الاثنين، 22 سبتمبر 2014

يصِحّ اليوم في المصريين قول إبراهيم ناجي :
كان صرحًا من خيالٍ فـ هوى !

والصرح هنا ليس فقط جيش مصر العزززيم ، الذي أبانت الأيام ، وتقلّبات الأمور والأحوال ، أنّ حاله كبقية الجيوش العربية العميلة ، جيوش احتلالٍ وذل ، جيوش عارٍ وقمع ..
وإنما الصرح الذي هوى في أفئدة المصريين ووجدانهم هي مصر … بجلالة قدرها وعظم شأوها !!

مصر أم الدنيا... مصر النيل... مصر الأهرامات... مصر الفراعنة والحضارات !
مصر التي لم يكن أيّ عربيّ ليجرؤ على انتقادها أو المسّ بذاتها القدسيّة أمام أيّ مصري ، هي اليوم في مرمى نبال المصريين أنفسهم !!


وإذا استثنينا حزب السيسي من الراقصات والقوّادين ، والعاهرات والداعرين ، وماسحي الجوخ ، عديمي الكرامة ، ومفتقدي الهويّة والأصل… الخ من العملاء والخونة واللصوص…
إذا استثنينا هذه الفئة الجرثومية ، فإن بقيّة المصريين سواء منهم من كان ضد الإخوان أو من هو معهم ، لسان حاله : مصر إيه اللي انت جاي تقول عليها ؟!

والأمر ليس مجرد حالات شاذة تبرز من آنٍ لآخر ، أو بين مجموعةٍ وأخرى ..أبداً ،
إن المتتبّع للشأن المصري ، والراصد للتحوّلات الاجتماعية فيه ، ليلمس هذه الظاهرة بوضوح ، حتى وإن طغى الكبرياء سويعات على هذه النفوس الممتلئة قهراً وغيظاً وذلا .

أتصفّح جدار المصريين ، أتابع تغريداتهم وتعليقاتهم ، فلا أجد بُدّاً من الاعتراف بمدى خيبتهم وتعاظم غربتهم… وكيف لا وأن تقرأ :
مصر مجرد صفيحة… بلد زبالة… اللهم اجعل سكني فيها شفيعاً لي يوم ألقاك…. مصر اللي توهتنا… بلد ماشفناش خيرها أبدا… فين ماتمشي إحباط…. اطلع من هنا عشان تحس بآدميتك…. بلد تدمّر كل حاجة جميله فيك… اللهم أخرجنا منها عاجلاً غير آجل… دي زبالة مش دولة…!!!


ماالذي حدث ؟!
ماالذي جعل المصري يشعر بهذه الغربة العظيمة بين حنايا " أمه " ؟!!


يبدو محالاً أن تجيب إجابة وافية على هذا السؤال دون أن تتوصّل لحقيقة أن الانقلاب الذي قام به "العرص" ، ليس مجرد انقلاب عادي كغيره من الانقلابات العسكرية التي سبقته والتي ربما ستخلفه ،
سمعنا بالكثير من الانقلابات العسكرية في عدة دول ، سمعنا بتصفية الحسابات ، وبالتخلّص "الضروري" من بعض رموز المعارضة ، سمعنا بالسجن… وبـ سنّ قوانين جديدة ، وإلغاء أخرى ، وبحالات الطواريء التي لاغنى عنها في مرحلة آنيّة من الفوضى…
سمعنا عن كل ذلك ..
لكن أبداً لم نسمع ولم يحدث أن انقلاباً قسّم شعب بلاده إلى شعبين متنافرين ، بكل هذه الضراوة والظلم الشنيعيْن !

شعب له كامل الحقوق ، وشعب يُداس بالأحذية ، شعب يُصان وشعب يُلطم وتُنتف شعيرات وجهه !
شعب يُحترَم ، وآخر تُغتَصب فتياته ، شعب يُخلّى بينه وبين القصور ، وشعب يُغيّب في ظلمات السجون !
شعب تُنصب له المنابر ، وآخر يُلجم بالرصاص والقنابل ، شعب تُعزف له الأغاني ، وآخر تُحفر له المقابر !
شعب تُفسح له الميادين ، وآخر تُكتم أنفاسه في عربيات الترحيل !!


ثم ماذا بعد.. ؟!
أيّ حضنٍ هو حضنك ياأماه ؟!
وأيّ برٍ أبقاه الذل في قلبي ؟!

عن أيّ وفاءٍ تسألين يامصر ؟
وأين وجه الوطن في ثنايا هذا القهر ؟!

هل يظلّ الوطن وطناً حين يحكمه الأعداء ؟

هل لزاماً عليّ أن أبقى وفيّاً لبقعة تراب ولِدتُ فوقها دون اختيار ، أُلَقّن فيها دروس الولاء ، حتى إذا ماأبصرتُ السماء ، وتعلّمت روحي حروف النداء ، وتاقت فطرتي للحرية والكرامة ، أُعيدَتْ هامتي للتراب مجددا !!!