لي قلبٌ دائم الخفقان ، كثير الهذيان ، ممتليءٌ صخبًا وصهيلا... يقطع نهاره ركضًا وراء غيم الأماني ، حتى إذا ماأعياه اللحاق بها وجد في أحلام النوم ملاذا ، فتوسّد الغيم منتشيًا.. مؤمنًا بوعد الغد.


قد كان لي قلبٌ يجهد في تخليد الضحكة ، وتأريخ البسمة ، وتوثيق الفرح ، ويتجاهل كسلًا أو عمدا تدوين الصدّ والخيبة ، وتسجيل الحسد والأنانية ، كثير الصحب... رفقته بلا عدد ، وأصدقاؤه تجاوزوا أصابع اليدين.. وعدّاد أعدائه لم يسجّل سوى الصفر !!

قد كان لي قلبٌ عظيم النهم ، دائم الطلب ، طويل الجوع ، لسان حاله : هل من مزيد ؟
مزيد صخب... مزيد حب... مزيد لعب !
مفتونٌ في قواه ، مخدوعٌ في قدراته ، متوهّمُ الخلود !

قد كان لي قلبٌ موفور العافية ، متجدد النشاط ، مُشرق المحيّا... لم يعِبْ يومًا قوته ، ولم يتذمّر أبدًا من فراشه .

قد كان لي قلبٌ شغوفٌ بالألوان ، تزهر الشمس في أرجائه ، ويستكين القمر في حناياه....
كان لعوبًا... لايتمنّع اللمس ، ولايرفض الغزل ، ولايصدّ أصابع الندى !
يشرب الكلام دفعةً واحدة ، ويلتهم الثناء دون تفحّص .

قد كان لي قلبٌ واثق الخطى ، عظيم الجرأة ، سريع الإقدام... نابذٌ للتردد ، مغرمٌ بالنضال !
كان يقلّد الأوسمة كل ليلة لبطلٍ من الأبطال !
كان يؤمن... كان يهتف... كان ينكر كل أحاديث الغدر والخيانة... كان يعدّها وهمًا وخرافة !

قد كان لي قلبٌ يغتسل مع كل فجر ، يجدد التحايا للكون ، يزرع في حضن السماء ألف ابتسامة ،
يأخذ زينته عند كل أمل ، ويدسّ في كفّ الريح شيئًا من صموده ،
كان يمنح بذور أرضه لكل عابر ، ويقسم أن المقايضة هي محصولٌ ثريٌ من وفاء !

قد كان لي قلبٌ يجيد الغناء... يجيد الحديث... يثرثر دون توقف ، يصغي بانتباه ، ويغدق العطاء ،
كان يعشق السهر ، ويكره ترصّد الساعة ، يتأفف من القيد ، ويبغض الثياب الغليظة ،
كان دافئًا... متوهجًا... يضيق ذرعًا بالألبسة !

قد كان لي قلبٌ يعزف ألحانًا عذبة ، يعلو صوته طربًا ، لايخشى تقريعًا ولا لوما...
كان يعبث... كان يسخر... كان يأوي إلى ركنٍ شديد .



واليوم....
اليوم لي قلبٌ أكبر... أكبر... قلبٌ موغلٌ في الكبر ،
بلغ من العمر أرذله ، ومن الضعف منتهاه ، ومن الخيبة أبعد مماتخيّله !
غدرتْ أحلامُه به... جاعتْ فالتهمتْ لسانه...
منذ زمنٍ بعيد لم أسمع له صوتا ، حتى أوشكتُ على نسيانه ، وحين تأتأ أنكرتُه وأوصدتُ بابًا بيني وبينه .

كنتُ أصغِي في بعض الليالي لنحيبه ، يقرع أسنانه حسرةً وندما ...
استيقظتْ ذاكرتُه ذات صفعة ، فبات يعيد بكرة الشريط ليلة بعد ليلة.. كان يتساءل كيف لم ينتبه لعفونة قوتِه وقذارة لحافه ، كان يصرخ أين أصابعي ال كانت بعدد صحبي !
هجرته الشمس حين عاب عدل شعاعها ، حين انتقد موفور عطائها لمن لايستحق ،
أنكره القمر حين رآه يتعاطى عقاقير الصمت ويهشم المرآيا .

تدثّر القلب الصاخب بأسمال الزهد ، لاحبًا ورغبة ، بل هي مرارة الحاجة !
اكتفى بكسرة قناعة وأثرةٍ من سلام ، بات يؤي إلى أطراف الحكايا... ينسج النهايات لأصحابها ، يقسم لهم بحق حمقه وغفلته أن ماقصّه عليهم سيحدث ، فيديرون له ظهورهم ليغتال الظل جرأة نبضه !


بعيدًا مرتابا كالركن الذي اختاره ، سيحيا هذا القلب مابقي له عُمْر ، لا لحنٌ يغريه ، ولاغمزةٌ تحرك ساكن قاعه..
عبثًا... يطلب الدفء... ينفخ في أطرافه ، فيشتعل النور من ندوبه ، يقتله الخزي... ولكن لا مناص... قد خُطّ في اللوح مآله !

ومضةٌ كانت حفلة التجارب ...
ثمل فيها وترنّح ، غابت عن الوعي كل حواسه ، وحين أفاق لم يجد في كفه إلا فاتورةً باهضة... سلبته رصيد ضحكاته ، وودائع آماله ومقتنيات شغفه !
خرج من حفلته برفقة أطياف لاتنعق إلا تأنيبا ، وكأس ندمٍ لاينضب ، وعينٌ تبصر مالا يود إبصاره ، ترى النهايات فتُحجِم ، وتعرف المذاق فتتمنّع ، وتحزر المفاجأة فتفسدها !

عينٌ تبصر المدى... تستحثه الصبر على طول المسير ، وقلة الزاد... وانعدام الرفيق .