الخميس، 29 مايو 2014

وحين يُطِل الكون كل يوم يسخر سائلاً :
أيها البشر ..ما جديدكم ؟ ماذا تحْمِلون لهذا اليوم ؟
تجيبه ألسنة الضوء :
يحملون ألف وجه ، ونصف قلب…
يحملون ألف رغبة ويسير عطاء…
يحملون ألف نظرة تخترق الروح إيلامًا ولاتدعو بشفاء…
يحملون ملء الأكف نقدًا /تقريعاً يصبّونه دون حياء..
يحملون همس الخفاء لايفوح طيباً ولاينبت في القلب الوفاء…
يحملون حشمة النفاق ، تذوب خلفك كذوبان الدجال أمام المسيح ..
يحملون ألسنة تتلوّى كحبل المسد ..
وآذانا وقَرا عن كل حسنة .

الأربعاء، 28 مايو 2014

قديمًا قال المتنبي :
رماني الدهر بالأرزاء حتى… فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ… تكسّرت النصالُ على النصالِ..

والحق أني طالما دهشت بهذا التحوّر الصمودي لدى صديقي المتنبي ، الذي ينمّ عن شجاعةٍ وقدرةٍ رائعة على استيعاب صروف الدهر ومواجهتها بلسانٍ ساخرٍ ساخط !
وكم تمنيت لو أني امتلكتُ مثل هذه التقنيات الدفاعية ، والوسائل التمويهية ، وطرائق المراوغة والالتفات ، إذن لجنّبتُ نفسي هذا الوقوف الأبله أمام أنياب الدهر بلسانٍ لايكاد يبــين ، وقلبٍ شبه متوقف ، وتأملٍ لايسمن ولايغني من جوع !

كل هذا النزق الذي يسكنني يدل دلالةً أكيدة على أنني لم أستوعب دروس الدهر ...
كل هذا الصمت الغبي يخبرني قبل الجميع أنني لا أملك أجوبةً لجحافل الأسئلة الــ تجتاحني !

عيناي المحدقتان باتساعٍ نحو البشر لاتبصران سوى الفراغ…
وفمي المغلق على أطول لسان امتلأ ماءً وعلقما !
وكل الصخب الذي عانق يديّ قديمًا خُفِّض لأدنى مستوياته ، واقتصر على التلويح !
كل الحكاية اختُزِلت في التلويح وداعًا !!
ولو أنني أبصرت منذ البدء مآل الأمور لرفعت راية التلويح شعارًا ، لوضعت لافتًة على قلبي الصغير الأهبل : لاتطل المكوث لضعف المناعة !!

لقد أصاب قلبي العطب.. تمامًا كما قلب المتنبي ، بيد أن المتنبي قد جيّر الأمر لصالحه ، وبنى من السهام درعًا واقيًا ، في حين أني اكتفيت بتلقي الضربات ،والاحتفاظ بهذه الملامح المشدوهة والنظرات المؤنِّبة في انتظار أن يعتذر الدهر أو أن يأبه البشر !!

كان لابد من السقوط في قاع الندم ، في ظلمة الوحدة ، في وحشة الخذلان ، حيث لادفء ولا نديم ، حيث الحقيقة المطلقة تبزغ مع الحبال الممدودة التي ترفعك لتبيعك بثمنٍ بخس !
حيث الابتسامة دافع ، و " كيف الحال " استراتيجية ، و "صباح الخير " تمهيد ، واللقاء مشروع فراق !!


لم يكن ألمي لأجل هذا الكمّ الهائل من الزيف ، ولا بسبب كل الطعون التي تلقيّتها ، رغم أنها أوجعتني حقا..
لكن ألمي العظيم الذي لازال يدمي قلبي هو لأجل العمر المسروق ، تلك السنوات التي رزحت تحت نير الخديعة واحتلال النفاق…
سنونٌ طوال قُيّدت بسلاسل الغفلة ، لم ينفع معها نداء ابن الرومي : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ؟!
أيامٌ ثمينة ماكان ينبغي لها أن تضيع في أروقة المظاهر الفارغة ..
أحاسيس صادقة ما كان يليق بها أن تُصرَف في بالوعة الابتذال الرخيص..
قلبٌ نقيٌ جريء ماكان له أن يحلّق في سماءٍ ملوثةٍ بعوادم الظنون وروائح الجبن ..
أن يُجلِس رئة أحلامه بين مخالب الحسد ، وأكف التقريع ، وسهام التحطيم..

كان حريّ بتلك الأيام أن تسيح في ملكوت الحرية ، عارية عن الصحبة الزائفة.. عن الخطى المرسومة.. عن النصائح المسيّسة... عن وهم الإخلاص ، وأضحوكة الوفاء !

لو أني فعلت… لو أني أبصرت ،
ماكنتُ اليوم أجترّ الـ آه تلو الـ آه ،أنفثها في وجه أيامٍ جُلّ ذنبها أنها من نصيب بلهاء لم تمعن النظر !
ماكنت أجلس على تلة خيباتٍ أشرف بها على العالم فيتبدّى واضحاً مكشوفًا لأدرك عظم غفلتي !
ماكنت لأقبع في سجن الندم ، أهدي الآخرين خطة الهروب !
ماكنت لأصبح جسر العبور ، وكبش الفداء ، وعبرة المعتبِر !

آخر ماتمنيته أن تُعرَض حياتي كدرسٍ مستفاد !

أن تُختَزل كل مواجعي في نصيحةٍ يقطفها الآخرون ويمضون…. لأرقبهم يسيرون في الطريق الذي لم أبصر !
أن أُختَصَر في موعظةٍ يُؤنّب بها المذنب ، ويلام بها الغافل !
أن أغدو الصليب الذي احتمل آلام البشر ليهتدوا ، أن أكون صف التترّس الذي ينقذ الآخرون !
أن أستقبل وجه المدفع ليحيا من بَعدي !

والحق أني كنت لأقدّم مثل هذه التضحيات بنفسٍ راضية لو أن الأمر حدث برغبتي… باختياري… بكامل حكمتي وتفكيري ..
لكن أن أؤخذ على حين غرة !!
أن يدفعني غبائي وغدر الآخرين لمنصة الإعدام دون وعيٍ مني !
أن أتوهم التصفيق تمجيدًا في حين أنه تحية وداع !!

كل ذلك يشعرني بالمرارة ، ويغوص بي في وحل الخزي والعار .


وتكتمل تعاستي حين ألمح في الأفق ذلك العمر المسروق ، يتراءى كأغنيةٍ قديمة أبدًا لا أملّ الحنين لها ، كذكرى نازفة تبعث الشجن ،
وحين أطلبه السماح ينشد اللحاق بي ، لكني لا أملك خيار الانتظار ، ولا أبتسم لرؤيته… لقد تسرّبت من روحي ذاكرة البهجة ، وذوى قلبي في حزنٍ أبديّ ،
ذابلٌ من ملوحة الدمع ، متغضّنٌ من جفاف الفرح ، هرته الخيبة نضجًا فاستوى على " جودي " الوحشة !

وحشة ابتلعت ثرثرتي القديمة ، وابتسامتي المجانيَة ، وإقبالي الأجوف ، لأتوارى في زاوية الريبة أُقدّم -كما ابن الرومي - رِجلاً وأؤخر أخرى . *




ـــــــــــــــــــــــــــــ……..
* يقول ابن الرومي :
فقدّمتُ رِجلاً رغبةً في رغيبة
وأخّرتُ أخرى رهبةً للمعاطب .

الجمعة، 16 مايو 2014


من معيري سمعه ، أسكب في سمعه أنّات قلبي المجهدِ…

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى العالم لوحة جمال !
كنت صغيرةً بمايكفي لألهث مع سباق الأيام بقلبٍ غض لايتوقف عن الخفقان ..
لأصغي لصوت الأمل الـ يحتل قلبي يستحثني التحليق في فضاء سرابه ..
كنت صغيرةً بما يكفي لأشفق على الجميع ، لأفتح قلبي على مصراعيه ، لأصدّق كل وعود الحب ، وكل قصائد الشوق .

كنت صغيرةً بما يكفي لأبصر وجهاً واحداً لكل من عرفتْ ، لأرى لوناً واحداً لكل الكلام ، لأتعامى عن ما وراء الأكمة ، بل عن الأكمة ذاتها !
كنت صغيرةً بما يكفي لأنكر وجود المتغيّر ، لأتخيّل كل ماحولي ثوابت لها قيمةٌ لاتتبدل ..!
كنت صغيرةً بما يكفي لأرى القلوب البيضاء… لا سواها ، لأحسب الأفق بداية فرح ، ووعد سعادة .

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى أمي قويةً لاتنكسر ،
لأظن أبي أسطورة الرجال… !!
كانت قدماي ناعمتين ، وكنت أؤمن أنهما ستظلان كذلك ، مادام الطريق الموصل للحلم تزيّنه ألف غيمةٍ بيضاء…
كنت صغيرةً بما يكفي لأخلّد لحظات الجمال ، لأصدق خرافات الوفاء ، لأوقن أن السعادة هي مسك الختام ...
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المسافة بين الذكاء والسعادة هي أقرب من حبل الوريد ، وأنه ليس بيني وبين تلك المنعّمة إلا وثيقة التخرج وفرسخي فرحة .
كنت صغيرةً بما يكفي لأستقبل بكفيّ المطر ، أرقص تحته ، أحفر المجاري له في الأرض لتسيل معه أدران القلوب ، ولتغمز لي السماء بكل ألوان قزح ....
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المحن تصنع الرجال ، وأن الآلام تهذب النفوس ، وأن الصعاب تقويّ العود ، وأن نقشة الذهب الرائعة كانت بفعل الطرقات المتتالية عليه !

كنت صغيرةً بمايكفي لأصدق أن من أطال لحيته فهو آمن ، ومن قصّر ثوبه فهو آمن ، ومن تسوّك فهو آمن ، وأن وحدهم المخيفون هم المقبلون على الحياة !
كنت صغيرةً بما يكفي لأعتقد أن جارنا التركي هو من ذات قبيلتنا ، وأن أم سلمان الكشميرية هي جدة أخي الحقيقية ، وأن حنان إنما غسلت شعرها بالكلوركس ليصبح بهذا الشكل .
كنت صغيرةً بما يكفي لأدوّن في مذكرات الآخرين اسمي وتاريخ توقيعي ، لأتوهم أن الحنين عصيّ على الشيخوخة ، مستحيل الفناء .
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن الغربة وصفٌ حكر على المرتحلين خارج حدود الوطن ، لأردد : العين بعد فراقها الوطنا لاساكناً ألِفتْ ولا سكنا !




وكبرت….
كبرت لأدرك أن البقاء لصاحب الوجوه الكثيرة ، وأن الزوايا هي ملاذ أحاديي الوجه ، وأن الكلام يتعرّى كل نفاق ، فلا يتمنّع لمس الأصباغ !
كبرت لأدرك أن لاثوابت إلا في صدور الغرباء ، الناصبين خيامهم على حافة الموت ، وأن الكلّ متغيرات تحمل كل يوم اسماً وخانة !

كبرت لأفهم الخيبة في عينيّ والدتي ، حين كان يخيّرنا والدي نهاية الأسبوع بين دجاجة أو مثلجات ، فتختار بساطتنا المثلجات ، ليظل الأرز المسلوق هو زادنا طوال الأسبوع .
كبرت لأدرك أن حدود مملكة والدي الأسطورة كانت تنتهي عند عتبة بيتنا ، وأن مصنع المحن ينتج بضاعةً " مضروبة " ، وأن الآلام تشوّه الروح ، وأن الصعاب تكسر الظهر والعود !
كبرت لأكتشف أن الأقدار كانت خلفي تكتم ضحكةً ساخرة وهي تراني أسطّر توقيعي في " أوتجراف " الرفاق !

كبرت لأدرك أن الفقر سمةٌ وراثية ، وأن هويّة الفقير في عينيه ، وأن ذكاءه إنما لتجميل فقره ، وليس لتلويث باحات الأغنياء به ، وأن الفرسخين الفاصلين بيني وبين المنعّمة تكاثرا بفعل حرارة القهر وتعاظما أميالاً بطول الأرض ، وأن وثائق تخرجنا هي للصناديق المغلقة حين عجزت جدراننا المهترئة وقاماتنا الهزيلة عن حملها .

كبرت لأستمع لتاريخ جارنا التركي ، وأصوله البغيضة الحاقدة على العرب ، ولأكتشف أن أم سلمان ليست منّا ولا بنا ، وأنها إنما قطعت سُرة أخي ورعت والدتي في مرضها ، وأن شعر حنان ماهو إلا باروكة أخفت به عار مرضها !
كبرت لأكتشف أن للحى الطويلة استخدامات عدة ، تبدأ بتجارة المخدرات ، مروراً بتسهيل المعاملات ، ولا تنتهي عند مسح بلاط الولاة ، وأن جارنا الـ بدون لحية مات ساجدا في صلاة القيام ، وأن أم أحمد الفاسقة التي كانت تصافح أبو العبد حين تلقاه ، بكتها حجارة الحي قبل أطفاله عند رحيلها !

كبرت واخشوشنت قدماي الناعمتان ، ولم يعد يجدي معهما أي مرطب ، لقد كان الطريق شاقا وطويلا ، وكلي امتنان أني لم أفقدهما حتى الآن ،
كبرت وتغضّن قلبي الصغير وانكمش ، بات يلمح وجه السماء الباكي آن المطر ، ويرى لساناً هازئاَ يطل من ثنايا قوس قزح !
كبرت لأتحسس غربتي وضياعي بين وعود الوطن وجدب القلوب ، لأجدني أغمس روحي كل ليلة في زحامهم فلا أرجع إلا بخفيّ توهة !
كبرت وتفتّق عن حزني ألف طيف ، كلٌ في وادٍ من الخيبة يعمهون .

الخميس، 15 مايو 2014

مرحبًا بالفضاء الجديد..
 مرحبًا بجنوني القديم ..

مرحبًا بشهوة الثرثرة حتى غياب الحرف ،
 مرحبًا بالنزق يمزق ثوب السكون ،

مرحبًا بالسكون ينزوي خلف العيون ،

مرحبًا بجموحي عند استكانة الجموع ، بخنوعي  حين يقدم الآخرين ،

 بتناقضاتي ، بعواصف مزاجي ، بانتقائيتي ،

بي لاأشبه سواي ، وبغيري حين يسكنني ..

مرحبًا بكل مخاوفي… أعدائي ..أمانيّ القديمة ،

بالمرارة لم تزل عالقة ، بالحلم لم يزل بعيدًا ..

بالطفولة فاتتني … بالشباب مكر بي… بالشيخوخة لم تفارق قلبي !

مرحبًا هند..

مرحبًا ياكل أطيافي .