الأحد، 14 ديسمبر 2014

لقد كان يُلبسني فستاني ، ويُحكم غلق أزرار معطفي ، كي لايترك لقلبي منفذًا لخوض مغامرة حبٍ عشوائيةٍ مع غيره *
رينات فالونين *

وكأن رينات تغمزني ساخرة ، وهي تنطق كلماتها الآنفة ، ولسان حالها :أيّ حبيبٍ هو رجلك ؟!
ثم لا أملك إلا أن أطأطئ رأسي خجلاً ، وأنا أتساءل: كيف ألِحّ بطلب الحب ، وأنا أدرك أنه ليس فستانًا يستعارًا ، ولا رصيدًا زائدًا يُنفق منه !
ووالله ، لقد حدثني قلبي الذي لم أجرّب عليه كذبًا من قبل ، أنك سائرٌ بي في دروبٍ من العذاب ، والخيبات ، كيف لا ؛ وأنا التي أقسمتْ دنياها ألاّ تصافيها أبدا ،
مذ وعيتها ، لم تُسلِم لي شيئًا أحبه كما أحب ، وكل ماتعلّقتُ به ، يكون مني على بعد زفرتيّ صدر ، ودمعتيّ عين ، ولقد تحققتُ أن الدنيا ماكانت لتحرمَنِي مقبلةً ، ثم تعتذرُ منّي مدبرة ، ولو أنها منحتني إياك لغفرت لها كل ماسلف .

ياجاحدًا عطاياي ، يامنكرًا هداياي ، كيف لي أن أغريك بالولوج لعالمي ، وتذوّق أطايبه ، وإدمانه ،
كيف لي أن أحدِث زلزالاً في محيط هذا الكائن الساكن في صدرك الأيسر !
أنا التي تتحسس حبها في قلبك تحسس طفلٍ لنقوده التي خبّأها بين قلبه وجيبه !
لماذا أشعر بأنك تضع حبي في ميدالية مفاتيحك ، بينما أجد حبك قد نزل عميقًا في قلبي ، حتى باتت يدي لاتستطيع الوصول إليه !
وكأن ماناولتني إياه "تصبيرة حب" لاتقِم صلبًا ، ولاتورث اكتفاءً ، ولاتبلّغ غاية !
يازاهدًا في قلبي ، حين طمع الكل في ودّه ، يامدبِرًا ، حين أقبل الكل يطلبني ، قد كانت صدمتي بحجم الكون ، والفراغ المحيط به ، حين وجدتك بارد الإحساس تجاه هذا القلب الذائب في حضرة ذاتك ، وهاأنذا ، لا أملك من نفسي أبعد من حلم يقظة ، وأمنيةٍ مخبّأة ، وخيالٍ يمتطي غيمة !
لقد كنتَ ياسلوتي ، خاطرًا رائقًا... سيظل حبيس صدري ، وكنت وهجًا ساطعًا في سماء القلب ، ظهر أمامي في ليلةٍ ظلماء ، فأنار لي جنبات الوجود بمثل سورة الفرقان... ،ويكفيني الآن أن أغمض جفني الأحلام على هذا الطيف الجميل ،
لقد وقفتُ عليك ياهاجري حبي ، سواء أثمر أم أجدب ، يكفيني أنّي أسير في سمائه حافيةً من زيف الدنيا !

عواطف لم تغذ منها السنون
رجاءً.. ولا أنعشتْ مطمعا .
في فيلم The Vanishing لم يكن دافع " بارني" من وراء قتل " دايان " هو الثأر ، أو الحقد ، أو الاستمتاع بالقتل... أبدًا..
لقد ارتكب جريمته الوحشية بدفن " دايان" وهي حية فقط ليثبت لنفسه أنه قادر على القتل... فقط... تخيّل !
هكذا... وببساطة ، خطرت له هذه الفكرة حين وصفته ابنته بالبطل وبأنه ملاك ، كونه أنقذ ذلك الفتى من الغرق ، أخذ يتساءل في داخله : هل أنا فعلاً ملاك ؟! ... أنا الذي ألقيتُ نفسي دون تفكير أو تردد لإنقاذ شخصٍ غريب ، هل أقوى على القتل ، هل بإمكاني الإقدام على مثل هذا التحدي ؟!
وهكذا.... وبعد محاولاتٍ فاشلةٍ عديدة لاصطياد فريسةٍ مناسبة ، وقعت " دايان" في طريقه بمحض الصدفة... وكسب الرهان ! !


ربما ستُدهش ، أو يذهب قلبك حسرات حين تفكّر في كمّ العلاقات ، أو المناسبات ، أو الأمور التي حدثت لك ، والتي لم يكن داعيها أو الهدف من ورائها سوى أن أحدهم أراد إثبات أمرٍ ما لنفسه !

تصدّق عليك بابتسامة ، فقط ليثبت لنفسه أنه قادر على منحها لأعدائه..
تبسّط معك في الحديث ، ليبرهن لذاته أنه قادر على ضبط أعصابه مع غبيٍ بليد الحسِ كأنت !
تركك لتفوز عليه في لعبةٍ ما ، ليؤكد لنفسه كم هو نبيل ، يقدّم قطعة فرحٍ للبسطاء أمثالك !
انحنى لمساعدتك ، لاحبًا ولا كرامة ، بل ليقول لنفسه - وربما للآخرين - أنا فعلاً متواضع !
استمات في الدفاع عنك ، فقط لاستعراض بلاغته ، وفصاحته ، وقدراته الخطابية !
خاض حروبًا لأجلك ... ليتأكد من إقدامه ، وحسن تصرفه ، ويسجلها كدورةٍ تدريبية !!
غضّ الطرف عن عيبك ، ليختبر ذاكرته في إحصائها مع أخواتها غيبا !
أغواك... بل وشاركك المتع الرخيصة ، فقط ليدلّل على مدى براعته في التحكّم بعقلك ، والسيطرة عليك !
تركك في منتصف طريقٍ قادك إليه ، فقط ليثبت لذاته أنه قادر على لجم رغباته ، وامتلاك زمام نفسه !

السبت، 13 ديسمبر 2014

القلوب الظمأى ترى شَعْر الجفون شلالاتٍ باردة !
.
.
.
في صغري ، كنت أعشق الشوكولاته جدًا ، وأتناولها بنهمٍ شديد ، حدّ أن والدتي كانت تخبئها في دولاب ملابسها ، بعد أن أعيتْها كل الحيل في إخفائها عني،
طبعًا والدتي حفظها الله ، وغفر لها ، لم تحُلْ بيني وبينها حفاظًا على صحتي ، أو خوفًا عليّ من السمنة ، بل حفاظًا على التقاليد التعيسة ، المُتبعة في ذلك الوقت ، عند بعض الأهالي البائسين ، من أن إكرام الضيف مُقدّم على رفاهية الأبناء ، بل وعلى تلبية حاجاتهم الأساسية في بعض الأحيان ،
لذلك كانت الشوكولا ، كما الحلوى الفاخرة ، والعصير اللذيذ ، والروائح الجميلة ، والأثاث المميّز ، لاتظهر إلا للضيوف ، ولاينعم بها إلا الضيوف ، ولايمسّها إلا هؤلاء الأغراب !
حتى أننا ظللنا أنا وأخواتي نضع أحد ثيابنا على نافذة غرفتنا ، نحجب به ضوء الشمس ، لأن الأولوية كانت لتزيين غرف الضيوف بالستائر الفخمة ، والإكسسورات الثمينة !

المهم.... أن والدتي سامحها الله ، بعد أن تعبت من مطاردتي الدائمة لعلب الشوكولا ، وملاحقتي لها في كل مخبأ ، وتنقيبي الدؤوب عنها في كل ثغر ، وتفتيشي المستمر لها في كل زاوية ، حدّ أنني لُقّبت بـ " هولمز الشوكولاتة " ، ذلك أن حاسةً جديدةً نبتت في روحي ، كانت خاصةً بتتبّع الشوكولاته ، واقتفاء أثرها ، ورائحتها ، واستخراجها من سابع أرض !
أقول... إن والدتي اهتدت إلى حيلةٍ جهنميّةٍ ماكرةٍ ، تأمن بها على علبها مني مابقي من السنة ، فقد دعتني في أحد الأيام إلى غرفتها ، ثم قالت لي بصوتٍ واثقٍ متزن : اسمعي ياهند ، هذا العام ، إن حققتِ المركز الأول على مدرستكِ ، سأهديكِ هديّةً محببةً إلى قلبكِ ، سألتُها، وقد قطّبتُ جبيني : ماهذه الهدية ؟ ، أجابت بابتسامة السياسيّ المخادِع : علبة شوكولاتة كبيرة جدًا ياهند ، لكِ... لكِ وحدك ! فغرتُ فاهي مندهشة : لي وحدي ماما ؟
نعم ، لكِ وحدك... ، فقط ياصغيرتي حققي المركز الأول .
خرجتُ من الغرفة ، ولعابي يقطر على ملابسي ، وأنا أتخيلني أفترس كل تلك الشوكولاتة ، وألتهمها دون رحمةٍ ، أو هوادة ! ،
كانت والدتي تعلم يقينًا أنني سأحقق المركز الأول ، كما كل عام ، لكنها أرادت بعرضها ذاك ، أن تضع حدًا لغرامي ، ومعاناتها ، وهذا ماحدث بالفعل .

ما إن حلّت نهاية العام ، وظهرت النتائج المتوقعة ، حتى كانت والدتي تناولني ، وكما وعدت، علبةً كبيرةً من الشوكولا ، وسريعًا.... سريعًا ، كالنمر، الجائع، النهم ، كنت أصعد الدرجات ، لأستفرد بالعلبة وحدي فوق سطح المنزل ،
أخذتُ ألتهم الشوكولا قطعةً ، وراء قطعة، وراء قطعة، وراء قطعة ، حتى أتخِمت تمامًا ، وحين كان موعد الغداء ، لم أستطع تناوله ، أغمي عليّ لشدة الإرهاق ، والتخمة ،
وفي الليل... كنتُ أنظر لعلبة الشوكولا دون أي رغبة ، لكني لم أصدق إحساسي ذاك ، ولم أنقاد له ، أنكرته ، وبصلابةٍ رفضته ، تناولتُ قطعًا جديدة.... وفجأة..... تقيأت !

لقد نجحت خطة والدتي ، وكانت تلك، آخر قطعة شوكولاته تناولتها في حياتي !
لقد كرهت الشوكولاتة تمامًا ، كرهتها جدًا ، حدّ أني كلما رأيتها أقاوم رغبةً عارمةً في التقيؤ !


اليوم.... كم أتمنّى أن يسوق لي أحدهم قاطراتٍ ملأى بأحلامي ، كي أتقيّأها حلمًا ... حلما ، كي تهدأ جنباتي ، وتخلد إلى أرض السكينة ، كي تتوقف عن ملاحقة الجمال وتصيّده ، فترى القمر كوكبًا كسائر الكواكب ، والريح هواء ، وعيناكَ كما عيون البشر .

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

قرأت مرةً لأحدهم يتحدث عن جاره الفرنسي ، الذي دوماً مايبدأ صباحه بتحية الله : صباح الخير ياربي !

أذكر حينها أني ابتسمت ، وأنا أفكر في هذه الحركة الفطرية اللطيفة ، تحيّة مُرسَلة بكل بساطة... دون تعقيد أو تكلّف ، أو زخرفة أو تهيّب .... تحية مباشرة من القلب إلى الله !
بقدر ماتشير إلى استشعار قرب الله ، بقدر ماتحمل من حميميّة ، وحب ، وحاجة .

" صباح الخير ياربي " !
أكاد أقسم أنه مامن مسلم بدأ يومه بهذه التحيّة ، ولكي لا أُتهَم بالصوفية أو الزندقة ، سأتحدث عن نفسي ومجتمعي الذي عرّفنا بالله شديد العذاب ، ولم يذكر لنا الله الرؤوف الرحيم ، حدّثنا عن قسوة عقابه ، ولم يحدثنا عن لطفه ورحمته ، قصّ علينا جبروته وانتقامه ، ولم يذكّرنا بعفوه وحلمه !
نشأنا وذاكرتنا مكدّسة بصور الرصاص المُصبّ في أذان من يستمعون للأغاني ، والحديد المحمّى لأجل نظرةٍ إلى صورٍ عارية ، وطردٍ ، ولعنٍ ، ونبذٍ لأجل ارتداء بنطال ، أو عينٍ مكحّلة لمحها عابرُ ما !!
كبرنا ونحن لانعرف إلا الله المُهاب ، الله المُعاقِب ، الله المُدقق ، الله الذي سوف يحصي عليك أنفاسك ، ونظراتك ، وإيماءاتك ، وخلجات صدرك !!

حياتنا كانت أشبه بمعسكر اعتقال ، أشرف عليه مسؤولون نصّبوا أنفسهم جنودًا لله في أرضه ، وليتهم أخلصوا لله... ليتهم أحبوا الله ، لو أنهم كانوا كذلك لمازرعوا كل هذا الخوف في قلوبنا من الله ، لما احتكروا طريقًا واحدًا مرعبًا كي يصِلونا به !
لما أسهبوا في الحديث عن عذاب القبر ، ومرّوا مرور الكرام على قول نبي الرحمة لمعاذ ابن جبل : حق العباد على الله أن لا يعذب من لايشرك به شيئا ! لما سوّدوا الصفحات الطوال بلعن الأشيمط الزان ، والواصلة ، والمنمّصة ، وأوجزوا عند الكلام عن الحديث القدسي : من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعا ، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت إليه باعا ، ومن جاءني يمشي أتيته هرولة !
لما أصمّوا آذاننا ، وهزّوا أفئدتنا رعبًا بحديث " أكثر أهل النار النساء " ، واختصروا قول سيد الخلق " ماأكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم " و " حُبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء " !
لما ملأوا الدنيا تخويفًا وتهويلاً عن المسبل ، المنّان ، المدخن ، الشارب.... وتهامسوا على مضض بقول خير البشر : لمّا قضى الله الخلق كتب كتابًا ، فهو عنده فوق عرشه :إن رحمتي سبقت غضبي !
لو أنهم عرفوا الله حقًا لعرفوا أن الخير لايُعدَم من ربٍ يضحك *
.
.
.
.
.
صباح الخير ياربي.... مساء الخير ياربي ،
أحبك ياالله... أحبك بطريقتي ، أحبك بعيدًا عن تجهمهم وعقدهم ، أحبك وأعلم أنك تحبني... لقد عرّفتني إليك بأحب الطرق إليك... طريق الإسلام،
لو أنك لم تحبني لما ارشدتني إلى هذا الطريق ، لما جعلتني من ساكني أحب المدن إليك ، لما منحتني كل هذه النعم ، لماوهبتني هذا القلب المتقد بالعاطفة ، هاتان العينان الملتقِطتان لكل جمال ، هذه الأنامل التي تخط رسالة الحب لك ، هذه الذاكرة التي تحصي نعمك ، هذا اليقين الذي يستشعر الخير في قضائك وقدرك ، هذا الشوق للقياك ، هذا الحب لرسلك... لصحبهم ، لكل من سار على دربهم... للناس أجمعين كونهم خلقك ، وصنيعة يدك التي أحبها ...
أحب يدك ، ضحكتك ، عفوك ، رحمتك ، حكمتك... أحبك ياالله كما أعرف ، وكما أريد... بعيدًا عن خططهم ، وقوالبهم ، وتعاليمهم ..
لقد ضللوني طويلاً يا الله... توّهوني في دروبٍ شائكةٍ مظلمة ، أخافوني منك حد الرعب ، حذّروني من غضبك حد الفزع ، قصّوا عليّ مايريدون ، وحجبوا عني ماأريد وماتريد..

لكني أفقت.. التقطت إشاراتك ياحبيبي ، اهتديت إليك بفضلك ، عرفتك من محبتك التي قادتني إليك ،
أعلم يقينًا اليوم أنك تحبني... تحبني لأنك اخترتني ، أضأتَ لي بنور حبك ذاك الطريق الذي أطفأوا قناديله في وجهي .


.
.
.
.
.
. ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن أبي رزين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره قال : قلت يارسول الله أو يضحك الرب ؟ قال : نعم ، قلت : لن نعدم من ربٍ يضحك خيرا .

الأربعاء، 8 أكتوبر 2014

وقد كان لي قلبٌ دائم الخفقان ، كثير الهذيان ، ممتليءٌ صخبًا وصهيلا... يقطع نهاره ركضًا وراء غيم الأماني ، حتى إذا ماأعياه اللحاق بها وجد في أحلام النوم ملاذا ، فتوسّد الغيم منتشيًا.. مؤمنًا بوعد الغد.


قد كان لي قلبٌ يجهد في تخليد الضحكة ، وتأريخ البسمة ، وتوثيق الفرح ، ويتجاهل كسلًا أو عمدا تدوين الصدّ والخيبة ، وتسجيل الحسد والأنانية ، كثير الصحب... رفقته بلا عدد ، وأصدقاؤه تجاوزوا أصابع اليدين.. وعدّاد أعدائه لم يسجّل سوى الصفر !!

قد كان لي قلبٌ عظيم النهم ، دائم الطلب ، طويل الجوع ، لسان حاله : هل من مزيد ؟
مزيد صخب... مزيد حب... مزيد لعب !
مفتونٌ في قواه ، مخدوعٌ في قدراته ، متوهّمُ الخلود !

قد كان لي قلبٌ موفور العافية ، متجدد النشاط ، مُشرق المحيّا... لم يعِبْ يومًا قوته ، ولم يتذمّر أبدًا من فراشه .

قد كان لي قلبٌ شغوفٌ بالألوان ، تزهر الشمس في أرجائه ، ويستكين القمر في حناياه....
كان لعوبًا... لايتمنّع اللمس ، ولايرفض الغزل ، ولايصدّ أصابع الندى !
يشرب الكلام دفعةً واحدة ، ويلتهم الثناء دون تفحّص .

قد كان لي قلبٌ واثق الخطى ، عظيم الجرأة ، سريع الإقدام... نابذٌ للتردد ، مغرمٌ بالنضال !
كان يقلّد الأوسمة كل ليلة لبطلٍ من الأبطال !
كان يؤمن... كان يهتف... كان ينكر كل أحاديث الغدر والخيانة... كان يعدّها وهمًا وخرافة !

قد كان لي قلبٌ يغتسل مع كل فجر ، يجدد التحايا للكون ، يزرع في حضن السماء ألف ابتسامة ،
يأخذ زينته عند كل أمل ، ويدسّ في كفّ الريح شيئًا من صموده ،
كان يمنح بذور أرضه لكل عابر ، ويقسم أن المقايضة هي محصولٌ ثريٌ من وفاء !

قد كان لي قلبٌ يجيد الغناء... يجيد الحديث... يثرثر دون توقف ، يصغي بانتباه ، ويغدق العطاء ،
كان يعشق السهر ، ويكره ترصّد الساعة ، يتأفف من القيد ، ويبغض الثياب الغليظة ،
كان دافئًا... متوهجًا... يضيق ذرعًا بالألبسة !

قد كان لي قلبٌ يعزف ألحانًا عذبة ، يعلو صوته طربًا ، لايخشى تقريعًا ولا لوما...
كان يعبث... كان يسخر... كان يأوي إلى ركنٍ شديد .



واليوم....
اليوم لي قلبٌ أكبر... أكبر... قلبٌ موغلٌ في الكبر ،
بلغ من العمر أرذله ، ومن الضعف منتهاه ، ومن الخيبة أبعد مماتخيّله !
غدرتْ أحلامُه به... جاعتْ فالتهمتْ لسانه...
منذ زمنٍ بعيد لم أسمع له صوتا ، حتى أوشكتُ على نسيانه ، وحين تأتأ أنكرتُه وأوصدتُ بابًا بيني وبينه .

كنتُ أصغِي في بعض الليالي لنحيبه ، يقرع أسنانه حسرةً وندما ...
استيقظتْ ذاكرتُه ذات صفعة ، فبات يعيد بكرة الشريط ليلة بعد ليلة.. كان يتساءل كيف لم ينتبه لعفونة قوتِه وقذارة لحافه ، كان يصرخ أين أصابعي ال كانت بعدد صحبي !
هجرته الشمس حين عاب عدل شعاعها ، حين انتقد موفور عطائها لمن لايستحق ،
أنكره القمر حين رآه يتعاطى عقاقير الصمت ويهشم المرآيا .

تدثّر القلب الصاخب بأسمال الزهد ، لاحبًا ورغبة ، بل هي مرارة الحاجة !
اكتفى بكسرة قناعة وأثرةٍ من سلام ، بات يؤي إلى أطراف الحكايا... ينسج النهايات لأصحابها ، يقسم لهم بحق حمقه وغفلته أن ماقصّه عليهم سيحدث ، فيديرون له ظهورهم ليغتال الظل جرأة نبضه !


بعيدًا مرتابا كالركن الذي اختاره ، سيحيا هذا القلب مابقي له عُمْر ، لا لحنٌ يغريه ، ولاغمزةٌ تحرك ساكن قاعه..
عبثًا... يطلب الدفء... ينفخ في أطرافه ، فيشتعل النور من ندوبه ، يقتله الخزي... ولكن لا مناص... قد خُطّ في اللوح مآله !

ومضةٌ كانت حفلة التجارب ...
ثمل فيها وترنّح ، غابت عن الوعي كل حواسه ، وحين أفاق لم يجد في كفه إلا فاتورةً باهضة... سلبته رصيد ضحكاته ، وودائع آماله ومقتنيات شغفه !
خرج من حفلته برفقة أطياف لاتنعق إلا تأنيبا ، وكأس ندمٍ لاينضب ، وعينٌ تبصر مالا يود إبصاره ، ترى النهايات فتُحجِم ، وتعرف المذاق فتتمنّع ، وتحزر المفاجأة فتفسدها !

عينٌ تبصر المدى... تستحثه الصبر على طول المسير ، وقلة الزاد... وانعدام الرفيق .

الاثنين، 22 سبتمبر 2014

يصِحّ اليوم في المصريين قول إبراهيم ناجي :
كان صرحًا من خيالٍ فـ هوى !

والصرح هنا ليس فقط جيش مصر العزززيم ، الذي أبانت الأيام ، وتقلّبات الأمور والأحوال ، أنّ حاله كبقية الجيوش العربية العميلة ، جيوش احتلالٍ وذل ، جيوش عارٍ وقمع ..
وإنما الصرح الذي هوى في أفئدة المصريين ووجدانهم هي مصر … بجلالة قدرها وعظم شأوها !!

مصر أم الدنيا... مصر النيل... مصر الأهرامات... مصر الفراعنة والحضارات !
مصر التي لم يكن أيّ عربيّ ليجرؤ على انتقادها أو المسّ بذاتها القدسيّة أمام أيّ مصري ، هي اليوم في مرمى نبال المصريين أنفسهم !!


وإذا استثنينا حزب السيسي من الراقصات والقوّادين ، والعاهرات والداعرين ، وماسحي الجوخ ، عديمي الكرامة ، ومفتقدي الهويّة والأصل… الخ من العملاء والخونة واللصوص…
إذا استثنينا هذه الفئة الجرثومية ، فإن بقيّة المصريين سواء منهم من كان ضد الإخوان أو من هو معهم ، لسان حاله : مصر إيه اللي انت جاي تقول عليها ؟!

والأمر ليس مجرد حالات شاذة تبرز من آنٍ لآخر ، أو بين مجموعةٍ وأخرى ..أبداً ،
إن المتتبّع للشأن المصري ، والراصد للتحوّلات الاجتماعية فيه ، ليلمس هذه الظاهرة بوضوح ، حتى وإن طغى الكبرياء سويعات على هذه النفوس الممتلئة قهراً وغيظاً وذلا .

أتصفّح جدار المصريين ، أتابع تغريداتهم وتعليقاتهم ، فلا أجد بُدّاً من الاعتراف بمدى خيبتهم وتعاظم غربتهم… وكيف لا وأن تقرأ :
مصر مجرد صفيحة… بلد زبالة… اللهم اجعل سكني فيها شفيعاً لي يوم ألقاك…. مصر اللي توهتنا… بلد ماشفناش خيرها أبدا… فين ماتمشي إحباط…. اطلع من هنا عشان تحس بآدميتك…. بلد تدمّر كل حاجة جميله فيك… اللهم أخرجنا منها عاجلاً غير آجل… دي زبالة مش دولة…!!!


ماالذي حدث ؟!
ماالذي جعل المصري يشعر بهذه الغربة العظيمة بين حنايا " أمه " ؟!!


يبدو محالاً أن تجيب إجابة وافية على هذا السؤال دون أن تتوصّل لحقيقة أن الانقلاب الذي قام به "العرص" ، ليس مجرد انقلاب عادي كغيره من الانقلابات العسكرية التي سبقته والتي ربما ستخلفه ،
سمعنا بالكثير من الانقلابات العسكرية في عدة دول ، سمعنا بتصفية الحسابات ، وبالتخلّص "الضروري" من بعض رموز المعارضة ، سمعنا بالسجن… وبـ سنّ قوانين جديدة ، وإلغاء أخرى ، وبحالات الطواريء التي لاغنى عنها في مرحلة آنيّة من الفوضى…
سمعنا عن كل ذلك ..
لكن أبداً لم نسمع ولم يحدث أن انقلاباً قسّم شعب بلاده إلى شعبين متنافرين ، بكل هذه الضراوة والظلم الشنيعيْن !

شعب له كامل الحقوق ، وشعب يُداس بالأحذية ، شعب يُصان وشعب يُلطم وتُنتف شعيرات وجهه !
شعب يُحترَم ، وآخر تُغتَصب فتياته ، شعب يُخلّى بينه وبين القصور ، وشعب يُغيّب في ظلمات السجون !
شعب تُنصب له المنابر ، وآخر يُلجم بالرصاص والقنابل ، شعب تُعزف له الأغاني ، وآخر تُحفر له المقابر !
شعب تُفسح له الميادين ، وآخر تُكتم أنفاسه في عربيات الترحيل !!


ثم ماذا بعد.. ؟!
أيّ حضنٍ هو حضنك ياأماه ؟!
وأيّ برٍ أبقاه الذل في قلبي ؟!

عن أيّ وفاءٍ تسألين يامصر ؟
وأين وجه الوطن في ثنايا هذا القهر ؟!

هل يظلّ الوطن وطناً حين يحكمه الأعداء ؟

هل لزاماً عليّ أن أبقى وفيّاً لبقعة تراب ولِدتُ فوقها دون اختيار ، أُلَقّن فيها دروس الولاء ، حتى إذا ماأبصرتُ السماء ، وتعلّمت روحي حروف النداء ، وتاقت فطرتي للحرية والكرامة ، أُعيدَتْ هامتي للتراب مجددا !!!

الجمعة، 18 يوليو 2014

أثناء الحروب الصليبية وبينما كان الرجال في الحقول ، دخلت إحدى فرق الغزاة قريةً من القرى فنهبوا الأموال واغتصبوا النساء .
وبعد رحيل الغزاة جلست النسوة يشكين لبعضهن
ما أحدثه الغزاة بهن من المهانة والعار اللذان لايستطعن معه مواجهة أزواجهن ....وفجأة…

سألت إحداهن : أين أم حسن ؟ ، وكانت غير حاضرة
ففكرن أنه لربما أصابها أحد الجنود أو قتلها ..قامت النسوة من فورهن وذهبن لدار أم حسن… وكم كانت دهشتهن عظيمة حين وجدهن تجرّ جثة الجندي الذي حاول الاعتداء عليها..
كن يقفن بالباب مأخوذات بما يشاهدنه حين سألنها :كيف قتلتِه ؟!..كيف تمكنّتِ من ذلك.. وأنّى لكِ بتلك القوة والسطوة ؟!!
وفيما كانت أم حسن تجاهد لإخراج الجثة من بيتها ،أجابتهن : وهل كنتنّ تنتظرن أن أُفرّط في عرضي قبل أن أموت !

خيمّ الصمت على الحضور.. ووسط نظراتٍ خفيّة
خرجت النسوة من دار أم حسن وهنّ خزايا مطأطأتٍ رؤوسهنّ ....
لكن خروجهن أعقبه اجتماعٌ سريّ ، ناقشن فيه مصيرهن… وماالذي يمكن أن يحلّ بهن آن إدراك أزواجهن بحقيقة تفريطهن بعرضهن في الوقت الذي قاتلت فيه أم حسن بشراسة للحيلولة دون ذلك..
ثم.. اتّفقن على حيلةٍ خبيثةٍ شيطانية ..

لقد رجعن الى دار أم حسن ، وباغتنها بهجمةٍ جماعية وقتلنها .

ماتت…ماتت أم حسن… ماتت الحرة الشريفة بأيدي الجبن والخسة ..
قتلوها حتى لا تفضحهنّ أمام أزواجهن ..
قتلوا الشرف .. من أجل أن يحيا العار ..


هو ذا بالضبط ما تفعله الدول العربية اليوم مع غزة الحبيبة ..
إن صمود غزة يذكرهم بخستهم وخيانتهم ..لذا وجب وأد غزة وإخراسها للأبد .!!

السبت، 7 يونيو 2014

ياخفقتي العائدة من زمن التيه…
ياوجودي الـ غاب في عتمة الخيبات ، ياسرّي الأجمل كم أخفتك متاهة الغابات… !
يادفئاً… ياحبًا… يالذة ..
اجْتاحَني كما لم تفعل أعتى الأعاصير ،
احْتلَنِي.. وكُن عنصريّا ..
لاحاجة لي بكل من وما سبق ،
من تجاوزك ياسيدي يستحق الإعدام ،
كل بصمة شوّهت صفاء قلبي أزِلها ، كل ذكرى لم تُؤرخّك اقتلعها ، كل قصة لم تُورِدك احْرقها ..
سَجلّنِي باسمك.. وثقّني بك.. انسبني إليك… خذني مني ولاتُعِدني .


يارجائي الطويل على نصل الصبر ، ياوقوفي على حافة المدى ، ياترقّبي عند كل غروب ، وتوثّبي مع إشراقة فجرٍ جديد..
يا انتظاراً ما مللته..
ياقرباً ماعِفته..
ياشغفًا أضناني طلبه..
بعمر الأرض اشتقتك ، وبكل أساطير البشر سأحبك ، وبكل الوهج الساكن في أعماقي سأذوب فيك ..
أشربُك ولا أكتفي ..أكتبك ولا أرتوي ..أقرأك وازداد هيامًا بك .

امنحني فقط يا الله عمرًا إضافيًا ، فالسنون القادمة لاتكفي ..
امنحني حتى ينضب كل هذا الغرام ..
ألف سنة.. ألفين.. ربما خمسين ألف عام ..
أخجلُ يا الله أن أقابلك وفي داخلي كل هذا العشق لسواك .


ياتسبيحة الشوق في حنايا معبدي ..
ياتراتيل الوجد في محراب قلبي ..
ياعقيدة الحب في أسمى إخلاصها ،
ياعروة قلبي ونبض إيمانه..
ياسكينتي وجنوني ، يارجاحتي وتخبّطي ، ياهدوئي وصخبي..
لقّني حروف الحياة ، علمني أبجديات المعرفة ،
فكل لغتي سخرّتها لحبك ، كل مخزوني استنفدته للظفر بك ..استهلكتُني للوصول إليك ، استعرضتُ مواهبي لأنال إعجابك ، قطعتُ سماوات عريضة لأجلب عنوانك ، زهدتُ في كل القلوب المعروضة ، في كل الأكف الممدودة وصُمتُ لأجلك .
واليوم… على شاطيء مملكتك أنا ضعيفة ياسيدي ،
ناولني مايقيم صلبي كي أحبك أكثر.. وأقوى.. وأطول
أريد أن أحبك جدًا… جدا ، لا أريد توفير شيء من عاطفتي للغد… فقد لا يأتي الغد .


سأحبك اليوم بكل ما أعرف ، بكامل مسئوليتي ، وبكل قواي الجنونية .
سأحبك بطول صيامي ، وعرض خيباتي ، وعمق الجفاف الذي اغتال زهرة أيامي ..
سأحبك بسخاء الشمس في أرضي ، بغنى قلب أمي ، بغزارة المطر في غابةٍ استوائية .
سأحبك بدهشة طفل يتذوّق المثلجات للمرة الأولى ،
سأحبك بكثافة القهر في أوطاننا ، بحجم الحنين في قلوب المغتربين ، بعظيم الحزن في الفقد ،
بقوة إيمان تقيّ ، بزهد أسامة ، بصدق التوكل في عينيّ طالباني ،
سأحبك… بقدر توقنا للحرية .

وإن صحوت في اليوم التالي ووجدتُ الحب قد نضب في داخلي فلن أحزن…
هاأنذا أؤرّخ لذتي وغرامي .

الخميس، 29 مايو 2014

وحين يُطِل الكون كل يوم يسخر سائلاً :
أيها البشر ..ما جديدكم ؟ ماذا تحْمِلون لهذا اليوم ؟
تجيبه ألسنة الضوء :
يحملون ألف وجه ، ونصف قلب…
يحملون ألف رغبة ويسير عطاء…
يحملون ألف نظرة تخترق الروح إيلامًا ولاتدعو بشفاء…
يحملون ملء الأكف نقدًا /تقريعاً يصبّونه دون حياء..
يحملون همس الخفاء لايفوح طيباً ولاينبت في القلب الوفاء…
يحملون حشمة النفاق ، تذوب خلفك كذوبان الدجال أمام المسيح ..
يحملون ألسنة تتلوّى كحبل المسد ..
وآذانا وقَرا عن كل حسنة .

الأربعاء، 28 مايو 2014

قديمًا قال المتنبي :
رماني الدهر بالأرزاء حتى… فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ… تكسّرت النصالُ على النصالِ..

والحق أني طالما دهشت بهذا التحوّر الصمودي لدى صديقي المتنبي ، الذي ينمّ عن شجاعةٍ وقدرةٍ رائعة على استيعاب صروف الدهر ومواجهتها بلسانٍ ساخرٍ ساخط !
وكم تمنيت لو أني امتلكتُ مثل هذه التقنيات الدفاعية ، والوسائل التمويهية ، وطرائق المراوغة والالتفات ، إذن لجنّبتُ نفسي هذا الوقوف الأبله أمام أنياب الدهر بلسانٍ لايكاد يبــين ، وقلبٍ شبه متوقف ، وتأملٍ لايسمن ولايغني من جوع !

كل هذا النزق الذي يسكنني يدل دلالةً أكيدة على أنني لم أستوعب دروس الدهر ...
كل هذا الصمت الغبي يخبرني قبل الجميع أنني لا أملك أجوبةً لجحافل الأسئلة الــ تجتاحني !

عيناي المحدقتان باتساعٍ نحو البشر لاتبصران سوى الفراغ…
وفمي المغلق على أطول لسان امتلأ ماءً وعلقما !
وكل الصخب الذي عانق يديّ قديمًا خُفِّض لأدنى مستوياته ، واقتصر على التلويح !
كل الحكاية اختُزِلت في التلويح وداعًا !!
ولو أنني أبصرت منذ البدء مآل الأمور لرفعت راية التلويح شعارًا ، لوضعت لافتًة على قلبي الصغير الأهبل : لاتطل المكوث لضعف المناعة !!

لقد أصاب قلبي العطب.. تمامًا كما قلب المتنبي ، بيد أن المتنبي قد جيّر الأمر لصالحه ، وبنى من السهام درعًا واقيًا ، في حين أني اكتفيت بتلقي الضربات ،والاحتفاظ بهذه الملامح المشدوهة والنظرات المؤنِّبة في انتظار أن يعتذر الدهر أو أن يأبه البشر !!

كان لابد من السقوط في قاع الندم ، في ظلمة الوحدة ، في وحشة الخذلان ، حيث لادفء ولا نديم ، حيث الحقيقة المطلقة تبزغ مع الحبال الممدودة التي ترفعك لتبيعك بثمنٍ بخس !
حيث الابتسامة دافع ، و " كيف الحال " استراتيجية ، و "صباح الخير " تمهيد ، واللقاء مشروع فراق !!


لم يكن ألمي لأجل هذا الكمّ الهائل من الزيف ، ولا بسبب كل الطعون التي تلقيّتها ، رغم أنها أوجعتني حقا..
لكن ألمي العظيم الذي لازال يدمي قلبي هو لأجل العمر المسروق ، تلك السنوات التي رزحت تحت نير الخديعة واحتلال النفاق…
سنونٌ طوال قُيّدت بسلاسل الغفلة ، لم ينفع معها نداء ابن الرومي : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ؟!
أيامٌ ثمينة ماكان ينبغي لها أن تضيع في أروقة المظاهر الفارغة ..
أحاسيس صادقة ما كان يليق بها أن تُصرَف في بالوعة الابتذال الرخيص..
قلبٌ نقيٌ جريء ماكان له أن يحلّق في سماءٍ ملوثةٍ بعوادم الظنون وروائح الجبن ..
أن يُجلِس رئة أحلامه بين مخالب الحسد ، وأكف التقريع ، وسهام التحطيم..

كان حريّ بتلك الأيام أن تسيح في ملكوت الحرية ، عارية عن الصحبة الزائفة.. عن الخطى المرسومة.. عن النصائح المسيّسة... عن وهم الإخلاص ، وأضحوكة الوفاء !

لو أني فعلت… لو أني أبصرت ،
ماكنتُ اليوم أجترّ الـ آه تلو الـ آه ،أنفثها في وجه أيامٍ جُلّ ذنبها أنها من نصيب بلهاء لم تمعن النظر !
ماكنت أجلس على تلة خيباتٍ أشرف بها على العالم فيتبدّى واضحاً مكشوفًا لأدرك عظم غفلتي !
ماكنت لأقبع في سجن الندم ، أهدي الآخرين خطة الهروب !
ماكنت لأصبح جسر العبور ، وكبش الفداء ، وعبرة المعتبِر !

آخر ماتمنيته أن تُعرَض حياتي كدرسٍ مستفاد !

أن تُختَزل كل مواجعي في نصيحةٍ يقطفها الآخرون ويمضون…. لأرقبهم يسيرون في الطريق الذي لم أبصر !
أن أُختَصَر في موعظةٍ يُؤنّب بها المذنب ، ويلام بها الغافل !
أن أغدو الصليب الذي احتمل آلام البشر ليهتدوا ، أن أكون صف التترّس الذي ينقذ الآخرون !
أن أستقبل وجه المدفع ليحيا من بَعدي !

والحق أني كنت لأقدّم مثل هذه التضحيات بنفسٍ راضية لو أن الأمر حدث برغبتي… باختياري… بكامل حكمتي وتفكيري ..
لكن أن أؤخذ على حين غرة !!
أن يدفعني غبائي وغدر الآخرين لمنصة الإعدام دون وعيٍ مني !
أن أتوهم التصفيق تمجيدًا في حين أنه تحية وداع !!

كل ذلك يشعرني بالمرارة ، ويغوص بي في وحل الخزي والعار .


وتكتمل تعاستي حين ألمح في الأفق ذلك العمر المسروق ، يتراءى كأغنيةٍ قديمة أبدًا لا أملّ الحنين لها ، كذكرى نازفة تبعث الشجن ،
وحين أطلبه السماح ينشد اللحاق بي ، لكني لا أملك خيار الانتظار ، ولا أبتسم لرؤيته… لقد تسرّبت من روحي ذاكرة البهجة ، وذوى قلبي في حزنٍ أبديّ ،
ذابلٌ من ملوحة الدمع ، متغضّنٌ من جفاف الفرح ، هرته الخيبة نضجًا فاستوى على " جودي " الوحشة !

وحشة ابتلعت ثرثرتي القديمة ، وابتسامتي المجانيَة ، وإقبالي الأجوف ، لأتوارى في زاوية الريبة أُقدّم -كما ابن الرومي - رِجلاً وأؤخر أخرى . *




ـــــــــــــــــــــــــــــ……..
* يقول ابن الرومي :
فقدّمتُ رِجلاً رغبةً في رغيبة
وأخّرتُ أخرى رهبةً للمعاطب .

الجمعة، 16 مايو 2014


من معيري سمعه ، أسكب في سمعه أنّات قلبي المجهدِ…

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى العالم لوحة جمال !
كنت صغيرةً بمايكفي لألهث مع سباق الأيام بقلبٍ غض لايتوقف عن الخفقان ..
لأصغي لصوت الأمل الـ يحتل قلبي يستحثني التحليق في فضاء سرابه ..
كنت صغيرةً بما يكفي لأشفق على الجميع ، لأفتح قلبي على مصراعيه ، لأصدّق كل وعود الحب ، وكل قصائد الشوق .

كنت صغيرةً بما يكفي لأبصر وجهاً واحداً لكل من عرفتْ ، لأرى لوناً واحداً لكل الكلام ، لأتعامى عن ما وراء الأكمة ، بل عن الأكمة ذاتها !
كنت صغيرةً بما يكفي لأنكر وجود المتغيّر ، لأتخيّل كل ماحولي ثوابت لها قيمةٌ لاتتبدل ..!
كنت صغيرةً بما يكفي لأرى القلوب البيضاء… لا سواها ، لأحسب الأفق بداية فرح ، ووعد سعادة .

كنت صغيرةً بما يكفي لأرى أمي قويةً لاتنكسر ،
لأظن أبي أسطورة الرجال… !!
كانت قدماي ناعمتين ، وكنت أؤمن أنهما ستظلان كذلك ، مادام الطريق الموصل للحلم تزيّنه ألف غيمةٍ بيضاء…
كنت صغيرةً بما يكفي لأخلّد لحظات الجمال ، لأصدق خرافات الوفاء ، لأوقن أن السعادة هي مسك الختام ...
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المسافة بين الذكاء والسعادة هي أقرب من حبل الوريد ، وأنه ليس بيني وبين تلك المنعّمة إلا وثيقة التخرج وفرسخي فرحة .
كنت صغيرةً بما يكفي لأستقبل بكفيّ المطر ، أرقص تحته ، أحفر المجاري له في الأرض لتسيل معه أدران القلوب ، ولتغمز لي السماء بكل ألوان قزح ....
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن المحن تصنع الرجال ، وأن الآلام تهذب النفوس ، وأن الصعاب تقويّ العود ، وأن نقشة الذهب الرائعة كانت بفعل الطرقات المتتالية عليه !

كنت صغيرةً بمايكفي لأصدق أن من أطال لحيته فهو آمن ، ومن قصّر ثوبه فهو آمن ، ومن تسوّك فهو آمن ، وأن وحدهم المخيفون هم المقبلون على الحياة !
كنت صغيرةً بما يكفي لأعتقد أن جارنا التركي هو من ذات قبيلتنا ، وأن أم سلمان الكشميرية هي جدة أخي الحقيقية ، وأن حنان إنما غسلت شعرها بالكلوركس ليصبح بهذا الشكل .
كنت صغيرةً بما يكفي لأدوّن في مذكرات الآخرين اسمي وتاريخ توقيعي ، لأتوهم أن الحنين عصيّ على الشيخوخة ، مستحيل الفناء .
كنت صغيرةً بما يكفي لأصدق أن الغربة وصفٌ حكر على المرتحلين خارج حدود الوطن ، لأردد : العين بعد فراقها الوطنا لاساكناً ألِفتْ ولا سكنا !




وكبرت….
كبرت لأدرك أن البقاء لصاحب الوجوه الكثيرة ، وأن الزوايا هي ملاذ أحاديي الوجه ، وأن الكلام يتعرّى كل نفاق ، فلا يتمنّع لمس الأصباغ !
كبرت لأدرك أن لاثوابت إلا في صدور الغرباء ، الناصبين خيامهم على حافة الموت ، وأن الكلّ متغيرات تحمل كل يوم اسماً وخانة !

كبرت لأفهم الخيبة في عينيّ والدتي ، حين كان يخيّرنا والدي نهاية الأسبوع بين دجاجة أو مثلجات ، فتختار بساطتنا المثلجات ، ليظل الأرز المسلوق هو زادنا طوال الأسبوع .
كبرت لأدرك أن حدود مملكة والدي الأسطورة كانت تنتهي عند عتبة بيتنا ، وأن مصنع المحن ينتج بضاعةً " مضروبة " ، وأن الآلام تشوّه الروح ، وأن الصعاب تكسر الظهر والعود !
كبرت لأكتشف أن الأقدار كانت خلفي تكتم ضحكةً ساخرة وهي تراني أسطّر توقيعي في " أوتجراف " الرفاق !

كبرت لأدرك أن الفقر سمةٌ وراثية ، وأن هويّة الفقير في عينيه ، وأن ذكاءه إنما لتجميل فقره ، وليس لتلويث باحات الأغنياء به ، وأن الفرسخين الفاصلين بيني وبين المنعّمة تكاثرا بفعل حرارة القهر وتعاظما أميالاً بطول الأرض ، وأن وثائق تخرجنا هي للصناديق المغلقة حين عجزت جدراننا المهترئة وقاماتنا الهزيلة عن حملها .

كبرت لأستمع لتاريخ جارنا التركي ، وأصوله البغيضة الحاقدة على العرب ، ولأكتشف أن أم سلمان ليست منّا ولا بنا ، وأنها إنما قطعت سُرة أخي ورعت والدتي في مرضها ، وأن شعر حنان ماهو إلا باروكة أخفت به عار مرضها !
كبرت لأكتشف أن للحى الطويلة استخدامات عدة ، تبدأ بتجارة المخدرات ، مروراً بتسهيل المعاملات ، ولا تنتهي عند مسح بلاط الولاة ، وأن جارنا الـ بدون لحية مات ساجدا في صلاة القيام ، وأن أم أحمد الفاسقة التي كانت تصافح أبو العبد حين تلقاه ، بكتها حجارة الحي قبل أطفاله عند رحيلها !

كبرت واخشوشنت قدماي الناعمتان ، ولم يعد يجدي معهما أي مرطب ، لقد كان الطريق شاقا وطويلا ، وكلي امتنان أني لم أفقدهما حتى الآن ،
كبرت وتغضّن قلبي الصغير وانكمش ، بات يلمح وجه السماء الباكي آن المطر ، ويرى لساناً هازئاَ يطل من ثنايا قوس قزح !
كبرت لأتحسس غربتي وضياعي بين وعود الوطن وجدب القلوب ، لأجدني أغمس روحي كل ليلة في زحامهم فلا أرجع إلا بخفيّ توهة !
كبرت وتفتّق عن حزني ألف طيف ، كلٌ في وادٍ من الخيبة يعمهون .

الخميس، 15 مايو 2014

مرحبًا بالفضاء الجديد..
 مرحبًا بجنوني القديم ..

مرحبًا بشهوة الثرثرة حتى غياب الحرف ،
 مرحبًا بالنزق يمزق ثوب السكون ،

مرحبًا بالسكون ينزوي خلف العيون ،

مرحبًا بجموحي عند استكانة الجموع ، بخنوعي  حين يقدم الآخرين ،

 بتناقضاتي ، بعواصف مزاجي ، بانتقائيتي ،

بي لاأشبه سواي ، وبغيري حين يسكنني ..

مرحبًا بكل مخاوفي… أعدائي ..أمانيّ القديمة ،

بالمرارة لم تزل عالقة ، بالحلم لم يزل بعيدًا ..

بالطفولة فاتتني … بالشباب مكر بي… بالشيخوخة لم تفارق قلبي !

مرحبًا هند..

مرحبًا ياكل أطيافي .